شحب وجهه كالاموات وهو ينظر إليها. شعر بجرح غائر في كرامته وقلبه على حد سواء. -بتقولي إيه؟ قالها ببهوت وهو يتمنى من كل قلبه أن تكون كاذبة أو تمزح. ارتبكت هنا وهي تنظر إليه بعين دامعة وقالت بإختناق: -علي لسه في قلبي يا مراد. أنا مش بحبك. مقدرش أسلم لك نفسي وفي واحد تاني في قلبي وروحي.
تلك كانت طعنة قوية لقلبه. فالمرأة التي أحبها أكثر من أي شيء، المرأة التي تعذبت كثيراً عندما ارتبطت بأخاه. حاول كثيراً أن يبتعد عنها ويقتل حبها في قلبه لأنها كانت زوجة أخيه. أخيراً، أخيراً أصبحت له ولكنها تقول الآن أنها لا تحبه. -ليه اتجوزتيني مادام مش عايزاني ولا طايقة إني المسك؟ انطقي ليه وافقتي؟ لا أنا ولا عيلتي أجبرناكي على حاجة.
انسابت دموعها بقوة وهي تشعر أنها سوف تختنق. فأقترب منها وهو يعتصر ذراعيها وقد رأت أن عينيه البنية أصبحت رطبة بفعل الدموع. أخذ يهزها بخشونة وهو يقول: -ليه اتجوزتيني انطقي! ليه اتجوزتيني مادام مش عايزاني؟ أنا لعبة في إيديكي؟ انطقي شايفاني لعبة في إيديكي. شهقت بألم وهي تنظر إليه بشفقة وقالت بنبرة مخنوقة: -أنا آسفة. آسفة. -أعمل إيه بأسفك؟ أعمل إيه؟
صرخ بقوة وهو يدفعها عنه وقد انسلت دمعة من عينيه. إنها المرة الأولى التي يشعر فيها أنه ضعيف لتلك الدرجة. -ليه اتجوزتيني. انطقي مادام مش هتقدري تعيشي معايا حياة طبيعية زي أي اتنين متجوزين يبقى ليه اتجوزتيني؟ أنا مأجبرتكيش على حاجة. يبقى إيه المشكلة انطقي! -بس أهلي أجبروني! صرخت في وجهه بحدة والدموع تنفجر من عينيها ثم أكملت وهي تشعر أن الألم يمزق قلبها:
-أهلي أجبروني أني أتجوزك يا مراد. أنا مكنتش عايزاك ولا عمري فكرت فيك ولا عمري كنت هفكر لأنك كنت مجرد أخ ليا وبس. أنا عمري ما فكرت فيك بالطريقة دي وحتى لما اتقدمتلي كنت هرفض فوراً بس بابا مرضيش. بابا أجبرني أتجوزك. -إزاي؟ إزاي يعمل كده؟ إزاي يجبرك؟ قالها بصدمة. كان لا يفهم الأمر. معقول زواجها منه كان رغماً عنها. كان يختنق وهو يفكر بالأمر. لماذا؟ لماذا يحدث هذا معه؟
عندما حصل أخيراً على حب حياته اكتشف أنها لا تراه أبداً. اكتشف أنه مجرد شقيق لها. -انطقي يا هنا أبوكي أجبرك إزاي تتجوزيني؟ وليه استسلمتي؟ مسحت دموعها وهي تجلس على الفراش المزين بالورود وهي تتذكر ما حدث. تتذكر كيف كان رد فعلها على طلب مراد ليدها. فلاش باك -مش هتجوزه. مش هتجوزه! صرخت هنا وهي تشعر بالجنون. كيف يحدث هذا؟ -يا بنتي اسمعي بس. قالتها نورهان والدتها وهي تحاول أن تهدأ من روعها. لتشد هنا شعرها الطويل وتقول:
-انتوا بتقولوا إيه؟ عايزين تجوزوني لأخو جوزي؟ الراجل اللي دايما شايفاه أخويا؟ وايه الخسة دي؟ إزاي يبص لمرات أخوه؟ ده إنسان فاسد. -لا فاسد ولا حاجة. الراجل طلبك في الحلال وده أحسن عشان الواد يتربى مع عمه وعيلة أبوه وهما أولى بيه يصرفوا عليه معاش جوزك الله يرحمه مش هيكفي وهو حتى مسابلكيش ورث ولا يحزنون. حتى البيت اللي أنتوا كنتوا ساكنين فيه بإسم أبوه. فكري كويس يا بنتي. طفرت الدموع من عينيها وهي تنظر لوالدتها بصدمة
كبيرة وقالت بصوت مختنق: -أنا مش محتاجة حد يصرف على ابني. أنا هشتغل وأصرف عليه بنفسي بس مش هتجوز مراد. ده واحد متجوز يا ماما. إزاي عايزاني أتجاوزه وأنا مقبلش إني أتجوز واحد متجوز؟ أنا عملت المستحيل عشان علي الله يرحمه ميتجوزش واحدة وتشاركني فيه. عايزاني أتجاوز واحد وأشارك مراته فيه. ده مش مقبول. وكزتها والدتها وقالت:
-يا بت يا غبية افهمي. ما أنتِ ممكن بشطارتك تكسبي مراد في صفك ويطلقها وساعتها هيبقى خير عيلة المنصوري ليكي انتِ وابنك. كانت مصدومة. حقاً مصدومة من تفكير والدتها وقالت: -إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟ عايزاني أخرب بيت ست زيي؟ أحرق قلبها؟ حرام عليكي. أنا مستحيل أعمل كده! مستحيل أتجاوز مراد المنصوري. ده مستحيل. -لا هتتجوزيه يا هنا!
كان هذا صوت والدها الجهوري الذي جمدها مكانها. نظرت إليه برعب وازدَرَدَت ريقها. تلبدت عينيها بدموع الخوف. دائماً وجوده كان يبعث الخوف داخلها. -يا بابا أنا... -من غير كلام هتتجوزيه يا هنا! ده مفهوش نقاش. هزت رأسها وكادت أن تتكلم إلا أنه اقترب منها فتراجعت برعب. شهقت بفزع. العالم أجمع وهي ترى يديه تمتد إلى شعرها. وقفت نورهان بينهما وقالت لاهثة: -هتتجوزه يا حاج. هتتجوزه متخافش. أبعد جلال يده وقال بنبرة صلبة:
-كتب كتابك على مراد الأسبوع اللي جاي. جهزي نفسك يا هنا ولا أنتِ عارفة ممكن أعمل إيه. مفهوم؟ هزت رأسها بخوف وهي تبكي. لم يكن لديها أي مهرب الآن فهي كانت أضعف من أن تواجه غضب والدها الذي دوماً يتحكم في حياتها. باك عادت من شرودها وهي تبكي وقد حكت له بإختصار ما حدث. نظرت إليه بعيني محمرة من أثر البكاء وقالت:
-شوف أنا مستعدة أبقى هنا وأسمع كلامك في أي حاجة بس الأ الحاجة دي وصدقني أنا مليش أي طلبات غير أنك تعامل ابني كويس. مش عايزاه يفتقد أبوه. ممكن... ممكن يا مراد. لم يرد عليها بل ترك المنزل غاضباً. كان يتألم من داخله. شعر أن كبرياؤه الرجولي قد تضرر وأول ما فعله هو أنه اتجه إليها. تلك التي لن تقول له لا أبداً.
في منزل مراد ومنار. كانت تنام على فراشها والدموع تنفجر من عينيها دون توقف. شعرت أن قلبها سوف يتوقف من فرط الألم. رأسها يمزقها وهي تتخيلها بين ذراعيه يعطيها الحب الذي بخل به عنها. فطبعاً هي حبه الأول وهي لا شيء. اكتشفت هذا الآن. فجأة تجمد جسدها بالكامل وهي تشعر بوجوده في غرفتهما. تسلل عطره النفاذ إلى روحها. اتسعت عينيها بقوة وهي مازالت على وضعها. ماذا أتى به الآن؟ أليس من المفترض أن يكون مع زوجته؟
انكمشت على نفسها وهي تشعر بثقل جسده على الفراش ولحظات وكان يجذبها إلى صدره الرحب. حاولت التحرر وهي تقول بصوت مختنق: -إيه هي العروسة الجديدة رفضتك ولا إيه؟ عشان كده جاي هنا؟ لم يرد عليها ولكنها شعرت بتوتر جسده ففهمت أن كلامها صحيح. ابتسمت بسخرية مريرة بينما تهبط شفتيه على وجنتها بدون كلام بينما يديه تتجه إلى فستانها البيتي. -ابعد يا مراد. بقولك ابعد. أدارها إليه حتى نظر في عينيها الدامعة ووجنتيها الملطخة بالدموع وقال:
-إيه يا منار هتمنعي جوزك من حقه الشرعي؟ لا متوقعتهاش منك أبداً! نظرت إليه وقالت بنبرة جافة: -لا طبعاً يا مراد. مليش إني أمنعك. أنا قدامك أهو خد حقك براحتك خالص. بس لو عندك استعداد تاخد حقك الشرعي وأنا مش طايقة حتى لمستك أتفضل. صدقني مش همنعك عني خالص بس اعرف أنك لما تلمسني هكون قرفانة أووي من نفسي وبعد ما تخلص هرجع كمان.
بهت وهو ينظر إليها. تلك كانت ضربة ثانية. حتى أقوى من ضربة هنا له. كان يثير جنونه وهي تخبره أنها تشمئز منه لذلك قربها أكثر منه وقال: -وأنا دلوقتي هبين إن كلامك كله غلط. هوريكي إزاي هتستسلمي ليا. وإن كلامك ده كله خرافات. ثم دون اهتمام بها أكمل ما يفعله وهو مصر على نزع استجابة قوية منها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!