الفصل 4 | من 26 فصل

رواية راقصة الحانة الفصل الرابع 4 - بقلم نور زيزو

المشاهدات
19
كلمة
1,740
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

أستيقظ "إلياس" صباحًا على صوت خطوات هادئة في الخارج. أخرج مسدسه من أسفل وسادته وقام من فراشه بخفة دون أن يصدر أي صوت، ووضع يده على الزناد. فتح باب غرفته بخفة شديدة وخرج ليتبع صوت الخطوات. وجد نفسه أمام غرفتها.

وقفت "دموع" أمام الدولاب وأخرجت ملاية للسرير، ثم ذهبت نحوه وغيرت ملايته المتسخة. فتح باب غرفتها، فدلف "إلياس" يحمل في يده مسدسه. نظرت له بخوف وعيناها تتجول بين عينيه ومسدسه. ازدردت ريقها بخوف حين اقترب منها خطوة واحدة. -أنتي صحيتي إمتى؟

سألها بنبرة باردة وهو ينزل مسدسه، يتخلى عن سبب دخوله لغرفتها دون سبب ملموس وواضح. يخشي إن يخبرها بأنه تعرض للقتل، وقتلت زوجته، وما زال لا يعلم من يريد قتله، وأن كان سيحاول قتله مجددًا. أردفت بصوت مبحوح خافت من رؤيتها لمسدسه، قائلة: -من ساعة كده.

استدار لكي يخرج دون أن يهتم، ولمح بطرف عينيه في مرآة التسريحة ظل أحدهم خلف شرفة غرفتها. التفت لها مجددًا وهو يحاول أن يشتت انتباهها حتى لا تشعر بالخوف أو يعلم ذلك الشخص بأنه رآه. فقال مردفًا: -أنتي فطرتي ولا لسه؟ -لسه. تحب أحضرلك فطار؟ قالت بابتسامة تنبعث من عينيها. أشار إليها بنعم وعيناه على الشرفة، يريدها أن تخرج من الغرفة قبل أن ينشر رياح عاصفته في المكان. اقتربت خطوة منه متجهة إلى الباب.

رأى ذلك الشخص يخرج مسدسه ويكسر به شرفة غرفتها. صرخت "دموع" بفزع، فجذبها من يدها وأخافها خلف ظهره وأطلق رصاصة نحو النافذة دون انتظار شيء. ركض نحو الشرفة وفتحها ولم يجد أحد. نظر في الشارع فوجد ذلك الرجل يركب على الموتوسيكل خلف صديقه وهرب. التف لها ورآها تقف منكشمة في ذاتها وترتجف. أهي تركت حياة الحانة لتعيش حياة مخيفة يسكنها الرعب مهددة بالموت؟ -غيري هدومك واجهزي عشان نخرج. مر من أمامها شاردًا يفكر فيما حدث.

أوقفه صوتها وهي تقول: -أنا معيش هدوم. أشار إليها بنعم دون أن يستدير لها. خرج من الغرفة ثم عاد إليها ببعض الملابس الخاصة بزوجته المتوفية. تجهزت من أجل الذهاب معه إلى حيث لا تعلم. دلف سعيد إلى مكتب "معتصم" وجده يجلس على كرسيه أمام المكتب يباشر عمله بإتقان ومهارة. اقترب منه ثم مد يده بملف يضعه على المكتب، وقال محدثه: -التقرير اللي حضرتك طلبته. ترك معتصم الورق من يده ومسك الملف وقال بجحود: -عملت إيه في الموضوع التاني؟

وقف "سعيد" يضم كفيه أمامه بخذلان وقال بخفوت وخوف من هذا الرئيس الغاضب: -ملحقش يدخل الشقة، إلياس شافه فأضطر يهرب قبل ما يمسكه ويكون ورقة لتهديد حضرتك. قذف "معتصم" الملف بوجهه غاضبًا من فشل رجاله المتكرر، وضرب المكتب بقبضته وقال: -عشان أغبياء! حتة ضابط مفعوس مش عارفين تخلصوني منه! مش قادرين على الشغل ولا قده؟ قولولي وأنا أجيب غيركم يشتغل بربع مرتبكم.

-يا فندم إلياس مش زي أي ضابط. إحنا قبل ما ناخد الخطوة بيكون مستنينا. إحنا غلطنا لما فكرنا أن موت مراته هده وكسره... اتجه "معتصم" إلى الشرفة واضعًا يديه الاثنتين في جيبه، ملتزمًا الصمت ويكبت غضبه بين ضلوعه. نظر "سعيد" أرضًا يعلم أن صمته هدوء ما قبل العاصفة. أخرج "معتصم" تنهيدة قوية من بين ضلوعه ثم قال محدثه بمكر: -أخبار أخته إيه؟ ابتسم "سعيد" بشر وقال بجدية: -في جامعتها دلوقتي.

فتح "معتصم" شرفة المكتب واتجه نحو ماكينة القهوة ثم أحضر فنجانه وهو يقول بجدية ونبرة تهديد محذرة من أي خطأ: -عايز أشوفها، وأياك من أي غلط المرة دي. مفيش حاجة اسمها رجالتك. لو مجبتهاش أنا هاخدك رقبتك الحلوة دي من على كتفك... وضع "سعيد" يده اليسرى على عنقه وازدرد ريقه وقال بصوت مبحوح: -تمام يافندم.

أشار إليه "معتصم" بالرحيل وهو يرفع فنجانه إلى شفتيه ثم ارتشق القليل منه بعد أن غادر مساعده وهو يفكر بأعماله المتوقفة بسبب هذا الضابط الذي يدعي الشرف والكرامة، فلدي كبرياء أكبر من أموال "معتصم" وبحر لا يستطيع أحد إيقافه أو جعله ينحني له. دق جرس الباب. خرجت "أثير" من غرفتها ثم فتحت الباب ورسمت بسمة بهجة على شفتيها فور رؤية أخاها أمامها، فعانقته بسعادة وهي تقول مردفة: -أخيرًا افتكرت أن ليك أخت تسأل عليها يا حضرة الظابط.

أبعدها عنه وهو يقول ببرود: -أمك هنا. نكزته في كتفه تساخره بحديثها: -يا سلام قول بقي إنك جاي تصالحها. عندك في المطبخ. -خليها معاكي. قالها واتجه إلى الداخل. نظرت باستغراب له ورأت "دموع" تقترب منها من خلف الحائط خائفة وصامتة ويظهر عليها توترها بوضوح. اكتفت بابتسامة صغيرة وأدخلتها إلى الداخل. دلف إلى المطبخ ووجد أمه تقف أمام البوتاجاز وتطهي الطعام. أردف ببرود شديد: -أمي. سمعت صوته وأصطنعت الغضب حتى أنها لم تلتفت له.

اقترب منها وقال: -ممكن خدمة منك؟ استدارت له بذهول، فهو لم يأت لمصالحتها كما اعتقد الجميع، بل جاء لسبب آخر يجهله الجميع ويعلمه هو فقط. سألته بفضول: -خير يا حضرة الظابط. ضحك ساخرًا، فالجميع يردعه بضابط الشرطة في حديثهم بدلًا من اسمه. جلس على أحد الكراسي وقال: -في بنت برا غلبانة جدًا مالهاش أهل ولا حد... بترت "جميلة" الحديث من فمه بحديثها قائلة: -وجايباها لي عشان أساعدها؟ دي بقي اللي أبوك شافها في بيتك ولا واحدة غيرها؟

أشاح نظره بعيدًا عن عينيها ثم وضع يديه في جيبه مع تنهيدة قوية وزفر من تتبعهم على تصرفاته كطفل صغير، وقال: -هي عندها 17 سنة. زفرت أمه بضيق من تصرفاته وخرجت من المطبخ قائلة: -لما أشوف آخرتها معاك يا ابن بطني.

دلفت للصالون وهو خلفها، فرآها تجلس مع "أثير" تتفحص المكان بعينيها وتنكمش في ذاتها وكفيها يحتضنان بعضهما البعض بتوتر. اقتربت منها "جميلة" بذهول من جسدها الضئيل وعينيها البريئة الممزوجة بنظرة خوف من العالم بأكمله وكافة الناس أجمعين. جلست "جميلة" بجوارها ثم نظرت له بشفقة على حال هذه الطفلة، ثم أردفت بصوت حنون وهي تربت على كتف "دموع" قائلة: -اسمك إيه ياحبيبتي؟ نظرت "دموع" له بارتباك، فأشار إليها بنعم. عادت بنظرها

إلى أمه ثم قالت بخفوت: -دموع اسمي دموع. شهقت "أثير" بذهول وقالت: -ليه الاسم الحزين ده؟ -أثير قومي ادخلي جوا. قالتها "جميلة" بصرامة بعد أن رمقتها بنظرة جدية حادة. وقفت "أثير" ودخلت إلى غرفتها. أربتت "جميلة" على قدم "إلياس" بحنان وقالت بابتسامة: -قوم شوف وراك إيه. وضع يديه على ركبتيه مصاحبًا بتنهيدة خفيفة ووقف. وقفت "دموع" بسرعة مع وقوفه. أردفت "جميلة" بهدوء مبتسمة، قائلة:

-اقعدي يابنتي هو هيروح شغله. ولا هتروحي معاه الشغل؟ نظرت "دموع" له بخوف من تركها في هذا المكان الغريب. كانت نظرتها تترجاه بعدم تركها هنا وحدها. أشار إليها بإيجاب ودلف إلى غرفة أخته. جلست "جميلة" معها وابتسمت لها وبدأت تسألها عن حياتها وتخشى "دموع" أخبارها بحقيقة كونها راقصة حانة. نزلت "نارين" من الأعلى ووجدت "فريدة" تجلس على أحد الكراسي أمام البار وترتشف كأس من العصير. أردفت "نارين" بغيظ قائلة: -هي الهانم مورهاش شغل؟

قومي انجري نضفي المكان مع باقي البنات. صرخت "فريدة" بتذمر وهي تقف وتضرب البار بيدها قائلة: -حاضر. ودلفت إلى الداخل. جاء "سيد" إليها وجلس بجوارها. نظرت له باشمئزاز ثم للأمام وقالت: -يعني المحروسة مشرفتش؟ ولا أنت ناوي تسيبها هربانة كتير؟ ولا أنت مستغني عن رقبتك لما يلف حوالها حبل المشنقة؟ -هجبها النهاردة بليل تكون عندك وتحت أيدك. قالها وهو يقف بملل وغيظ من تصرفات "دموع" وهروبها.

تجولت "أثير" في المول وسط محلات الملابس بصحبة "دموع" لكي تشتري لها ملابس جديدة كما أمر أخاها الأكبر. أشتروا الكثير ثم جلسوا في كافيه المول. جلست "أثير" تراقب هذه الطفلة التي بصحبتها وتأكل الأيس كريم بانبهار وسعادة تعلو وجهها، ساكنة عيناها الخضراء لتجعلهم أجمل بكثير. كانت تنظر حولها بذهول من عدد البشر الموجودين حولها في هذا المكان الذي لم تراه مثيل له من قبل في حياتها أو أحلامها، وبسمة مشرقة مرسومة على شفتيها الصغار.

دفعت "أثير" الحساب وخرجوا معًا من باب المول الخارج. -هنروح فين؟ سألتها "دموع" بسعادة وعيناها تنتظر أن تخبرها بذهابهما لمكان آخر غير هذا ولا يعودان للبيت. مسكت "أثير" ذقن "دموع" بسبابتها بلطف مبتسمة لها وقالت مردفة: -هنشتري هدية صغيرة من "إلياس" ليكي. نظرت "دموع" لها بدهشة وقالت بسعادة تغمرها غير مصدقة ما قالته وأن هذا الوحش سيهديها هدية، مردفة: -بجد؟

وفور انتهائها من جملتها، وقفت سيارة سوداء أمامهما الاثنان. استدارت "دموع" بقلق بسيط ونظرت للسيارة. ترجل رجلان من السيارة وما هي إلا ثواني معدودة وأخذوها في السيارة تاركين خلفهم الأخرى. وصل "إلياس" إلى شقته وأخرج مفتاحه وقبل أن يضعه في الباب، رن هاتفه برقم مجهول غير مسجل. فتح الخط وباب الشقة معًا. -آلو. قالها بهدوء كالمعتاد. أتاه صوت "معتصم" محدثه قائلاً: -إيه الجبروت ده يا أخي؟

شهرين بدورلك على نقطة ضعف غير المدام الله يرحمها ومش عارف أوصل لحاجة. أنت إيه؟ ضحك "إلياس" باستفزاز وبرود واضح ثم قال: -أنا قدرك الأسود اللي نهايتك على إيده، بس متستعجلش. ضحك "معتصم" بالمثل باستفزاز أكبر ثم قال: -مش يمكن أكون أنا قدرك الأسود؟ خد كلام في حد حبيبي أوي عايز يسلم عليك.

دلف "إلياس" إلى المطبخ ثم فتح الثلاجة واضعًا هاتفه على أذنه. أخرج زجاجة مياه ليروي عطشه ثم توقف مكانه بصعقة قوية حين أتاه صوت أخته الصغرى عبر الهاتف وهي تبكي وتناديه بخوف: -إليـــاس؟ ألحقني أنا خايفة أوي، هما هيموتوني زي تيا. رفع يده على جبينه بخوف وعجز حين سمع صوت أخته وذكرته بمرت زوجته. قال بهدوء مصطنع مطمئنًا: -لا يا أثير متخافيش ياحبيبتي، هما مش هيأذوكي.

بتر "معتصم" حديثه من فمه حين أخذ الهاتف بعيدًا عنها وقال بجدية ممزوجة باستفزاز وغرور: -مستنيك يا حضرة الضابط في مكتبي بعد ساعة. مش محتاج منك غير إننا نتكلم شوية. متتأخرش لأحسن تترحم عليها، ولا مش باقي على حرايمك في عيلتك خالص. كبت "إلياس" غضبه بين ضلوعه وانحنى لرغبة هذا العدو، فهو قتل زوجته ولا يريد موت أخته هي الأخرى. وقال بعجز: -هجيلك بس متأذهاش. -مستنيك يا حضرة الضابط. قالها "معتصم" بانتصار وأغلق الخط.

ظلت "جميلة" تبكي بخوف على ابنتها وقالت: -أنا عايزة بنتي يا حبيبي، هاتلي بنتي. كله بسببك أنت أختي مخطوفة وهيقتلوها بسببك. صرخ "إلياس" بغضب شديد وهو يقف أمامهما قائلاً: -كله بسببي عشان بعمل شغلي بضمير ومبقبلش بالحرام. معلمتنيش ليه يا سيادة اللواء إن الزمن ده الشريف لازم يموت وينحني؟ معلمتنيش ليه إن مبقاش في حاجة اسمها أخلاق وشرف وضمير، وإن ده زمن الفلوس والنفوذ بس؟

صمتت "جميلة" بوجع وقلبها مقبوض من الخوف على ابنتها. لم يعقب "حبيب" على حديث ابنه. اتجه "إلياس" نحو الباب ثم أوقفنه أمه وهي تمسك يده وتقول بهلع: -أنت رايح فين؟ -رايح أرجعلك بنتك. متخافيش هما مش هيأذوها، هما عايزيني أنا. قالها "إلياس" وهو ينظر لعين أمه بثقة وشفقة على حاله. أردفت بخوف وهي تتشبث بذراعه بكلتا يديها قائلة: -طب ما أنت كمان ابني.

نزع يدها من فوق ذراعه وخرج تاركها خلفه غاضبًا، ولم ينتبه بأن تلك الطفلة التي أحضرها بنفسه إلى بيت أمه لم تعد تمامًا كأخته، ولا يعلم أين هي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...