الفصل 23 | من 43 فصل

رواية راما الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
19
كلمة
1,413
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 53%
حجم الخط: 18

جلست جين على الأريكة، جسدها مستنزف، وعقلها ممتلئ بأفكار متشابكة لا تستطيع فك خيوطها. كانت يداها فوق ركبتيها، أصابعها مشدودة قليلاً، وكأنها تحاول التمسك بشيء غير مرئي، شيء يمنعها من الانزلاق أكثر في الفراغ الذي بدأ يبتلعها منذ تركت عملها. لكنها لم تكن بحاجة إلى النظر لترى المشهد خلفها، لم تكن بحاجة إلى الالتفات لترى آدم يربت على معدة راما، ابتسامتهما المريحة لبعضهما، وكأنها لم تكن هنا، وكأنها مجرد ظل، جزء من الديكور.

أخذت نفساً عميقاً، ثم نهضت ببطء، خطت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها دون أن تصدر أي صوت. الهدوء كان خانقاً. ألقت بجسدها على السرير، حدقت في السقف، وعرفت شيئاً واحداً. لا أحد سينقذها. لا أحد سيتدخل ليعيد لها حياتها. لا أحد سيأخذ بيدها ويخبرها أن كل شيء سيكون على ما يرام. لأنها ببساطة لم تكن جزءاً من شيء بعد الآن.

في اليوم التالي، استيقظت بنفس البطء الذي أصبح عادة لها، نهضت من الفراش، غسلت وجهها، جلست للحظات في سريرها، ثم ارتدت ملابسها كما تفعل كل يوم، لكن الفرق هذه المرة أنها لم تفكر في الأعمال المنزلية، لم تفكر في الصحون التي تحتاج إلى تنظيف، أو الطاولات التي يغطيها الغبار. خرجت من الغرفة، تجاهلت المطبخ، تجاهلت الصالة، وتوجهت مباشرة إلى الباب. لم يكن هناك سبب للبقاء هنا أكثر.

لكن قبل أن تصل إلى المقبض، سمعت صوتاً هادئاً خلفها. «خارجه؟ استدارت، لتجد راما تقف هناك، ترتشف قهوتها الصباحية، وعيناها السوداوان ترصدانه. «اه خارجة.» ردت جين ببرود، لم تحاول حتى إخفاء ذلك النفور الذي بدأ يتشكل بداخلها تجاه راما. ابتسمت الأخيرة، وضعت فنجانها على الطاولة، وأردفت بلهجة ناعمة «طيب حاولي ما تتأخريش انتى عارفه آدم؟ وكانت نبرتها كما أرادت نبرة تحمل مجرد نصح.

تصلبت جين للحظة، أرادت أن تنفجر، لكنها أومأت برأسها مرة واحدة، وخرجت دون أن ترد. في الخارج، كان الهواء بارداً، منعشاً بطريقة أذهلتها قليلاً، كم من الوقت مر منذ أن شعرت بشيء حقيقي؟ بدأت تمشي بلا هدف، خطواتها تائهة، لكنها لم تتوقف، لم يكن لديها وجهة، لم يكن لديها خطة، لكنها كانت تعلم شيئاً واحداً —كان عليها أن تفعل شيئاً.

المقاهي كانت تمتلئ بالعاملين الذين يأخذون استراحاتهم، الشوارع مليئة بالحركة، السيارات تسرع، البشر يركضون لإنهاء يومهم، كل شيء كان يتحرك. وجين؟ وقفت عند مفترق الطرق، شعرت أن العالم أمامها مفتوح بطريقة لم تكن تتوقعها. ربما، فقط ربما، لم يكن كل شيء قد انتهى بعد. ربما لا يزال هناك طريق للخروج من هذا السجن غير المرئي الذي وجدت نفسها فيه.

أخذت نفساً عميقاً، أخرجت هاتفها، وبدأت تبحث. عن عمل. عن بداية. عن أي شيء يمكن أن يعيدها إلى الحياة قبل أن تصبح مجرد ظل آخر في شقة لم تعد تشعر فيها بأنها تنتمي إليها. جلست جين في أحد المقاهي القريبة، هاتفها بين يديها، وعيناها تتنقلان بين الإعلانات الوظيفية. كانت الكلمات تتكرر أمامها: «مطلوب موظف إداري»، «فرصة في مجال التسويق»، «خبرة لا تقل عن سنتين»... لكن عقلها لم يكن يركز حقاً على التفاصيل.

كانت هناك فكرة واحدة تضربها باستمرار، تنبض تحت جمجمتها كإيقاع متواصل —لقد أصبحت بلا قيمة. قبل أسابيع فقط، كانت تقضي يومها بين الاجتماعات، كان اسمها موجوداً في تقارير العمل، في البريد الإلكتروني. والآن؟ كانت تجلس هنا، تحاول فقط العثور على وظيفة تُشعرها بأنها لا تزال حية. أبعدت الهاتف جانباً، رفعت يدها إلى شعرها وسحبت نفساً عميقاً. لا!! لن تسمح لهذا الشعور بأن يلتهمها مجددًا.

أمسكت هاتفها مجددًا، هذه المرة بعزيمة أكبر. بدأت في إرسال طلبات التوظيف، رسالة بعد الأخرى، وكأنها ترمي طوق نجاة لنفسها قبل أن تغرق تمامًا. لكن كل ذلك لم يغير الحقيقة —كانت البداية بطيئة، والفراغ في داخلها لم يتراجع بسهولة. عادت إلى الشقة في المساء، متأخرة قليلاً عن المعتاد. كانت الإضاءة في الداخل خافتة، والجو هادئًا بطريقة جعلت كل شيء يبدو غير حقيقي.

لكن آدم كان هناك، جالسًا على الأريكة، عينيه موجهتين نحوها وهي تدخل. توقف الزمن للحظة. لم يقل شيئًا في البداية، فقط نظر إليها، نظر طويلًا جدًا حتى كادت تشعر أن الكلمات التي لم ينطق بها كانت تتسلل إليها رغمًا عنها. ثم أخيرًا، بصوت هادئ للغاية، قال: «جين؟ تصلبت يداها حول حزام حقيبتها. عيناها تحركتا إلى راما، التي كانت مستلقية على الأريكة الأخرى، ساقاها متشابكتان، وفنجان قهوتها في يدها.

لم تتحدث، فقط رفعت حاجبًا، وابتسمت ابتسامة صغيرة، وكأنها تعرف شيئًا لا تعرفه جين. أدركت جين فجأة أنها لا تريد أن تكون هنا. لا تريد أن تكون محاصرة بين هدوء آدم المريب، وبين نظرات راما التي تتسلل إلى جلدها مثل إبر باردة. «خير يا آدم؟ «كنت بره فيه مشكلة إني أخرج؟ ثم سارت بصمت نحو غرفتها، وأغلقت الباب خلفها. لكن حتى وهي جالسة هناك، على سريرها، أدركت شيئًا مهمًا —لن يكون الهروب إلى غرفتها كافيًا هذه المرة.

إذا أرادت حقًا أن تستعيد نفسها، فعليها أن تقاتل. ولكن هل لا يزال لديها القوة لذلك؟ مرت الأيام التالية ببطء، لكنها لم تكن فارغة تمامًا. جين تلقت عدة ردود على طلبات التوظيف، معظمها كانت رفضًا، وبعضها كان دعوات للمقابلات. كان جزء منها خائفًا من العودة إلى هذا العالم، من مواجهة احتمالية الرفض المتكرر، من الشعور بأنها لم تعد كافية. لكنها لم تعد تملك رفاهية التردد.

في صباح يوم جديد، ارتدت ملابسها بعناية، وخرجت دون أن تنظر خلفها. هذه المرة، لم تخبر أحدًا إلى أين ستذهب. وهذه المرة، لم يكن يهمها إن كان آدم أو راما سيلاحظان غيابها. لأنها كانت تعرف شيئًا واحدًا —هذه ستكون بداية النهاية لهذا الفراغ الذي كاد يبتلعها. كان الهواء في الخارج باردًا رغم أشعة الشمس المتناثرة، لكنه منح جين شيئًا نسيته منذ فترة —الإحساس بالحركة، بالحياة، بعد أيام طويلة من الركود.

سارت بخطوات ثابتة إلى العنوان المحدد على هاتفها، مبنى زجاجي شاهق، اسمه محفور على لوح معدني عند المدخل. توقفت أمامه للحظة، ثم تنفست بعمق ودخلت. كان المكان صاخبًا، مليئًا بأشخاص يتحركون بسرعة، كل واحد منهم غارق في عالمه. وجدت نفسها تفكر كيف كانت واحدة منهم، كيف كان لها مكان في هذا المشهد المتسارع، وكيف انتهى بها الأمر إلى أن تصبح شخصًا يراقب من الخارج بدلاً من أن يكون في قلب الحركة.

لكن لا بأس. اليوم كانت هنا لتستعيد جزءًا من نفسها. جلست في غرفة المقابلة، يداها متشابكتان على الطاولة أمامها، تحاول ألا تظهر توترها. الرجل الجالس أمامها، مدير التوظيف، ألقى نظرة على سيرتها الذاتية، ثم رفع عينيه إليها. «هناك فجوة في سجلك المهني؟ شعرت بعضلاتها تتصلب، لكنها لم تخفض عينيها. «واجهت بعض الظروف الشخصية.» قالت بصوت ثابت، دون أن تشرح أكثر. الرجل لم يسألها عن التفاصيل، فقط نظر إليها

لثانية طويلة قبل أن يقول: «ما الذي تبحثين عنه بالضبط، جين؟ كان سؤالًا بسيطًا، لكنه جعلها تتوقف. ما الذي تبحث عنه؟ وظيفة؟ نعم. استقرار؟ ربما. لكن الأهم من ذلك كله —«أريد أن أعمل مرة أخرى.» أجابت أخيرًا، بصدق كامل. نظر إليها الرجل مرة أخرى، ثم ابتسم قليلاً، وكأنه رأى شيئًا في عينيها جعله يتخذ قراره. «حسنًا، لنرى ما يمكننا فعله.» عندما خرجت من المبنى، كانت الشمس قد تحركت في السماء، وأشعتها أصبحت أكثر دفئًا.

وقفت للحظة عند الرصيف، الهواء يعبث بخصلات شعرها، بينما عقلها يستوعب ما حدث. لم تحصل على الوظيفة بعد، لكنها لم تعد مجرد ظل بلا اتجاه. كان هذا كافيًا الآن. استدارت وعادت أدراجها، خطواتها أكثر ثباتًا، للمرة الأولى منذ فترة طويلة. لكن عندما عادت إلى الشقة، وجدت آدم ينتظرها مجددًا. لم يكن يجلس هذه المرة، بل كان واقفًا، يداه في جيوبه، كتفاه مشدودتان. عندما أغلقت الباب خلفها، قال بصوت منخفض: «رحتِ مقابلة عمل، صح؟

لم يكن سؤالًا بقدر ما كان ملاحظة. وضعت جين حقيبتها بهدوء، التقت عيناها بعينيه، ثم أجابت دون تردد: «نعم.» لمعت عيناه للحظة بشيء لم تستطع تحديده، لكنه لم يتحدث على الفور. ثم أخيرًا، بعد صمت طويل، قال بصوت هادئ جدًا: «إنتِ فعلاً مش ناوية تتراجعي عن قرار الشغل؟ هذه المرة، لم تتردد جين. «أيوه.» ولأول مرة، بدا وكأن آدم لم يعرف كيف يرد. فتح آدم فمه بابتسامة ساخرة. «المرة الماضية تخلى عنك مديرك كأنه حشرة يا جين.»

«أنا خايف عليكي، خايف على قلبك ومشاعرك.» كادت أن تضحك، منذ مدة طويلة، نسيت أن لديها مشاعر مثل بقية البشر. «هي مشاعري مهمة فعلاً بالنسبة ليك؟ وقبل أن يرد آدم، قالت جين بصوت صارم: «لو مشاعري مهمة بالنسبة ليك، سبني براحتي يا آدم.» «أنا محتاجة الشغل.» وكادت أن تبوح بضعفها، لكنها صمتت. «جين، راما محتاجة عناية، ده حلمنا يا جين، ولا إنتِ ناسيتِ؟ «منستش يا آدم.»

«راما معاها خدامة بتاخد بالها منها، ولا إنت شايف إن خدامة واحدة مش كفاية على راما؟ «أنا مقلتش كده يا جين، إنتِ فهمتيني غلط، أنا كل اللي يهمني راحتك.» «راحتي في الشغل يا آدم، قررت.» «سبها براحتها يا آدم، متضغطش عليها، أنا هبقى كويسة.» «جين، أنا بتمنى تلاقي شغل وبالك يرتاح.» «سيبك من آدم.» «آدم بس قلقان وخايف عليكي من العالم اللي بره، لأنه مش بيرحم.»

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...