دق جرس الباب. فتحت "أثير" الباب وأبتسمت بسعادة وهتفت بعفوية: -ماما إلياس جه. ركض الأطفال له وهم يهتفون ببراءة: -خاله جه.. خاله جه. دلف "إلياس" ببرود ونظر للأسفل لهم وأبتسم بتكلف وهو يرى ببراءتهم براءة طفلته التي تسكنه رغم رحيلها. هتف بهدوء: -عاملين إيه؟ أبتسمت "أثير" وهي تغلق الباب وقالت: -مجننيني معاهم ياسيدي. أدخل، على في الصالون. تركهم ودلف إلى الداخل. هتفت "جميلة" بغيظ قائلة:
-وأنا عايزة أشوف عيال لابني وأشيلهم على إيدي قبل ما أموت. أستدار "حبيب" لها بغضب ثم هتف بأستياء قائلاً: -أنتي مبتوقفليش الموضوع دا أبداً. دموع ماتت ياجميلة، فاهمة؟ عايزة تجوزيه غيرها؟ هو عندك، لكن دموع لأ، فاهمة؟ تنهدت بقوة وهي تدير رأسها بحزن ثم قالت وهي تضرب قدميها بيدها قائلة:
-أنا وأنت عارفين كويس أنها عايشة وكمان فين. وابنك بقاله 9 سنين منسهاش زي تيا ورافض تماماً إنه يعرف حد غيرها. خلاص نقوله إنها عايشة ويروح يجيبها ويتجوزوا، خليني أفرح بابني. الواد بيكبر وعنده 41 سنة، هفرح بعياله امتى؟ -دموع ميتة يا جميلة، وابنك معاه شهادة وفاة ليها زي ما هي معاها شهادة وفاة له. ونفرض قولناله أنها عايشة، تفتكري هيسامحك ويسامحني على كدبنا عليه كل السنين دي؟ وقتها هتخسري ابنك بدل ما تفرحي بعياله.
قالها بتحذير يمنعها من الحديث مع ابنه. فأجابته بندم: -أنا غلطانة إني سمعت كلامك وقتها، خليتني كدبت على كل الناس. بدل غيبوبة دخلتها من الصدمة، تقول ماتت. ابنك ضابط يا سيادة اللواء، مش غبي. أنت مديله شهادة وفاة مش مسجلة. لو دور على اسم دموع في السجل، هيعرف كل حاجة عنها. ووقتها عمره ما هيسامحنا. فكر إزاي نصلح المصيبة دي. فتح باب الغرفة ودلف "إلياس" بعد أن سمع جملتها الأخيرة وقال: -مصيبة إيه؟ خير يا أمي؟
أزدردت ريقها بدهشة ثم هتفت بابتسامة مزيفة: -مفيش ياحبيبي، ده الولية اللي ساكنة فوقنا مجنناني بعيالها، بقول لأبوك يكلم جوزها. تعال نتغدى، لأحسن أنت واحشني جداً. بقي ياواد يا بكاش، مش بشوفك كل الشهور دي! إيه ياواد، مبتفتكرش إن ليك أم تسأل عليها؟ وأخذته وخرجت من الغرفة. دلفت "أثير" لوالدها بصدمة بعد أن سمعت حديثهم وسألته بتلعثم: -بابا، دموع عايشة؟ مماتتش زي ما أنت قولت؟ صرخ بها بغضب من حديثها وذكر اسم "دموع" من الجميع:
-يوووووه، بقي أنا ناقص؟ -بابا، في حاجة كدة متعرفهاش. إلياس متجوز دموع لو عايشة، دله عليها، دي مراته وفي اللي يثبت ده. صعقت من حديثه، فهو فعل كل هذا حتى لا يتزوجها، والآن هو بالفعل زوجها. مسكها من معصمها بقوة وعيناه تشع ناراً من الغضب وقال: -متجوزها إزاي؟ تألمت من قبضته وهتفت بخوف من والدها: -عرفي يابابا، وهو معاه نسخة وهي كمان. -طب اسكتي، متنطقيش بحرف، وأياكي تقولي حاجة لجوزك.
قالها "حبيب" وهو يترك يدها بزفر وخرج خلفهم. أنتهت من الجراحة فنظرت على يدها مرتدية القفازات البيضاء ملوثة بالدماء وترتجف. لم تصدق بأنها أنهت الجراحة دون أن تؤذي هذه الطفلة. نظر "حسن" عليها ورأها في صدمة نفسية كبيرة، بالتأكيد تعيش في ماضيها الأليم الآن. كاد أن يتحدث لكنها خرجت تاركة الجميع خلفها وعيناها ثابتة على يدها. رأت يد تمسك يدها. رفعت نظرها ورأت "كارما" فهتفت بهدوء: -أنا متشكرة جداً إنك عملتي العملية.
جذبت يدها بقوة من قبضتها وذهبت باكية. نظرت "كارما" عليها وقالت محدثة نفسها بسرية: -عايشة وإلياس اتهمني أنا ومعتصم بموتك. في حاجة غلط. أستدارت ورأت "حسن" يخرج من غرفة العمليات فأسرعت إليه تمسك طفلها بيدها وقالت بخفوت: -لو سمحت. نظر "حسن" لها وقالت مبتسماً بأستعجال: -أيوه، بنت حضرتك طالعة حالا. -أنت تعرف جوز دكتورة دموع؟ سألته بأستفسار. دهش من سؤالها وقال: -إلياس، الله يرحمه. لا، عمري ما شفته. عن إذنك. ذهب يبحث عنها.
فهتفت بذهول أكبر قائلة: -الله يرحمه، إلياس مات؟ ده امتى؟ خرجت "أريج" من غرفة العمليات مع الممرضات ثم ذهبت إلى الغرفة. أجلست "كارما" طفلها بجوار أخته وهتف بحذر: -هعمل مكالمة تليفون. اوعي تتحرك من هنا يا مصطفى. أبتسم لها وقال ببراءة: -حاضر يا ماما. خرجت من الغرفة وأخرجت هاتفها وضغطت على اسمه "إليــــــاس". دلف "إلياس" إلى شقته مساءً فتهتف بسعادة وهو يغلق الباب قائلاً:
-دموع، أنا جيت. تعالي ياحبيبتي شوفي أنا اشتريتلك إيه. وضع الشنط من يده على السفرة ثم أستدار متمتماً: -بصي بقي ياحبيبتي، أنا عجبني الفستان ده فأشتريته، متأكد إنه هيعجبك أوي. نظر لصورتها الكبيرة المعلقة على الحائط بحجمه ودمعت عيناه بوجع ثم جلس على كرسيه الهزاز بتعب وقلب منهك قتله الفراق وأغمض عيناه.
فتح "إلياس" عيناه بتعب وجد نفسه في غرفة بالمستشفى والمحلول الطبي معلق بالكانولا في يده وبداخل فمه أنبوب مثبت باللاصقات الطبية. لم يستطع الحركة أو نطق شئ. هرع "حبيب" له وقال بسعادة: -إلياس ابني.. يا دكتور، يا دكتور. أسرع للخارج يحضر الدكتور. فدلف معه وفحصه جيداً. خرج "حبيب" من الغرفة وأتصل بزوجته يطمئنها على ابنها وقال: -إلياس فاق. نظرت بذهول على "دموع" وهي بسريرها تبكي صامتة وقالت بخفوت: -دموع كمان فاقت.
عادت الروح لجسدهما بنفس التوقيت، لكن العالم فرقهما ولا يقبل بجمعهما معاً. أغلق معها ودلف إلى "إلياس" ووجد الدكتور نزع عنه الأجهزة فسأله بتعب وهو يبحث عنها وهو يتذكر بأنه رآها هناك حين أصاب: -دموع، كح كح، دموع فين يا بابا؟ أردف الدكتور محذراً له بشدة قائلاً:
-بلاش كلام، أنت قلبك مفتوح، أحمد ربنا إنك عايش لحد دلوقتي. إحنا عملنا اللي نقدر عليه عشان نطلعك عايش، دي معجزة إنك تاخد رصاص في القلب وتفضل عايش لحد ما توصل المستشفى... تذمر بضيق ونرفزة وأعاد سؤاله بتعب: -كح كح، دموع فين؟ كح يا بابا؟ نظر "حبيب" للأسفل بحزن مصطنع ثم للدكتور بحدة. فهتف الدكتور بأسف مصطنع: -البنت اللي جت معاك من أسبوع، البقاء لله. دخلت غيبوبة من الصدمة وتوفيت من يومين.
أنقبض قلبه وأتسعت عيناه بصدمة وهو يحاول القيام من السرير ودمعت عيناه. حاول "حبيب" إيقافه فصرخ به وهو يدفعه بقوة وقلبه يعتصره الألم من صدمته قائلاً: -أبعد عني. دموع عايشة مماتتش، أنتوا دكاترة حمير مبتفهموش. نزع عن يده الكانولا فنزفت يده ووضع يده على صدره يؤلم الجرح مع ألم فراقها الذي لا يصدقه. ونزل من سريره وكاد أن يسقط، مسكه الدكتور فدفعه بقوة أسقطته على الأريكة. خرج من الغرفة وخلفه "حبيب" والدكتور يصرخ باسمها بتعب:
-دموع، كح كح، دمـــوع، كح كح، دمــ..... سقط على الأرض فاقد الوعي من الصدمة وألم جسده المصاب بعد تلقي رصاصتين وغيبوبة دامت لأسبوع يصارع الموت بها من أجل البقاء معها والوفاء بوعوده الذين وعد بهم. هتف بصوت مبحوح ودموعه تتساقط بوجع وتعب من المعاناة، وحده يحدث صورتها قائلاً:
-بيقولوا إنك متي وسيبتيني، ميعرفوش إنهم لو جابوا مئة شهادة وفاة عمري ما هصدق إنك مشيتي. أنا حاسس بيكي يا دموع قلبي، حاسس بيكي وبقلبك، لسه عايشة جوايا. قاطعه رنين هاتفه برقم محفوظ تحت اسم "كارما"، أجابها بتهكم قائلاً: -آلو. -أزيك يا حضرة الضابط؟ قالتها "كارما" باستياء، فأجابها بملل: -عايش، خير. عقدت ذراعها أمام صدرها وهتفت بغيظ شديد قائلة: -يعني مراتك طلعت عايشة أهي، ولا ده يكون شبحها وأنا مش واخدة بالي؟ أعتدل على
كرسيها باستغراب شديد وقال: -مراتي مالها؟ مراتي مين؟ هتفت بنرفزة شديدة صارخة به قائلة: -مراتك دموع هانم، مكنش في لزوم للخناق قدام ولادي وتعرفهم إن أبوهم قاتل. وقف بصدمة ألجمت لسانه بعد أن سمع جملتها، ثم هتف بتلعثم وكلمات متقطعة تكاد تخرج من صدره قائلاً: -دموع عايشة؟ أنتي فين؟ -في إسكندرية. قالتها بغيظ شديد منه. أخذ مفاتيحه وخرج مسرعاً من الشقة، وعاد نبض قلبه مجدداً وقال متمتماً: -أنا جايلك، هي فين بالظبط؟
خليكي معاها، متسبهاش. دلف "حسن" صباحاً إلى الغرفة بعد أن طرق الباب وأذنت له. رآها تقف أمام مرآة طويلة بجوار مكتبها وتلف وشاحها الصوف حول عنقها، فهتف مبتسماً: -خلصتي؟ أجابته وهي تستدير تأخذ الطاقية الصوف من فوق المكتب قائلة: -آه، بقالي 26 ساعة صاحية بسبب الحادثة، لا أكلت ولا نمت. استدارت للمرآة ترتدي طاقيتها الوردي فوق رأسها وترتب شعرها الذهبي القصير على كتفها وظهرها. جلس فوق المكتب وقال بمرح:
-يبقى أعزمك على الغداء. عاجبني أوي الطاقية دي، دكتورة غنية معاكيش فلوس تجيبي طاقية؟ من يوم ما عرفتك وأنتي مبتغيرهاش كل شتاء بيها. أخذت هاتفها من جيب البلطو الأبيض وهتفت بفخر وسعادة ممزوج بحزن: -دي هدية مميزة من إلياس حبيبي، جابهالي أول شتاء لينا مع بعض، الكوفية دي والطاقية، ومعاهم جوندي عشان بيخاف عليا من البرد والساقعة. وقف معها بحب وهتف مبتسماً مغموراً بحبها لهذا إلياس: -بتحبي أوي كده؟
نفسي أعرف عملك إيه عشان تحبيه أوي كده كل السنين دي؟ خرجت معه وأغلقت باب مكتبها وهي تقول بنبرة دافئة طفولية وعيناها تبث منها حبها الحزين الذي يسكنها:
-هو الوحيد اللي بيقدر يحتويني وقت ضعفي وخوفي، بيخاف عليا من الدنيا كلها، حتى من نفسه، بيحميني من نفسه. هو الوحيد اللي ماسكة إيده لها طعم وإحساس مختلف عن كل الناس وكل الرجالة. إلياس مش بس حبيبي، لا كمان أول راجل في حياتي، وأول مرة حد يمسح لي دمعتي بإيده كان هو. لو فضلت أحكيلك مش هعرف أعبر عن لحظة واحدة بعيشها معاه وبين إيده. خرجوا من الباب الخلفي الذي يوصل لجراج السيارات. سألها بهدوء شديد قائلاً: -ممكن أسألك سؤال؟
أشارت إليه بنعم وهي تفتح سيارتها وتركب في كرسي السائق. فركب بجوارها وهتف بإحراج: -أنتي عندك 26 سنة، منفسكيش تكوني أم على الأقل تلقي سبب تعيشي عشانه بدل الذكريات اللي عايشة فيها؟ أجابته وهي تضغط على زر تشغيل المحرك مبتسمة بفخر من حالها قائلة: -أنا الراجل الوحيد اللي ممكن يكون أب لولادي هو إلياس، ومادام راح يبقى مفيش ولاد، وعمري ما هسمح لراجل غيره يلمسني. ابتسم عليها وقال بمرح شديد: -راحت عليك يا مدحت!
معرفش الراجل الحمار ده اترفض مرة بيحاول تاني إزاي؟ معندوش دم ولا كرامة، رجولته مبتنفعش عليه. قهقهت ضاحكة عليه وهي تقود، تأمل ضحكتها بسعادة، فهي مثل البدر لا تطل سوى مرة واحدة في الشهر، وأحياناً يعجز عن إخراجها من بين شفتيها.
وصل "إلياس" إلى المستشفى مع أذان العصر بعد أن قاد كالمجنون طوال الليل ليصل لها، لا يعلم ماذا حدث وكيف، ولكن هناك أمل بأن تكون هي وحية. صعد ركضاً إلى غرفة "إريج" ودلف، وجد "سلمى" تفحصها وبجانبها "كارما". هتف بتلعثم من الركض: -دموع فين؟ -معرفش، هي عملت العملية. قالتها "كارما" باستياء منه. أعاد سؤاله لـ "سلمى". رفعت نظرها له وقالت بدهشة: -قصدك دكتورة دموع بتاعتنا؟ تلاقيها خلصت ورديتها من ساعة كده. أنت جوزها؟
فسألها بدهشة من سؤالها قائلاً: -أنتي تعرفيني؟ أنهت فحصها ووقفت ثم قالت مردفة: -طبعاً، صورك في كل مكان في مكتبها. عموماً، هي خرجت من ساعة. خرج معها من الغرفة بسعادة بعد أن تأكد بأنها هي طفلته مادام معها صورته. فأعاد الأسئلة عليها: -بيتها فين؟ -بيتها متحرك معاها، متعرفش توصله. قالتها وهي تبتسم له، فأجابها بدون فهم: -إزاي مش فاهم؟ توقفت عن المشي ونظرت له ببسمة ثم أردفت بسخرية مزاحة قائلة:
-دكتورتنا الجميلة معندهاش بيت. بيتها الوحيد عربيتها، وخدتها معاها وهي خارجة، تقدر تستناها، هي مش هتتأخر برا. تركته ورحلت لعملها. وقف بصدمة في مكانه، أحبيبته لا تملك بيت، تعيش بسيارة، وماذا حدث آخر في حياتها؟ صرخ "حبيب" بها بغضب قائلاً: -ابنك طلع متجوزها! متجوز رقاصة، جوز أمها تاجر مخدرات، وأمها مقتولة، وعاشت وسط الرجالة. تمتمت بهدوء شديد مقابل غضبه قائلة:
-شوفت، عشان كده قولتلك فكر في حل للموضوع ده. أنا كمان ضميري واجعني وندمانة إني طوعتك. كان لزومها إيه ننقل البت من المستشفى وهي في غيبوبة بين الحياة والموت ونقوله ماتت؟ حبل الكذب قصير وربنا سترها سنين، نصلح غلطنا بقى قبل ما يكتشف ونخسره، ويوم لما يعرف هيروح لها هي، وإحنا اللي هنخسر. -دلوقتي بقيت أنا اللي غلطان؟ مش كان عاجبك الحل ووافقتني عليه؟ قالها بنرفزة وهو يجلس على كرسيه. فهتفت بهدوء:
-حاول تلاقي حل، دي مراته في النهاية. صمت بغضب مكتوم بداخله. أنهت غداءها مع "حسن" وركبوا السيارة وقادت به وهي تكاد تفتح عيناها من التعب. ضغطت على الفرامل فجأة حين رأت أمامها حادث صدام وفرار. ترجلت من سيارتها معه، وجدت شاب في مقبل عمره بجانب موتسكيل ويرتدي خوذة على رأسه. شقت قميصه بمهارة وهي تقول: -اتصل بالإسعاف يا حسن بسرعة. وضعت يدها على بطنه وشعر بنزيف داخلي وبطنه تتضخم شيئاً فشيئاً.
جلس في الاستقبال ينتظرها على نار أشد من الجمر وهو يتذكر ذكرياته معها وكيف كانت بسمتها وعيناها الخضراء. هل كبرت وكيف أصبحت؟ هل ستعرفه حين تراه؟ كيف أصبحت طبيبة وكيف مظهرها بزي الطبيبة؟ قطع شروده صوت سيارة إسعاف تقف أمام الباب والجميع يركض للخارج. وبعد ثوانٍ، دلف سرير متحرك عليه مريض غارق في دمائه وهي تجلس على ركبتيه فوقه وتضغط على صدره تنعش قلبه وتتنفس بقوة.
وقف بذهول حين رآها، بالفعل هي حبيبته الصغيرة. لم تتغير كثيرًا. قصت شعرها وما زالت نحيفة وقصيرة، ضئيلة الحجم وترتدي طاقيتها ووشاحها. ذهب خلفها مسرعًا والممرضون و"حسن" يدفعون السرير بقوة متجهين لغرفة العمليات. قفزت من فوقه بسرعة وهتفت بقلق قائلة: -أنا هغير هدومي بسرعة، خليهم يبدأوا. أشار إليها بنعم وركضت بسرعة وهي تخلع طاقيتها ووشاحها. رآه "حسن" وصُدم صدمة ألجمته. وكيف لم يمت "إلياس"؟
أمسكه من ذراعه فنظر "إلياس" له ببرود. هتف "حسن" بتلعثم: -إلياس. -أنتوا كلكم تعرفوني بقى. قالها باستفزاز يريد الذهاب لها. أخذه "حسن" بالقوة وهو يسأله: -دموع شافتك؟ أشار إليه بلا. فأكمل حديثه مجددًا:
-يبقى متخليهاش تشوفك. أنت متعرفش حالتها عاملة إزاي وممكن يحصلها إيه لو شافتك. في مريض بيموت في أوضة العمليات، لو شافتك هترفض العملية، ممكن تستناها بعد العملية. بالمناسبة، أنا حسن صديقها الوحيد بعدك. إيه رأيك نشرب قهوة سويًا، وأهو أحكيلك حالتها عاملة إزاي وعايشة إزاي. نظر للممر الذي ذهبت به ثم أشار إليه بنعم وذهب معه. ارتدت زي العمليات ودلفت بعد التعقيم ولم تجده في الغرفة. بدأت جراحتها كالمعتاد، روتين يومي لها.
اشتروا القهوة من الكافتريا وذهبوا إلى غرفتها و"حسن" يحكي له ماذا حدث منذ أن فاقت من غيبوبتها وأخبره بموته حتى الآن، وكيف أصبحت دكتورة ترفض شراء بيت لها وتعود له بعد عملها ولا تجده به كما اعتادت. سأله "إلياس" بفضول: -وإزاي أخدت الحاجات دي من بيتي؟ -والله ده تسأله للي دبر موتها ليك وموتك ليها، بس مش محتاجك تفكر، أكيد ودوهالك وأنت مش في البيت وقالولك إنهم رموا حاجاتها بسيطة.
قالها "حسن" بغضب. فكر بحديثه وغضبه يزيد بداخله من والده ووالدته وكيف خدعه طوال السنين التي مرت. كيف كذبوا عليه وحرموه من حبيبته وزوجته وعذبوا قلبه معهم. وقف من مكانه وهو يتفحص المكان وصور خطبتهما على مكتبها ودمياتها التي اشتراهم لها على سريرها الصغير.
خرج "حسن" من الغرفة وتركه. فتح أحد الأدراج وهو يجلس على كرسي مكتبها ورأى جميع الدفاتر الوردية. فتح أحدهم ووجد اسمه بها وورقة زواجهما وشهادة وفاته المزورة. قرأ المكتوب وعلم بأنها في نهاية كل يوم تكتب له ما حدث معها. قرأ جميع الدفاتر وهو ينتظرها تخرج من الجراحة. فتح الباب ودلف "حسن" مبتسمًا: -دموع خلصت. ترك ما بيده وخرج مسرعًا معه. هتف "حسن" محذرًا له بخوف:
-خد بالك، دموع منامتش بقالها 30 ساعة ونص. أوضة العمليات آخر الممر، هتلاقيها طالعة دلوقتي.
ذهب "حسن" فركض مسرعًا إلى هناك فرأى الباب الزجاجي يفتح وتخرج منه وهي ترتدي تيشرت وبنطلون أزرق اللون زي العمليات وبيديها قفازاتها البيضاء وعلى رأسها طاقية طبية وفوق فمها كمامة. لم يظهر منها سوى عيناها الخضراء وبقدمها حذاء طبي. توقف مكانه ينظر عليها وهي تخلع قفازاتها بتعب وتثني رقبتها يمين ويسار بإرهاق وعيناها تكاد تفتحهما. رفعت رأسها للأعلى لكي تقوس ظهرها للخلف فوقعت عيناها عليه...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!