فركض مسرعاً، آلي هناك فرأى الباب الزجاجي يفتح وتخرج منه وهي ترتدي تيشيرت وبنطلون أزرق اللون زي العمليات، وبيديها قفازاتها البيضاء، وعلى رأسها طاقية طبية، وفوق فمها كمامة. لم يظهر منها سوى عيناها الخضراء، وبقدمها حذاء طبي.
توقف مكانه ينظر عليها وهي تخلع قفازاتها بتعب، وتثني رقبتها يمين ويسار بإرهاق، وعيناها تكاد تفتحهما. رفعت رأسها للأعلى لكي تقوس ظهرها للخلف، فوقعت عيناها عليه. ازدردت ريقها بصعوبة، ونظرت حولها وهي تغلق قبضتها بقوة. اعتادت على رؤيته أمامها في الآونة الأخيرة. تحاشت النظر له وخلعت طاقيتها والكمامة وهي تذهب، وتأبى النظر عليه. فيضحك الجميع عليها ويلقبوها بالمجنونة. لكن أوقفها صوته القوي وهو يناديها: -دموع
توقفت قدمها بصدمة، وكأنها شلت مكانها وفقدت السيطرة على تحريكها. ثم رفعت نظرها له بصدمة، وتقابلت عيناهما معاً. بداخل كل منهما صدمة قوية وشغف بهوس للآخر. اشتاقت له حد الموت، فقد كانت على وشك الاستسلام لهوسها به ليقتل عقلها وتفقده وتجن حقاً، لتتخلص من عذابها. نظر لها بشغف ودفء كبيرة بعد أن كان يعيش مع صورها وكونها زوجته حقاً. ومازالت تنتظره في بيته، إلى أن تجسدت أمامه حية وينبض قلبها له. نادها مجدداً وهو ينظر لعيناها:
-دمـــوع -عــ .. مـــ ... ــه قالتها بتلعثم شديد وصوت مبحوح، غير مصدقة ما تراه وأنه حي وإمامها يناديها. فتح ذراعيه لها مبتسماً. دمعت عيناها بألم ومازالت غير واعية في صدمتها. فركضت نحوه مسرعة، وارتطمت بصدره الصلب وهي تلف ذراعيها حول خصره ورأسها على صدره، وتبكي بشهقات قوية عالية، وتمتمت: -أنا كنت عارفة إنك ممشيتش. أنت قولتلي مش هسيبك. عمّه أنت واحشني أوي. أنا عـــ .....
مالت رأسها للخلف بعد أن شعر بارتخاء جسدها بين ذراعيه، فاقدة للوعي. مسكها بحذر حتى لا تسقط منه. وانحنى قليلاً، يحملها على ذراعيه برفق، وذهب إلى غرفتها. وضعها على سريرها وحاول إفاقتها بهدوء. فتحت عيناها الخضراء ببطء شديد وتعب، فرأته أمامها. نظرت حولها ووجدت نفسها بغرفتها، هتفت بصدمة: -أنت عايش؟ طب أزاي؟ أجابها وهو يمسح بيديه على رأسها بحنان قائلاً:
-نامي الأول، انتي صاحية بقالك 30 ساعة. ولما تصحي أحكيلك وتحكيلي كل حاجة. وذهب ليغلق باب الغرفة من الداخل لكي لا يدخل أحد عليه. وستائر النوافذ الخشبية يغلقها. -أنت بجد حقيقي يعني؟ أنا لما أصحي هيلاقيك هنا مش هتختفي؟ قالتها بلهفة بنبرة هادئة من التعب. فهتف بحنان وهو يصعد على سريرها الصغير بحجم الأريكة قائلاً: -لا أنا كمان هنام معاكي عشان منمتش من امبارح.
مدد جسده بجوارها وأدخل ذراعه أسفل رأسها ويطوقها بالآخر. هتفت ببراءة وهي بين ذراعيه وداخل أحضانه: -أنا بحبك. نظر لعيناها مباشرة بدفء وشغف، ثم هتف بخفوت هامساً لها قائلاً: -نامي عشان أنا دلوقتي جوزك. غير كل مرة ممكن أعمل مصايب وكوارث.
ابتسمت له وعيناها تغمض شيئاً فشيئاً. فبدأ يمسح على رأسها حتى غاصت في نومها في أقل من دقائق. ظل يتأملها لكي يطمئن قلبه بأنها هنا بجواره حقاً، وأنها زوجته وملكه الآن. فكر بوالده ووالدته، ماذا سيفعل حينما يعود؟ هل سيغفر لهم عذابه هو وحبيبته؟ بعد ما قرأه في دفاترها، وبعد ما أخبره "حسن" به عنها، وكيف ساء حالها تدريجياً، وهي تعيش في حبه وحده حتى وصلت لطلب دكتور نفسي. هل سيغفر كل هذا لهم؟ هل لأنهم والديه يحق لهم ما فعله به؟
هل سيقبل بما فعله بعد أن سلبه شبابه الذي كان سيقضيه بجوارها؟ أستيقظت "أثير" على صوت أطفالها. ففتحت عيناها بتعب ووجدت "ماليكة" تجلس على السرير بجوارها و"مالك" من الجهة الأخرى، ويوقظانها. هتفت "ماليكة" بحزن طفولي شديد قائلة: -ياماما قومي الباث (الباص) مشي وثابنا (سابنا) مش هنروح المدرثة (المدرسة) -قومي ألبسي ووديني المدرسة. قالها "مالك" وهو ينظر لها بنرفزة طفولية جميلة. فهتف بهم بصراخ قائلة: -ألبس إيه وأوديكم فين؟
أنا قادرة أتحرك من مكاني. الباص مشي، تعالوا كملوا ناموا. وجذبتهم لفراشها لكي يناموا بحضنها. أدخلتهما تحت الغطاء وطوقتهما وهي تقول: -الجو برد وانتوا بتتخانقوا على المدرسة. اتغطوا كويس ياقلب ماما لأحسن تبردوا. ووضعت قبلات على جبينهما بحنان وعادت لنومها. عاد "علي" من عمله صباحاً بعد إنهاء قضيته ودلف إلى الغرفة. ابتسم بتعب واتجه نحو سريره بسعادة وهو يضع يده على الغطاء ويقول: -حبيبي أنا جيت ياروحي قومي.
وأبعد الغطاء عنها، وشهق بقوة حين وجد أطفاله في سريره. أقترب منهم ورآهم ثلاثتهم ناموا كالملاك الصغار. وزفر بتعب وذهب إلى الحمام باستسلام لواقعه ووجود أطفاله.
فتحت "دموع" عيناها بتعب وهي تمطي جسدها ولكنها لا تستطيع من ضيق المكان. وجدته بجوارها نائم وهي في حضنه أسفل ذراعيه. تحسست وجهه برفق لتتأكد بأنه حي. أمامها فتح عيناه من لمستها وتقابلت عيناهما تحكي كل شيء عن عشقهما واشتياقهما لبعضهما البعض طوال هذه السنوات. وتأكدت من شيء واحد أنه حي ولم يبحث عنها. دفعته بقوة بعيدًا عنها فسقط على الأرض بدهشة من فعلتها. صرخت به وهي تقوم من سريرها: -أنت عايش أهو، امال إيه مات دي؟
تألم من دفعتها وهو يقف يتاوه بوجع. وقفت بلهفة وخوف عليه وهرعت نحوه تتفحصه باستياء وتقول مردفة: -أنت كويس؟ في حاجة بتوجعك؟ مسك يدها بحنان فنظرت لعينيه مباشرة بصمت. فقال بدفء ولهجة عاشقة: -اللي كان واجعني خف من ساعة ما شوفتك. ووضع يدها على قلبه. ارتبكت من نظراته فبدأ قلبها يسرع بضرباته بعد عودة حبيبه فعادت للحياة معه. جذبت يدها من قبضته وأشاحت نظرها عنه بخجل وتوردت وجنتها بشدة. وقالت بخفوت خجلة منه: -ممكن تخرج برا؟
عايزة أغير هدومي. -عادي، أنا زي جوزك برضو.
قالها وهو يقرص وجنتها برفق. تألمت من يده بوجع فأبعدت يده عنها. نظر بدهشة من ألمها فهل ضعف جسدها مع قلبها. خرج من الغرفة وظل ينتظرها. خرجت من غرفتها بعد نصف ساعة مرتدية بنطلون جينز وتيشرت أسود وعليه جاكيت جلدي وحول عنقها وشاحها الصوف وطاقيتها الوردية. رأته يقف أمام باب الغرفة فتركته ورحلت. ذهب خلفها حتى سيارتها وركب معها وهي صامتة. ذهبت للبحر ثم ترجلت من السيارة وهو معها. توقفت تكاد رأسها تنفجر من التفكير. فاستدارت له
بعقل يكاد يجن وسألته بغضب: -أنت عايش إزاي بقى؟ ممكن أفهم؟ مسك يدها بحنان وهو يقول: -تعالي نقعد وأحكيلك. نزعت يدها بقوة من يده بغضب صدم من فعلتها. أهذه طفلته التي كانت تعانقه في الشوارع وتطلب بقبلة في الشارع منه دون توقف؟ صرخت بانفعال شديد: -أنت عايش إزاي؟ كلهم قالوا إنك موت. أنا حتى معايا شهادة وفاتك. إزاي ده ممكن أعرف؟ وكنت فين كل ده؟
قص عليها كل شيء منذ أن فاق من غيبوبته حتى أن أخبروه بموتها وأعطوه شهادة وفاتها وكيف عاش معها في بيته مع صورتها. صرخت وهي تبكي بانهيار من حديثه أكثر قائلة: -يعني أنتوا لعبتوا بيا وبمشاعري لدرجتي؟ سهل عندكم اللعب بالناس وقلوبهم؟ أمتلك وجهها بين كفيه بحنان ليهديها قليلا ويخفف من بكاءها. ثم هتف بحنان قائلا: -أنا عمري ما لعبت بيكي يا دموع. أنا عشت بحبك وهموت وأنا بحبك. دفعته بقوة بعيدًا عنها وقالت بصراخ وغيظ شديد:
-حب إيه ده؟ عذاب مش حب. أنا مش عايزة الحب ده كله كدب وخداع ومش عايزك أنت كمان. لدرجتي سيادة اللواء مش عايزني؟ جاله قلب يطلع شهادة وفاة لابنه وليه عشان يخلص مني؟ أنا مش عايزك... -أنتي مراتي يادموع. قالها "إلياس" بغضب شديد من حديثها ورفضها له. فأجابته بعيون باكية وصوت غليظ: -تطلقني أو نقطع الورقتين دول ونرتاح. أستدارت بحزن وتركته ورحلت وهي تبكي بقلب مجروح من قسوة العالم. وضعت يدها على فمها تكتم صوت بكاءها. ناداها بحزن
عميق وقلب مقبوض قائلا: -دموع... أنا مظلوم. صمت للحظة وهو يراها ترحل بعيدًا عنه. ثم أكمل حديثه بصوت ضعيف قائلا: -وبحبك.
عضت شفتيها السفلى بغيظ وهي تبكي بوجع. ثم أستدارت له ونظرت لعينيه بضعف. فحقا هي بدونه جسد بلا روح منتظر الموت فقط. حدقت به بحيرة ثم ابتسمت له ابتسامة مشرقة تنير حياته ودنياه وركضت نحوه بسرعة جنونية. رآها تركض له فركض مسرعًا لها فأرتطمت بجسده وحملها عن الأرض وهو يعانقها بقوة وهي تلف ذراعيها حول عنقه ورأسها على كتفه بسعادة. وهتفت ببراءة ونبرة عاشقة دافئة قائلة: -وأنا بحبك.
دار بها بقوة حتى سقطت طاقيتها من فوق رأسها وتطاير شعرها مع دورانه يداعب وجهه. وأنزلها عن الأرض ويديه كما هما على خصرها. فأنزلت ذراعيها فوق صدره. نظر لعينيه بحنان وحب نظرات عاشق عثر على حبيبه بعد عمر طويل. بادلته نظراتها بخجل شديد ووجنتها زادت حمرتها منه. ضحك عليها وهتف مازحا من نضجها: -بقيتي تتكسفي يادموع. ابتسمت وهي تضربه على صدره بغيظ منه. فهتف مصطنع الألم قائلا: -يابت براحة، راعي إن حبيبك راجل عجوز دلوقتي.
ضحكت بقوة عليه وقالت بغزل وعفوية: -في عجوز حلو كده وشعره بني وعينه عسلية؟ لالالا أنا مقدرش على كده. فرت هاربة منه وهي تضحك وهو ينظر عليها بسعادة ويردف بسعادة قائلا: -متغيرتيش يا دموع، مهما تعملي وتكبري وتبقي دكتورة وبرضو عيلة زي ما أنتِ. وقفت خلفه وركبت على ظهره بسعادة وهتفت وهي تتشبث بعنقه بذراعها الأيمن حتى لا تسقط من فوقه وتمدد ذراعها الآخر في الهواء وتقول بطفولية وسعادة تغمرها بعودته لحياتها قائلة: -يلا أجرى.
مسك ذراعها بحذر وهتف بضجر قائلا: -أجرى إيه؟ بقولك راجل عجوز تقولي أجرى. قرصت وجنته برفق وهي تضع رأسها على كتفه لتنظر له. وقالت بخفوت: -أنا عايزك تجري. أجري بقى. نظر بجانبه لها تأمل بسمتها البهيجة وبريق عينيها الساحر وشعرها المسدول على كتفه هو. ثم هتف بتذمر شديد عليها قائلا: -مش عايز أجري. الجري ده للأطفال. هزت قدميها بضجر طفولي وقالت بإصرار شديد قائلة: -أنا طفلة وعايزة ألعب. أجرى بقى. -مش عايز.
قالها وهو يخطو بها للأمام. ثم تحولت خطواته للركض وهي تمدد ذراعها في الهواء وتضحك بسعادة وهو يفعل المثل. جذبها من ذراعها بمهارة فأنزلها من فوق ظهره وجعلها على ذراعيه أمامه. نظرت عليه بخجل وهتفت بطفولية شديدة قائلة: -بتبصلي كده ليه؟ تأملها بصمت شديد وهي بين ذراعيه. ثم نزل بنظره على شفتيها وبدأ في الانحناء نحوها. فرفعت يدها بخجل من نظراته وهي تضع خصلات شعرها خلف أذنها بارتباك. فصرخت بهلع شديد وهي
تقفز من فوق ذراعيه قائلة: -طاقيتي! وركضت للخلف تبحث عن طاقيتها وهاربة منه. عض شفاته بغيظ من هروبها وذهب خلفها. أستيقظ "علي" عصرا على صوت أبنه وهو يدخل الغرفة يصرخ بهلع وبكاء: -بابا.. بابا أصحي يا بابا. فتح عيناه بضجر شديد وهو يجذب الغطاء على عيناه ويردف قائلا: -اخرج ياض العب مع أختك وأطفي النور ده. صعد "مالك" على سريره وهو يرفع الغطاء عنه يقول ببكاء وخوف: -أصحي ماما وقعت ومش بتلد (بترد) علينا. قوم يا علي شوف ملاتك
(مراتك) فزع من سريره بخوف وقفز منه بهلع شديد. خرج ووجدها على الأرض تفتح عيناها بصعوبة وتساندها الخادمة ومعها "ماليكة". جلس على الأرض بجوارها وهو يقول: -حصل إيه؟ أجابته بخفوت شديد وهي تقف معاهم قائلة: -مفيش يا حبيبي، سلامتك. -ياماما تعالي نروح لدكتور. انتي كل شوية تقعي كده. قالتها "ماليكة" بتذمر. فنظر "علي" لها بدهشة وقال: -كل شوية؟ هي دي مش أول مرة تحصل؟ أشارت إليه "ماليكة ومالك" بنعم. ضربتهما "أثير" على
كتفهما بتذمر برفق قائلة: -اجروا العبوا. متشغلش بالك ياحبيبي، شوية دوخة وبتروح لحالها. -لازم تروحي للدكتور. على الأقل نطمن وخلاص. قالها "علي" وهو يأخذها من الخادمة ويدخل لغرفتهما. أستسلمت لرغبته بعد إلحاح قوي منه. أوقف السيارة أمام عمارة جديدة وعليها لافتة (مأذون شرعي) . نظرت للافتة بصمت ثم له وهتفت بهدوء قائلة: -إحنا هنا ليه؟ مش المفروض...
المفروض أتجوزك يادموع. أنا متجوزتكيش عرفي عشان خايف الناس تعرف أو عشان نبقى في السر. أنا اتجوزتك عرفي عشان كنتي قاصر. ودلوقتي أنتي مش قاصر، يبقى المفروض الوحيد اللي أنا اعرفه أني اتجوزك شرعي. قالها بحزم وهو ينظر لها بجدية شديدة في ملامحه. هتفت بهدوء توضح وجه نظرها له قائلة: -مش قصدي كدة. أنا قصدي تتكلم مع باباك الأول وتفهم منه عمل اللي عمله فينا ده ليه وليه بيكرهني أوي كدة. زفر بضيق وهو يفتح باب السيارة ويتمتم بجدية:
-انزلي يادموع. نظرت له وهو يترجل من السيارة بلا مبالاة ثم تنهدت بقوة. فتح لها باب السيارة ناظراً لها بجدية. فهتفت بتوتر من نظراته: -نازلة أهو.
ترجلت من السيارة. أخذها ودخل العمارة متجهًا إلى مكتب المأذون الشرعي ليجعلها زوجته رسميًا وشرعيًا. ضربات مختلفة بقلبها لعودته وما يفعله، فهي حقًا زوجته منذ سنوات. فتح باب المصعد وخرج منه رجلين ليجذبها نحوه برفق وغيرة. فرفعت نظرها له بخجل، تتأمل ملامحه الذي لم تتغير كثير عن السابق. مازال جسده قوي كما كان وعضلاته بارزة وصدره ممشوق وشعره كثيف كالمعتاد يرفعه للأعلى. يبدو من مظهره أنه رجل في نهاية العشرينيات من عمره وليس
رجل يملك من العمر 41 عام. ملامحه الجدية وحدته لم تتغير. مازال يغضب من أقل شيء ويوقف عقله عن التفكير حين يتعلق الأمر بها. شعر بنظرها المسلط عليه فأدار رأسه لها ووجدها شاردة الذهن به ولم تشعر بأنه ينظر عليها تتفحصه بدقة شديدة. انحنى قليلاً لها ليبقي بمستواها وهي واقفة وجعل رأسه مقابل رأسها. فاقت من شرودها على قربه بخجل شديد منه وأحمرت وجنتها تزيد من جمالها الساحر وملامحها الصغيرة التي يعشقها. ثم هتف بصوت خافت وأنفاسه
الدافئة تداعب أنفها وعيناها قائلاً:
-أنا حلو وموز أوي كدة لدرجة إنك تسرحي فيا. رفعت يدها بخفوت شديد وعيناها تبتسمان له ببريقهما الساحر ووضعت أناملها الصغيرة على وجنته تتحسس لحيته البسيطة البنية بحب واشتياق. ثم هتفت بخفوت شديد ومازالت يدها على وجهه قائلة: -أنت أحلى حاجة في حياتي كلها والفرحة الوحيدة اللي عرفتها وشوفتها. من غيرك حياتي كلها دموع ووجع. مستكتر عليا أبصلك شوية وأفرح قلبي بعد الوجع اللي شافه ده كله.
وضع يده على يدها فوق وجنته بسعادة تغمرهما معاً بعد أن أعاد النبض لقلوبهما. ثم قال بحنان: -سلامتك من الوجع والدموع ياقلبي. أوعدك مفيش وجع تاني ولا دموع هتنزل من عينيكي تاني. وعد ياحبيبتي. توقف المصعد بهم. مسك يدها بحماس وخرج بها مبتسمة بسعادة بعد وعده بداخلها حماس كبير لتكون زوجته رسميًا رغماً عن الجميع وكل من فرقوهم. في أقل من ساعة عقد قرانه عليها وأصبحت زوجته. خرج بها من المكتب وركب السيارة وهو يقول:
-اعملي إجازة النهاردة من الشغل عشان هتقفلي التليفون. نظرت له بدهشة وهي تغلق الباب وسألته بضجر شديد قائلة: -هو من أولها هنقول مفيش شغل ومعنديش ستات تشتغل... بتر الحديث من فمها بقبلة رقيقة فوق شفتيها سريعة. اتسعت عيناها الخضراء على مصراعيها بذهول من فعلته وتجمدت مكانها وهي تنظر له. هتف بخفوت هامساً لها قرب أذنها وهو يحاصرها في كرسيها قائلاً: -أنا قولت إجازة النهاردة وبعدين في شهر عسل مش هتنازل عن يوم واحد فيه.
ازدردت ريقها بصعوبة مرتبكة من فعلته وزاد احمرار وجنتها وكأن دماءها بالكامل تدفقت إلى رأسها فقط مع بشرتها البيضاء جعلوها جميلة فاتنة بسحر خاص ونادر لها وحدها. نظر لجمالها في حمرتها وارتباكها الذي أصابها. الفواق من قبلته فوضعت يدها على فمها بإحراج. نزع يدها برفق ناظراً لعيناها وحبيبات العشق الذي يسكنه لسنوات مضت تفيض منهما. ثم انحنى نحوها يقترب منها ووضع شفتيه بدلاً من يدها. فأغمضت عيناها بإستسلام وأقصى درجات السعادة بعد أن نالت قبلة منه طالبت بها منذ زمن بعيد بطفولية وسط الشوارع.
كان يقف أمام مركز الاستقبال ينظر على تقارير المرضى. فجاءت "سلمى" له ووقفت بجواره بتعب وغيظ منه بعد أن أدخلها العمليات بدلاً له. أخذت كوب القهوة من يده وارتشفت القليل منه ووقفت تتأمله وهو يمضي بعض التقارير. -بقولك إيه يا أبو علي ما تيجي تتجوزني وتكسب فيا ثواب وأهو تلاقي واحدة تاخد بالها منك بدل ما انت شبه المتشردين كدة. قالتها "سلمى" بمرح وهي تقرص وجنته بتعب وإرهاق. أعطى التقارير للممرضة ثم مسكها من كتفها ويأخذها
معه وهو يقول بجدية: -هو أنا طلقت عشان أتجوز تاني. ثم انتي الحاجة الوحيدة اللي تنفعي تعمليها إنك تروحي تنامي بقالك يومين كاملين منمتيش. صرخت به وهو يدفعها من كتفها ويأخذها إلى مكتبها رغماً عنها قائلة: -ماهو كله بسببك كان زماني نايمة أحلى نومة وبحلم بحسونتي حبيبي. قهقه بشدة من الضحك عليها ثم قال مازحاً: -روحي نامي وأحلمي بحسونتك زي ما انتي عايزة. -وهتجوزني.
قالتها "سلمى" وهي تستدير برأسها له وهو يمشي خلفها ويمسكها من كتفها. ضربها على رأسها مبتسماً ثم تركها وذهب. دلف "إلياس" بها إلى جناح في فندق سياحي يطل على البحر مباشرة. ركضت إلى الداخل بسعادة طفولية تغمرها وفتحت الباب الجرار الكبير ورأت السرير كبير الحجم فركضت نحوه وجلست وهي تقول بأنبهار شديد: -أنت عارف أنا منمتش على سرير بالحجم ده من إمتي؟ ياااا أكبر سرير شوفته كان بتاعك في البيت بس ده أحلى بكتير واااااووو.
قالت جملتها الأخيرة وهي تمدد جسدها على السرير تجرب النوم عليه بفرحة كبيرة. وهو يقف على الباب متكئاً بكتفه عليه عاقداً ذراعيه أمام صدره ويضحك عليها وهي تتقلب في السرير يميناً ويساراً على شكل حلقات حتى سقطت طاقيتها الوردية عن رأسها مع لعبها. ضحك وهو لا يصدق بأن هذه الطفلة حقاً جراحة وتنقذ الناس بسذاجتها هذه. ظلت تتقلب في السرير بفرحة صانعة حلقات دائرية بجسدها يميناً ويساراً حتى اصطدمت بشيء صلب قوي. رفعت نظرها ووجدت
نفسها ملتصقة بصدره الصلب وهو يثني ذراعه الأيسر أسفل رأسه وينظر لها. رفع يده اليمنى يرتب شعرها المبعثر من لهوها. فأبقت ساكنة تماماً تنظر عليه فقط وهي تشعر بأنامله تترك خصلات شعرها بحنان وتنزل لوجهها وعيناها ومنهم إلى خصرها النحيل يحاصرها بذراعه وصدره. ثم انحنى قليلاً يقبل جبينها ثم عيناها بإثارة وخفوت. فأغمضت عيناها بإستسلام مستمتعة بتلك القبلات الناعمة منه التي تذيب قلبها حتى زادت ضرباته وتكاد أن تكسر ضلوعه من قوتها
بقلبها وكيانها. فرفعت يدها تتشبث بذراعه الموضوع على خصرها وهو يضع قبلته التالية على عينها الأخرى بحنان قبلة طويلة ناعمة. ثم ابتعد عنها وهمس بجوار أذنها وأنفاسه الدافئة تداعب أذنها قائلاً:
-هأجل أي حاجة لغاية ما تجيبي فستانك أعملك فرحك اللي بتحلمي بيه. فتحت عيناها بخفوت ثم هتفت ببراءة: -أنا مش عايزة فرح. أنا فرحي الكبير إنك رجعتلي سالم. مش هطمع أكتر. أبعدها عنه وهو يحملها من منتصف السرير على ذراعيه وهو يقول: -من حقك ياحبيبتي تطمعي زي كل البنات وتعملي فرح وشهر عسل. أنزلها على السرير مجدداً برفق فوق وسادتها. مسك يدها بين كفيه بحنان ويكمل حديثه قائلاً:
-اطمعي فيا يادموع زي ما انتي عايزة لأبعد الحدود. أوعي تبطلي تطمعي فيا. أنا عايزك طماعة فيا أنا وبس. تشبثت بيدها في كفه وجذبت نفسها للأعلى لتجلس على السرير ثم عانقته بقوة وهي تقول بحب: -أنا عمري ما كنت طماعة في حاجة قد ما أنا طماعة في حبك. وطمعي وصلني لمرحلة الهوس والجنان. بحبك وأنا راضية. بس أوعدني إنك تبقي حقيقي. خايفة تطلع تهيؤات أو حلم أصحى ملاقكش جنبي. أربت على ظهرها بحنان مبتسماً ثم قال: -حقيقة ياحبيبتي. حقيقة.
ابتعدت عنه وذراعيه مازال حول عنقه فقالت بهمس وعيناها تحتضن عيناه بعشق يفيض من قلبيهما: -قول والله. -والله. قالها بخفوت شديد وهو يضع خصلات شعرها خلف أذنها وبسمتها ترسم في ملامحه بالكامل. سقطت "على" على كرسيه بصدمة ألجمته وقال بتلعثم شديد: -ورم... أثير... مراتي... أربت الدكتور على كتفه بأسف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!