كيفك يا إخوي، يا ابن أمي وأبوي. ردف بها فخري الذي قطع وصلة العشق الخاصة بهم إلى أجل مسمى. ليصعق كل من في الغرفة، وخاصة تلك الراضية التي بات قلبها يرتجف من شدة الخوف. التقطت يد هارون وأمسكتها بقوة، وكأنه استقوى به عن الدنيا. ليشدد هارون من ضمة يديها وينظر في عيونها بعشق ليطمئنها. ليهتف أمام عيونها بعشق: خليكي اهنيه يا راضية، هشوف الخسي*س ده عايز إيه، واجاى طوالى. ماشي يا عيون هارون.
هزت رأسها بقلة حيلة والدموع تنهمر من عيونها بغفلة، وهتفت بتوتر: متتأخرش عليا، أنا خايفة قوى يا هارون. متتشاكلش معه، أنا فديت كل حاجة، بحبك. نسيت والله. حاول هارون أن يهدئ من خوفها، ومسح على ضهرها بحنان كعادته، ليقطع وصلة الشجن تلك صوت فخري وهو يردف بصوت جهوري: ما تتطلع بره يا هارون يا أخوي، عايز ست الحسن في كلمتين ضروري. ولم يلقى إلا صفعة من هارون أطاحت به أرضًا. ليقف فخري على قدميه وينظر في عيون هارون بغل،
وهتف بقسوة شديدة: بتضربني ليه؟ عشان إيه يا هارون؟ عشان خاطر واحدة سلمت لي نفسها بسهولة. نطق فخري بغل أقوى وشر مضاعف: وبعدين أنت بتضربني ليه؟ ده أنت اللي وازتني عشان أعمل فيها كده. رفعت راضية حاجبيها بخوف واستغراب، ووجهت أنظارها لهارون وتقربت منه: إيه اللي بيقوله ده يا هارون؟ انطق، اللي بيقوله الحقير ده مضبوط؟ قول عشان خاطري إنه لأ.
نظر لها هارون ببكاء وقسوة، لينهار انهيارًا تامًا ويقع على الأرض بوهن أمام نظرات راضية الآملة بأن يذعن أن ما تفوه به ذلك فخري مجرد افتراء وكذب. ولكن هارون نطق الحق وهتف بصوت مخيب للآمال: أيوة يا راضية، اللي بيقوله هو الحقيقة، بس مش كل الحقيقة. والله أنا ما كنت أعرف يا راضية إن انتي نفس البنية اللي حكي لي عنها، ولا انتي نفس البنية اللي هتجوزها. صدقيني. ركعت راضية أمامه وهو يبكي، وشهقات بكائه في ازدياد، وردفت بصوت
مبحوح ملئ بالوجع والقهر: يعني إيه مش أنا؟ وما كنتش تعرف؟ يعني إيه؟ يعني إيه تقوله يعمل فيا كده؟ حتى لو متعرفش إنه أنا. يعني سمحتله يعمل كده حتى لو ما كنتش تعرف إنه أنا؟ يعني عادي يعمل كده مع أي بنت يا هارون؟ انطق. ضربته على صدره بقسوة كبيرة، ليلتقط يديها بقوة وينظر في عيونها بعشق: اهدئي، انتي نزفتي كتير، مينفعش اللي انتي بتعمليه ده عشان البيبي يا راضية. نفضت يديها من يديه بغل وشر:
سيبك مني ومن ابني، احكي لي يا هارون كل حاجة، وإلا وربّي أموت نفسي وأخلص من حياتي دي. أنا تعبت، احكي لي عملت كده ليه. مسح هارون على شعرها بحنان وهتف بعشق: هحكيلك بس اهدئي. عشان خاطري. تنهدت ببطء شديد واحتضنته بشدة وعشق، وهتفت بعطف: قولي يا هارون، ريح قلبي. وأنا والله هسمحك، بس قول.
في تلك اللحظة دخل الغرفة والد هارون وفخري، ووجد هارون يحتضن راضية بعشق وهي تبكي، وعلم أن راضية وهارون علما بكل الحقيقة، ولم يبق إلا المواجهة فقط. نعم، المواجهة هي فقط الكفيلة بكسر الجليد بينهم. أخذ والد هارون فخري وخرجوا من الغرفة بأكملها. خرج فخري على مضض وهو يتوعد بالكثير لتلك الراضية وذلك الهارون في الخفاء. ليدلف فخري وأبيه إلى غرفة ما: أنت كيف تيجي هنيه بعد اللي عملته يا ولد الحرام؟ أنت. نظر فخري له بغل وهتف بشر:
أنا مش هسيبهم يا أبوي، مش هخليه يتهنى بيها واصل. صفعه والده بقوة وهتف بصوت صارم: إياك تفكر تخرب عليهم، هما خلاص هيحلوا مشاكلهم سوا. أمام والأنك متخليهمش يتهنوا واصل. تقرب منه أكثر وأكمل: ابقى قابلني لو فكرت تعمل حاجة، وأنا خلاص اتبريت منك من زمان جوي من ساعة ما عملت أكده في بت خيتي وبكل بجاحة جيت وجلت لي وكأنك مش عامل حاجة. خسيس.
بصق على وجهه بكره. لتأتي أمه وتدلف إلى الغرفة لتصفعه هي الأخرى على وجهه بقوة، وتطلب منه بدموع أن يترك المنزل بأكمله، وإلا يفكر في العودة إليه من أخرى. احتضنها فخري بشدة، فهو كان ابنها المدلل الصغير، وهتف بصوت مبحوح أثر البكاء: أمشي يا أمه، عايزاني أمشي؟ هتفت في أحضانه ببكاء: أيوة، لأن لو فضلت اهنيه مش هنعرف نعيش في أمان ولا كيف مخاليق الله. هملنا يا ولدي، خليك في البندر. أنت عرفت تعيش كل السنين دي هناك، كمل هناك.
تركت أحضانه وغادر الصعيد بأكمله. ليحتضن والد هارون أمه بحزن وهو يمسح على ضهرها بحنان وهتف بحنان: خلصت خلاص يا حاجة، كل حاجة هترجع زينة وزي الأول وأحسن. هتفت في أحضانه: يارب يا حاج، يا رب. راضية تسامح هارون. شدد من ضمتها وهتف بحب: هتسماحه، راضية جلبها صافي وهتسماحه. احكي لي يا هارون يلا. أخرجها هارون من أحضانه بخفة وبدأ في قص الحكاية من البداية. Flashback:
في بت عيني عليها يا هارون، بس هي تعبانة مش بتميز الوجوه، وهي الصراحة داخلة دماغي وعاجباني. أي جالك؟ ردف بها فخري وهو جالس مع أخيه هارون، ولكن هارون كان مخدر عن الواقع بسبب إصراره في الشراب. ليهتف هارون بلامبالاة: يا عما، اكسر عينيها. رفع فخري حاجبيه باستغراب وهتف بحيرة: قصدك إيه؟ أعمل معاها الغلط يا هارون؟ مسح هارون على ظهره بقوة: أيوة يا ولد أبوي، اكسر عينيها، وهى تيجي راكعة على رجليها. ردف هارون في سره بفرحة وخبث:
دي لو عرفتني بعد اللي هعمله فيها. End flashback: هو ده كل اللي حصل يا راضية، بس أنا وربّي ما كنت أعرف إنه كان متفق مع أبوكي عشان يعملوا فيكي أكده، ولا كنت أعرف إنك انتي البنية دي. ركع أمام يديها ليقبلها: سمحيني وربّي يا بت الناس، ما كنت في وعيي يا راضية، اسمحيني. بكى بشدة على يديها. لتربت على وجهه في أحضانها وتملس على ظهره بحنان أم، وبكت معه بقهرة. ليقطع كل شيء وهو قولها الذي ردفت به لهارون:
قوم على حيلك يا ولد الصعيد. رفع رأسه لها بضعف: إيه يا ست الستات؟ نطقت راضية بخبث: بتحبني يا هارون؟ سقطت دمعة من عيون هارون حارقة، لينطق بعشق جارف: عشقي دي كلمة قليلة، أنا عشقك يا بت البندر، بتنفس عيونك وشعرك وريحة الفراولة اللي واقع فيها جلبي. ابتسمت راضية بعشق: وأنا بموت فيك يا هارون. مسح على وجنتها بخفوت: مسمحاني يا راضية؟ وضعت يديها على يديه الموضوعة على وجنتها:
مسمحاك يا جلبه راضية، وما عرفتش طعم الحب ولا العشق غير على يدك. مرت السنوات وكبرت راضية وهارون، ورزقوا بأولاد عدة، من بينهم ابن راضية المسمى بفهد، والذي اعتبره هارون وصلة العشق بينه وبين راضية. أما أولاد هارون من راضية فكانوا إناث وهما اثنان، وكلاهما يشبهون أمهما بشدة ويمتلكون نفس رائحة الفراولة الخاصة بها. واسمائهم "روح" و "قمر"، وكانوا يمثلون الروح والقمر لأبيهم وأمهم.
أحتضن هارون راضية وكلاهما ينظرون إلى أبنائهم وهم يلهون أمام ناظريهم، ليهتف هارون بعشق في أذنها: مسمحاني يا راضية. نظرت له بعشق أكبر: مسمحاك يا جلبه راضية. وقبلت يديه بعشق، ليحتضنها بقوة أكبر وهم يشاهدون أيامهم وأوجاعهم تلهو أمامهم. أتسمحُ لقلبي بأنّ يُتيم بكَ؟! وتسمح لكُلي بأنّ يعشقُكَ إلى المنتهىٰ؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!