الفصل 3 | من 26 فصل

رواية راقصة الحانة الفصل الثالث 3 - بقلم نور زيزو

المشاهدات
18
كلمة
1,415
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

أخرج "رامي" مطواة من جيبه. أرتعبت "دموع" من الخوف، فهي لا تعلم من هذا الرجل الذي أخرج مسدساً من العدم وتتحمى به. جذبها "إلياس" وأخبرها خلف ظهره، ونظر لـ"رامي" بتحدٍ. وهكذا "رامي" ثم بدأ المهاجمة على "إلياس". أوقف "علي" سيارته على بعد وهو يحاول أن يرى شيئاً بعد أن سمع صوت الرصاصة. صرخت "دموع" بهلع حين جرح ذراع "إلياس" من المطواة.

ترجل "علي" من سيارته على صرختها، وحين وصل وجد "إلياس" يكاد يخنق "رامي" بعد أن لكمه بعنف حتى سالت دماءه. "سيبوا يا إلياس، أنت اتجننت؟ هتضيع مستقبلك عشان كلب زي ده." قالها "علي" وهو يجذبه بعيداً عنه. و"إلياس" لم يشعر بشيء سوى بركان بداخله يثور ويريد قتل هذا الرجل. أخرج "علي" الكلبشات من جيبه ووضعها في يدهم جميعاً، وأخذهم في السيارة.

استدار لها وانتفض جسدها مصاحباً بشهقة قوية خرجت منها ومن هذا الوحش الذي كان يقاتل أمامها ومسدسه ومن أين ظهر صديقه هذا. دقائق معدودة حدث بها كل هذا، ثم ذهبت عيناها إلى جرح ذراعه وهو ينزف. أشاح نظره عنها وعن نظرتها البريئة التي مزجها الخوف مع شعاع من الأمل بأنها ستكمل هروبها. "هربت يعني إيه هربت؟ وأزاي؟ وأنتي كنتي فين؟ قالها "سيد" بأنفعال شديد، وظهرت حبات العرق على جبينه من شدة التوتر والخوف.

وأكمل حديثه بقلق وهو يضرب بكفه على جبينه، قائلاً: "دموع لو فتحت بوقها هتودينا كلنا في داهية. ومن هنحس بحاجة غير واحنا بين حبل المشنقة وهي بتلفه بأيدها حوالين رقبتنا." رمقته "نارين" بنظرة غضب تلقي عليه مسؤولية ما حدث. وقالت بلا مبالاة وبرود شديد:

"اتكلم عن نفسك بس. كله بسببك، لو كنت كسرت رقبتها من أول مرة فكرت تخرج فيها عن طوعك مكنتش كررتها تاني. اشرب بقي آخرت دلعك فيها. ياما قولتلك أقتلها وأخلص منها زي ما قتلت أمها ومسمعتش كلامي. أهي هتوديك في داهية." سمع حديثها وزاد غضبه وهو يغلق قبضته من العجز. ثم ذهب وأغلق باب الغرفة سرياً قبل أن يسمعهما أحد. وأقترب منها ومسكها من ذراعها بقوة وقال بصوت خشن به نبرة تحذير مهدداً لها:

"أنا مش حذرتك متفتحيش الموضوع ده تاني. أنا مش مجرم قدامك، كانت مرة وراحت لحالها. وأنتي شريكتي فيها، يعني قبل ما تحذرني حذري نفسك. دموع متعرفش حكاية موت أمها، أنسيها أنتي كمان لأنك متعرفيش المرة الجاية لسانك ده هيعرف مين ويودينا فين. أنتي فاهمة." دفعها على السرير بغضب وخرج بقلق من هروب هذه الفتاة التي تعلم كل شيء عنهم وعن أعمالهم القذرة. أغلق باب الغرفة ونزل للأسفل. فخرجت "فريدة" من خلف الستارة وأبتسمت ساخرة

وقالت بمكر محدثة نفسها: "كمان قتل ياحلاوتكم." دلت لغرفتها بسعادة تغمرها بعد أن عرفت سرهما ونقطة ضعف تنهي حياتهما وقت ما تريد. نزلت من سيارته في ذهول وهي تنظر للمبنى وعليه لافتة كبيرة الحجم مدون عليها "قسم شرطة الجزيرة". أزدردت ريقها بقلق وهتفت مردفة: "إحنا جينا هنا ليه." رمقها بنظرة حادة مستغرباً توترها من القسم. وقبل أن يتحدث جاءها الجواب حين اقترب عسكري منه وحياه واضعاً يده بجوار جبينه يردف بلهجة رسمية:

"إلياس باشا نورت القسم كله." أشار إليه "إلياس" بلا مبالاة بيده لكي يرحل. أوقفه "علي" بلهجة أمر قائلاً: "خد العيال دي من هنا يا عسكري لقحهم في الحبس لحد ما أفضى وأتسلى فيهم ونشوف حكايتهم إيه." نفذ العسكري الأمر بدون أي معارضة. كاد "علي" أن يدخل خلفهم ولكن أوقفه "إلياس" بصوت غليظ يدل على غضبه: "أنت كنت بتراقبني صح؟ عمتك اللي قالتلك كده وصلطتك عليا."

أشاح "علي" نظره عن عيناه متحاشياً النظر له بإحراج من فعلته وألتزم الصمت هارباً من الجواب عليه. صرخ "إلياس" به منفعلًا: "هتفضلوا تدخلوا في حياتي لحد أمتى؟ كام مرة قولتلك سيبوني فحالي وبطلوا تدوسوا على جرحي ومشاعري. أنا مش عيل صغير." "أنتي مش قولتي أنهم خاطفينك؟ أدخلي عشان أعملك محضر." قالها "علي" متجاهلاً حديثه وأنفعاله. نظرت "دموع" إلى "إلياس" بتوتر ثم أزدردت ريقها بصعوبة وقالت بخفوت خوفاً من دخول هذا المكان:

"لا مش عاوزة أعمل محضر." نظرا الاثنان لها بتساؤل. فقالت مبررة جملتها وهي تنظر أرضاً تداري عنهما ارتباكها وكذبتها: "كده صاحبهم هيعرف مكاني وممكن يجي ياخدني تاني من هنا." أردف "علي" بحزم وبوجه عابس: "لازم نعمل محضر عشانك وكمان في واحد منهم ضرب ظابط." رفعت رأسها بذهول وصدمة ألجمتها من جملته. ثم نظرت لإلياس وعيناها تسأله بخوف: أأنت حقاً ضابط شرطة؟ زحزحت قدميها للخلف بخوف وأخذ صدرها يصعد ويهبط من شدة خوفها.

أردف "إلياس" ببرود شديد وهو يفتح باب سيارته لها قائلاً: "أركبي." سأله "علي" مستغرباً رد فعله: "أنت رايح فين وواخدها؟ رمقته بتساؤل هي الأخرى منتظرة رده. صرخ بأنفعال قائلاً: "مالكش دعوة بيا. أعمل إيه وأروح فين حاجة متخصكش. أنت مش وصي عليا." صدمها رده، لا بل كل شيء بهذا الرجل يصدمها ويدهشها. يفعل ما يريد دائماً، غاضب كالثور ويهيج بكل من حوله وبأي شخص يقترب منه تلتهب نيران غضبه.

أدخلها السيارة جبراً وركب هو الآخر وقاد بها إلى حيث لا تعلم. ساد الصمت المكان وهي تنظر للشوارع بذهول شديد كطفلة صغيرة لأول مرة تأتي للعاصمة، بل أول مرة تخرج من الحانة وطريقها المهجور. نظر عليها وعقله يتساءل من هذه الفتاة وكيف لديها هذه البراءة وبريق عيناها الخضراء. سألها ببرود وهو ينظر للطريق ويقود: "لكي حد في القاهرة." أشارت إليه مبتسمة بسعادة لهذه البداية والحياة التي طالما حلمت بها وقالت بعذوبة صوتها ورقته:

"لا دي أول مرة أجي هنا." "عارف. وكمان عارف إنهم مش خاطفينك ولا حاجة." قالها ببرود كلوح ثلج. دُهشت من رده وعاد الخوف من جديد يسير في جسدها بأكمله. فأزدردت ريقها وقالت بخفوت وصوت مبحوح: "أنا، أنا مكنتش أقصد أكذب عليك بس كنت محتاجة مساعدتك بجد." أدار رأسه تجاهها ورمقها نظرة لا مبالاة. وأنزلت رأسها أرضاً بخجل من كذبها عليه وتسير القشعريرة بجسدها وهي تشعر بنظراته مثبتة عليها.

خرج "معتصم" من بوابة الشركة وهو يضع الهاتف على أذنه ويتحدث به. "يعني عملت إيه في الموضوع بتاعنا." أجابه "سعيد" عبر الهاتف بثقة: "زي ما حضرتك أمرت أنا مراقبه 24 ساعة." فتح السائق الباب الخلفي للسيارة وركب "معتصم" وهو يقول بغيظ: "وأستفدت إيه أنا من مراقبتك له؟ لحد دلوقتي موصلتش لنقطة ضعف له أضغط عليه بيه. حتى قتله منفعش. إلياس لو مماتش أو اشتغل معانا هيأذينا في شغلنا جامد." أردف "سعيد" بسرور قائلاً:

"هو معاه بنت دلوقتي وقريب هخلصك منه. لو الحمار ده معرفش يقتله هلبسه قضية وأنت عارف يعني إيه ظابط يلبس قضية." "بسرعة يا سعيد أحنا معندناش وقت كتير." قالها وأغلق الخط. عاد برأسه للخلف وأغلق عيناه بتهكم وتعب. دلف "إلياس" لشقتة منهك من الأرهاق وعقله مشوش بعد أن سمع حكاية تلك الطفلة ومعاملة زوج أمها وزوجته لها وتركها لمدرستها وتعليمها لكي تصبح راقصة حانة وسط الرجال والخمر بكل مكان حولها.

دلت خلفه بخجل منكمشة في ذاتها وتتفحص المكان بعيناها بصمت. خائفة من وجودها معه رغم شعورها ببعض الأمان لوجوده بجوارها. كان صراع متناقض يحدث بداخلها ولكنه أفضل من وجودها في الحانة تخضع لسيطرة زوج أمها وزوجته وبيع جسدها للحصول على المال. المطبخ على إيدك الشمال والثلاجة فيها أكل، كلي اللي عاوزاه. قالها ببرود وهو يتجه للداخل دون النظر لها. أنت شرفت.

سمع صوت والده من الريسبشن، قالها "حبيب" بصوت خشن غليظ يدل على غضبه منه. استدار "إلياس" له ومسح جبينه بكفه بضجر وقال: أزيك يا بابا. أدخلي أنتي. أشارت إليه بنعم واستدارت لتُدخل، ولكن أوقفها والده بصوته وهو يقف متكئًا على عكازه واقترب منهما وهو يوجه حديثه لـ... وقال: استني عندك. أنتي مين؟ مين دي اللي جايبها بيتك يا حضرة الظابط وأنت عايش لوحدك؟ خلاص مبقاش يهمك حد ومالكش كبير.

نظر "إلياس" للعدم ثم نظر لوالده ليبرر وجودها لوالده مردفًا: يا بابا أنا... بتر "حبيب" الحديث من فمه بصفعة قوية على وجهه وهو يصرخ به بانفعال: الأبن اللي يزعق لأمه ويطردها من بيته ميبقاش ابن، وميستاهلش يقولي بابا. بعد كل ده أخرتها تطردها من بيتك؟ أخرت تربيتنا فيك دي؟ بعد ما كبرتك وخليتك راجل الناس كلها تحلف بأخلاقه وأدابه تعمل كده في أمك وتروحها معيطة؟

مبقاش ليك كبير. أنا مخلفتش رجالة، أنا معنديش عيال غير أثير وبس. كمل حياتك واجري وراء الغوازي واشرب خمر واقطع صلاتك وابعد عن ربنا، أتوف عليك يا عرة الرجالة. تركه وخرج من الشقة غاضبًا منه. وضع "إلياس" يده على وجهه بصدمة من صفعة والده لها وقسوة حديثه. نظر لباب الشقة بحسرة وخذلان. شعر بيدها الصغيرة تربت على كتفه بلطف، أغلق عينيه بقوة ودلف إلى غرفته وتركها.

ترجل "سيد" من السيارة بوجه عابث ودلف إلى الحانة ثم جلس على أحد الكراسي. خرجت "نارين" من المطبخ وجلست بجواره وسألته: عملت إيه لاقيتها؟ انفجر صارخًا بها بغضب يقول: بنت الكلب طلعت عند ظابط. شهقت "نارين" بخوف وسألته بقلق: وهتعمل إيه؟ كده روحنا في داهية. أجابها بثقة وهو يقف صاعدًا للأعلى: متقلقيش، أنا بعت اللي يجيبها.

استيقظ "إلياس" صباحًا على صوت خطوات هادئة في الخارج. أخرج مسدسه من أسفل وسادته وقام من فراشه بخفوت دون أن يصدر أي صوت ووضع يده على الزناد وفتح باب غرفته بخفوت وخرج إلى الخارج.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...