ذهب "إلياس" إلى النادي وجلس على الطاولة وقال بخفوت وهو يمسك الجريدة: -رائد إلياس، كلمت حضرتك في التليفون، خليكي زي مانتي ومتبصيش وراكي. سمعت "كارما" جملته من خلفها ولم تستدر كما طلب وسألته: -خير؟ حضرتك طلبت تقابلني ليه؟ أجابها وهو يقلب في الجريدة بهدوء:
-محتاج مساعدتك عشان أقبض على جوزك. أنا مش هقولك ليه ولا هفرض عليكي تساعديني، لما أقوم خدي الجرنال من على الطاولة هتلاقي جواه تقارير أنا كاتبها عن جوزك وفساده وجرايمه، بس معيش إثبات يخليني أطلع أمر اعتقاله. وبعدها قرري هتساعديني ولا لأ. وترك الجرنال ورحل. وقفت وهي تنادي على طفلتها الصغيرة أثناء لعبها، وأخذت الجرنال بسرية ورحلت. خرج "إلياس" من النادي و"علي" ينتظره في سيارته. فتح باب السيارة وركب بجواره.
-أنا مش موافق ولا مقتنع باللي بتعمله ده. قالها "علي" بتذمر وهو يشعل محرك السيارة. تنهدت "إلياس" بهدوء ثم هتفت بلهجة جدية للتوضيح: -ليه بقى؟ كارما بتدور وراء جوزها وبتروح تقابل أهالي الضحايا، ده دليل كافي إن عندها مبادئ ومش قابلة بفساد جوزها. أجابه "علي" باقتناع وخوف عليه قائلاً:
-كلام منطقي. بس كارما بتدور وراء جوزها وهي متأكدة إنه مش هيأذيها لأنها أم بنته، لكن أنت لو حاسس إنك رجعت تدور وراءه تاني يبقى الله يرحمك. وبعدين مش يمكن كارما عايزة توصل لدليل عشان تواجه بس بقوة مش تنشر فساده، ولا عايزة يتقبض عليه وبكده ممكن تطلع من هنا على معتصم وتقوله كل حاجة. أردف "إلياس" بثقة وهو يخرج هاتفه من جيبه قائلاً:
-الصحفية اللي ترفض وسائط جوزها ومكانة رئيس تحرير وتقرر تبدأ من الصفر بمجهودها زي باقي زمايلها، مستحيل تكون بتدور عشان مواجهة تافهة بينها وبين جوزها. كارما هي السلاح اللي هنقضي على معتصم بيه، فهمت؟ اقفل على الموضوع ده عشان أكلم دموع. وضع هاتفه على أذنه واتصل بها. -رجلي بيتصل يا دموع. قالتها "حنين" وهي تجلس في غرفتها. خرجت من المطبخ ركضاً حين سمعت جملتها، تحمل صينية الساندوتشات والعصير، وضعتها على المكتب بسرعة،
والتقطت هاتفها وأجابته: -عمو. أتاها صوته عبر الهاتف وهو يقول بهمس حتى لا يسمعه "علي": -واحشتيني، بتعملي إيه؟ جلست على السرير بسعادة وقلبها ينبض باسمه وحده، وتزيد ضرباته وهي تستمع لصوته وصوت أنفاسه. ثم هتفت بخفوت وخجل قائلة: -بذاكر مع حنين، وأنت كمان واحشتني جداً يا عمو. بقالي أسبوع مش بشوفك بسبب شغلك ومدرستي. ابتسم ببهجة وهتف بعفوية ونبرته دافئة تحتوي قلبها بها قائلاً:
-أنا جاي كمان ساعة ونص، ساعتين، جهزي نفسك. هخرجك النهاردة مكان جديد، وألبسي تقيل، الجو بدأ يسقع. أردفت ببراءة وهي تلعب بأصابعها في ركبتها قائلة: -حاضر، خلي بالك من نفسك. أجابها بخفوت شديد من وجود صديقه بجواره وهمس يلعب على أوتار قلبها الصغير ويذيبه في بحر عشقه قائلاً: -بحبك. -وأنا مش بحبك بس، أنا بعشقك وبتنفسك.
قالتها بدلال يفرط قلبه العاشق ويذيبه حتى يكتفي بعشقها هي وحدها فقط. نبرتها الدافئة زادت من ضربات قلبه وارتباكه وأثارت رغبته أكثر بها وبضمها. في تلك اللحظة تمنى لو كانت أمامه لكان سرق عيناها بعيناه لعالم أخري لا يرى ولا يسمع به سواها هي فقط. أغلقت الخط معه وتنهدت بارتياح وهيام شاردة بصوته وصورته في مخيلتها، وصرخت حين رأت "حنين" تجلس خلفها مباشرة. رفعت حاجبها بدهشة من صديقتها وسألتها بفضول: -رجلي ده إلياس صح؟
ابتسمت كالبلهاء وهتفت بحب ونبرة هادئة وهي تمدد جسدها على السرير وتنظر للسقف قائلة: -رجلي وبس. ده رجلي وولي أمري وحبيبي وحياتي وروحي وكل دنيتي. ده عمري اللي جاي وسعادتي وحلمي. عمو هو كل حاجة ليا، هو أنا اللي من غيره لا أكون. مددت "حنين" جسدها على السرير بجوارها تنظر لصديقتها وعشقها الذي يفيض من نبرتها الحنونة وعيناها العاشقة، وسألتها بفضول: -هو الحب بيعمل كده؟ نظرت "دموع" لها وأبتسمت بفخر بحبيبها، ثم تمتمت بسعادة تسكن
عالمها الصغير بسببه هو:
-وأكتر من كده، لما يكون مشغول جداً في الشغل ويتصل يطمن عليا. ولما يقعد يأكل مع أصحابه في القسم وقبل ما يحط حاجة في بوقه يتصل يسألني أكلتي ولا لأ. ولما يتصل يهزر معايا ويضحكني قبل ما يطلع أي مهمة عشان مقلقش عليه رغم إنه مبيقوليش بس بعرف. ولما يكون راجع تعبان الفجر وهيموت ويشوفني ويمنع نفسه عشان ميدخلش أوضتي ويحرم دخولها عليه لحد ما نتجوز. لما بعد كل خناقة بينا وأنا عارفة إني غلطانة وبدلع عليه، هو اللي ينزل يشتري هدية
ويصالحني. لما مرتبه يقرب يخلص قبل الشهر ويحرم نفسه من أي حاجة عشان لو أنا عايزة حاجة. لما كل وقت يكون فاضي فيه يخرجني خروجة جديدة عشان مزهقهاش من قعدة البيت. لما يمسك إيدي لحظة خوفي. لما يبوس رأسي ويحضني بعد كل لحظة رومانسية. لما أخرج أنام في الصالة ويقدر يشوفني عشان عارفة إني وحشته وهو مش هيدخل هنا. لما أدخل المطبخ أبوظ أي حاجة المهم أعمله أكل يأكله بدل أكل الشغل. لما أنفذ تعليماته بالحرف مش عشان بيتحكم فيا، لا عشان
بحبه وهو بيعوضني ومش رامييني، يبقى أنا عديت معه كل مراحل الحب، وصلت لعشقه بجنونه.
ابتسمت "حنين" وقالت بهيام: -هو الحب حلو بالشكل ده؟ قامت "دموع" من مكانها باستعجال لكي تتجهز قبل وصوله، ثم هتفت ببراءة: -الحب حلو كده عشان العلاقة مبنية على اهتمام وتقدير، ومهما يمر ومهما انشغلنا عن بعض عمرها ما بتفقد شغفها وشوقها، ودايماً عايزين أكتر عشان حامينا علاقتنا وحبنا من لحظة ملل أو ضيعنا وقتنا في الخناق وخصام. بنتخانق بس مبنديش للخصام أكتر من دقائق.
فتحت الدولاب وأخرجت ملابسها عبارة عن بنطلون جينز وتي شيرت بكم وبلطو جلدي، ثم ركضت للحمام باستعجال تريد أن تتجهز سريعا قبل وصول حبيبها، فهي مشتاقة له بهوس لم تراه منذ أسبوع، تكتفي بسمع صوته في الهاتف فقط. دلف "معتصم" إلى غرفة نومه مساءً، بعد أن مر على غرفة طفلته الصغيرة. وجدها تجلس على السرير، تمدد قدمها بارتياح وتقرأ كتابًا. ترتدي بيجامة حرير ذات اللون الكحلي، وشعرها مسدول على كتفها الأيمن.
خلع جاكيته وهو يقترب منها، وقلبه يتسارع في نبضه من جمالها وهدوئها. جلس أمامها، ولم تخرج نظرها عن كتابها. أقترب منها ووضع قبلته المعتادة على وجنتها، فأغمضت عيناها باشمئزاز من لمسته، وهي تفكر كيف قتل العديد من الأبرياء بأدويته. ثم نزل يضع قبلة على خدها بلطف، ويداه تحتوي ذراعيها تجذبها له أكثر. هتفت بضيق وكتابها يسقط منها مع جذبه لها قائلة: -معتصم، مش وقته.
أجابها بخفوت شديد ونبرة دافئة مليئة بالحب والشغف، وهو يكمل ما يفعله ويقبل خدها الآخر ويستمر يجذبها حتى التصقت بصدره قائلاً: -وحشاني جدًا يا روحي. حاولت مقاومته وهي تحرك جسدها بضيق بين ذراعيه وتهتف بتمرد: -معتصم، خليني أشوف البنت الأول طيب. بجد أنا تعبانة. أبتعد عنها وتركها تخرج من بين ذراعيه وأحضانه، وهتف بلهفة وخوف شديد عليها يتفحصها بكل مكان بعينيه قائلاً: -مالك يا حبيبتي، فيكي إيه؟ أجبلك دكتور؟
نظرت لعينيه بضعف، وكيف تحاربه وهي عاشقة له منذ أكثر من 12 عامًا. غارقة في عشقه وأسر عينيه، صراع كبير بداخلها. عقلها يراه مجرم قاتل، أما قلبها يراه عاشق فقط. هتفت بإحراج من نظرات خوفه عليها قائلة: -سلامتك يا حبيبي، أنا كويسة. مسك يدها بين كفيه بحنان ودفء وقال بتفاهم مبتسمًا لها: -خلاص يا حبيبتي، بلاش مادام أنتِ مش عاوزة، وأنا مقدرش أغصبك، وأسف لو زودتها عليكي وضغطت على رغبتك. كملي كتابك وأنا هاخد حمام.
نظرات عينيه لها واعتذاره لها على لمسها دون رغبتها، وجعلتها ملكة امرأة بطريقته هذه، واهتمامه لرغبتها رغم رغبته بها، جعلتها تضعف أمامه وقلبها يخرس عقلها المتمرد في تلك اللحظة. وضع قبلة في قلب كفها بعد اعتذاره، وكاد أن يقف، لكنه أوقفها تشبثها به حين أغلقت أصابعها على قميصه من فوق صدره. نظر لها فابتسمت له ابتسامة ساحرة. أقتربت وهي تجلس على ركبتيها فوق السرير أمامه، ووضعت قبلة على خده برفق. نظر لعيناها بتساؤل، وأعطته الإجابة حينما لفت ذراعيها حول عنقه مبتسمة له. أبتسم لها وهو يحاوط خصرها بذراعيه وينزلوا فوق السرير، ويمسك ريموت الكنترول وهو يحتضن شفتيها بشفتيه بقبلة ويغلق الأضواء.
توقف "إلياس" بسيارته أمام العمارة، ثم ترجل منها. وكان على الصعود للأعلى، لكنه توقف على درج العمارة حين رآها تنزل أمامه برقة وخطوات ثابتة. ترتدي فستانًا سماويًا بكم وبه حزام سماوي من الخصر منتهي برابطة خلف ظهرها يظهر نحافتها، قصير يصل لركبتها، ومعلق الصدر والظهر. وتحمل بيدها بلطو جملي اللون جلد، وشعرها تمامًا كما يعشقه مسدول على ظهرها حر. ترتدي حذاءها الرياضي كعادتها، فضحك عليها وهي تنزل على حذائها. وصلت أمامه وأعلاه
بدرجتين، فأصبحت بطوله الآن. ابتسمت له بسعادة، وأموت وجنتها من نظرات إعجابه وانبهاره بها. تزيد حمرتها من جمالها الساحر، الذي جعل "سيد" يومًا ما يجعلها راقصة بسببه. وعيناها الخضراء كانت أقل ما يقال عنها ملكة جمال العالم الصغيرة، أو حورية من جنة هبطت على الأرض.
كان ينظر لها بانبهار شديد. لأول مرة ترتدي فستانًا في خروجها معه، وتضع ملمع شفايف لأول مرة يزين شفتيها ذات اللون الكرزي. مشتاق بجنون لها بلا حدود، أسبوع بأكمله لم يراها، رغم أنها معه تحت سقف واحد. أراد أن يشبع عينيه من النظر لها ولملامحها وعينيها التي أسرته من أول لقاء لهم بالحانة. ظلت تحتضن عينيه بعينيها صامتة، تنتظر أي رد فعل أو تعقب منه عليها، تنتظر كلمة يتفوه بها تكفيها. لكنه كالمعتاد فعل غير ما تتوقعه. صعد درجة
الدرج التي تفصل بينهما، واحتضن رأسها بين كفيه الكبار، ثم وضع قبلة على جبينها بلطف طويلة. تنفست باشتياق، وكأنها كانت تحت الماء منذ زمن طويل، وصعدت للتنفس الآن. رفعت يديها الآن تضعهم فوق خصره من الأمام. أرادت أن تبقى هكذا طول حياتها، وأن يتوقف الوقت بتلك اللحظة. شعرت بشفتيه الدافئة تلتصق بجبينها بقوة، وكأنه يريد التهام وجنتها بهما. أغمضت عينيها مستمتعة بتلك اللحظة، يتناغمها ضربات قلبه وكأنه يصدر موسيقى عشق تليق
بلحظتهما. تمسك برأسها بقوة واشتياق، وهو يشم رائحة شعرها الفريدة. يريد الآن ضمها بصدره وحملها على ذراعيه، ثم يركض هاربًا بها بعيدًا لأرض لا يسكنها بشر، يسكنها فقط عشقهما وهما.
أبعد شفائه عن جبينها برفق. عيناه لعيناها تأملها وهي مغمضة العينين، وتفتحهما ببطء، شيء ليبث منهما نظرة حب دافئة ممزوجة ببراءتها، وكأن عيناها ألقت تعويذة عليه. فتلك اللحظة التي فتحتهما بها، فرغب بجنون في تذوق عيناها الخضراء بشفتيه، ولكنه نفر تلك الرغبة مقاوماً لها بكل قوته. مسك يدها بيده بحب ونزل بها، فتح باب السيارة لها وجعلها تركب أولاً، ثم هو وقاد بها. سألها بهدوء وهو يربت على يدها بأصابعه المتشابكة معها:
-معلش ياحبيبتي أتاخرت عليكي، أضطرت أسلم تقرير القضية النهاردة في الحجز اللي حجزته، راح علينا. تحبي نروح فين؟ أرتبكت بخجل شديد وهي تحاول أن تبدأ جملتها بنطق اسمه لأول مرة من شفتيها، ولكنها لم تنجح. فهتف بخفوت: -ولا يهمك، ممكن نروح أي مكان. نظر لها وهو يقود ثم هتف بهيام وحب ونبرة دافئة قائلاً: -أنتي نفسك تروحي مكان معين، هوديكي. عضت شفاتها السفلى بخجل وهي تنظر له وهو يتبادل النظرات بينها وبين الطريق،
ثم هتفت بسعادة طفولية: -أنا نفسي أمسك أيدك ونمشي على الكورنيش مع هواء النيل، وتشتريلي أيس كريم ووردة حمرا، ونتصور سوا كتير، ونخلص ونروح نأكل كشري في أي محل بدل المطاعم الفخمة اللي بتوديني لها. ضحك عليها بسعادة وهتف بجدية مبتسماً لها وهو يغير طريقه بالسيارة قائلاً: -يبقى نروح الكورنيش ونأكل كشري. كادت أن تقفز من مكانها بسعادة وقالت: -قول والله. نظر لعيناها مباشرة بشغف وهتف بنبرة ناعمة بهمس شديد قائلاً: -والله.
أحمرت وجنتها بلون الدم من شدة خجلها بسبب همسه ونبرته.
أخذها "علي" معه في حفلة زفاف أحد أصدقائه، وذهبت مع الفتيات وأبقى هو مع أصدقائه، ونظره عليها يراقبها، يعلم بأنها متمردة ولكنها تخشى وجودها مع أشخاص لا تعرفهم. ظل يحدق بها وهي تجلس على كرسيها وترتدي فستان لونه موف بكم للمحجبات وتلف حجابها الذهبي، وجهها خالي من المكياج باستثناء عيناها تزينهما بكحل، شفتيها بأحمر شفايف لون فستانها. أدارت رأسها بملل ورأته يتحدث مع صديقه وهو يضحك بشدة، مرتدياً بنطلون جينز وقميص موف فاتح
وعليه بليزر أسود اللون وشعره مرفوع للأعلى. وقفت بملل وهي تمسك شنطتها الفضية الصغيرة بيد، فستانها الذي يعوق قدمها وخطواتها وسع بيد، وذهبت نحوه. شعرت بخوف شديد حينما تغزل بها شاب آخر وهي تمر من أمامه. وصلت بجواره وشعرت بالشاب يأتي خلفها، نظرت ليد حبيبها وأدخلت يدها الصغيرة في قلب كفه بلطف.
-يا راجل، طب أعزمني أنا جاي وش. قالها "علي" لصديقه وهو يضحك معه. شعر بشيء دافئ يلمس يده، وكأنه يختبئ بحضن كفه من العالم الخارجي. نظر ليده ورأى يدها تتشبث بيده، استأذن صديقه ورحل. ولم يهتم "علي"، رفع نظره لها وهتف بخفوت شديد يتغازل بها قائلاً: -يخربيت جمالك، هو في كدة. أعتقدت بأنه يتغزل بمظهرها، وأخفضت رأسها بخجل أرضاً. فقال مجدداً بحب وهو يغلق قبضته على يدها الصغيرة يحتويها: -أول مرة بنت تمسك إيدي، وبالرقة دي.
رفعت رأسها بذهول، أهو يتغزل بلمسة يدها وليس بها؟ سألها بخفوت شديد قائلاً: -هو مش كتب كتابنا بكرة برضو. أشارت إليه بنعم مبتسمة، فهتف وهو يذهب بها قائلاً: -حلو جداً، تعالي نسلم ونمشي من هنا لأحسن اتخنقت. ابتسمت بسعادة وهو يمشي بها ماسكاً يدها. مر من أمام الشاب بها ولم تعر انتباه له، فهي بأمان الآن ومعه وحده تشعر بأمان وطمأنينة.
كانوا يمشوا معاً على الكورنيش متشابكين الأيادي كما طلبت، والهواء القوي يداعب خصلات شعرها ويجعله يتطاير معه بقوة، والبسمة تعلو شفتيها. توقف وحملها من خصرها بسهولة من صغر حجمها، وجعلها تجلس على سور الكوبري ولف ذراعيه حول خصرها، وضعهما خلف ظهرها حتى لا تسقط للخلف. رفعت يدها تلعب بخصلات شعره الأمامية وترفعها للأعلى بعد أن بعثرهم الهواء، وهو يتأملها بقلب عاشق وطامع بعشقها إلى بلا حدود. جاءت لهم سيدة تحمل ورد،
ومدت يدها له بوردة وقالت: -يارب تجوزها يارب يابيه، خد مني وردة. ابتسم لطفلته وأسندها بذراعه الأيسر، وأخرج الأموال بيده اليمنى وأعطاها للسيدة واشترى لها وردة. ذهبت السيدة لغيره. مد يده لها بالوردة ضاحكاً لها وقال بأمل: -يارب تتجوزها يارب آمين، ده أنا عايز مصر كلها تدعيلي أتجوزها، اللي مجنناني دي، وقبلتني لمراهق واخد البت بتاعته على الكورنيش. ضحكت وهي تأخذ منه الورد بسعادة طفولية وتشاكسه ببراءتها:
-يارب وأمين، ويارب أتجوزه. أنا مجنناك، ماشي، بكرة تشوف الجنون على أصله. سألها بنفاذ صبر وفقد قدرته على تحمل المزيد من الانتظار قائلاً: -فاضل قد إيه. نظرت ساعتها وأجابته بحزن عميق بعد أن قوست شفتيها للأسفل كارهة الانتظار أكثر قائلة: -10 شهور و 27 يوم و 8 ساعات و 16 دقيقة 23 ثانية. ضحك عليها وهي تحسبها بالثواني وزفر بضيق وهو يشبك أصابعه ببعضهم خلف ظهرها قائلاً: -لسه كل ده، يا مصبر صبرني وقويني.
ضحكت بسعادة طفولية وهي تميل بظهرها للخلف، فمسكها بقوة بخوف من أن تسقط منه في النيل، وتغيرت تعابير وجهه للهلع والرعب عليها. أردفت بخفوت شديد وهي تضع يدها فوق أكتافه تستند عليه من السقوط عليها بعد أن جذبها بخوف قائلة:
-أنا بحبك لدرجة إني نفسي متسبنيش أبداً لحظة، ولا حتى تروح الشغل، وبتوحشني على طول، وعلي بالي طول الوقت، لدرجة لما بكتب واجباتي بشيل الأسماء اللي في الكتاب وأكتب اسمك أنت. عمو متسبنيش أبداً، حتى لو مش عايز تتجوزني، أنا موافقة وراضية بوجودك جنبي. أخرج من جيبه علبة صغيرة مربعة الشكل وفتحها. رأت خاتم زواج بها رقيق الشكل، سُلق بأصابعها النحيلة، وهتف بحب وهو ينظر لها ويده الأخرى خلف ظهرها قائلاً: -تتجوزيني يا دموع؟
دمعت عيناها الخضراء من السعادة غير مصدقة فعلته هذه، وهزت رأسها بالموافقة. ابتسم لها ومسك الخاتم بيده ووضعه بخنصرها الأيمن وقال يتمتم وهو يحاوطها بيده: -حطي أيدك في جيب القميص وطلعي دبلتي. أخرجت الدبلة، فمد يده اليمنى لها، مسك يده بيد والأخرى بالدبلة ووضعتها في خنصره، وهتفت ببراءة مردفة: -أنت دلوقتي بقيت ملكي وبتاعي، مش مسمحولك تأذي نفسك، ولا جسمك ده ملكي أنا. -ملكك من أول لحظة شوفتك فيها، حاضر.
قالها بسعادة وهو يغمز لها بعينيه. نظرت على يدها والخاتم يزينها بسعادة تغمرها كالبلهاء، ثم نظرت له بشغف وهتفت برقة شديدة ودلال قائلة: -عمو، أنا نفسي أحضنك، ينفع. نظر لعيناها وبريقها الساحر له وهتف بتهكم قائلاً: -حضن بس. عمو نفسه في حاجات كتير، بس بما إني رجل قانون وأفهم فيه، اللي نفسي فيه يعتبر جريمتين. الأولى أنك قاصر، والثاني فعل فاضح في الطريق العام. ضحكت وهي تلف ذراعيها حول عنقه وتعانقه بقوة وتهتف في
أذنه بسعادة طفولية قائلة: -شالله يأخدوني عشر شهور سجن. بادلها العناق وهو يضغط بيده على ظهرها ويرفعها برفق وهي تتعلق بعنقه، وأنحنى قليلاً لينزلها أرضاً حتى تصل قدمها للأرض. أبتعدت عنه ومسك يدها بجنون وركضوا معاً وهم يضحكون بقوة من قلبهما، وذهبوا إلى محل كشري وطلبوا طبقين. نظر لساعته ووجدها 12 في منتصف الليل، جاء النادل ووضع الأطباق. قلب طبقه وأعطاه لها، ثم قلب طبقها له. أكلت من طبقها وأرادت مشاكسته
فقالت بطفولية وعناد: -دوقني كده من طبقك، طعمه عامل إزاي. ضحك علي فعلتها التي أصبحت عادة لها وهم يأكلون معاً وقال: -بطلي رخامة يابت، عايز آكل.
ضحكت عليه وأكلت من طبقه، تشاكسه، فاعل المثل معاها، فضحكت كيف يكون رجل بسنه ويعاندها هكذا ويلعب معها. أنتهوا وخرجا معاً وهو يمسك يدها اليسرى ويقف يدفع الحساب، وتنظر هي على دبلتها بفرحة تغمرها، والآن أنتقلت من حبيبته إلى خطيبته، وتنتظر على أحر من الجمر أن تنتقل إلى زوجته. أخذها واشترى لها أيس كريم، وهكذا يكون حقق لها أمنيتها بالكامل. أوقف سيارته أمام العمارة، نظر عليها ورأها نائمة بجواره ورأسها متكئة على الباب. ترجل من
سيارته وفتح الباب، كادت رأسها أن تسقط. أقترب بسرعة ووضع يده أسفل رأسها. أخذ البلطو من فوق قدمها، مسكه بيديه، ثم حملها على ذراعيه بحنان وأغلق سيارته وصعد بها بتذمر شديد ووجه عابس، أراد أن يحتفل معها بمناسبة خطبتهما، لكنها تركته ونامت. فتح باب الشقة ومنها إلى غرفتها، يضعها بفراشها وخرج مسرعاً، فهو يأبى دخول غرفتها. فتح الثلاجة ورأى التورتة التي اشتراها من أجل احتفالهما، فتذمر بوجه عابس، لا يستطيع الغضب أو التمرد عليها،
فحقا تأخر الوقت، ويبدو أنها تعبت اليوم من المدرسة إلى الدرس والعودة للبيت للمذاكرة، وخروجها معه بالتأكيد أرهقت جسدها. دلف إلى غرفته لكي ينام هو الآخر.
نزلت "فريدة" إلى الأسفل تحمل شنطة ملابسها. أوقفتها "نارين" بسؤالها: -أنتي راحة فين وإيه الشنطة دي. صرخت "فريدة" وقد وصلت لأقصى مراحل التحمل قائلة: -ماشية من القرف ده، أنا عملت بأصلي وفضلت معاكي الشهر ده بعد ما جوزك مات، لكن أكتر من كده لا. صدمت حين مسكتها "نارين" من شعرها بقوة ودفعتها للداخل وهي تصرخ بها قائلة: -امشي انجري جوا لحد ما زبون يتصل وتروحي له.
أغلقت الباب بغضب ودخلت. نظرت "فريدة" بغضب وإنفعال تتواعد بأن تقضي عليها الآن، وأخرجت هاتفها واتصلت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!