قالت راضية وهي تضرب صدر هارون بقلة حيلة وعنف: أنت مين بعد عني... أنت مين؟ لكمها صفعة أطاحت بها، لينتهي الأمر وهي مغشية على حالها. بمجرد أن لمحها وهي تغلق عينيها لتسلم نفسها للإغماء، ردف بصوت جهوري أقسمت الطيور القابعة على الأشجار أنها خافت وتركت عشها على إثر تلك النبرة القوية، وهو يهتف لأحد بأن يجلب طبيبًا في التو والحال: حكيم راضية!
ليجذبها إلى أحضانه بقوة وهو يبكي بصوت يكاد لا يسمع من شدة الحزن والقهر، لتتوسط قلبه ودقاته. كان على إثر ذلك دخول والده وأمه إلى الغرفة. عندما رأوا هارون وهو هكذا وراضية لا تتحرك ساكنة، تقربت أمه منه وأخذتها من بين ضلوعه وهي تبكي على مصيرهما المشئوم. ليهتف أبوه لهارون بعد أن وضعوا راضية على السرير: قوم يا هارون استر حالك. الحكيم على وصول...
وقف هارون على قدميه ولكنه كاد أن يسقط من شدة الحزن على ما فعله معها. دلف إلى الحمام حتى يبدل ملابسه، ليقف أمام المرآة وهو يرى صورة لرجل مهزوم، كاد أن يموت بسبب امرأة خاطئة كما يذعن له عقله. توقف عن البكاء وهو يمسح دموعه بضعف، ليردف لنفسه بقوة: فُق يا هارون، ده حرمة خاطية مش لازم تحبها... واحدة باعت نفسها بسهولة، مستني إنها تحبك وأنت تقع في غرامها... هي متستاهلكش واصل.
فُق. خرج من الحمام بعدما انتهى من إعداد نفسه. وجد الطبيب يتفحصها بعناية، ليقف أمامه بغيرة مبالغ فيها، فهو لا يريد لأحد أن يقترب منها. كل ذلك القرب، ليتنهد ويهتف لأمه: شمري كوم الفستان للدكتور يا أمي. هزت أمه رأسها بغفلة، ليستيقظ أبيه على تلك الفعلة من ابنه، فقد تحقق حلمه وأمنيته، بات هارون ينبض قلبه بحب لراضية، حتى وإن لم يكن حبًا كاملًا، ولكنه حب. ليقطع فكره
الطبيب وهو يهتف بحزن شديد: للأسف اتأخرتوا جوي يا حاج. المدام... قالت أم راضية بعدما سمعت الجرس الخاص بالباب بعد انقضاء النهار وحلول الليل: يا ساتر استر يا رب. يا ترى مين اللي جاي دلوقتي؟ فتحت الباب وصعقت من الطارق، فكان عابد زوجها السابق ووالد راضية. دلف إلى الشقة بدون استئذان وجلس على أحد المقاعد وهتف لها بأن تأتي وتجلس أمامه: تعالي عايز أتكلم معاكي شوية يا نوال، كلمتين هقولهم وأمشي...
جلست أمامه بالفعل وهي تتصنع القوة، وتنهدت بغضب: قول الكلمتين واخلص، الوقت اتأخر. ليتقرب منها بعمق ويجذب حجابها بقوة بين يديه وهتف بقسوة أمام عيونها: مستنية حد ولا إيه؟ ليكمل وهو يمسك وجهها بين يديه وهو يضغط على فكها: أبو هارون جالك الليلة ولا إيه؟ ولا هو حرام علينا وحلال لناس تانية؟ بعدت يديه عنها بقوة مضاعفة وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة بالغة من شدة الخوف، لتردف بقهر
والدموع تتجمع بعيونها: أبو هارون أشرف منك، كفاية إنها لما لجأتله بعد السنين دي كلها وبعد رفضي ليه زمان عشانك، يا ريتني كنت أموت قبل ما أعمل كده... ومع ذلك لسه بيحترمني وبقدرني... مش زيك، ندل ويتاع ستات... انقض عليها بقوة وهو يضرب فيها بحدة حتى أصبح وجهها عبارة عن كومات من الدماء. وبعدما فرغ من ذلك، جلس على أحد الكراسي وهو يضع قدم على الأخرى بكل استعلاء. لتردف بعدم اكتراث
لتلك الدماء والأوجاع: أيوة هو أرجل منك، كفاية إنه مش بيتشطر على واحدة ست ولا بيعذبها زي ما كنت بتعمل معايا زمان ولحد دلوقتي... يا أخي كفاية إنه مش بيعمل في لحمه ولا دمه زي اللي عملته في بنتك... حد بيعمل كده؟ تأخذ شرف بنتك عشان تنتقم مني ومنه ليه؟ قتلت راضية باللي عملته يا عابد... موت بنتك... راضية مبقتش عارفة تعيش من ساعة اللي حصل... الحمد لله إنه سمع مني وخلى هارون يستر عليها.
صمت يعم المكان، فقط فهو لم يتحرك ساكنًا طوال تلك الكلمات، فقط ينفخ السيجار بتكبر واستعلاء. ليقف أمامها ويهتف بلا مبالاة: طب والشملول ما جوزهاش لابنه فخري ليه؟ إشمعنى هارون؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!