خرج من مكتبه كالمجنون بعد أن أخبرته أخته بتلك الكارثة. أوقفه صديقه وهو يقول: -إلياس باشا أنا جمعت الأدلة زي ما طلبت وطلعت قبض بالقبض عليها. أجابه إلياس بأستعجال دون أهتمام وهو يسرع للخارج قائلاً: -ماشي. وركب سيارته وقاد بجنون لا يعلم أين يذهب للبحث عنها ولكنه لا يستطيع الأنتظار والتوقف عن البحث عنها يريد عودتها سالمة فقط. هتفت جميلة بهدوء وهي تجلس على الأريكة قائلة: -برضو مش هتتصل تطمن عليها وتشوف ابنك لاقاها ولا لا.
ترك فنجان الشاي الساخن من يده بزفر وهتف بضيق: -هو ابنك كان أستأذني لما راح خطبها ولا حتى وهو بيقول للناس دي خطيبتي. رايح يخطب عيلة. هتفت أثير بشفقة عليه قائلة: -بس بيحبها يا بابا. لو شوفت عيناه وهي بتبص عليها مش بتقول بحب بس دي بتقول بحب وعاشق ودايب. حرام نقف قدام سعادته بعد ما رجع للحياة ومتنساش أن محدش عدله وبعده عن الخمر والسهر غير دموع. قهقه ضاحكاً بسخرية ثم هتف وهو يرمقها بنظرة حادة قائلاً:
-اه عشان رقاصة وأخوكي أهبل مش فاهمة أن كل ده هي بترسمه عليه عشان يتجوزها بس ده بعدها. -حرام عليك ياحبيب البت. بريئة جدا وعمرها ما أختلطت بالعالم وشاطرة في دراستها جدا بقالها سنة في المدرسة مفيش مدرس ولا طالبة أشتكي منها وكلهم بيشكروا في أدبها وهدوءها غير تفوقها. قالتها جميلة بحزم شديد مداعبة عن هذه الطفلة في غيابها. ثم هتفت تكمل حديثها قائلة:
-وبصراحة كدة أنا موافقة أجوزها لأبني. أنا متعلمة ومتحضرة وفاهمة أن طبيعتها طيبة وقلبها أبيض وكل اللي حصلها مجرد تواجدها في ظروف نشأة زي دي. والدليل أن البنت عندها طموح أنها تبقي دكتورة وبدأت تصلي مع أثير وأن شاء الله ربنا هيهديها أكتر وتلبس الحجاب ومتأكدة بقي أنها تستاهل إلياس وكفاية عليا سعادته وفرحته بوجودها. عقد حاجيبه بضيق وقال بضجر:
-قصدك أني أنا اللي متخلف عشان معارض الجوازة دي. أنتي مش فاهمة أن البنت لسه في سن المراهقة واحتمل تعلقها بيه كل ده بدافع حنان الاب مش شايفه كرجل. أبتسمت أثير بسعادة وهي تعطيه فنجان الشاي مجدداً وهتفت بعفوية: -لا يا بابا صدقني دموع حبها لإلياس حب نقي جدا وصادق المشاعر. زفر بضيق من حديث أبنته وزوجته من تكرار طلب موافقته على زواجهما ثم دلف إلى مكتبه هارباً منهما.
ظلت تبكي وهي جالسة على الأريكة الخشبية أمام النيل وتمسك بيدها ورقة وتغلق قبضتها عليها بقوة مرتدية ملابسها التي ذهبت للأمتحان بها صباحاً بنطلون جينز وتيشرت بكم وبلطو جلدي وحول عنقها وشاح صوف وترتدي على رأسها طاقية صوف وردية اللون وشعرها مسدول على ظهرها وتتذكر كيف لم تأتي حنين إلى الأمتحان وحين ذهبت إلى بيتها بعد الأمتحان. -حنين ماتت أمبارح يا دموع.
قالتها والدة حنين وهي تبكي على فراق أبنتها. صدمت دموع من جملتها فـ حنين صديقتها الوحيدة التي تمتلكها بعد ان جاءت إلى القاهرة. -حنين سابتلك الورقة دي كانت بتحبك أووي يا دموع. قالتها أخت حنين وهي تعطيها الورقة وهي مازالت في صدمتها. أخذتها وخرجت من المنزل بصدمة ألجمتها حتى أنها لا تشعر بقدمها إلى أين تأخذها. فتحت الورقة مجدداً وهي جالسة على النيل وترى هاتفها بجوارها يرن بأسمه وهي تبكي بقوة
( دموع حبيبتي. طالما أنتي بتقرأي الورقة دي دا معناها أني مشيت وسيبتك. أنا عارفة أنك مصدومة جدا من الخبر وأتصدمتي أكتر لما عرفتي مرضي اللي خبيته عنك. أيوة فعلا. أنا كان عندي سرطان متخافيش كدة أنا دلوقتي في مكان جميل أووى وهراقبك من هناك. لازم تحققي هدفك وحلمك وتبقي دكتورة قد الدنيا وتعالجي الناس عشان أنتي بقلبك ده مينفعش تكوني غير دكتورة. أوعي تتنازلي عن حبك يادموع حتي لو باباه معارض والدنيا كلها معارضة مادام أنتوا
الأتنين بتحبوا بعض وعايزين بعض أوعي تسيبيه عشان ترضي الناس ارضي قلبك ونفسك أوعي تظالمي نفسك أو تيجي عليها. أنا هكون معاكي في كل لحظة يادموع عايزة أشوفك بالأبيض في بلطو الدكتورة وفستان فرحك. متزعليش يا دموع أني مشيت من غير ما أودعك غصب عني مكنتش أعرف أن الوقت جه. خليك مع إلياس يادموع وحققي حلمك معاه دي أمنيتي الوحيدة أنا كمان أنك تحققي كل أحلامك....
حنين) ظلت تبكي وهي تقرأ الرسالة أكثر من مرة حتى أنفجرت باكية بصوت عالي والجميع ينظر عليها بشفقة وتساؤل ماذا حدث وفضول شديد. ظل يتصل بها مراراً وتكراراً وهي لا تجيب عليه فتح برنامج التعقب وتعقب تليفونها وقاد مسرعاً إلى مكانها. ( أوعي تتنازلي عن حبك يادموع )
ظلت تكرر تلك الكلمة على لسانها وهي تنظر للورقة. وضعت هاتفها في جيبها مع الورقة ووقفت من مكانها تركض بسرعة جنونية مع خفة جسدها تريد الذهاب له الأن وتتشبث به ولا تتركه حتى لو طلب والده والعالم بأكمله ذلك فهي لن تتركه ولن تتنازل عنه مهما حدث فهو وحده من تبقي لها لا أب ولا أخ ولا أم ولا صديقة ولا عائلة ولا أحد سواه هو. ظلت تمسح دموعها بأنامله وهي تركض.
وصل إلى مكانها ولم يجدها تتبع الهاتف ورأها قريبة منه ركض كالمجنون وهو ينظر بهاتفه عن طرق مختصر ليصل لها سريعاً. وقفت دموع على حافة الطريق تنتظر الاشارة لكي تتوقف السيارات وهي تضع يديها الأثنين على ركبتها وتتنفس بصعوبة من الركض. فتحت الإشارة للمشاة ورأته يقف على الحافة الأخري ينظر لها نظرت له وهي تخطي نحوه خطوات ثابتة محدثة نفسها بسرية: -أنا مستحيل أسيبك همسك فيك وهفضل في حضنك مستحيل أبعد عنك أنا بحبك ومقدرش أعيش.
وصلت لمنتصف الطريق وهي تنظر عليه وتحدث نفسها. ثم ركضت فجأة بسرعة. نظر عليها وهي تركض نحوه كاد أن يتحدث وصدم حين عانقته بقوة وهي تلف ذراعيها حول خصره وتتشبث به بقوة. ظل ذراعيه مفتوحين في الهواء أمامه بذهول من فعلتها وهو ينظر حوله على الناس وهم ينظروا عليهم ويبتسموا. هتف بخفوت شديد: -دموع... بترت الحديث من فمه وهي تردف بترجي: -خلينا كدة شوية بلييييز متبعدش عني. سألها بخفوت شديد وهو يثني ذراعيه على ظهرها بحنان:
-هنا في الشارع ياحبيبتي. هزت رأسها فوق صدره بقوة بإيجاب ثم هتفت بطفولية: -آه. عمه متسبنيش زي حنين. سألها بهدوء شديد وهو يربت على ظهرها برفق وهي تختبئ من الجميع في حضنه قائلاً: -هي حنين مشيت. راحت فين. عادت للبكاء مجدداً وبدأت ترتجف بين ذراعيه وهي تروى له ما حدث فأربت عليها بحنان يدري أنها الأن تحتاج بأن يطمئنها بأنه لم يرحل بعيداً عنها ويحتوي خوفها وحزنها ويداويهم بمؤاساتها.
نزلت نارين من البوكس مع العساكر والأصداف الحديدية في يديها تكبت غضبها بداخلها من فريدة و دموع معا. فتحت باب الشقة ودلف وهو يحملها على ذراعيه وهي نائمة من كثرة البكاء. دلف بها إلى غرفته ووضعها في فراشه وخلع لها حذاءها من قدمها ثم نزع عن رأسها طاقيتها فيبعثر شعرها الناعم مع نزعه. هتفت بصوت مبحوح وهي تفتح عيناها قائلة: -أنا هنام في أوضتي. وضع يده على فمه معارضاً وهو يشير لها بأن تصمت: -شششش نامي.
ومسح على رأسها بحنان يرتب خصلات شعرها مجدداً حتى غفوت في نومها بأرهاق شديد. جلس بجوارها ورفع جسدها برفق وهي نائمة ويده خلف رأسها ونزع لها البلطو ووشاحها ثم أنزل رأسها بحنان للوسادة وأطبق شفتيه على جبينها بحنان ثم أبتعد ووضع الغطاء عليها ذهب ليعلق البلطو وشعر بهاتفها بداخله أخرجه ورأي معه الورقة قرأها ومع كل كلمة ينظر عليها بشفقة فالجميع يتركها ويرحل حتى صديقتها تركتها ورحلت.
دق جرس الباب ففتح معتصم ودلف سعيد وهو يحمل الكثير من الأغراض والطعام. جهز الطعام وله وجلس. سأله "معتصم" بغيظ شديد: -عملت إيه؟ أجابه "سعيد" وهو يحضر له الماء قائلاً: -هنفذ الخطة النهاردة. ترك "معتصم" الطعام وهتف بغضب مكتوم قائلاً: -أتصل بيه دلوقتي. أشار "سعيد" له بالموافقة واتصل بـ "إلياس". كان جالساً على الكرسي الهزاز في زاوية غرفته ينظر عليها وهي نائمة وملامحها حزينة. رن هاتفه برقم مجهول، فتح الخط وأجاب: -آلو.
جاءه صوت "سعيد" عبر الهاتف وهو يقول بثقة وغرور: -إلياس باشا، أنا سعيد مدير أعمال معتصم بيه. وقف ببرود وخرج من الغرفة ثم هتف ببرود مستفز: -خير على الصبح يا مصيبة باشا. قهقه "سعيد" بغرور ضاحكاً ثم هتف يعقب على جملته: -صبح إيه ده، إحنا الفجر يا باشا. عموماً، مش هضيع وقتك، أنا عندي ليك أوفر كويس جداً لمصلحتك ومصلحتي. رفع "إلياس" حاجبه بذهول وشك في الأمر وسأله: -أوفر ومصلحتي ومصلحتك؟ اشجيني يا شر.
-أنا مستعد أسلمك معتصم بيه حي يرزق مقابل إنك تسيبلي الشركة الرئيسية وتسجلها باسمي بعد ما تصادر كل أملاكه، قولت إيه؟ قالها "سعيد" بمكر وخبث وهو ينظر لـ "معتصم" وهو يشير له بالاستمرار. أردف "إلياس" بشك واستهزاء قائلاً: -موافق، تحب نتقابل أمتى وفين؟ -هبعتلك مسج بكرة بالزمان والمكان. تكون جبت الأوكيه من الإدارة عندك عشان متتضحكش عليا بعد ما تاخد اللي عايزه. آه، واعتبروا مكافأة واحد دلكم على مجرم هارب من العدالة... سلام.
وأغلق الخط بوجهه قبل أن يجيب عليه. ظل يفكر بالأمر حتى الصباح الباكر، وكل تفكيره يصل لنقطة واحدة بأنه فخ للإيقاع به فقط. استيقظ "علي" صباحاً وأخذ حمامه وجهز فطاره هو ووالده، ودلف إلى غرفة والده بالفطار ووضعه على الترابيزة ثم فتح الستائر وهو يقول: -صح النوم يابابا، عملت لك فطار بأيدي، إنما إيه حكاية محصلتش. هتف "جلال" بتذمر شديد وهو يضع الغطاء على وجهه يريد النوم قائلاً: -أنت فاكرني مراتك؟ اخرج برا ياض، عايز أنام.
هتف "علي" بمزاح وهو يجلس على السرير ويبعد الغطاء عن وجه والده قائلاً: -أنتي تطولي يابيضة تبقي مراتي؟ طب دا أنا هدلعلك دلع مدلعوش مدلع قبل كده. ضحك "جلال" عليه وهو يجلس بوجه عابث. جلسوا يفطروا معاً، و"علي" يقلب بهاتفه ووجد رسالة من "إلياس" جاءت له فجراً محتواها (علي، لما تصحى عدي على أثير هاتها وتعالى لي ضروري، مستناك) هتف "علي" باستغراب محدثاً نفسه قائلاً: -خير على الصبح. جاءه نفس الصوت المعتاد
من داخله يجيبه باستنكار: -أكيد في مصيبة وتشوف. هز "علي" رأسه بقوة ينفر الأفكار السلبية من رأسه. نظر "جلال" عليه باستنكار من جنون ابنه وحديثه مع نفسه كالمجانين.
فتحت "دموع" عيناها بتعب شديد وهي تشعر بصداع في رأسها من كثر البكاء ووجدت نفسها نائمة في فراشه وهو بجوارها واضعاً ذراعيه أسفل رأسه، يبدو أنه غفا وهو يتأملها. قربت يدها منه بحنان تتحسس وجهه بأنامله برفق وتذكرت ما حدث أمس وخسارتها لصديقتها. بعدت يدها عنه بوجه عابث ورفعت رأسها كادت أن تقوم، فمسكها من ذراعها وأعادها للفراش، لكن هذه المرة بين ذراعيه، ثم فتح عينيه لها. نظرت لعينيه بهدوء دون أن تتفوه بكلمة واحدة وعيناها حزينة. هتف بخفوت شديد هامساً لها قائلاً:
-حبني يا دموع. أجابته بصوت مبحوح قائلة: -أنا بحبك بالفعل. -أنتي أصغر من حبة الفول عشان كده انتي في قلبي كلك. خليني في قلبك على طول. قالها وهو يضع خصلات شعرها خلف أذنها. فهتفت بحب وهي تنظر لعينيه مباشرة: -أنت في عقلي وقلبي على طول. هتف بحنان وقلق من ما هو قادم إليه قائلاً:
-أوعدك أفضل أحبك طول ما أنا عايش وفيا نفس وعمري ما هسيبك أبداً. أوعدك مدخلش حد غيرك حياتي، حتى في مماتي هطلبك من ربنا تكون حوريتي في الجنة. أوعدك نتجوز ونجيب دستة عيال شبهك وأعيش بس عشان أسعدك ومنزلش دمعة واحدة منك وأفضل جنبك لحد ما تبقي دكتورة وأفتح لك عيادة بنفسي ومش عايز مقابل غير إنك تحبي. -أنا بالفعل بحبك من غير ما تطلب. قالتها وهي تضع يدها فوق قلبه بلطف ناظرة لعينيه. هتف بخفوت شديد مبتسماً لها قائلاً:
-تتجوزيني يا دموع؟ أشارت إليه بنعم ثم أردفت بهمس شديد قائلة: -أنا وافقت من أول مرة وأنا خطيبتك بالفعل وموافقة. -أنا بحبك بحبك يا دموع وبعشقك، معاكي أنتي بس بنسى نفسي وبتتحول لعيل صغير. ضحكتك بس هي اللي تقدر تزيل غضبي وتحوله لرماد. مسكت إيديكي هي علاجي الوحيد لما بحس بضعفي وبستمد قوتي منها. عينيكي هم اللي جابوني لحد عندك راكع وعاشق مجنون ليكي ومستعد عشانهم أعمل أي حاجة. دفنت رأسها بين ذراعيه في صدره وهي تلف ذراعيها
حول خصره بقوة وتقول: -وأنا بحبك، والله مقدرش أعيش لحظة من غيرك. وضع قبلة على جبينها بحنان وهو يتوّقها بشغف، يشعر بأن هناك شيء سيحدث، فقلبه منقبض منذ مكالمة "سعيد" له، يشعر بأن هناك شيء سيصيبه، لذلك أخبرها بكل ما بداخله. جاء "علي" له بصحبة "أثير". سألته "أثير" بصوت خافت في أذنه: -هو عايزنا ليه؟ رفع كتفه باستنكار وهو يقول لها: -علمي علمك، يا خبر بفلوس كمان دقائق يكون ببلاش.
خرج "إلياس" من الغرفة وجلس أمامهما مع "دموع" وهتف بهدوء وهو يضع ورقتين أمامه: -أنا هدخل في الموضوع بسرعة عشان خارج ومأخركوش. معايا، أنا هتجوز دموع. أردفت "أثير" باستغراب وهي تنظر له قائلة: -طب ما إحنا عارفين إنك هتجوزها أول ما تكمل السن القانوني، إيه الجديد؟ نظر "علي" له بفهم وهو يرى الورقتين والقلم أمامه وعلم بما يفكر به صديقه وأنه أحضرهما ليشهدوا على زواجه العرفي منها، فالتزم الصمت منتظراً إجابته على "أثير".
-أنا هتجوزها دلوقتي عرفي.
قالها وهو يمسك يد "دموع" بحنان وهي تبتسم له بفرحة تغمرها وسعادة لا توصف، وضربات قلبها تزداد باستمرار مع مرور الوقت. نظرت "أثير" له ثم لزوجها الجالس صامتاً، ولم تستطع الرد أو معارضته. كتب قسيمة الزواج نسختين ووضع يديه في يدها وعقد قرآنه عليها وهي تردد معه مبتسمة بسعادة وخجل يستحوذ عليها وتوردت وجنتها، ثم مضوا جميعاً على قسيمة الزواج النسختين ووضع قبلة على جبينها بحنان وطويلة، خائفاً من وقعه في فخ اليوم، ولكنه يأمل أن ينتصر عليهم ويقبض على "معتصم" ويسترد حقه وحق كل من أجرم بحقهم. أخذه "علي" إلى الداخل بعد أن
فعل ما يريده وسأله بهدوء: -عملت اللي أنت عايزه؟ عملت كده ليه وأنت عارف إنه جريمة؟ مش كنت هديت وقلت هستنى؟ إيه اللي طلع الفكرة في دماغك تاني؟ قصي له ما حدث. اتسعت عيناه بذهول على مصراعيه وهتف بجدية وقلق قائلاً: -يعني أنت عملت كده عشان أنت عارف إن ممكن يجرالك حاجة؟ أنت غبي، أنت ربطت البت بيك طول عمرها.
-يمكن أكون أناني باللي عملت، بس أناني وطماع فيها هي بس. على الأقل لو جرالي حاجة هكون حققت حلمي واتجوزت حبيبتي، بعدها لو حبت تتجوز تاني هي حرة، متستكترش عليا أحقق حلم واحد. قالها "إلياس" بحزن عميق وخوف يستحوذ عليه. صمت "علي" ولم يعقب عليه، لا يدري ماذا يجب أن يقول له. وتحدث معه عن القضية والقبض على "معتصم" ثم خرجوا من الغرفة معاً. نادها بهدوء: -دموع. جاءت له مبتسمة ابتسامة مشرقة وتوقفت أمامه. أربت
على كتفها بحنان وهو يقول: -أنا خارج مع علي، هوصل للقسم شوية، مش هتأخر. أشارت إليه بنعم، صافح أخته وذهب معه. توقف أمام باب الشقة واستدار لها، فنظرت عليه مبتسمة وهي تلوح له بيدها، فابتسم لها وهو يلوح لها ثم ذهب تاركها خلفه بسعادة تغمرها بعد أن أصبحت زوجته وملكه.
ذرفت دموعها الحارة على وجنتها بغزارة وهي تغير ملابسها لكي ترحل من المستشفى، لم تعلم وقتها بأن هذا آخر لقاء لهم ولن تراه مجدداً. لم تعلم بأن سعادتها بزواجهما لم تتجاوز إلا ساعات قليلة فقط. لم تدري بأن موافقتها على زواجهما كانت في الواقع موافقتها على وفاته، فإذا علمت حينها لكانت رفضت الزواج وفرت هاربة منه. لم تصدق أن مر تسع سنوات حقاً بدونه وما زالت ذكرياته بداخلها وترآها وكأنها كانت معه أمس. ارتدت بنطلون جينز وتيشرت بنص كم وشعرها مرفوع للأعلى على شكل ذيل حصان وخرجت من الغرفة بعد انتهاء يومها من العمل ونزلت إلى جراج السيارات وركبت سيارتها، ثم نظرت لصورته المعلقة في سيارتها ودميتها الجالسة على الكرسي المجاور التي اشتراها لها. هتفت بتهتكم
وإرهاق محدثة دميتها: -هنروح فين النهاردة؟ أنا من رأي نطلع البحر، محتاجة أتكلم معه شوية. فعلاً، أنا كمان رأي كده، أكيد حبيبي مستنيني هناك صح؟ يلا نروح له، شكله وحشك أنت كمان مش أنا بس. وضغطت على زر تشغيل المحرك في السيارة وقادت وعادت ذكرياتها مجدداً وهي تراه أمامها وتزيد من سرعتها وهي تراه أمامها يقتل بدم بارد دون رحمة أو شفقة على قلبها. -إلياس أنت مجنون! أنا وافقت على أساس إني هروح معاك.
قالها "علي" بتذمر شديد. فصرخ "إلياس" به وهو يمسكه من لياقة جاكيته قائلاً: -يا غبي، افهم. لو جرالي حاجة، أنت موجود، هسيب دموع في رقبتك وأمانة معاك، لكن لو حصلك حاجة معايا، أثير عمرها ما هتستحمل صدمة أخوها وجوزها في وقت واحد. وتركه وركب سيارته ذاهبًا إلى حيث لا يعلم ماذا ينتظره. وقفت "دموع" في المطبخ تعد كيكة بمناسبة زواجها. رن هاتفها معلنًا عن استلام رسالة (إلياس أُصيب برصاصة وموجود في ***)
. كان ذلك محتوى الرسالة، وقع عليها كحجر ناري مشتعل. تركت ما بيدها وخرجت تركض كالمجنونة خوفًا عليه، وبدأت في البكاء. نزلت من العمارة ورأت "علي" قادمًا. فتحت باب السيارة وركبت بجواره بسرعة وأعطته الهاتف. كان سيجن إلى أين ذهب ولم يخبره بالعنوان. أخبرها أن تنزل وسيذهب هو. رفضت بشدة خوفًا على حبيبها. وصل "إلياس" إلى شقة علي النيل (عوامة) ، وترجل من سيارته ونزل، ووجد "سعيد" بانتظاره. سأله بفضول: -هو فين؟
أردف "سعيد" بمكر قائلاً: -جوا قاعد في عوامة باسمي عشان متوصلوش. جبت العقد. -جبته، بس مش غريبة إنك تكون معاه كده، ده أنت دراعه اليمين في كل البلاوي دي. قالها "إلياس" باستفزاز. ضحك "سعيد" عليه وهو يفتح الباب، ثم قال وهو يدخل: -معتصم بيه أصله وقع خلاص، مفيش فايدة من مساندته، يبقى أضمن حقي. اتفضل. دلف "إلياس" وهو يضع يده سرًا على خصره فوق مسدسه وينظر حوله. خرج "معتصم" من الداخل له ومعه رجلان من الحراس وهتف بغضب شديد:
-نورت يا سيادة الرائد، أول مرة أعرف إنك بالغباء ده لدرجة إنك تصدق إن دراعي اليمين يتفق معاك عليا. تصدق ياخي، كل مدى بتثبت لي إنك أغبى إنسان وإن الداخلية بتاعتكم غبية.
-وليه متقولش إنه ثقة بالنفس وبالداخلية بتاعتنا إننا هنجيبك هنجيبك. شوف ياخي، زي ما وعدتك، محدش هيحط حبل المشنقة حوالين رقبتك غيري. أنا مراعي ظروف، يا حرام، هربان. المدام سابتك وخلعت، هههههه. تصدق ياخي، عمري ما شفت واحدة واطية مطمرش فيها العيش والملح والعشرة والولاد زي مراتك. أول ما قولتلها عايز أقبض على جوزك، قدمتك ليا على طبق من دهب. بصراحة، أنت طلعت فشل في كل حاجة، حتى في اختيار مراتك فاشل فيها. سأله "معتصم" بصدمة
من حديثه والغضب يلتهمه: -مراتي؟ قهقه "إلياس" من الضحك ساخرًا باستفزاز أكبر، ثم هتف ببرود مستفز: -آمال مراتي. فكر بالعمل، أنا دخلت شركتك إزاي من غير ما أكسر ولا باب؟ ماهو ببطاقة دخولك اللي مراتك سرقتها وجابتهالي. فتحت إزاي الأجهزة ودخلت على صفقات المشبوه زيك؟ ماهو بالباسورد بتاعك، وبرضو المدام اللي ادتهولي. بلاش كل ده، لا مؤاخذة يعني، تليفونك كان فين لما الأمن اتصلوا بيك يقولولك إن حد دخل الشركة وسرب المعلومات؟
مش كنت في حضن الأم، لا مؤاخذة. طب فكر بالعقل، كدة، اشمعنى سافرت في اليوم ده بالذات؟ ومين اللي سفرها من غير ما المطار يتصل بيك يقولك إن في حجز باسمها؟ أنا اللي سفرتها. طب إزاي محستش بيها وهي بتهرب من بيتك؟ أقولك، وأوفر عليك، عشان الزوجة العزيزة الأصلية حطتلك منوم في العصير اللي طفحته. شوفت بقى، إن اللي لف حبل المشنقة حوالين رقبتك هي المدام بالاتفاق معايا.
سمع حديثه وهو يكاد يجن وفقد أعصابه، وانقض عليه "معتصم" يلكمه بغضب، وبدأ العراك بينهما.
وصلت "دموع" و"علي" إلى المكان، وظلت تبحث حولها عنه بخوف وهي تبكي. رأت رجلين يلكموا بقوة ويدفعوه لبعضهما البعض. أسرعت في نزول الدرج مع "علي"، لكن أوقفها مكانها حين أطلق "معتصم" عليه النار في قلبه. كادت أن تصرخ، لكن منعها "علي" وهو يضع يده على فمها. رآها وهي تقف بعيدًا معه وهو يكتم فمها وينظر عليه. قاومت "علي" ودفعته وركضت خطوتين نحوه. أشار إليها بهدوء حتى لا يراها "معتصم" ورجاله. نظرته لها ورفضه بقدومها أوقف قدمها عن
الحركة، وشعرت بشلل رهيب في جسدها، لا تستطيع الاقتراب منه، ودموعها تذرف بغزارة كالسيول دون توقف وهي تكتم صوتها. شعر بضيق تنفسه وتلقى رصاصة أخرى في صدره، أسقطت جسده في النيل، قتيلًا شهيدًا، عاش يدافع عن الحق ويسترد الفساد حتى أُلقي حتفه. مسكها "علي" قبل أن تركض وعاد بها لسيارته، وهي تصرخ به وتضربه على صدره بقوة، تقاوم تريد الذهاب لحبيبها. أدخلها السيارة وأغلقها عليها بالداخل. وصلت سيارات الشرطة، ودخل "علي" والعساكر،
وقبض عليهم جميعًا. ركض "علي" وقفز في النيل ومعه بعض الغواصين يبحثون عنه. بعد ساعتين من البحث، وصل "حبيب" وأسرته بعد تلقي الخبر. فتحت "أثير" لها السيارة، وهي في حالة يرثى بها. أمام عينيها صورة وهو يتلقى رصاصة تمزق قلبه، والأخرى تقضي عليه. أسرعت إليه، وقدمها لا تستطيع الركض وتسقط في الأرض أكثر من مرة. رأتهم يصعدون بجسده، فازدادت شهقاتها، وخرجت صرخة قوية مؤلمة من أعماق قلبها الذي مات معه. وركضت نحوهم ومسكت يده بأيادي
مرتعشة تناديه
بصوت مبحوح يكاد يخرج منها: -عـــ .. مــ .... ــه. وضع سائق الإسعاف الغطاء على وجهه، معلنًا عن وفاته، ولم تعد تشعر بشيء حولها، فسقطت فاقدة الوعي في صدمة لم تتحملها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!