أردفت بحنان وهي تبعثر شعره من الغبار وترتب علي صدره بقوة من الرمال قائلة: -المهم آنك رجعتلي بالسلامة ياحبيبي. نظر لها بدهشة من حديثها المعسول، ثم مسك يدها ورن هاتفه. فتح الخط وهو يمسك يدها بيده الأخرى. وأتسعت عيناه بصدمة وترك يدها بعد أن تحولت ملامحه للغضب ممزوج بخوف شديد. نظرت له بصدمة وسألته بقلق: -في إيه؟ صرخ وهو يركض للخارج بغضب شديد: -أنت أتجننت يا إلياس! ذهبت خلفه ولم تنجح في أيقافه. سألتها أمها بدهشة:
-علي راح فين؟ -معرفش ياماما، إلياس أتصل به خرج يجري. قالتها بقلق وهي تغلق باب الشقة. -يعني أنت هتتأخر برا؟ قالتها "دموع" بحزن عميق وهي تجلس علي كرسيها أمام مكتبها. أجابها بصوت ناعم ودفء قائلاً: -اه ياحبيبتي، خلصي مذاكرتك ونامي وأتغطي كويس عشان البرد. تمتمت بخفوت وهي تسند رأسها علي مكتبها غاضبة، قائلة: -حاضر. أغلق معاها الخط ونظر علي باب الشركة بتحدي. فتح باب سيارته الآخر وركب "علي". ثم هتف بغيظ من تصرفات صديقه:
-خلاص بقيت بلطجي وبتتهجم علي الشركات! إجابه "إلياس" وهو يخرج مسدسه من درج السيارة قائلاً: -عشان أجيب دليل وأخلص منه وأرجع حق تيا وأبني وأعيش مطمن على دموع لما تنزل من بيتي محدش هيأذيها. صرخ "علي" به بشراسة وإنفعال قائلاً: -من أمتي لما بنقبض على حد بنجيب الدليل بالطريقة دي، من أمتي ياحضرة الضابط بندخل زي الحرامية! لم يعقب على حديثه وترجل من سيارته مسرعاً. فأسرع "علي" خلفه.
أقتربت "كارما" منه وهو يجلس على مكتبه وعانقته من الخلف وهي تلف ذراعيها حول عنقه بحنان وتهمس في أذنه بأثارة: -حبيبي مش كفاية شغل كدة؟ أجابها وهو يدير رأسه لها مبتسماً. وقال بهيام وهو ينظر لعيناها كالمخدر بسحرهما ونبرة صوتها: -خلاص أهو ياقلبي آخر ورقة. أبتعدت عنه بضجر شديد ولفت كرسيه صاحب العجلات من الأسفل تجاهها ثم جلست فوق قدمه بدلال وهتفت بخفوت شديد وهو تداعب خصلات شعره بأصابعها: -يعني الورقة دي أهم مني يامعتصم؟
وضع يده على خصرها النحيل ويعود بظهره للخلف تاركاً القلم من يده ثم هتف وهو يجذبها لتلتصق بصدره بسعادة قائلاً: -أنتي عارفة ومتأكدة أن مفيش حاجة أهم منك ياكارما في حياتي كلها. أجابت وهي تقف وتجذبه من يده قائلة: -طب تعال نتأكد سويا قبل ما بنتك تصحي. أخذته خارج المكتب وهي تنظر على هاتفه الموجود على مكتبه بانتصار، فهدهفها الحقيقي أبعده عن هاتفه أو أغلقه.
تسلل إلى الشركة هو و"علي" بحذر حتى لا يظهر في الكاميرات أو يراه الأمن. ودخل إلى الأرشيف وبدأ البحث في الملفات بسرعة بمساعدة صديقه.
دق جرس الشقة. تركت "دموع" القلم من يدها بملل ومسكت كوب النسكافيه في يدها وخرجت من غرفتها وفتحت الباب دون النظر في الكاميرا رغم تحذيره الشديد لها. إتسعت عيناها بصدمة وهي ترى رجلان يرتديان الأسود بأجسام ضخمة. سقط من يدها الكوب وكادت أن تركض للداخل أو تصرخ ولكن مسكها أحدهما بسهولة بسبب جسدها الضئيلة ووضع يده على فمها يمنعها من الصراخ وهو يرفع جسدها للأعلى بعيداً عن الأرض وظهره مقابل صدره وأغلق الآخر باب الشقة ثم أخرج مسدسه ووضع كاتم للصوت به وهي تراه وتقاوم بخوف وبدأت دموعها تنهمر وترتجف وهي تراه يستعد لقتلها دون أن يشعر أحد بها.
ظل يبحث في الملفات ووجود تحاليل للأدوية تظهر نسبة المخدرات بها. وصفقات غير مشروعة جميعها بالمخدرات والهروين ويتلعب معظمها بالأدرينالين مما يزيد قتل المزيد من البشر في تجاربه. فتح أجهزة الكمبيوتر وتسلل للملفات والبريد الإلكتروني بين شركة "معتصم" وتجار المخدرات بالخارج يتفقون على نسبة والكمية المطلوب والأسعار. جمع الأدلة التي يحتاجها وما يفوقها وخرج كما دخل دون أن يشعر به أحد.
أرسل "إلياس" رسالة لها يخبرها بإتمام المهمة. فابتسمت بسعادة ونظرت عليه وهو نائم في فراشه عاري الصدر بحزن وألم قلب خذله حبيبه وأتجهت إليه بأنكسار ووضعت قبلة على جبينه تودعه بها ثم وضعت ظرف بجانبه على وسادتها وهتف بحزن وانكسار:
-سامحني ياحبيبي، يعلم ربنا أن عمري ما حبيت حد قد ما بحبك بس كمان ربنا مرضيش باللي بتعمله وقتلك للابرياء وعمري ما هقدر أعيش معاك وأتمنك على حياتي وحياة بنتي وأنت بتأكلنا حرام من دم ناس. أنا هبعد عشان بنتنا وأبنك اللي جاي مش عايزهم يعيشوا في بلد الناس تقول على أبوهم تجار مخدرات، سامحني ي أغلي ما أملك.
وضعت يدها على بطنها بحنان تتذكر طفلها الجنين الموجود بأحشاءها ولم تخبره عن وجوده وتساقطت دموعها ثم خرجت من الغرفة إلى غرفة طفلتها وغيرت ملابسها وملابس طفلتها وهي نائمة ووضعت الباسبور في الشنطة ورأت صورة طفلتها معه أخذتها ورحلت وهي تحمل طفلتها على كتفها وأخذت جدتها العمياء متجهة إلى المطار تاركة هذه البلد خلفها مع حبيبها الذي خذلها وفقدت الثقة به لتبدأ حياة جديدة من أجل أطفالها فقط وقلبها يتلهمه الوجع حتى تحول لرماد مبعثر في صدرها.
توقف بسيارته أمام العمارة وترجل منها بتعب وصعد الدرج حتى وصل أمام شقته وفتح الباب ووجد كوب النسكافيه أسفل قدمه منكسر إلى مئات الجزئيات المتناثرة على الأرض. أخرج مسدسه من جرابه ودلف بخوف عليها. رأها على الأرض مقيدة ولاصقة على فمها تمنع صراخها. رآه يدخل فصرخت بخوف تحذره من وجودهم بالشقة ولكنه لم يفهم شيئاً من أنينها. أقترب منها بهلع ثم جثى على ركبته وينزع عنها اللاصقة فصرخت وهي ترى الرجل يأتي من خلفه قائلة: -عمه...
بتر الحديث من فمها ركلة قوية تلقاها في ظهره من الرجل. جذبه الرجال من ملابسه بقوة بعيداً عنها وهي تصرخ. لف جسده بمهارة ولكم الرجل في وجهه بقوة. فكسر الآخر الكرسي على ظهره أسقطه أرضاً. صرخت بخوف عليه وهي تزيد في بكائها وأرتجافها. رأها تبكي وترتجف وهي على الأرض مقيدة الأيادي. فوقف بغضب من رؤية دموعها وأرعبها هكذا ولكم الرجل بقوة. وقف الآخر خلفه فضربه برأسه في أنفه فنزفت. حاولت فك قيدها بأسنانها ونجحت. ألتقط مسدسه بسرعة من الأرض وأطلق طلقة نارية في قدم الرجل أسقطه أرضاً. ثم سمع صوت صرختها القوية. أستدار ورأى الرجل الآخر يمسكها بذراعه حول عنقها ويضع مسدسه في رأسها. أقترب خطوة
بهلع وأوقفه الرجل بحديثه: -أهدي كدة ياعم الشقي لحسن الأمورة تتعور. -سيبها. قالها "إلياس" بهدوء يخفي خلفه خوفه ولهفته عليها من يد هذا الرجل. مسح الرجل أنفه من الدماء بزفر وتعب من العراك ثم هتف بلا مبالاة وهو يمرر مسدسه على جسدها بأغراء ليثير غضبه لكي ينحني هذا العاشق له قائلاً: -وحياة قميص النوم والعسل اللي عمري ما شوفت في جماله غير في الأفلام لو اتشقيت لأخليك تترحم عليها.
انتبه لملابسها وهي ترتدي قميص نوم قصير يظهر أقدامها النحيفة عارية لونه أسود مفتوح الصدر وعاري الظهر بالكامل وشعرها مسدول على ظهرها وهي ترتجف بين ذراعيه وتبكي صامتة وهي تنظر لعيناه بخوف وترسل لعيناه رسالة واحدة (أنقذني) . عقد حاجبيه بغضب شديد من رجل آخر يلمسها وهي هكذا غيره ويرى جسدها. هتف بهدوء وهو يتنازل عن غروره قائلاً: -سيبها وأنا هعملك اللي عايزه. أجابه الرجل وهو ينظر له بتحدي قائلاً:
-أنا جاي برسالة واحدة من سيدك معتصم بيقولك ألعب بعيد عن مراته وبنته وإلا... وأطلق رصاصة نارية من مسدسه على "إلياس" فسقط أرضًا مغميًا عليه. صرخت بهلع وهي تراه يسقط أمام عينيها بعد إصابته. دفعها الرجل على الأريكة بقوة ونظر لها بانتصار، وقبل أن يخطو خطوة واحدة منها تلقى رصاصة من "إلياس" في ظهره أسقطته جثة هامدة. وقفت من مكانها بهلع شديد وهي ترتجف وأسرعت له وهي تجلس على الأرض بجواره. هتفت بخوف باكية: -أنت كويس؟
رفع قميصه مبتسمًا لها يريها إنه يرتدي قميصًا واقيًا من الرصاص أسفل ملابسه. عانقته بفرحة من سلامته. بدلها العناق بحب فشعر ببرودة ظهرها العاري أسفل يده. ابتعد عنها وقال بغضب وغيرة: -إيه اللي ملبسك كده وإزاي تفتحي الباب كده؟ أشارت له على روبها الفرو الموجود على الأرض ثم هتفت ببراءة: -كنت لابسة الروب ده والله. صرخ بها وهو يقف بغضب قائلاً: -وإزاي تخرجي من أوضتك كده أصلًا؟ هو مش أنا راجل وعايش معاكي؟ أجابته ببراءة
وهي تنظر للأرض بأسف: -آسفة، أنا مقدرتش وكنت لابسة الروب ومكنتش هتشوف حاجة والله. -ادخلي غيري هدومك عشان هتصل بالقسم ويجي الضابط يعاين ويعمل محضر. قالها متجاهلاً حزنها. دلفت إلى غرفتها باكية. أتصل بصديق له وجاء بقوة من القسم وعاين المكان وأخذ جثة الرجل والرجل المصاب وذهبوا. دق على باب غرفتها برفق وهو يناديها: -دموع. فتحت له وعيناها حمراء وأنفها منتفخة من كثرة البكاء لصراخه عليها.
رفع رأسها بسبابته لتتقابل عيناهما معًا. فهتف بحنان قائلاً: -متزعليش يا دموع، أنا ببقى هتجنن لما بفكر مجرد تفكير إن ممكن حد يشوفك غيري أو يلمسك، بغير عليكي حتى من نفسي، مبقصدش أزعلك بعصبيتي عليكي قد ما بكون خايف عليكي. -عارفة وأسفة والله إني خرجت كده، بس الباب رن كتير خوفت تكون نسيت المفتاح ومتعرفش تدخل وتروح تبات عند طنط وتسبني لوحدي. قالتها بأسف وهي تعود للبكاء. ضمه لصدره بحنان يحتويها في لحظة خوف من تركها وحدها.
ثم قال بهدوء: -عمري يا دموع ما هسيبك لوحدك أبدًا. لفت ظهرها حول خصره فتألم من ظهره بتعب. ابتعدت عنه بخوف وقالت: -أنت اتعورت صح؟ وأخذته من ذراعه بقوة وجعلته ينام على الأريكة في الصالون ونزعت له قميصه. رأت جرحًا في ظهره جلست تطهره برفق ثم تضغط عليه بقوة ليتألم، فهتف بغضب: -أنا مش قولتلك الجسم ده ملكي، إزاي تأذيه كده ها؟ مش حذرتك متتخانقش عشان متأذيش نفسك وأنت ملكي.
ابتسم على امتلاكها له وهتف بخفوت وهو ينام أمامها قائلاً: -متأسف، آخر مرة. قوست شفتيها بحزن للأسفل وأكملت ما تفعل. استيقظ "معتصم" صباحًا على صوت المنبه. مد يديه يغلقه ثم استدار للجانب الآخر مغمضًا عينيه ويمد يده بجانبه يبحث عنها ليضمها له ولم يجدها. فتح عينيه ولم يجدها جلس على السرير بتعب يفرك عينيه ثم رأى الورقة بجانبه. استغرب وهو يلتقطها وفتحها وصدم من محتواها.
(معتصم أنا عارفة إنك مصدوم دلوقتي ومستغرب بس تأكد إن وأنت بتقرأ الورقة دي أنا هكون برا البلد دي ببنتي لأني مقدرش أعيش مع تاجر مخدرات بيقتل كل يوم وكل لحظة مئات الأبرياء. أنا مقدرش أعيش مع إنسان معرفهوش، أنت مستحيل تكون معتصم اللي حبيته من سنين، مستحيل أكون غبية كل السنين دي ومخدوعة فيك. مش أنت الزوج اللي بحلم به ولا حتى الأب المناسب لأولادي.
أنا سبتك وأنا عارفة إني هتعذب في غيابك بس عذابي في غيابك أرحم من عذابي في وجودك. معتصم لو لسه بتحبني ولسه باقيلي حاجة جواك، أنا وبنتك طلقني ومتدورش علينا غير لو صلحت من نفسك وتتنازل عن كل أملاك لليتامى والجمعيات الخيرية وتبدأ بنضافة من غير طرق غير مشروعة، وقتها بس ممكن أرجعلك وأبقى معاك أنا وبنتك وابننا، صحيح أنا حامل ومش يشرفني تكون أب لوالدي طول ما أنت كده. بحبك وهفضل طول عمري بحبك رغم وجعي منك... كارما)
صدم من حديثها ولأول مرة تتساقط دموعه على تركها وأخذ أطفاله منه وحبيبته التي طالما حلم بها وبسعادتها هي. خرج كالمجنون من الغرفة يبحث عنها ولم يجدها في القصر بالفعل. ذهب لمكتبه وأتصل بالمطار وتأكد من خروجها من البلد في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل. ضرب المكتب بقبضته وهو يصرخ كالمجنون بخسارته لها. دَلفت "دموع" إلى غرفته بنشاط وحيوية دون استئذان. استدار بدهشة يعطيها ظهره وهو يغلق أزرار قميصه ويهتف بفزع:
-مش تخبطي قبل ما تدخلي! أقتربت منه بسعادة وهتفت بمكر طفولي قائلة: -بتعمل إيه ها ها؟ بعدها عنه وهو يستدير وقال: -في واحدة عندها امتحان تصحي، فايقة كده ها؟ أقترب منه وهي تزفر للأعلى بشفتيها لكي تبعد خصلات شعرها عن وجهها بإغراء، أبتعد هو بخطوات للخلف حتى التصق بالدولاب وحاصرته هي. فهتف بارتباك من قربها ونظراتها الخبيثة: -عايز إيه؟ عقدت حاجبيه له وهتفت بغضب: -مخدتش مصروف، ماهو مش معقول هروح الامتحان من غير مصروف.
أخرج أمواله من جيبها وأعطاها مصروف لها. تركتُه وأستدرت فتنـهـد بارتياح. عادت له بسرعة فألتصق بالدولاب مجدداً بتوتر. فهتف بحب: -عمري ينفع آخد بوسة واحدة تشجيع للامتحان عشان أجوب صح؟ مسكها من كتفها وأدارها للباب بقوة ثم هتف بجدية قائلاً: -لا مينفعش، مع السلامة. فخرجت عابسة الوجه. ابتسم عليها بسعادة وأخذ جاكيته وخرج.
خرج كالمجنون يبحث عنها في المطار وهو يعلم بأنها رحلت ولكنه يبحث على أمل أن يجدها وهو يعلم بأن هذا لن يحدث. أتصل "سعيد" به وأخبره بصدور أمر اعتقاله والشرطة تبحث عنه ففر هاربًا بعيدًا عن أنظار الجميع وهو يتوعد بالانتقام من "إلياس" بعد أن فقد كل ما يملك حبيبته وأطفاله ولا يوجد ما يخسره. بحث عنه في كل شركته وفيلته ومزرعته ولا يوجد أثر له. رن هاتفه باسم "أثير" فأجابها بملل: -أيوه يا أثير.
-إلياس دموع مرجعتش من المدرسة لحد دلوقتي وماما بتقول إنها مركبتش الباص مع البنات. أتسعت عيناه على مصراعيها بصدمة وهو ينظر لساعته يجدها التاسعة مساءً وموعد عودتها الثانية ظهراً. مر سبعة ساعات ولم تعود. أنزل يده بالهاتف بصدمة وهو يتذكر هروب "معتصم" وانتشار خبر أنه مطلوب القبض عليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!