الفصل 42 | من 43 فصل

رواية راما الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
24
كلمة
2,009
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 98%
حجم الخط: 18

كان الهواء في الشقة راكدًا بعض الشيء، رغم أن النافذة كانت مفتوحة قليلاً، مما سمح لنسيم بارد بالتسلل إلى الداخل. كانت الستائر تتحرك ببطء، والضوء الخافت القادم من الخارج يلقي ظلالاً ناعمة على الجدران الأرضية الخشبية. راما جلست على الأريكة، قدمها ممدودة قليلاً، ويديها متشابكتان على حجرها، بينما كانت تحدق بصمت في جين التي تجلس على السجادة أمامها، تلاعب يوسف بتركيز غريب.

كانت جين تهز لعبة صغيرة أمام الطفل، تصدر أصواتاً خافتة كلما ضغطت عليها، فيما كان يوسف يضحك بصوت عالٍ، ضحكته الصغيرة تملأ المكان بشيء يشبه الحياة، شيئاً لم تكن راما مستعدة تماماً للاعتراف بأنه يريحها. لكن رغم ذلك، لم تقل شيئاً، ولم تطلب من جين التوقف. كانت نظرات راما متناقضة، نصفها يعكس الرفض المعتاد، والنصف الآخر… شيء آخر. شيء لم ترغب في تحليله.

لكن بعد لحظات، تغيرت ملامح جين، يدها التي كانت تحرك اللعبة تباطأت قليلاً، ونظرتها أصبحت مشتتة. قطبت جبينها، وكأنها تحاول فهم شيء ما، ثم وضعت يدها على معدتها بحركة لا إرادية. "هل أنتِ بخير؟ " سألتها راما بحدة، رغم أن صوتها بدا وكأنه صادر عنها دون تفكير. جين أغمضت عينيها لثانية، ثم فتحتها ببطء، كأنها تقاوم شعوراً غير مريح "لا أعلم… معدتي تؤلمني قليلاً." "قليلاً؟

" كررت راما بتهكم، لكن عينيها بقيتا معلقتين بجين، تراقبها عن كثب. جين حاولت أن تبتسم، لكنها توقفت فجأة، وضغطت أصابعها على بطنها مجدداً. وجهها شحب قليلاً، وملامحها انقبضت للحظة، كأنها تحاول إخفاء ألم أكبر مما تدعيه. راما لاحظت ذلك، لاحظت كيف أنفاسها أصبحت أبطأ، كيف لمست رقبتها في محاولة غير واعية للتهدئة، كيف تحركت قليلاً في جلستها وكأنها تبحث عن وضع أكثر راحة، لكنها لم تجد.

ورغم أن راما كانت تتظاهر باللامبالاة، إلا أن جسدها تحرك قبل أن تفكر حتى، نهضت عن الأريكة واقتربت بخطوات ثابتة، ثم انخفضت قليلاً بجانب جين. "ما الذي يحدث معكِ؟ "لا شيء، فقط… دوار بسيط، سيزول." لكن لم يزول. بل ازداد. بعد دقائق، كانت جين تمسك رأسها بيد، ومعدتها بالأخرى، تحاول بوضوح كتم شعور بالغثيان، فيما كان يوسف قد توقف عن اللعب، وكأنه شعر بأن هناك شيئاً خاطئاً. راما ضغطت فكها بقوة، ثم نهضت فجأة. "انهضي."

جين رفعت نظرها إليها ببطء. "ماذا؟ "قلتُ انهضي، سنذهب إلى المشفى." "راما، هذا ليس ضرورياً، أنا بخير، فقط بعض الإرها... لكن راما لم تنتظر أن تنهي جين جملتها، بل أمسكت بمعصمها، سحبتها للوقوف رغم مقاومتها الطفيفة، ثم استدارت نحو يوسف وحملته دون تردد. "راما، لا داعي لكل هذا، أنا حقاً... "اصمتي وامشي." لم يكن هناك مجال للنقاش.

-كانت رحلة السيارة إلى المشفى صامتة، لكن الصمت لم يكن مريحاً. كان مشحوناً، مشدوداً، مثل وتر على وشك أن ينقطع. جين جلست في المقعد الجانبي، عيناها مغمضتان، وملامحها لا تزال متوترة قليلاً. أما راما، فكانت تقود بتركيز مبالغ فيه، قبضتها مشدودة على المقود، وفكها متصلب كما لو أنها تحاول منع نفسها من قول شيء قد تندم عليه لاحقاً.

كل بضع دقائق، كانت راما تلقي نظرة جانبية سريعة على جين، وكأنها تتأكد أنها لا تزال بخير، لكنها لم تقل شيئاً. وعندما وصلا إلى المشفى، كانت الحركة أسرع مما توقعت جين. لم تمضِ دقائق حتى وجدت نفسها في غرفة الفحص، بينما كانت الطبيبة تطرح عليها أسئلة معتادة، فيما وقفت راما عند الباب، ذراعاها معقودتان، وملامحها متجهمة، لكن عينيها تحملان شيئاً مختلفاً. قلق. قلق لم تكن مستعدة للاعتراف به. ثم جاءت النتيجة.

كانت الطبيبة تتحدث بنبرة هادئة، بينما جين تحدق فيها وكأنها لم تستوعب الكلمات بعد. ثم استدارت ببطء لتنظر إلى راما. "أنا…" لكنها لم تكمل. لأن راما فهمت. فهمت من الطريقة التي اتسعت بها عينا جين، من الطريقة التي وضعت بها يدها على بطنها لا إرادياً، من الطريقة التي بدت بها وكأنها تلقت صدمة لم تكن مستعدة لها.

راما لم تقل شيئاً، فقط حدقت فيها للحظات طويلة، ثم أدارت وجهها بعيداً، ووضعت يديها في جيب معطفها، وهي تتنفس ببطء، وكأنها تحاول استيعاب الأمر. لكنها لم تستوعب. ولأول مرة منذ وقت طويل، لم تكن تعرف ما الذي يفترض بها أن تشعر به. -كانت الطبيبة تقلب الملف الطبي أمامها، ثم رفعت عينيها نحو جين، وكأنها تزن كلماتها بعناية قبل أن تنطق تتنحنح قليلاً وتقول بنبرة هادئة لكنها جادة: "أريد التحدث معكِ، على انفراد، جين هانم هذا مهم."

جين قطبت جبينها، ألقت نظرة خاطفة نحو راما التي كانت لا تزال واقفة عند الباب، ذراعاها معقودتان، وعيناها تراقبان كل شيء بصمت مشحون. "راما، هل يمكنكِ…" بدأت جين، مترددة قليلاً. لكن راما لم تحتج إلى تفسير، فهمت أن الأمر ليس للنقاش، زفرت ببطء، ثم استدارت وخرجت من الغرفة دون أن تنطق بكلمة، لكنها بقيت قريبة، متكئة على الجدار في الممر، تنقر بأصابعها بخفة على معطفها، وعقلها يدور في دوائر لا نهائية.

في الداخل، الطبيبة أغلقت الملف بلطف، ثم مالت قليلاً للأمام، خفضت صوتها، وقالت... -خرجت جين من الغرفة بعد دقائق، خطواتها كانت هادئة، لكنها لم تكن مسترخية، كان هناك شيء في ملامحها، خليط معقد بين الفرح والتوجس، بين الصدمة والقلق. عندما رفعت عينيها، وجدت راما تنتظرها، لم تقل الأخيرة شيئاً، فقط حدقت فيها للحظة، كأنها تحاول قراءة أفكارها. لكن قبل أن تنطق أي منهما، كان بدر قد وصل.

دفع الباب الزجاجي بخطوات متعجلة، عينيه تبحثان عن زوجته. وعندما وجدها، تسمرت نظراته عليها، على وجهها الذي بدا مضطرباً رغم الابتسامة الصغيرة التي حاولت رسمها. "جين؟ " نادى اسمها بصوت خافت وهو يقترب. نظرت إليه جين، وفجأة شعرت بشيء ثقيل في صدرها، شيء لم تستطع تفسيره تماماً. كان يفترض أن تكون سعيدة، وكان يفترض أن تركض نحوه، أن تخبره على الفور، لكنها لم تستطع.

بدر وقف أمامها الآن، عينيه تمسحان ملامحها وكأنهما تحاولان استيعاب ما يجري، ثم، ببطء، نظر نحو راما التي كانت تراقب المشهد بصمت، وكأنها ليست متأكدة إن كان عليها البقاء أو المغادرة. "ماذا يحدث؟ " سأل أخيراً. جين ابتسمت بخفة، لكنها لم تكن ابتسامة حقيقية تماماً، كان هناك شيء ما في عينيها، شيء جعل بدر يشعر بعدم ارتياح، رغم أنه لم يكن يعرف السبب بعد. "أنا… حامل، بدر."

قالتها بهدوء، بصوت منخفض، لكنه كان كافياً ليجعل الزمن يتباطأ للحظات. بدر حدق فيها، وكأن الكلمات استغرقت ثانية إضافية حتى تصل إليه، حتى تصبح حقيقية. ثم، كما لو أنه استعاد أنفاسه، امتدت يده نحو يدها، قبض عليها بخفة، وكأنها شيء هش يخشى أن ينكسر بين أصابعه. لكن رغم الفرحة التي بدأت تتسلل إلى ملامحه، لم يستطع تجاهل تجهم وجه جين، الطريقة التي بدت بها وكأنها تحمل سرّاً لا تريد الإفصاح عنه.

وراما، التي كانت تراقب كل ذلك من بعيد، لم تفوّت ذلك أيضاً. -عندما وصلوا إلى الشقة، كان الجو داخلها ساكناً، بدر لم يترك يد جين منذ أن خرجوا من المشفى، وراما كانت تسير خلفهم بصمت، لا تزال غير متأكدة لماذا أتت معهم أصلاً، لكنها لم تفكر كثيراً في الأمر. بمجرد أن دخلوا، اتجه بدر مع جين نحو غرفة النوم، ربما ليتحدثا، ربما ليهدئ مخاوفها التي لم تقلها صراحة بعد أما راما، فقد بقيت في المطبخ.

لم تكن تفكر حين بدأت بتحضير الطعام، فعلت ذلك كأنها في منزلها، بطريقة غريبة لم تكن قد سمحت لنفسها بها من قبل. أخرجت بعض الخضروات، وضعت الماء ليغلي، وبدأت بترتيب الطاولة دون أن تسأل. عندما خرجت جين بعد قليل، وجدت راما تقلب الطعام في المقلاة. نظراتها محايدة، لكن حركاتها كانت دقيقة. "ما الذي تفعلينه؟ " سألتها جين بنبرة شبه متفاجئة. "ألا ترين؟ أجهز العشاء." "لم أطلب منك ذلك." "ولم أسألك إن كنت تريدين."

جين نظرت إليها، ثم إلى الطاولة التي بدأت تأخذ شكلها المنزلي الدافئ، وكأن المكان لم يعد مجرد شقة، بل صار… مأهولاً. شيء في صدرها انقبض للحظة، لكنها لم تعلق، فقط مشت نحوها، ثم توقفت بجانبها، تراقبها بصمت. -حل الليل، وكان الوقت قد تأخر أكثر مما خططت له راما. نهضت عن الطاولة بعدما أنهت طعامها، سحبت معطفها بخفة، وامسكت بيد يوسف ابنها واستعدت للخروج دون أن تقول شيئًا. لكن قبل أن تصل إلى الباب، أوقفتها جين. "انتظري."

راما التفتت ببطء. "بدر سيوصلك." راما رفعت حاجبها، نظرت إلى بدر، الذي لم يقل شيئًا، لكنه كان قد نهض بالفعل، وكأنه أخذ الأمر كحقيقة لا جدال فيها. "هذا ليس ضروريًا." قالتها راما بجفاف. "بل هو كذلك." أصرت جين. نظرتها كانت حازمة، لكن صوتها كان يحمل شيئًا آخر، شيئًا لم ترغب في تحليله الآن. راما تنهدت ببطء، ثم استدارت، واتجهت نحو الباب دون تعليق إضافي. وبدر، دون أن ينطق، أخذ مفاتيحه، ولحق بها.

وجين، التي وقفت تراقبهما، لم تستطع أن تتجاهل الطريقة التي شعرت بها. ذلك الشعور الغريب الذي لم تكن مستعدة لمواجهته بعد. *** لم يمض وقت طويل قبل أن تبدأ صحة جين في التدهور. لم يكن الأمر مجرد تعب عابر أو غثيان حمل معتاد، بل إرهاق مستمر، بشرة شاحبة، عيون غارقة في الهالات السوداء، ودوار متكرر كاد أن يسقطها أكثر من مرة.

في البداية، حاولت جين تجاهل الأمر، أقنعت نفسها أنه مجرد إرهاق طبيعي، شيء يمكنها التكيف معه. لكنها لم تستطع إخفاء الأمر طويلًا، خاصة عن بدر… وعن راما. كانت راما تراقب بصمت، لم تقل شيئًا في البداية، لم تسألها كيف تشعر أو إن كانت بحاجة لشيء، لكنها كانت هناك، دائمًا، بطريقة ما.

أصبحت زياراتها أكثر تكرارًا، غير منتظمة لكنها ثابتة، مثل ضربات قلب غير متزنة لكنها لا تتوقف. لم تعد تكتفي بالجلوس أو المراقبة كما اعتادت، بل بدأت تأخذ الأمور على عاتقها، كما لو أن شيئًا داخلها كان يرفض ترك جين تواجه ذلك وحدها. كانت تصل أحيانًا في الصباح، تجد المنزل صامتًا، تشم رائحة الطعام المحترق لأن جين حاولت الطهي ولم تكمل. دون أن تقول كلمة، كانت تنزع الغطاء عن المقلاة، تنظف الفوضى، وتبدأ في تحضير شيء آخر.

في أيام أخرى، كانت تأتي مساءً، تجد جين مستلقية على الأريكة، نظراتها زجاجية، تعاني من دوخة خفيفة لكنها لا تشتكي. كانت راما تجلس على بعد خطوات، لا تحاول تقديم المواساة، لا تهمس بكلمات التعاطف، فقط تبقى هناك، تنتظر بصمت. وعندما كانت جين تغفو أخيرًا، كانت راما تتجول في المنزل، ترتب الأشياء، تمسح الغبار عن الطاولة، تتأكد أن الأطباق نظيفة، ثم تعود للجلوس وكأنها لم تفعل شيئًا. لكن شعور النفور لم يفارقها.

كان شيئًا لزجًا في صدرها، يخنقها في كل مرة ترى فيها جين مستلقية بتعب، في كل مرة تجبر نفسها على سكب الشاي الساخن لها، في كل مرة تدرك أنها بدأت تهتم دون أن تريد ذلك. كرهت ذلك، كرهت أنها تهتم، كرهت أنها لم تعد قادرة على أن تكره جين بالكامل كما اعتقدت دومًا. ورغم ذلك، لم تتوقف عن المجيء. ******

كانت راما لا تزال تحتفظ بجدارها، تتعامل مع جين وكأنها تقوم بواجب ثقيل، كما لو أن وجودها هناك ليس سوى مسؤولية فرضتها الظروف، وليس شيئًا اختارته بإرادتها. لكن العداء الذي كانت تبديه بدأ يفقد حدته تدريجيًا. لم تختف نظراتها الباردة بالكامل، ولم تتوقف عن إلقاء الجمل الجافة بين الحين والآخر، لكنها لم تكن كما كانت من قبل.

جين، من جهتها، لم تحاول استغلال ذلك. لم تشر إلى التغير، لم تحاول إجبار راما على الاعتراف بأي شيء، فقط تقبلت الأمر كما هو، كما تقبلت من قبل عداءها الصريح دون أن تبعدها عنه. كانت هناك لحظات صغيرة، لمحات خاطفة من شيء يشبه الهدنة، وربما شيء آخر أكثر تعقيدًا.

في إحدى المرات، كانت جين تحاول رفع صندوق ثقيل، وعندما كادت أن تفقد توازنها، مدت راما يدها تلقائيًا وأمسكته عنها. لم تقل شيئًا، لم تعلق حتى، فقط فعلت ذلك وكأنه أمر طبيعي، وكأنها لم تكن قبل أشهر ترفض حتى النظر إليها دون احتقار. وفي مرة أخرى، عندما سقطت جين في الدرج الصغير المؤدي إلى المطبخ، لم تكتف راما بمساعدتها على النهوض، بل بقيت بجانبها لبضع لحظات أطول مما يجب، كأنها تريد التأكد أنها بخير حقًا.

حتى الحوارات بينهما، رغم أنها لم تكن طويلة أو عميقة، بدأت تأخذ طابعًا مختلفًا. "طريقتك في تحضير الشاي سيئة." قالت راما ذات يوم، وهي تتأمل الكوب الذي أعدته جين. رفعت جين حاجبًا، مبتسمة قليلًا. "إذن حضريه بنفسك." حدقت بها راما للحظة، ثم أخذت الكوب منها بهدوء، سكبت الشاي وأعادت تحضيره دون أن تقول كلمة.

كانت تلك الأشياء الصغيرة هي ما شكلت الفرق. لم تكن هناك مصالحة درامية، لم تكن هناك اعتذارات أو اعترافات، فقط تفاصيل تتراكم، ببطء، دون أن يدركا أنهما لم تعودا كما كانتا من قبل. وفي إحدى الليالي، عندما كانت جين مستلقية على الأريكة، تشعر بالضعف أكثر من المعتاد، فتحت عينيها لتجد راما جالسة بجانبها، صامتة، لكن حضورها كان ثابتًا. "لست مضطرة للبقاء." همست جين، صوتها ضعيف لكنه واضح.

نظرت إليها راما للحظة، ثم شردت بعينيها في الفراغ، قبل أن ترد بهدوء، دون أن تنظر إليها مباشرة: "أعرف." لكنها لم ترحل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...