فركت راضية عيونها بنعاس وخمول وهتفت بتعب: أنتي مين؟ لتصعق أمها على ما ردفت بها ابنتها. الآن ماذا يحدث؟ هل نسيتها أم ماذا؟ يا ترى ماذا يحدث مع تلك الراضية؟ هتفت أمها للطبيب بجنون على إثر ما نطقته ابنتها. لتواها ليأتي الطبيب على عجلة من أمره ليهتف بسرعة: المريضة فاقت. تؤامى أمها رأسها نيابة عن الموافقة. لتتلعثم في بقية الحديث وهي تردف بصوت يكاد يُسمع من وهل الصدمة: الحق يا دكتور راضية مش فكراني. بتقوللي انتي مين...
لتبكي وتتساقط من عيونها الدموع. لتكمل حديثها بوهن: هي مش فكراني بجد ولا ده من الصدمة ولا إيه؟ قولي. ليحني الطبيب رأسه بوهن على حالها وحال ابنتها. ليهتف بصوت متقطع: للأسف آنسة راضية دخلت في حالة صدمة. شوشت حاسة البصر عندها. رفعت الأم حاجبيها باستغراب: يعني إيه؟ هتفضل كده؟ وبعدين إيه اللي انت بتقوله ده؟ إزاي؟
أشار الطبيب للممرضة بأن تعطي إبرة مهدئة لراضية. وأخذ أمها وأكمل الحديث في مكتبه الخاص. ليجلس الطبيب أمام والدتها مباشرة. وتحدث بنبرة هادئة وهتف بحنو: أولًا إحنا هنرضى بقضاء الله صح؟ هزت الأم رأسها بتوهان. ليكمل الطبيب بنفس النبرة: راضية اتعرضت لصدمة كبيرة. ومن الواضح الحالة اللي هي فيها دي مش جديدة. هي كانت منطوية على نفسها وبتعيط عياط متواصل. أو بالأحرى مكنتش مبسوطة بحياتها. أو بتواجه صعوبات على فترات طويلة.
مثلًا أومأت الأم رأسها ببلاهة. تلك المرة تريد أن تعرف ما بصغيرتها. ماذا حل بها هي الأخرى؟ ليكمل وهو يفرك
يديه بتوتر من ذلك الخبر: راضية هتتعايش معاكي. بس هتاخد وقت عليكي على ما تتعود عليكي تاني. على ما تعرف إنك أمها. راضية بقى عندها تشوش دماغي. وبالأخص في حاسة البصر. يعني مش بتقدر تجمع ملامح الناس وتحتفظ بها لفترات زمنية طويلة. يعني ممكن تشوفك مرة وتنساكي. أو عشرة وتنساكي. لازم تعملي لينك أو صلة بينك وبينها عشان تقدر تعيش وتكمل. يا إما كده مش هتقدر تكمل حياتها. هتفضل متوترة ومتشوشرة. وكله مع الوقت هيبقى عادة.
يا أم راضية. التقط يديها. فهو في عمر راضية تقريبًا. ليحسها على المضي قدمًا والسلوان على ما أصاب ابنتها المسكينة. كتب الطبيب لراضية طلب الخروج من المشفى. تحت تأثير كلام الطبيب. والذي أقر لراضية أنها أمها. والتي اندثرت في أحضانها بمجرد ذلك. فحاسة الأمومة لا وجود لقوة أكبر ولا أعظم منها على وجه الأرض. قوة ربانية جاءت لتستكين في قلوب كل امرأة.
اعتادت راضية على الحياة معها من جديد. وكأنها طفلة صغيرة تتعلم كيف تخطو خطوات ثابتة على يدي أمها. وفي مواقف شتى. عندما كانت راضية لا تعرف أمها. خاصة في الأماكن المزدحمة. كانت تتعرف عليها من لهفتها أو رائحتها المميزة. كان ذلك الشيء المميز بينهم هو حواسهم. وعاشت كل تلك الفترة وهي هكذا. كطفلة صغيرة. تارة تخطئ وتارة تصيب. حتى وقع في جعبتها حبيب. أو بالأخص أفعى سامة. نهشت بها بدم بارد وغادر.
وبمجرد أن تذكرت أمها ذلك الشخص. حتى نهجت وأصبحت تأخذ أنفاسها بصعوبة. لتنفض من ذاكرتها أيامه مع ابنتها. وهي تعاتب على نفسها قربه منه. ولسمحها له بذلك. لتتنهد بخوف وهتفت بتوتر: حسبه لسه ما خلصش. ده أنا دخلتها بيته. ولسه هوريه هو وعابد بيه. اللي خلاها عاملة كده. خلاها مش حاسة هي مين. ولا اللي حواليها مين. لتسجد على الأرض
وهي تشهق بصوت متحشرج: يارب احميها. احمي راضية يارب. واهديها. وخليه تحب هارون. شكله قاسي بس قلبه طيب زي أبوه. اللي لسه عاشق التراب اللي بمشي عليه. خليه يحبها. لو ربع حب أبوه ليا. اللي جاب الشال ده هنا. جاه هنا إزاي. قالتها راضية وهي تبكي. وأمامها هارون. الذي خرج توا من الحمام وهو يلف المنشفة على خصره. وبمجرد أن رآها تصرخ وتبكي. حتى أخذها في أحضانه بقوة. لتكن حبيسة قلبه. وتنهد بجانب أذنها: مالك؟ عم تصرخي ليه يا راضية؟
اللي حصل. بعدت عنه بتوتر وخوف. وهي تبتعد إلى الخلف حتى استندت على أحد الجدران. وانطوت على نفسها بخوف أكبر. ليتقرب منها بحذر. وهي تكاد لا ترى أمامها. فالطبيب حذر أمها مرارًا وتكرارًا من عدم التوتر. لأن ذلك التشوش البصري يزداد معه. وهذا ما حدث بالفعل. عندما اقترب منها هارون ليهدي من روعها. لتردف راضية وهو يتحسس وجنتها بخفوت: أنت مين؟ بعد عني. أنت مين؟
وظلت تتضرب فيه بعنف. حتى لكمها صفعة أطاحت بها. لينتهي الأمر مغشية على حالها. ولكن ياترى ما الذي سيحدث؟ هل سيخبر والد هارون ابنه بحقيقة مرض راضية؟ وهناك سر بين أم راضية ووالد هارون. سنتكشفه في الأجزاء القادمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!