الفصل 17 | من 21 فصل

رواية وصية واجبة التنفيذ الفصل السابع عشر 17 - بقلم فدوى خالد

المشاهدات
26
كلمة
2,667
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

صفعة جديدة تناولتها دون رحمة، وكأن القدر يريد فتح دفاتر الماضي من جديد. تتوالى الصدمات ولا أحد يتأثر سواها. أتقص صفحات الماضي من جديد؟ أفتح ما حاولت قفله؟ لا تستطيع تبرير عاقبة ذاك الأمر، وكذلك شتات الماضي المتناثر. تهرب منه ولكنه يترواح في المجيء.

نظرت لمروان بصدمة وعبراتها تنهمر بدون وعي، وبدأت الذكريات في العودة وبدأت تلك الدفاتر تُفتح من جديد. ترتعش يداها وهي تنظر له، وكذلك قدماها ولا تستطيع الحركة. وضعت يداها على أذنيها وهي تصرخ ولا تود التحدث. باتت تلك الذكريات تلاحق عقلها. تسارعت الكلمات داخلها وهي تخرج بدون وعي: "لا... لا متقتلوهوش، سيبه ومش عايزة يحصله حاجة، لا... لا متعملش كده، سيبه يعيش."

علامات الاستفهام تحوم داخل عقله، وبعض الأمور لا تبدو واضحة. اقترب منها وهو يحاوطها بيده ويحاول تهدئتها. بس فترة تهدئتها ولكن الصمت مرسوم على ملامحها، وحالة الجمود على وجهها. عبرات تهبط وبدون دراية. مسح عبراتها بأنامله بحنان وأردف وهو يبتسم لها: "هدّيتي." حركت رأسها بهدوء وهي الآن في حالة أشبه بالصدمة. نظرت له وعيناها متعلقة به قائلة: "مش عايز تعرف إيه اللي حصل؟ شعلة الفضول تغمر عيناه ونطق بهدوء:

"بصراحة آه، بس لو مش حاجة خلاص عشان متتعبيش." اعتدلت في جلستها وهي تنظر له وتحاول كتم انهيارها أمامه. جمعت ذلك الحديث وتحدثت وهي تحاول إخراج صوتها الذي ظهر وكأنه مجروح: "هحكيلك كل حاجة، خلاص لازم تعرف." نظر لها بإنصات فتحدثت هي قائلة:

"من ٦ سنين، كنت أنا وبابا خارجين، وبعدين حسينا إن فيه عربية قدامنا وعربية ورانا. اتجاهلنا الموضوع ده، بس لقينا العربيتين. واحدة وقفت قدامنا والتانية واقفة ورانا. نظر اتنين منها وكتفونا واحنا بنحاول نفك منهم ومش عارفين. وودونا في منطقة مقطوعة ونزلنا وكنا متكتفين على الأرض... صمتت قليلاً وعاودت البكاء مرة أخرى. ولكن هذه المرة شد من احتضنها وهو يردد بحنان: "هش...

أهدي. في الوقت اللي هتعوزي تكملي فيه أنا موجود ومعاكي، يمكن متععيطيش." مسحت دموعها بشجاعة وأكملت بهدوء: "كان رابطنا ولابس حاجة على وشه، مشفتهوش خالص، مفيش حتى علامة تميزه. قال لبابا يطلق ماما وده الشرط بتاعه عشان يسيبنا. وهدد بابا بيا وبأخواتي. بابا رفض وخلّاه مُصر على قراره. بس لقيت الشخص ده اتعصب جامد، وطلع المسدس وهيقتله. أترجيته...

بس هو كان رافض. ولما بابا قال كلمته النهائية وإنه مش هيطلقها، ضربه بالنار. ضربه بالنار قدامي ومقدرتش أعمل حاجة. ك... كنت، عاجزة." لوهلة تبدلت ملامحه للصدمة وهو لا يعلم ماذا يفعل. حسم أمره بأن يهدأ قليلاً ويحاول تهدئتها قليلاً. بعد قليل... شعر بانتظام أنفاسها، فتأكد أنها نائمة بالفعل. حملها وتوجه بها إلى سريرها، وخرج من تلك الغرفة وهو شارد يجمع أفكاره. أيعقل أن ما قالته صحيح؟ أم أنها تظن شيئاً آخر؟

يبدو أن بعض النقاط مخفية لا تود الإفصاح عنها، وكذلك تلك الخيوط الدفينة التي ظلت عائقاً دائماً. ولكن هل يود القدر أن يفصح عن هوية شخص جديد؟ أم أن ذاك الشخص مستكين معهم؟ قادته قدماه حيث مكان زوجة عمه. طرق الباب وعلى حين ما استمع بأنها تسمح له بالدخول دخل وهو يبتسم بهدوء. تغيرت ملامحها للاستغراب الشديد ولا تعرف ماذا يفعل هنا؟ ليس من عادته القدوم. تقدم منها وجلس على الكرسي المقابل للسرير وهو يبتسم قائلاً:

"عارف إنك مستغربة إني جيت، وكمان عايزة تسألي أنا جيت ليه! واضحة في عينك." حركت رأسها بهدوء فأكمل هو حديثه: "عمي محمد، مات في حادثة إزاي؟! ويا ريت تجاوبيني بكل صراحة." تبدلت ملامحها في لمح البصر، وتجمعت تلك العبرات في مقلتيها، وهي لا تدري ماذا تقول؟! استجمعت شجاعتها قائلة: "أنا هقولك على كل حاجة عايز تعرفها." *** في بيت خالتها... تجلس بكبرياء على خلاف عاداتها، تشعر بأن ألم الفراق ينهش قلبها، لكن...

الكبرياء هو الأهم. أردفت خالتها بهدوء لتزيل حالة التوتر تلك: "بقولك يا نسمة، ده حسام ابني جاي الن... لم تكمل الجملة حين قطعتها نسمة قائلة بصرامة: "خالتو، أنا جاية لحضرتك مش جاية لحسام، وكنت عايزة أنتِ وماما في موضوع، يا ريت بقى تسمعوني كويس." أنصتت لها خالتها، وأمها رغم استغرابها الشديد من عدم التلميح لها بالحديث، فأكملت هي:

"بصوا أنا قولت أقولكم إنتوا الاتنين مع بعض. أنا هشتغل في أمريكا، جالي عقد عمل هناك حلو، وعايزة كمان أعمل الماجستير والدكتوراه هناك." طالعتها والدتها بصدمة قائلة بحدة: "لا يعني لا." تنهدت بملل وهي تحاول كتم أعصابها: "ماما، بالله عليكي عايزة أسافر." "مين عايز يسافر؟ أردف بتلك الجملة حسام من خلفها. دقات قلبها بدأت تعلو، ولكن العقل الذي غلب هذه المرة. التفتت له قائلة بهدوء: "أنا عايزة أسافر ومش راضين يسفروني."

انكمشت ملامحه للاستغراب قائلاً: "تسافري؟ وأنتِ لوحدك؟ خالتو عندها حق." نظرت له ببرود قائلة: "إن شاء الله هسافر يوم الخميس، يعني بعد يومين، وآسفة مش هكمل هنا في مصر. أنا هكمل بره." ضحك حسام وهو يقول: "إيه يا دكتورة، عايزة تسافري أمريكا وتتغري علينا؟ خلاص يا خالتو سيبيها تعتمد على نفسها." أردفت والدتها وملامح الحزن محتلة تقسيمات وجهها: "هتسيبيني يا نسمة، وهتسافري بعيد عني؟ ليه كده يا بنتي؟ ليه عايزة توجعي قلبي؟

احتضنتها بحنان قائلة: "مش هبعد عنك متخافيش. أنا هقعد فترة هناك أعمل الماجستير والدكتوراه وأيجي هنا مصر." وأكملت بمزاح: "وبعدين يا أنا قاعدة على قلبك، ومربعة كمان. والنت ما شاء الله مقرب المسافات ومقرب كل حاجة. كل عشر دقايق هتصل عليكي وأكلمك، متزعليش بقى يا ست ماما." رسمت والدتها شبح الابتسامة وهي تعلم بأن ابنتها ما هي إلا مجروحة مما حدث. تنهدت وهي تحاول الإصغاء لأمرها، وفي النهاية وافقت. ***

يريد أن يكفر عن ذنبه ولكن لا يدري كيف؟ كيف يسامحه البشر على ما ارتكبه؟

في البداية ظهر ليأخذ كل أموال العائلة، واستغل خديجة كواحدة من الناس الأغنياء، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. وقع أسير في حبها، حاول التخلص من ذاك الحب ولكن بدون فائدة. كان يظن أنه يعشق صفية، وكأنها تلك الجوهرة المستكينة في قلبه، ولكن الحقيقة عكس ذلك تماماً، أنه يعشق خديجة ولا يعشق سواها. في البداية حسم أمره بأن يحب صفية، وهو السبب في مقتل زوجها، ولكن ذاك الزمن قد تغير كثيراً.

ليردد تلك الكلمات التي كانت بمثابة قوى الإفاقة لديه. هبط إلى الأسفل وجد ليلى وسارة وملك يتسامرون كالعادة. نظر مطولاً لليلى وسارة، وشعور التأنيب يظهر على عاتقه وكأن الحزن لم يكن إلا له. ابتسم بسخرية على ما فعل. هو الآن يجلس وسط عائلة متدمرة بسببه. آفاق على صوت ملك القائل بحماسة: "إيه يا مصطفى، مش هتخرجنا ولا إيه؟ عايزين نعمل فرح للواد ابنك، عايزة أخلص." ضحك على ما قالت، فابتسمت هي وأكملت:

"أهو جه أهو، يلا ربنا يجمع جوزينا في الحلال، وأخد الأوضة أكيد يعني." أردفت الجملة الأخيرة بهمس لنفسها، فسارع هو بالتحدث بملل: "مش هتاخدي الأوضة؛ عشان ببساطة مش همشي وهخليني فوق دماغك." أنهى تلك الجملة بابتسامة استفزاز. فسارعت هي التحدث: "يا عم هطلعك منها، عشان بصراحة أوضتي صغيرة، وأنا عايزة أوضة براحة كده." نظر لها بملل كالعادة، فاستمعت هي لرنين الهاتف، أمسكت هاتفها بصدمة قائلة: "إيه ده، التليفون بيرن."

نظر الجميع لها بصدمة تلك المجنونة، بينما هي انتفضت من مكانها بفرحة وهي تخرج للخارج. فتحت الهاتف لتتحدث مع ذاك، ولكنها استمعت لصوت غريب قائلاً بخبث: "متعرفيش إن ممكن أبوكِ يكون هو القاتل لخالك؟ لو مش مصدقة ممكن تروحي تشوفي كده الفيديو اللي في المكتب."

قُطع الخط وتبدلت ملامحها في ثواني، انطفئت بين ثانية وأخرى. نظر لها أحمد بصدمة من تغيرها الواضح، بينما هي وقع الهاتف من يدها ولم تستطع التحمل أكثر من تلك الصدمة، فاستسلمت للظلام الحالك. *** جلست أمامه وهي تحدثه بهدوء قائلة:

"لليوم ده بالذات، كان فيه إحساس غريب، حاسة إن قلبي وجعني. لقيت محمد بيقول إنه هيروح الشركة زي كل يوم، والمرّة دي العربية بتاعة ريم كانت عطلانة، اضطرت تروح معاه، وغير كده معرفش. ريم طول الوقت ساكتة، والكل بيقول حادثة، وإنه مكنتش فاهمة حاجة. لقيت مدحت جاي وبكل بجاحة بيقولي إنه اللي قتله وإني ملكه. اللحظة دي كانت صدمة بالنسبة ليا، غير ريم اللي معرفش إيه اللي حصلها. كانت شقية جدًا أكتر من ملك وليلى، وبتحب الهزار بشكل كبير، وفي الوقت ده حاولنا إننا نطلع من الحال ده، وخديجة جت نقلت جنبنا عشان كده العلاقة بينا كويسة. بس للأسف مش عارفين ناخد حقه، ولا أقدر أقول كلمة، ولا حتى قدرت أرجع ريم. مقدرتش أعمل حاجة في حياتي، وده كله عشان نصيب مليش فيه."

أنهت جملتها وهي تبكي ولا تستطيع التوقف عن البكاء. أردف مروان بهدوء: "الحذر لا يمنع القدر. ده قدر وكان مكتوب ولازم نكون مؤمنين بده كويس. اللي حصل ملكيش ذنب فيه، بس لازم نلاقي دليل ووعدك مش هخلي حاجة تمس ريم، وهعرف أقبض على مدحت، أوعدك." خرج من الغرفة وهو يفكر الآن في ماذا سيفعل؟

هبط للأسفل في وقت سقوط ملك. تقدم الجميع منها وهم يحاولون إفاقتها. بعد العديد من المحاولات أفاقت وهي تشعر بأنها ليست بخير. نظرت لوالدها بحزن وهي لا تصدق عقلها على ما يُقال.

أسندتها هند وهي تتوجه بها إلى غرفتها. حاول الجميع اللحاق بها، ولكنها رفضت إلا هند. أدخلتها هند إلى غرفتها ومن ثم فاض بها الأمر. لم تحتمل أكثر من ذاك. جلست على السرير وهي تبكي بحرقة تحت عيون هند المستغربة. باتت تلك المشاعر غير المرضية تتسلل إلى قلبها. اقتربت هند منها بهدوء وهي تمسح دموعها قائلة: "مالك يا ملك؟ نظرت لها وهي لا تعلم ماذا تفعل؟ أتخبرها بتلك الحقيقة، أم تكتم داخلها؟

تلك الأمور باتت ولا تزال غير واضحة. تحاول الإيضاح لعقلها بأن ذاك باطل، وأنه ليس من الممكن فعل ذلك. يبدو أن بعض الحقائق مخفية. احتضنتها هند وهي تحاول أن تهدئها، حتى هدأت قليلاً، ولكن استمعت لرنين هاتفها، ولكن هذه المرة أغلقتـه. *** يشعر بأن الدنيا ليست لها قيمة بدونها، وأن ما يتمناه لا يمكن أن يحدث. لا يعلم ماذا يفعل حيال ذلك الأمر. نفض كل تلك الأفكار من عقله رغم ذاك الصراع المستمر دائماً، وأمسك هاتفه

بكل برود وهو يهاتف أحدهم: "عايز رقم ملك العمري في نص ساعة." أغلق الهاتف، وهو يخرج إلى الخارج. اعترض طريقه والده قائلاً: "رايح فين؟ نظر في ساعته ببرود وخرج دون أن يجيب. ثواني وتوجه إلى سيارته بسرعة وبسرعة البرق ذهب للطريق المطلوب. هبط من سيارته وقابل أحدهما، أعطاه أوراقاً خاصة. نظر له بهدوء ومن ثم عاود إلى المنزل. التقط هاتفه وبدأ يتصل عليها ولكن دون نتيجة.

بينما هي كانت تستمع لصوت رنين الهاتف وتشعر بالخوف الشديد. لحين سئمت من ذلك، فتحت الهاتف وهي تتحدث بغضب: "أقسم بالله لو مبطلتش اتصالات، لأكون قاتلك. كل اللي بتقوله كذب ومليش حاجة حصلت، مقتلتش حاجة أنتَ كذاب، بابا مقتلش." نظر أمامه بصدمة، وهو لا يعرف ماذا يفعل؟ صارت تلك الفتاة مثلهم، وهي كانت تتقن ذاك الدور ببراعة. أيعقل أن ذاك وهم من صنعها. ***

صرخات مداوية في القصر احتلت مسامعهم. صعد مروان بسرعة إلى غرفة ريم، فلم يكن ذاك إلا صوتها. نظر لها ببرهة بصدمة، وتلك الدماء التي حولها. بينما نظرت هند لها واختل توازنها و...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...