اتسعت عيناه بشدة وهو يشاهد الفيديو، وأخيرًا فهم لماذا هربت زوجته وتركت له البيت. أخذ يعيده أكثر من مرة، لم يكن يتفرج على الفيديو لأنه يتذكر اليوم ذلك وحافظ ما حدث فيه، بل كان يرى شكلها والصدمة التي في عينيها وهي واقفة تضع يدها على فمها وتهز رأسها بالرفض لكل ما تسمعه. رجع بأفكاره لليوم ذلك وللموقف الذي حدث في مكتبه، وأخذ يتذكر كل كلمة قيلت. كان قاعدًا بضيق شديد وهو يستمع لحازم الذي كان متعصبًا بشدة ويقول:
"هو أنت بجد فاكر إني هعدي اللي سمعته ده؟ يعني تضحك عليا وتستغفلني ومتوقع مني أعديها زي كل مرة؟ سليم تنهد وقال: "أنا لحد دلوقت ما قدرتش أفهم إيه اللي مضايقك، ولا أنا ضحكت عليك في إيه." حازم قال بعصبية: "ضحكت عليا في إيه؟ قول إيه اللي ما ضحكتش عليا فيه! أنت مش لسه من أسبوع واحد جيت لي البيت بنفسك وساومتني وقلت لي إنك هتطلق مراتك وتتجوز بنتي، وفي المقابل هرجع لك كل الأسهم بتاعة الشركة وأتنازل عن الإدارة."
سليم قال ببرود: "حصل، وأنا لسه عند كلامي." حازم قال بدهشة: "نعم؟ عند كلامك إزاي؟ أنت فاكرني نايم على وداني؟ أنا عرفت إن مراتك لسه أول امبارح راجعة من عند الدكتور وحامل كمان، قول ما حصلش." سليم ضحك وقال: "ده أنت متابعني أول بأول بقى. على العموم هاكدب ليه؟ حصل، بس إيه دخل ده بقى بموضوعنا؟ حازم قال بغيظ: "أنت عايز تجنني! ملوش دخل إزاي؟ طالما مراتك حامل هتطلقها إزاي ولا أنت بتنيمني؟ سليم تنهد وقال:
"شوف يا حازم بيه، أنا هتكلم معاك بكل صراحة ومتأكد إنك هتفهمني كويس. أنا شاب في أول عمري وأكيد في حاجات بتعجبني وبتلفت نظري، ومشاعر حاجة من الحاجات دي. بنت جميلة ونغشة وعنيدة عجبتني واستفزتني وما قبلتش ترافقني زي غيرها، فما كانش قدامي سكة ليها غير الجواز عشان تبقى تحت إيدي وأطولها. وطبعًا ده مش هيأثر على حياتي في حاجة. في الأول وفي الآخر دي مجرد خدامة عندنا وبنت السواق بتاعنا، يعني لا تليق بيا ولا تليق بمقامي ولا ينفع أقدمها للمجتمع اللي أنا عايش فيه. وكنت ناوي آخد معاها فترة أنبسط كده وأشوف واحدة من مستوايا، بس للأسف كلفتتني وطلعت حامل من أول ثلاث شهور. أنا ذنبي إيه في اللي حصل ده؟
حازم قال بغضب: "وأنا، أنا ذنبي إيه بنتي تتجوز واحد متجوز ومراته حامل؟ سليم قال بسرعة: "بس أنا وغادة مش هنتجوز دلوقتي. مش أنت بنفسك قلت لما تخلص جامعتها؟ وهي لسه فاضل لها سنة ونص حتى تخلص، تكون مشاعر ولدت من زمان. وأنا كل اللي عايزه منها ابني، لأني أكيد مش هسيب ابني لحد، خصوصًا لما تكون واحدة زي مشاعر هتربيه في الفقر. فهمتني كده؟
يعني أنا اللي ناوي عليه آخذ الطفل وأديها القرشين اللي يلزموها وتشوف حالها وأشوف حالي، وبعد كده الخيار يبقى في إيد غادة. لو حبت تربي الطفل معايا أهلًا وسهلًا، لو لا مش حابة أنا هجيب له دادة، المهم ابني يبقى قدام عيني." حازم هدأ شوية وقال: "أنت قصدك إيه؟ هتحرم مراتك من ابنها؟ هتاخده منها؟ سليم قال بسرعة وتأكيد:
"طبعًا هاخده منها، ده ابني، ابن سليم النمر، ولازم يتربى في المستوى اللي أنا عايش فيه، وهي عمرها ما هتشوفه تاني." وكمّل بتهديد وقال: "أنا عارف كويس إزاي أخليها تنساه وكأنها ما جابتهوش، ده لو عايزة تكمل حياتها وتعيش بهدوء." حازم ضحك بشر وقال: "وأنت هتقول لها الكلام ده؟ سليم ابتسم وقال: "ليه هو أنا عبيط عشان أقول لها الكلام ده؟
طبعًا لا. لو عرفت بالكلام ده دلوقتي قبل ما الولد يبقى في إيدي مش هعرف أسيطر عليها ولا آخده منها. هي دلوقتي عايشة في مية البطيخ وفاكرة إني بحبها وبموت فيها. وللأمانة والصراحة هي تتحب بس كعشيقة مش أكتر من كده." حازم قال: "طب ولو عرفت بخطتك دي قبل ما تولد هتعمل إيه؟ سليم قال:
"أنا عامل حسابي لكل حاجة. ولو عرفت هتيجي تواجهني فورًا، ووقتها هتبقى اختصرت عليا الطريق. هجهز لها أوضة وأحبسها فيها لحد ما تولد وآخد الولد. في جميع الأحوال كل اللي عايزه منها هو ابني وبس. ما تقلقش أنا حاسبها كويس، اللي زي مشاعر دي ما تقدرش تواجهني ولا تقف قصادي في محاكم ولا تطلب طلاق حتى. أفرمها وهي عارفة كده كويس." حازم وقف وقفل بدلته وقال:
"أنت كده وضحت لي الأمور. وعلى فكرة غادة لسه ما تعرفش باتفاقنا ولا تعرف إنك هتتجوزها، بس أنا متأكد إن الخبر ده أكتر خبر في الدنيا ممكن يفرحها. أنت عارف هي بتحبك قد إيه. كده على اتفاقنا أول ما مراتك تولد وترمي عليها يمين الطلاق هترجع لك شركتك وهنحدد الفرح." سليم سلّم عليه وقال: "وأنا مستني اليوم ده بفارغ الصبر."
سليم كان تايه في شروده يتذكر كل كلمة قالها، وعقله مش قادر يستوعب ولا يتخيل أبدًا إنها سمعت كل الكلام القذر ده. فاق من شروده على صوت غادة بتقول: "سليم إيه كل ده؟ مش قلت لك إني عايزة أتكلم معاكم؟ سليم بلع ريقه بالعافية والدموع تلمع في عيونه وقال: "مشاعر... مشاعر فين؟ غادة قالت بضيق: "جوه هتكون فين؟ على فكرة عمالة تستعجلني علشان عايزة تطلع تنيم ابنها. لو سمحت تيجي خلينا نتكلم ونخلص."
سليم وضع التليفون في جيبه ودخل معها وهو يشعر أنه أول مرة سيشاهد مشاعر بعد فترة طويلة. يشعر بكسوف شديد كلما يتذكر الذي سمعته منه، ويشعر بتوتر لأن كلامه كان مقنعًا ومخيفًا ويعطيها ألف عذر لأنها لم تواجهه. دماغه كانت ستنفجر من التفكير والضياع وخائف من اللحظة التي ستأتي عيونه على عيونها. غادة قالت بسرعة: "أهو سليم جه وهنتكلم أخيرًا." سليم نظر لمشاعر بأسف ووجع، نظرات غير مفهومة وتعب واضح.
مشاعر نظرت له باستغراب من نظراته لها، والأغرب أنه تقدم وجلس بجانبها على الكنبة التي هي جالسة عليها وهي كانت متوقعة أن يجلس بجانب غادة. غادة تضايقت بس حاولت ألا تبين وقالت: "كده أقدر أتكلم." مشاعر قالت بخنقة: "يا ريت، يا ريت نخلص." غادة قالت بضيق: "على فكرة أنا كمان ورايا ألف حاجة مش أنتِ لوحدك اللي مشغولة يعني." مشاعر قالت بسرعة:
"بس أنا مش معطلاكي، تقدري تروحي للألف حاجة بتوعك. أنا مش هاممني أي حاجة من اللي هتقوليها ولا عندي فضول أعرفها، بس أنتِ اللي معطلاني." غادة نفخت بخنقة وقالت: "يا رب صبرني بس." سليم قال بسرعة: "في إيه يا غادة؟ أنا قلت لك قبل كده ما تدخليش مشاعر في أي حوار بيني وبينك. أنا شايف إن ما فيش أي حاجة تتقال." مشاعر قالت بسرعة:
"صح ده كلام ناس عاقلين، أنا فعلًا ما ليش دخل بينكم. قال يا داخل بين البصلة وقشرتها ما ينوبك إلا ريحتها." سليم نظر لها بدهشة وغادة قالت بذهول: "بصلة؟ أنا بصلة؟ مشاعر لسه هترد، أدهم قال بسرعة وضيق: "أنتِ مكبرة الموضوع ليه يا غادة؟ أنتِ ممكن تكوني قشرتها وسليم البصلة عادي." سليم وغادة نظرا له بغيظ وهدى قالت بسرعة: "أدهم ملناش دعوة إحنا."
أدهم سكت وفضل قاعد بضيق ومستني الجلسة دي تخلص بفارغ الصبر لأنه حابب يتكلم مع سليم ويراضيه. سليم كمان كان عايز يخلص لأنه ضروري يتكلم مع مشاعر، قال بسرعة: "غادة لو سمحت، سيبك من الكلام ده كله وقولي أنتِ عايزة إيه؟ غادة لسه هتتكلم، أدهم جاه تليفون وكان من لبنى قال بذهول: "يا خبر ده أنا نسيت خالص، إزاي عملت كده؟ هدى قالت باستغراب: "خير يا أدهم في حاجة ولا إيه؟ أدهم قال بتوتر: "ده... ده ميعاد مهم تبع الشغل ونسيته خالص."
هدى لسه هترد سبقها سليم وقال بجمود: "روح ميعادك وتعالى بسرعة عشان عايزك في موضوع مهم." الكل تفاجأ أن سليم كلمه بعد اللي حصل وأدهم قال باستغراب: "عايزني أنا؟ أنا ممكن أجل الميعاد يعني أو... سليم قال: "لا روح، كده كده إحنا لسه شكلنا مطولين." أدهم هز رأسه بالموافقة ومشى بس مشاعر راحت وراه بسرعة وقفته وقالت: "أدهم." أدهم نظر لها باستغراب وقال: "خير يا مشاعر." مشاعر قالت بحرج شديد:
"أنا آسفة جدًا جدًا إني ورطتك كده مع أخوك وبوظت علاقتكم. صدقني ما كانش قصدي. كنت لوحدي ومش معايا فلوس وكان لازم أروح المستشفى. ما عرفتش أعمل إيه. لو كان على نفسي كنت استحملت لو هموت، لكن خفت على ابني اللي في بطني. وفكرت أكلم خالد بس أنت عارف ظروفه المادية ما كانش هيقدر و... أدهم قاطعها وقال بسرعة: "أنتِ بتقولي إيه؟ عيب عليكي الكلام ده. أنا إيه وخالد إيه أصلًا؟
أنا مبسوط إنك كلمتيني وآسف لو اتصرفت غلط معاكي أو مع سليم. كان بحسن نية والله." مشاعر ابتسمت وقالت: "أنا حاسه بالذنب لأني السبب في زعله منك." أدهم ابتسم وقال: "سليم عمره ما يزعل مني. ما تقلقيش أنا هراضيه ما تشيليش أي هم. وإوعي أسمع منك الكلام ده تاني. في أي وقت تحتاجي حد جنبك كلميني من غير أي تردد." مشاعر ابتسمت بامتنان ولسه هتشكره، غادة قالت بضيق: "مشاعر هانم، هو أنا هفضل هنا لبكرة؟ مشاعر تنهدت بخنقة وقالت:
"شكرًا يا أدهم، يلا روح مشوارك وأنا هروح أشوف البصلة، قصدي هشوفها عايزة إيه." أدهم ضحك ومشى ومشائر رجعت قعدت معاهم. غادة بدأت فورًا وقالت: "أنا عايزة أقول حاجة تشهدوا كلكم عليها." والتفتت لمشاعر وقالت:
"شوفي يا مشاعر أنا ما عنديش أي عداوة معاكي. أنا لما عرفت إن سليم طلبني للجواز كنتي أنتِ سيبتي البيت، وهو نفسه قال لي إنه بعد اللي عملتيه مش هيرجع لك. يعني أنا ما عنديش أي مشكلة معاكي ولا عايزة أزعلك ولا أزعل أي حد مني. أنا مش زي ما أنتِ شايفاني أبدًا، والموقف اللي عملتيه معايا لما جيت أشوف الأوضة ضايقني جدًا لأن أنا ما ليش ذنب في اللي حصل بينكم. ودلوقتي أنا مراعية الطفل اللي على إيدك ده علشان كده جيت أتكلم معاكي قبل ما أتكلم مع سليم. لو أنتِ عندك نية ترجعي لسليم ومش حابة إنه هيبقى عنده زوجة تانية قولي لي دلوقت وأنا هنسحب فورًا. أنا كنت قادرة أقول الكلام ده لسليم بس أنا مش عايزة أسمع منه هو، مش عايزاه يكذب عليا أنا عايزة أسمع منك أنتِ."
مشاعر ابتسمت بسخرية وقالت: "عايزة تسمعي؟ طيب اسمعي. أي واحدة داخلة بين راجل ومراته لسه ما انفصلوش تبقى بترخص نفسها. ليه بقى بترخص نفسها؟
لأن في أزواج بتوصل لحد المأذون علشان تطلق وبيرجعوا لبعض تاني ده أولًا. ثانيًا بقى ما فيش حاجة اسمها تسألي واحدة إذا كانت مش حابة إن جوزها يبقى عنده زوجة تانية لأن أنتِ نفسك أكيد مش حابة إن سليم يكون عنده زوجة تانية. الجواز مرتين أو ثلاثة ده شيء ربنا حلله وأي حاجة ربنا حللها ما أقدرش أتكلم فيها، بس ربنا قال إن خفتم ألا تعدلوا فواحدة. وحبيبك ده ما يعرفش عن العدل أي حاجة."
سليم نظر لها بدهشة وهي كملت كلامها لغادة عادي جدًا وقالت:
"أنتِ بنت ما شاء الله جميلة ومثقفة ولسه صغيرة جدًا والصراحة أنا مش شايفة أي داعي يخليكي تعملي في نفسك كده. الحب اللي يذل صاحبه ما يبقاش حب يبقى إهانة. يعني أنتِ كنتي ممكن تستني عادي جدًا لحد ما يتم الطلاق وتبقى بعد كده تشوفي حياتك معاه. ثالث حاجة بقى بالنسبة إنك بتسأليني أنا هكمل معاه أو لا وأنا لسه حباه أو لا، أحب أطمنك أنا ما بقاش عندي أي نية أفضل معاه. أنا موجودة هنا غصب عني ولو أنا زيك عندي أب واقف في ظهري وفلوس وقوة كنت بهدلته في المحاكم وقدرت آخد ابني من عينيه وما كنتش استحملت أقعد في الذل والقرف ده."
لكن أنا هربت قبل كده من البيت؛ لأني لو قررت أرفع عليه قضية مش هطول أي حاجة... طبعًا؛ لأنه هو سليم النمس، إنما أنا طلعت ولا نزلت بنت السواق... إنما أنتِ تقدري تعملي كتير، بس الظاهر إنك بتحبي الإهانة. سليم لمعت عيونه بالدموع لما قالت كده، وحس بضعفها اللي هو سببه. ومشاعر وقفت ولسه هتمشي، غادة شدتها من يدها وقالت بغضب: أنا لسه بتكلم معاكي على فكرة... أنا احترمتك وجيت أتكلم معاكي، وأنتِ لثاني مرة تهينيني وتقللي مني. مشاعر
دفعت يدها وقالت بغضب: يدك يا ماما لتروحي من غيرها... أنا اللي عندي قلته، ومش حابة أقول زيادة ولا أسمع زيادة... عن إذنكم هنيم ابني. غادة حست إن كل اللي قالته معاها حق فيه، وحست بإهانة شديدة، وده زود غضبها بشدة وقالت بانفعال: معاكي حق، مفيش داعي للكلام... ومن الأول أصلًا ما كانش في داعي، أنا الغلطانة اللي نزلت بمستوايا واتنازلت وجيت أتكلم مع واحدة زيك، راحت ولا جات من الخدم. هنا سليم وقف وقال بغضب: غادة!
غادة اتفزعت من صوته ولسه هتتكلم، مشاعر رجعت وقفت قدامها وفاجأت الكل لما ضربتها قلم قوي جدًا وقالت بغضب شديد: مش أنا قلت لك بتحبي الإهانة... علشان كده مش عايزة تمشي من غير ما تتهاني. غادة بصت لسليم وقالت بذهول وهي حاطة يدها على خدها: شفت مراتك عملت إيه... أنت هتفضل ساكت؟ سليم انصدم باللي عملته مشاعر، وكان في موقف لا يحسد عليه أبدًا، بس اتنهد وقال: ما كانش ينفع تقولي اللي قلتيه.
الاثنين انصدموا؛ لأن مشاعر اتوقعت إنه هيبهدلها؛ لأنها عملت كده، وغادة بصت له بذهول وقالت: هو ده اللي طلع معاك... عارفة مراتك معاها حق... أنت ما تستاهلش أكون مراتك. قالت كده وأخذت شنطتها وطلعت جري. والكل استغرب موقف سليم، واستغربوا أكثر إنه ما راحش وراها يراضيها زي كل مرة. مشاعر بصت له شوية باستغراب، وأخذت ابنها وطلعت على أوضتها. سليم اتنهد بتعب وتوتر من كل اللي حصل، ولسه هيطلع ورا مشاعر،
نادر وقفه بسرعة وقال: سليم أنا عايزك. سليم قال بخنقة من غير ما يبص له: وقت تاني. ولسه هيطلع على السلم، أبوه قال بسرعة ودموع: أدهم حكى لي أنت زعلان مني ليه. سليم اتسعت عينيه بذهول، والتفت له بسرعة وصدمة و...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!