كان سالم يقولها وهو يرش عليها الماء ولكن منار كانت تحرك رأسها فقط وترفض الاستيقاظ. ملك وماسة كانتا متعانقتين والدموع تنساب من اعينهما بخوف. والدتهما ترفض أن تستيقظ! شعر سالم بالقلق عليها ونظر إلى زوجته وقال: -أنا هوديها المستشفي، دي مش راضية تفوق خالص. ثم كاد أن يحملها بين ذراعيه إلا أن حنان قبضت على ذراعه وقالت: -استنى! مستشفى إيه اللي بتتكلم عليها يا سالم؟ مين اللي هيدفع مصاريف المستشفى والعلاج؟
هو إحنا ناقصين يا حبيبي؟ عبس سالم وقال: -عايزني أعمل إيه يا حنان وأنا شايف أختي في الحالة دي؟ يعني هسيبها كده؟ هزت كتفها وقالت: -لا طبعًا ميرضنيش، هو أنا معنديش قلب مثلا؟ اتصل بجوزها ييجي يوديها المستشفي، جحا أولى بلحم توره.
نظر إليها سالم بتوتر وقد شعر بثقل في قلبه. إنها شقيقته، شقيقته مريضة وزوجته تمنعه من إسعافه. ولكنّه كان يعرف أنه لو صمم على أخذ شقيقته إلى المشفى زوجته لن تصمت. بالتأكيد سوف تقيم الدنيا فوق رأسه. وهو لا يريد إزعاجها وهي حامل. لذلك أخرج هاتفه وهو يتصل بمراد. في منزل عائلة المنصوري. -يعني إيه سابت البيت؟ وأنتوا إزاي تخلوها تسيب البيت؟ محدش منعها ليه؟
صرخ بها مراد بحدة وهو يشعر بالجنون. زوجته تركت المنزل، تركته هو. تلك الفكرة أرعبته. عندما اتصلت به والدته وأخبرته أن منار تركت المنزل شعر بقلبه يسقط في قدميه. حسنًا يعترف أنه أخطأ في حقها ولكنه وعد نفسه أنه عندما يعود سوف يعتذر منها كثيرًا ويطيب خاطرها ولكنها تركته قبل أن يفعل هذا. شد مراد شعره الداكن وهو يدور حول نفسه بينما كانت صابرين تشعر بالقلق وهي ترى ابنها في تلك الحالة. كان يبدو غاضبًا بطريقة لم تراها من قبل.
-والله يا بني حاولت أمنعها بس مراتك قوية محدش يقدر عليها، ده غير أنها قالت أنك ضربتها وعلت صوتها وأنا خوفت من الفضايح وسبتها تمشي. توقف مراد عن الدوران وتيبس في مكانه وأطرق بوجه متجهم. ثم قال: -أنا السبب، أنا اللي زعلتها، أنا لازم أروح أجيبها، لازم أعتذر منها.
ثم كاد أن يذهب إلا أن رنين هاتفه جمّده مكانه. أخرج هاتفه وهو يرى المتصل. ابتلع ريقه وهو يجده سالم. تردد في الرد على اتصاله ولكنه قرر أن يواجهه بشجاعة حتى لو أهانه سالم لن يرد. -ألو. لحظات وكان وجهه شاحبًا كالأموات وهو يستمع إلى سالم. -إيه؟ بتقول إيه؟ طيب أنا جاي فورًا! قالها وهو يركض خارج المنزل دون أن يلتفت لنداءات والدته الحائرة ولا أسئلتها الفضولية. كان قلبه يكاد يخرج من صدره بفعل الرعب وكلمات سالم تتردد في عقله.
استقل سيارته الصغيرة وانطلق بها مسرعًا. وصل إلى منزل سالم بسرعة قياسية وخرج ولم يغلق باب السيارة حتى. اندفع إلى المنزل وهو يصرخ: -منار! توقف فجأة وهو يرى زوجته فاقدة الوعي على الأريكة. انعصر قلبه بألم وهو يراها بتلك الحالة. كان يعرف داخل قرارة نفسه أنه هو السبب. هو من أوصل منار لتلك الحالة. اقترب منها وهو يمسك كفها ويقول بنبرة مختنقة بينما شعر بالدموع تلسع عينيه: -منار! إنها زوجته، والدة طفلتيه. كيف يفعل هذا بها؟
كيف يوصلها إلى تلك الحالة. الشعور بالذنب كان يخنقه. -حقك عليا أنا يا منار. قالها بإختناق ثم حملها بعد أن لف حجابها ونظر إلى سالم بغضب وقال: -كان لازم توديها المستشفى علطول بس أنا نسيت أنك مش راجل. عمرك ما كنت سند ليها ولا هتكون! أشاح سالم بوجهه وهو غير قادر على الكلام ثم أكمل: -ماسة ملك تعالوا يالا معايا. وجه كلامه لسالم مرة أخرى وقال: -هاجي آخد شنطة مراتي بعدين. ثم خرج يتبعه الطفلتين. بعد نصف ساعة.
كان أمام المستشفى. حمل زوجته واتجه بها للداخل وهو يهتف باسم طفلتيه. -ملك، ماسة خليكم جمبي. ولج للمشفى متجهًا بها إلى الطوارئ وقد استقبلها الممرضون بالنقالة. بعد قليل. في رواق المشفى. كان مراد يجلس على المقعد وهو يضم طفلتيه إليه، منتظرًا بقلق خروج الطبيب ليطمئنه عليها. خرج الطبيب بالفعل لينهض مراد ويقول: -مراتي.
-اطمن يا أستاذ مراتك بخير، هي بس جالها هبوط. واضح أنها مكانتش بتاكل كويس. دلوقتي معلقين ليها محلول والحمد لله فاقت بس يخلص المحلول اللي في إيديها تقدر تأخدها وألف سلامة عليها. -الله يسلمك يا دكتور، شكرًا. قالها مراد براحة. ثم ولج هو وطفلتيه لمنار التي كانت جالسة على الفراش شاخصة عينيها للأمام بشرود. -ماما. أخرجها من شرودها صوت طفلتيه لتبتسم بشحوب وهي تشير لهما لكي يقتربا منها. اندفعت الفتاتين إليها لتعانق
كل منهما على حدة وتقول: -متخافوش يا حبايبي، متخافوش. -يا بنات خلوا ماما ترتاح لو سمحتوا، تعالوا واقعدوا هنا. ثم أشار إلى المقعد الجلدي الكبير نسبيًا وبالفعل أطاعتا أمر والدهما دون نقاش. ابتسم مراد وهو يربت على رأسيهما ويقول: -شطار يا حبايبي. ثم تنهد وهو ينظر إلى منار التي تشيح بوجهها بعيدًا عنه وكأنها لا تطيق أن تراه. اقترب هو منها وجلس على السرير الصغير التي تجلس عليه. -منار.
قالها بندم ولكنها لم تنظر إليه. مد كفه وأمسك وجهها ليجعلها تنظر إليه. تخيل أن يرى بعينيها الألم، أو الانهيار. ولكنّه رأى أسوأ من هذا. رأى البرود. رأى أن الحب في عينيها نضب تمامًا وهذا جعله يختنق دون سبب. -منار! همس بها بصدمة. -طبعًا حضرتك فرحان دلوقتي، فرحان أن حتى أخويا اتخلى عني ودلوقتي تقدر تذلني زي ما أنت عايز، صح؟ قالتها منار ببرود. هز مراد رأسه بقوة. أوجعته اتهاماتها الظالمة له لتكمل هي بسخرية مريرة:
-انبسط يا مراد، أخويا اتخلى عني رسمي وسلمني ليك. تقدر تعمل فيا اللي انت عايزة بما أني دلوقتي لا معايا بيت ولا فلوس عشان أقدر أطلق منك. ده اللي كان نفسك فيه من زمان عشان كده رفضت دايما تشغلني. كنت عايزني أبقى تحت طوعك صح وتعمل فيا اللي انت عايزة. تتجوز عليا بقا أو تضربني عشان مراتك التانية. وطبعًا عشان أنا مليش حد مش هتكلم. مبروك يا مراد وصلت للي أنت عايزه.
-أنا عمري ما أفكر أعمل فيكي كده يا منار، اطلبي مني دلوقتي اللي عايزاه وأنا هنفذه بس متطلبيش الطلاق أنا مش هقدر أطلقك. أغمضت عينيها بتعب وقالت: -للأسف أنا مش عايزة غير الطلاق دلوقتي، مش عايزة غيره. أمسك كفها وقال: -طيب اديني فرصة تانية وأنا مش هجرحك تاني يا منار و... سحبت كفها وقالت: -للأسف رصيدك عندي خلص يا مراد، أنا هعيش معاك لآني مضطرة بس واثقة أنه هيجي اليوم اللي هقدر فيه أمشي بعيد عنك وساعتها مش هتردد لحظة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!