صمتت جين لحظة، كان على لسانها كلام كثير لكن المفاجأة آخرستها. شعرت أنه ليس وقت للعتاب، ولا أن تسأل آدم لماذا لم يرد على اتصالاتها السابقة. حتى همس آدم والسعادة بادية في صوته: "معلش جين مقدرتش أرد عليكِ الفترة اللي فاتت، كنت مضغوط جداً وراما على طول تعبانة لدرجة أنها مكنتش بتروح الحمام غير بمساعدتي." وكادت جين أن تنطق: "طيب وأنا؟ مليش حق عليكِ؟ "إزاي تسبني بالطريقة دي ومتفكرش تسأل عني؟ "أنا كنت بموت."
لكن جين اعتادت أن تكون وحيدة، تعودت أن تتحمل الألم بمفردها. أخيراً قالت جين: "مبارك لك يا آدم." "هتيجي امتى؟ " صرخ آدم، "أنا فرحان أوي يا جين. عنوان المستشفى... أنهت جين الاتصال ورمت التليفون جنبها. "مفيش فايدة"، همست وهي بتنهض تاخد شور. "آدم مبقاش لي." كيف ينتهي حب سنين دفعة واحدة؟ وكيف يستطيع إنسان أن يكذب عندما يقول أحبك وسأظل طوال عمري أحبك؟
على المرء ألا يبرم اتفاق بالحب أبداً، حتى في الجحيم، طالما أنه لن يفِ بوعده. تذكرت جين الماضي الذي راح يعصف بعقلها عندما كان آدم معها. أطل الماضي بوجهه القبيح، همسات، ابتسامات، قبلات، وعود زائفة. خرجت جين من تحت الماء الساخن، قطراته تتساقط على أرضية الحمام، لكنها لم تشعر بالدفء. كان البرد قادم من الداخل، حيث تتجمد المشاعر وتتشابك الذكريات كعاصفة لا تهدأ. جلست على طرف السرير، أناملها ما زالت ترتجف، ليس من البرد،
ولكن من إدراكها القاسي: لم يعد هناك "نحن". لم يعد هناك "أنا وأنت". آدم ذهب. ذهب حتى دون أن يلتفت وراءه، دون أن يتساءل كيف مرت الأيام عليها، كيف كانت تسند جسدها الهزيل على الجدران لتصل إلى المطبخ، كيف كانت تغمض عينيها وتقاوم الدموع التي لم يعد هناك من يجففها. والآن؟ عاد فقط ليشاركها سعادته، سعادته هو، وكأنها لم تكن يوماً جزءاً من حياته، وكأن الألم الذي تركه خلفه لم يكن يستحق حتى لحظة اهتمام.
نظرت إلى المرآة، حدقت في عينيها، كأنها تحاول التعرف على تلك المرأة التي تحدق بها. هذه ليست جين التي عرفتها. هذه ليست المرأة التي حلمت أن تكونها. هذه امرأة خدعها الحب، مزقها الغياب، ثم علمها الألم كيف تقف وحدها. ببطء، مدت يدها إلى بطنها، حيث كان السر مدفوناً. السر الذي لم يعرفه آدم، السر الذي قد يغير كل شيء... أو ربما لا يغير شيئاً على الإطلاق. هل تخبره؟ هل يهم إن عرف؟ هل يستحق أن يعرف؟
ابتلعت غصة في حلقها ونهضت، ارتدت ملابسها بعناية، كأنها تغلف نفسها بدرع يحميها من الانكسار مجدداً. آدم اختار طريقه. وهي، لأول مرة منذ فترة طويلة ربما، عليها أن تختار طريقها. جلست جين في زاوية الغرفة، يديها متشابكتان فوق ركبتيها، تنظر إلى الفراغ بعينين خاليتين من الحياة. كانت مستعدة أن تمنحه كل شيء. حتى حياتها. حتى أنفاسها الأخيرة.
لو طلب منها أن تحمل طفله، لوافق، رغم أنها تعرف أن قلبها قد لا يتحمل، رغم أن الأطباء لم يمنحوها أي ضمانات. لكن آدم لم يسأل. لم يكلف نفسه عناء البحث عنها عندما اختفت، لم يهتم إن كانت بخير أو تحتضر وحيدة في غرفة باردة. والآن؟ الآن يعود ليخبرها عن سعادته، عن راما التي تحتاج مساعدته، عن حياته التي استمرت بدونها كأنها لم تكن موجودة قط. كأنها لم تكن يوماً حبيبته. كأنها لم تكن مستعدة للموت من أجله.
أحست بأن شيئاً بداخلها تحطم بصمت، شيئاً لم يكن صاخباً لكنه كان نهائياً. لم تعد تفكر في أن تهبه طفلاً. لم تعد تفكر حتى في أن تخبره بالحقيقة. لم تعد تريده أن يعرف. لأنه لو عرف، ربما لن يفرح، ربما لن يهتم، ربما لن يلتفت إليها كما لم يلتفت عندما كانت على حافة الموت. والآن، لم يعد هناك شيء ليُقتل بداخلها. للحظة كانت تعرف عن ذلك القلب الضعيف الذي ينبض داخلها بوهن مستعد أن يمنح السعادة إلى غيره حتى على حساب نفسه.
لكن آدم قبلها بمرضها، قبلها وهو يعرف أنها لا تنجب وقلبها لا يسمح لها بالحمل. لقد كان شخصاً جيداً عندما تعرفت عليه وعندما عاشت معه سنينها الأولى. ولا يمكنها أن تلقي عليه تهمة إهمالها، فقد كانت هي التي زرعت نبتة عذابها بيدها. كاد الصداع أن يفتك برأس جين، صراع بين الحب والكرامة. لكنه يستحق التهاني، على كل حال. غيرت جين ملابسها وقصدت المشفى. دلفت داخل غرفة الولادة، احتضنها آدم فجأة. كانت السعادة بادية على وجهه.
"انظري جين، هذا طفلي." ثم صمت لحظة: "وطفلك أيضاً يا جين؟ الآن يمكنك أن تعيشي المشاعر التي كنتِ تحلمين بها." صوبت راما نظرة مقيتة على جين وهمست: "محدش هيربي ابني غيري." وعندما اقترب آدم ليسمح لجين أن تحمل الطفل، اعترضت. راما تحججت أن الطفل يحتاج الرضاعة. "مبروك يا آدم"، همست جين، "أنا سعيدة من أجلك." "تحقق حلمك أخيراً." ثم جلست على المقعد تابعت آدم وهو يداعب طفله وزوجته. لقد نسيها تماماً وكأنها غير موجودة.
على بعض البشر أن يبقوا على الهامش يتأملون سعادة الآخرين. لقد كنت كذلك ردحاً من الزمن حتى أدركت أن لدي سعادتي الخاصة. وأنني لست بحاجة للنظر لما في يد الغير لأنه لا يناسبني لأنه لن يكون لي. تابعت جين الطفل الصغير، وجهه الجميل، عيونه. لطالما تمنت أن تحمل طفلاً. تابعت أيضاً نظرات راما الساخرة. "طفل جميل"، همست جين بشرود، "يشبهك يا آدم." أدارت راما وجه الطفل للناحية بعيداً عن جين.
ثم بدأت تتألم بدلال: "الجرح يا آدم يؤلمني! آه هناك وجع هنا." "وهنا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!