اليوم التالي مساءً. ولج إلى منزله بالمفتاح الذي معه، مستعدًا تمامًا للتصادم الذي سوف يحدث بينه وبين منار. وقف مكانه وهو يراها جالسة على الأريكة ترتدي فستانًا منزليًا محتشمًا. "السلام عليكم.. فين البنات؟ "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. البنات ناموا." نهضت منار وهي تسير نحوه. الرماد في عينيها يشتعل. بينما تصر على أسنانها وتقول: "مش مكسوف من نفسك لما تحبسني هنا في البيت من امبارح؟ قول لي مش مكسوف من نفسك يا مراد؟
إيه شغل العيال ده." اتجه إلى الأريكة وجلس عليها وقال بضيق: "خير يا منار." "أنا عايزة أتطلق. أنا مش هقبل بضرة يا مراد، ده مستحيل." زفر بضيق وقال: "يعني أنتِ أول واحدة جوزها يتجوز عليها، ده شرع ربنا." "مقولتش حاجة بس أنا مش هستحمل إنك تتجوز عليا. صدقني ممكن أموت فيها." "هتتعودي يا منار متخافيش. ثم لو فرض إنّي طلقتك دلوقتي هتروحي فين؟ عند أخوكي اللي باعك؟ انتِ ملكيش مكان غير ده دلوقتي." نظرت إليه وقالت:
"هقعد هنا في البيت. أنا حاضنة، يعني ده بيتي وبيت بناتي لحد ما يكبروا." ابتسم مراد وقال: "لا يا حبيبتي ده مش بيتك ولا بيتي. البيت مكتوب باسم أبويا وأنتِ عارفة يعني مش هتقدري تلوي دراعي. أما بقا لو مشيتي في حوار المحاكم إني مفروض أوفر ليكي مكان، ده موضوع هياخد وقت طويل، أكيد مش هتقضي الوقت ده في الشارع أنتِ وبناتك. وده لو خليت البنات يخرجوا من بيت أبوهم. أنا مستعد أطلقك بس تمشي لوحدك." انسابت الدموع
من عينيها بقهر وقالت: "أنا بكرهك، أنت إنسان ندل، ندل! اندلعت النيران من عينيه. ثم اقترب منها بسرعة وهو يشدها إليه ويعتصر ذراعيها بقوة حتى شعرت أن عظامها سوف تنكسر وقال: "إيه رأيك تتلمي وتحطي لسانك جوا بوقك يا منار. أنا مش عايز أمد إيدي عليكي ومقدر الموقف اللي انتِ فيه، فماتستفزنيش أكتر من كده يا منار وكلي عيش." طفرت الدموع من عينيها أكثر وقالت بنبرة كسيرة: "أنت بتحبها عشان كده هتتجوزها صح؟ بتحبها؟ انطق بتحبها...
لسه بتحبها؟ تجهم ولم يرد عليها. ظل للحظات صامتًا وتاركًا إياها تحترق بنيران الغيرة. تنهد وهو يتجه إلى غرفته ليجهز له ملابس كي يستحم. دخلت خلفه وقالت: "إيه رأيك ترد عليا... ريحني أنت لسه بتحبها؟ تعلقت عيناه بها لثوانٍ بينما الجواب على فمه، ولكنه عجز تمامًا عن الإفصاح به. حاول أن يتجاوزها لكي يذهب إلى الحمام، ولكنها أمسكت ذراعه وهي تصرخ وتقول: "قولي حبيتها... حبيتها يا مراد... انطق ريحني... بتحبها؟
يالا قول كنت كاتب كده في مذكراتك... رغم إنها بقت مرات أخوك لسه بتتمناها وتحبها صح؟! ... دفعها وهو يصرخ بدوره: "أيوة حبيتها... وبحبها وهفضل أحبها." تراجعت وشحب وجهها بقوة، فأكمل هو محطمًا قلبها: "عمري ما قدرت أنساها... أنا شوفتها قبل أخويا وحبيتها قبله بس النصيب بقا... هي حبت أخويا ومش شافتنيش... واتجوزتك انتِ." ابتسم بسخرية مريرة وقال: "افتكرت إنك هتقدري تخليني أنساها بس للأسف فشلتي فشل تام."
شهقت بألم وهي تضع كفها على فمها بينما تشعر بقلبها ينزف. ليكمل هو وعيناه البنية تبرق بشراسة: "مكنتش حابب أجرحك بس أنتِ زوجة فاشلة يا منار. فشلتي تنسي جوزك حبه الأول فمتلوميش إلا نفسك وبس." ثم غادر الغرفة تاركًا إياها وكلماته تدوي في عقلها. رباه ماذا تفعل الآن؟ ...
في اليوم التالي، كانت البرودة هي كل ما حصلت عليه من ناحيته، فقد أخبرها بوضوح أن تذهب للأسفل وتساعد والدته في تجهيزات زفافه على غيرها. كم هذا حطمها، ولكنها تنازلت واستسلمت. لم تحارب. شعرت وكأن العالم كله يقف ضدها، فهي ليس لها أهل ولا أصدقاء. كل ما كان لها يدعمها هو أخاها، وهو أيضًا تخلى عنها! ... مرت الأيام سريعًا حتى أتى يوم كتب الكتاب. كان مقررًا أن يتم كتب الكتاب ثم إقامة حفلة بسيطة تجمع العائلة. ...
كانت منار في الغرفة مع بناتها، دموعها تنسكب من عينيها وتكتم فاها كي لا يخرج صوته فيوقظهما. كان الألم في قلبها كبير، تشعر أنها سوف تموت من القهر. كيف يفعل بها هذا؟ كيف؟ هل ستظل هكذا كسيرة الجناح؟ هل ستستسلم؟
لا، هذا مستحيل. فجأة اشتعل الرماد في عينيها وهي تقرر أن تنزل للأسفل. يجب أن تراه وهو يقتلها بأخرى. ربما وقتها سوف تقتلع حبه من قلبها. نهضت واستحمت بسرعة، ثم أخرجت أفضل فستان لديها وارتدته سريعًا. وضعت أحمر شفاه وماسكرا، ثم ارتدت حجابها وخرجت. ...
نزلت الأدراج وهي تتمسك بالحاجز بقوة. شعرت أنها سوف تقع في أي وقت، ولكن كان يجب أن تتماسك. لن تدع أحد يشمت بها. وقع نظرها على مراد الجالس بجوار الشيخ وهو يستعد لكتب الكتاب. أرادت وقتها أن تصرخ به وتخبره أن يطلقها، ولكن أبت الكلمات أن تخرج من فمها. لمعت عيناها بفعل الدموع وهي تجد هنا ترتدي فستانًا أزرق بسيطًا ووجهها الجميل الدائري خاليًا من مساحيق التجميل وتبدو في حالة حزن. عبست وهي تفكر: أيهما يجب أن يحزن أكثر؟
أليست هي؟ هي من تدمرت حياتها وسُرق زوجها. "أول مرة أشوف مراد متحمس بالشكل ده." وشه رد على سيرة الجواز التاني، قالتها امرأة بنبرة خبيثة في أذنها، لتستدير منار بحدة وتجد أنها دعاء، عمة مراد. رفعت منار وجهها وهي تنظر إليها ببرود. تلك المرأة تكرهها بشكل غير طبيعي. تكلمت دعاء وقالت لكي تقهرها: "شايفة هنا رغم إنها دايما بسيطة بس بتاخد الشو كله. جمالها طبيعي لا شوفت في يوم حاطة أحمر ولا أخضر زيك...
وحتى وهي بسيطة كده أحلى منك وجوزك هيموت عليها باين من عيونه. ورغم إنك يا مسكينة كنتِ شايلة حماتك وجوزك وهي عزلت بجوزها عن العيلة، إلا إنها برضه مفضلة عندهم. مهما عملتي يا منار مش هتتحبي. القبول ده بتاع ربنا يا حبيبتي." ارتجفت كفي منار وكادت أن تنهار وتبكي، ولكنها استدارت سريعًا وصعدت مجددًا إلى الغرفة، وقد عرفت أن وجودها معهم كانت فكرة سيئة! ...
انتهى كتب الكتاب والحفل أيضًا. وصعدت هنا مع مراد، زوجها الجديد. تلك الكلمة كانت تخنقها. كانت ابتسامة رائعة ترتسم على شفتي مراد وقلبه ينبض بإثارة لم يجربها من قبل. رغم حياته مع منار، إلا أنها لم تستطع أن تحرك تلك المشاعر العاصفة به. إنه يشعر الآن وهو مع هنا أنه بالجنة. كانت هنا تفرك كفيها وهي تنظر إلى الفراش المزين بالورود. "مي... مين عمل كده؟ " قالتها بتلعثم. ليقترب مراد وهو يجذبها إليه ويقبلها من رقبتها ويقول:
"أنا وصيت أمي تعمل كده... حبيت الليلة دي تكون مميزة لينا." ثم أكمل تقبيلها بلهفة. أغمضت عينيها وهي تشعر بشيء ثقيل يقبع على قلبها. وعندما بدأت يديه تتحرك بجراءة على فستانها مزيحًا إياه... دفعته وهي تصرخ: "لا! تراجع مراد مذهولًا ونظر إليها وجدها استدارت له وهي تبكي. "فيه إيه؟ " قالها بقلق. فردت بسرعة: "أنا آسفة بس أنا مش عايزة ده! "أفندم؟! قصدك إيه؟ عضت شفتيها بتوتر وقالت: "علي لسه في قلبي يا مراد...
مقدرش أسلم نفسي لحد غيره خاصة لو الحد ده أخوه!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!