مش هترجعي لابنك غير لما أعرف هربتي من البيت ليه. كل ما تتكلمي أسرع هترجعي لابنك أسرع، اخلصي اتكلمي عشان أنا جبت آخري منك. مشاعر قالت بغضب: تعرف أنا اللي غلطانة لأني فكرت إن عندك دم ومجروح من اللي حصل وجيت وراك. اتفضل رجعني وبلاش لعب عيال. سليم قرب منها وقال: الظاهر إنك مش سامعة الكلام اللي بقوله، أو لسه مش مستوعبة. مش هنمشي من هنا غير لما تتكلمي، وانتهى. مشاعر بصت له بدهشة وقالت: هو ده مش هزار يعني؟
سليم بلاش استهبال، الولد لوحده في البيت. سليم قعد عند الشجرة وسند ضهره عليها وغمض عيونه وقال بهدوء: النهاردة بالذات ما عنديش أي طاقة أرغي معاكي. هتيجي تقعدي جنبي هنا وتتكلمي هنمشي، مش هتتكلمي أدينا قاعدين، الجو جميل. مشاعر قلقت جدًا واتيقنت إنها وقعت في مصيدته وإنه قصد يجيبها هنا علشان يضغط عليها برجعة البيت وتتكلم. جذبت شعرها لورا بتوتر شديد وهي مش عارفة تعمل إيه ومش مصدقة إنه قدر يضحك عليها بالبساطة دي.
أما في البيت كان أدهم في قمة التوتر ومش عارف يقول إيه لأبوه اللي كان مصر جدًا يعرف سليم زعلان منه ليه. قال بارتباك: صدقني يا بابا، أنا لو أعرف كنت قلت لك من الأول، وبعدين أنت عارف سليم يعني ما بيقولش حاجة لحد. أبوه قرب منه وعيونه
بتلمع بالدموع وقال برجاء: أنا عارف إنك مش عايز تقول علشان ما يزعلش منك، بس أرجوك احسبها بالعقل يا ابني وارأف بحالي. أنا هتجنن وأعرف ماله. نظرات أخوك ليا بتوجع قلبي، ما بقيتش قادر أستحمل أنا تعبت وكبرت ونفسي أراضيه وآخده في حضني قبل ما أموت. أدهم قال بسرعة ولهفة: بعيد الشر عنك يا بابا ما تقولش كده.
أبوه قال بدموع: يا ابني الموت حق علينا، كلنا هنموت. أنا بترجاك يا أدهم بلاش تعتبرني أبوك، اعتبرني راجل كبير في السن قلبه اتحرق من بعد ابنه عنه. أرجوك. أدهم لمعت الدموع في عينيه وبقى في موقف لا يحسد عليه أبدًا. اتنهد بحزن وقال: لما كنا... كنا بنعمل الفحوصات عشان عملية الفصل بيني وبينه، يومها سمعناكم أنا وسليم... أحم سليم سمع اللي أنت قولته للدكتور. نادر اتسعت عينيه بشدة ورجع لورا بصدمة شديدة. هدى
لطمت على خدها وقالت بذهول: يا نهار أسود! عند سليم كان قاعد بيأس شديد ومشاعرك كانت رايحة جاية بغضب وبتقول: يا سليم بلاش جنان، هات المفاتيح خليني أمشي، لو أنت حابب تقعد خليني أنا أمشي حرام عليك ابنك. سليم قال بتعب: ابنك طبيعي بينام طول النهار ويصحى بالليل، وبعدين هو دلوقتي بقى يأكل وابتسام بتخلي بالها منه قلقانة من إيه؟ مشاعر قالت بدهشة: إزاي يعني قلقانة ليه؟
لو عيط مش هيعرفوا يسكتوه، وبعدين أنا مش هرتاح غير وأنا شايفاه قدامي. سليم ابتسم بسخرية وقال: أنتِ اللي مش عايزة ترجعي له. لو حابة نرجع اتكلمي وخلصيني. مشاعر قالت بغضب وعناد: كده؟ طب مش هقول لك حاجة يا سليم، ولو أنت فاكر إنك هتضغط عليا كده أنا دراعي ما بيتلوّيش، وأدينا قاعدين لما أشوف ابنك هيهون عليك قد إيه. وقعدت وسندت ضهرها على الشجرة من الناحية الثانية. سليم ابتسم بسخرية
وقال بوجع ظاهر في صوته: تفتكري ابني ممكن يهون عليا قد إيه؟ أو أي ابن عمومًا ممكن يهون على أبوه قد إيه؟ ممكن يهون عليه إنه يعيط، أو يتوجع، أو يتكسر. ولمعت الدموع في عيونه وقال بحسرة: أو يموت. مشاعر اتسعت عينيها بدهشة من كلامه وقربت شوية منه واتفاجئت أكتر لما شافت الدموع في عيونه. كانت حابة تسأله ماله بس خافت يسكت وما يتكلمش وهي كانت عايزاه يخرج اللي جواه. قالت: لا مستحيل أي أب يهون عليه إن ابنه يموت، ما تحصلش أبدًا.
سليم ابتسم بوجع ووقعت دمعة على خده وقال: بس أنا هنت عليه، تخيلي! أنا مش زعلان منه قد ما زعلان على نفسي. للدرجة دي ما أستاهلش أتحب؟ ده حتى الحيوان بيتحب من أبوه وأمه. مشاعر استغربت كلامه بس كانت متأكدة إنه بيتكلم عن أبوه. قالت: أنت فاكر إن أبوك مش بيحبك؟ سليم بسخرية وقال بوجع: لا أنا الحمد لله رب العالمين متأكد. اتأكدت بنفسي وسمعت بوداني. هنا حس بإيد مشاعر على إيده. التفت لها باستغراب
وهي بصت لعيونه وقالت بدعم: أنا معاك، وحابة أسمعك. سليم غمض عينيه وقال بوجع ما يتوصفش: اتولدت أنا وأدهم توأم ملتصق، وكانت عملية الفصل صعبة جدًا في سن صغير وفضلنا بجسم واحد لحد عمر العشر سنين. في الوقت ده كنا بنتجهز علشان هنعمل العملية ومرتبين لكل حاجة. وفي يوم روحنا المستشفى نعمل الفحوصات وبعد ما طلعت النتيجة نادر بيه طلعنا بره الأوضة علشان يتكلم مع الدكتور في تفاصيل العملية.
كنت طفل شقي حبتين وكان عندي فضول أسمعهم بيقولوا إيه. أدهم ما كانش حابب وبيقول لي حرام نتصنت عليهم، بس أنا كنت هموت وأعرف هيعملوا فينا إيه، وطبعًا ما أقدرش عليا ورحنا... ويا ريتني كنت اتشليت وقتها وما رحتش. مشاعر كانت بتسمعه باهتمام ومستغربة حالته جدًا. كان لأول مرة ما يقدرش يسيطر على دموعه وتنزل قدامها.
وكمل بوجع وقال: الدكتور قال إن فيه بعض المشاكل هتحصل أثناء الفصل، هتؤدي لموت واحد فينا بنسبة كبيرة أوي، يعني واحد هيطلع كويس بدون مشاكل والتاني الله أعلم عاش أو مات هو وحظه. وطلب منه... طلب منه يختار الطفل اللي عايزه يطلع كويس علشان يعمل حسابه في العملية. تفتكري رد قال له إيه؟ مشاعر ما كانتش عارفة ترد بإيه، وسليم نزلت دموعه بحسرة وقال: قاله حافظ على أدهم. مشاعر اتسعت عينيها بذهول وما بقتش مستوعبة
اللي بيقوله وقالت بسرعة: لا طبعًا، أنت كنت طفل وقتها أكيد فهمت حاجة غلط، مستحيل يختار بينكم.
سليم ابتسم وسط دموعه وقال: لا اختار، سمعته كويس، قاله حافظ على أدهم، وإن شاء الله سليم هيبقى بخير. وفعلاً أدهم طلع وفاق من العملية وهو كويس جدًا زي ما أتمنى. وأنا فضلت أسبوع في العناية، بس الألم والوجع عاش معايا عمري كله مش قادر أنسى الكلمة دي، مش قادرة أنسى إحساسي وقتها، حتى أدهم لما سمع الكلام مسك إيدي بقوة وخوف ما كانش عايز نعمل العملية. وأنا كل اللي كان بيدور في دماغي إنه ليه اختار أدهم؟ ليه بجد؟ هو...
هو مش أنا ابنه زيه؟ ليه ضحى بيا يا مشاعر؟ تفتكري ليه؟ أنتِ عندك إجابة؟ مشاعر نزلت دموعها وبصت له بقلة حيلة وسليم غمض عينيه بحزن ووجع وقال: ما حدش عنده إجابة، لكن أكيد العيب فيا. أبويا فرط فيا بسهولة، وأخويا وحبيبي اللي طول عمرنا واحد طلع عارف بعذابي من الأول وبيساعدك وما فكرش فيا. وحتى أنتِ... أنتِ كمان مش قادرة تستحمليني، ويمكن زمانك بتقولي يا ريتك كنت مت وقتها. قال كده ولسه هيقوم بس اتفاجئ لما مشاعر
حضنته بقوة وقالت ببكى: أنت بتقول إيه؟ أنت مجنون؟ بعيد الشر عنك، أنا لو مهما زعلت منك عمري ما أكرهك يا سليم. أنا ياما اتمنيت الموت لنفسي وما قدرتش أتمناه ليك، أقسم بالله ما أقدر على وجعك مهما وجعتني. سليم اتفاجئ وحضنها بقوة وكان بيتمنى تكمل وتحكي له اللي في قلبها بس مشاعر سكتت
وهو بقى يضمها بقوة وقال: أنا بعشقك مش قادر أستحمل بعدك مش قادر. أنا ما عرفتش أرتاح وأعيش وأضحك غير بعد ما عرفتك. خليكي جنبي خليكي في حضني ما تسيبينيش أنا ماليش غيرك. مشاعر فضلت شوية في حضنه بس فاقت لنفسها وحست باللي بتعمله وافتكرت كل اللي حصل معاها. بعدت عنه وقالت: أحم... خلينا نرجع البيت، ابنك زمانه بيبكي. سليم مسح دموعه بإيده وقال بخنقة منها: تاني؟
أنا قلت لك مش هنمشي من هنا غير لما تتكلمي، ما توجعيش قلبي، أنا ما بقيتش قادر أعافر زي الأول. مشاعر اتنهدت وحاولت تتكلم بهدوء علشان حالته وقالت: أنا مقدرة اللي أنت فيه، فحاول تراعي اللي أنا فيه. أنا مش قادرة أتكلم دلوقتي، ومش قادرة أحكي حاجة، قلبي لسه مخنوق مش قادرة... معلش سيبني على راحتي. سليم وقف وقال بغضب: راحتك ده اللي هو لحد إمتى؟ لحد ما نبعد أكتر؟ لحد ما نكره بعض؟ لحد ما نخسر بعض يا مشاعر؟ مشاعر وقفت وقالت
والدموع بتلمع في عينيها: في جميع الأحوال إحنا خسرنا بعض يا سليم، فلو سمحت بلاش نخسر الود اللي قال عليه ربنا. عايزة أرجع لابني. قالت كده وطلعت في العربية وسليم جذب شعره لورا بضيق شديد وهو مش عارف يعمل إيه أكتر من كده علشان تتكلم. في الوقت ده جاله مكالمة من غادة رد وقال بضيق: أخيرًا البرنسيس حنت علينا وفتحت تليفونها.
غادة ردت بحرج وقالت: آسفة يا سليم صدقني الفترة اللي فاتت نفسيتي ما كانتش أحسن حاجة، أنا حابة نتكلم شوية ممكن؟ سليم قال بضيق: خلاص هعدي عليك بالليل. غادة قالت بسرعة: لا أنا قريبة من بيتك هستناك هناك، الكلام اللي هقوله عايزة مراتك تسمعه. سليم اتنهد بخنقة وقال: غادة بلاش مشاكل أنا بجد مش ناقص. بس غادة قالت بسرعة: بس مراتك هي اللي بتعمل مشاكل يا سليم ولا ناسي آخر مرة جيت معاك البيت عملت فيا إيه؟
المشاكل مش هتخلص غير من عندها، مستنياك. قالت كده وقفلت وسليم ركب العربية جنب مشاعر وقال بتوتر: غادة في البيت. مشاعر ابتسمت بسخرية وقالت: بجد؟ طب يلا يلا سوق بسرعة بقى لحسن تمشي، كنسل أي حاجة تانية مش مهم بقى. سليم اتنهد وقال: مشاعر أنتِ اللي رافضة نفضل هنا وعايزة تروحي لابنك، لو حابة نقعد ونتكلم أنا هكنسل أي حاجة فعلًا عشانك. مشاعر قالت بسرعة: لا شكرًا، أنا مش حابة أتكلم معاك، اتفضل رجعني لابني.
سليم قال بتوتر: طيب هي بتقول إنها... أحم إنها هتتكلم معاكي، لو سمحتِ ما تعمليش عقلك بعقلها، أنتِ عارفة إنها صغيرة و... مشاعر قاطعته وقالت بانفعال: إيه إيه إيه؟ هي مين دي اللي صغيرة؟ صغيرة بالنسبة لك يا بابا، إنما بالنسبة لي كبيرة وبغلة كمان. الفرق بيني وبينها أقل من سنتين ولو قلت أدبها هديها على دماغها ودماغ اللي يتشدد لها على فكرة.
سليم بص لها بغيظ شديد من كلامها بس حاول يهدى علشان ما يصعدش الأمور أكتر، وساق على البيت وهو بيحاول يعدي اليوم اللي كان فعلًا من أصعب أيام حياته. أول ما وصلوا عند البيت مشاعر دخلت بسرعة ولقت هدى قاعدة وشايلة ابنها. قالت بلهفة: صحي؟ عيط مش كده؟ هدى ابتسمت وناولتها الولد وهي بتقول: ما تقلقيش يا حبيبتي هو كويس، يا دوب صحي. في الوقت ده دخل سليم وهدى جريت حضنته بقلق عليه ودموع وهي بتقول: حرام عليك وجعت قلبي.
سليم طبطب عليها وقال: أنا بخير. أما نادر كان واقف من بعيد وعيونه بتلمع بالدموع بسبب اللي عرفه، وحتى أدهم كمان كان قاعد وبيبصوا له بتوتر وخجل بس ما حدش فيهم فتح أي كلام عشان وجود غادة. غادة قالت: إزيك يا سليم. سليم قرب منها وقال بضيق: أخيرًا افتكرتِ سليم، معقولة أجي لك على البيت ترفضي تقابليني؟ غادة قالت بسرعة: والله أنا لما عرفت اتخانقت مع بابا وقلت لهم ما يصحش برده إنك ما تدخلش، بس أنت أكيد مقدر موقفي صح؟
سليم قعد بضيق وقال: والله أنا مش عارف الصراحة أقدر موقف مين ولا مين. قال كده وهو بيبص لأدهم بسخرية. أدهم نزل عيونه في الأرض بحرج، ومشاعرك قالت بضيق: طيب يا جماعة عن إذنكم. أنا هطلع أنيم ابني. هنا غادة قالت بسرعة: مشاعر أنا عايزاكي... عايزة أقول حاجة قدامكم كلكم... وقدامك أنتِ بالذات. مشاعر اتنهدت بضيق وقعدت جنب هدى بهدوء. غادة لسه هتتكلم، سليم جات له مكالمة من طه، قال بسرعة: معلش يا غادة...
ثواني بس دي مكالمة مهمة من المكتب. غادة ابتسمت وقالت: تمام بس بسرعة علشان مش هتكلم غير لما تيجي. سليم قال: دقيقة واحدة. وطلع في الجنينة رد وقال: خير يا طه؟ طه قال بسرعة: مش خير أبدًا يا باشا... أنا فرغت الكاميرا اللي لقيناها في مكتب حضرتك... اتضح إنها في مكتبك من وقت طويل جدًا... تقريبًا من أيام ما كان نادر بيه بيشتغل معاه... يعني بقى له ما يقارب على ثلاث سنين بيراقب المكتب. سليم حط
يده على دماغه بتعب وقال: ما تفاجئتش خالص... عارفه حقير ويطلع منه أسوأ من كده... هو قصد يحطها في الفازة الأثرية علشان يضمن إنها هتقعد وقت طويل... وأنا اللي كنت زعلان إنها اتكسرت... يلا حصل خير. ولسه هيقفل، طه قال بسرعة: بس في حاجة غريبة ظهرت في مقطع من سنتين. سليم قال باستغراب: حاجة إيه دي؟ طه قال: أفضل تشوفها بنفسك عشان أنا لحد دلوقتي مش فاهم... هبعت لك مقطع فيديو. سليم قال: طيب بسرعة عشان أنا مستعجل.
وقفل معاه وما فيش ثواني ووصل له فيديو فتحه وكان مقطع له وهو في المكتب بتاعه. سليم استغرب إيه العجيب في كده، بس اتسعت عينيه بشدة وهو شايف مشاعر عند شباك المكتب واقفة بصدمة شديدة وحاطة يدها على بقها بذهول ودموعها بتنزل بغزارة. أعاد المقطع تاني وثالث واتأكد إنها هي، وكان هيقع من طوله لما افتكر اللي حصل في المكتب وقتها... اللي حصل يومها مستحيل ينساه... نطق بالعافية وقال: يا نهار مش فايت وووووو.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!