قرب أذان المغرب توقفت سيارة مراد أمام المنزل. نظر إلى منار وقال: -النهاردة اليوم كان حلو أوي، صحيح؟ نظرت منار إلى ابنتيها النائمتين وقالت بابتسامة شاردة: -أيوه كان حلو أوي. أسعدها أن ترى أطفالها سعداء، لطالما تمنت أن تكون تلك هي حياتهم، تمنت أن يتنزها كعائلة واحدة. ولكن الآن تشعر أن سعادتها ناقصة، تشعر أن تلك المبادرة من مراد قد تأخرت كثيراً.
فبعض الأشياء أثرها يكون باهت عندما يفوت الأوان، وفات الأوان لمراد أن يصلح أي شيء. -يلا خلينا نطلع البنات عشان ميبردوش. قالتها بنبرة باهتة. فهز مراد رأسه وخرج ليساعد منار في حمل الفتيات. دخلا للمنزل وهما يحملان الطفلتين ليجد مراد والدته جالسة على الأريكة وهي تلهث بقوة تحاول التنفس ووجهها أحمر. -أمي مالك؟ قالها مراد بهلع وهو يضع ابنته على الأريكة الكبيرة. اقتربت أيضا منار منها بقلق وقالت:
-مراد روح جيب البخاخة بتاعتها يلا بسرعة. هتلاقيه في درج أوضة النوم بتاعتها هي وبابا. هز مراد رأسه وهو يندفع لغرفة النوم. بينما تجلس منار بجوار حماتها وتربت على ظهرها وتقول: -اهدي يا حماتي... اهدي. نظرت صابرين إلى منار والدموع تطفر من عينيها. رأت في عيني منار القلق الحقيقي. أتى مراد وهو يحمل البخاخ ثم ساعد والدته كي تستنشقه. لحظات وهدأت قليلا. ظل مراد ومنار معها حتى بدت أنها بخير. حينها قررت منار الصعود وقالت:
-أنا هودي ملك فوق عشان تنام وبعدين هنزل آخد ماسة. -لا لا أنا هجيبها دلوقتي وراكِ، متنزليش تاني. هزت منار رأسها وصعدت بإبنتها. فنظر مراد إلى والدته وقال: -ليه ما أخدتيش البخاخة؟ افرض مكنش جينا دلوقتي كنتِ هتتصرفي إزاي؟ إيه اللي انتِ بتعمليه ده يا أمي؟ هزت صابرين رأسها والدموع تطفر من عينيها وقالت: -مكنتش قادرة أتحرك يا ابني والله. -طيب فين هنا؟ مش كانت بتساعدك؟ أطرقت والدته برأسها ليكمل هو:
-أمي فين هنا مش كان مفروض بتساعدك؟ انسابت دموع صابرين وقالت: -والله يا ابني أنا قولتلها بس علينا طبيخ النهاردة، لقيتها هبت في وشي زي البوتجاز ورفضت تساعد وطلعت وبعدها لبست وقالت رايحة عند أمها ولسه مرجعتش. ضم مراد كفه بقوة وهو غاضب منها وقال: -طيب أنا هتكلم معاها. أنا هطلع دلوقتي آخد ماسة عشان متبردش. هزت والدته رأسها. ثم كاد أن يحمل ابنته إلا أن دخول هنا المنزل أوقفه. -مساء الخير. قالتها برقة وهو تقترب منهما.
أمسك مراد ذراعها بقوة وهو يعتصره وقال: -كنتِ فين يا هانم؟ -كنت عند ماما يا مراد. أنا قولت لحماتي. -وأنتِ يا حبيبتي متجوزاني أنا ولا متجوزة حماتك؟ كان مفروض تستأذني مني. أبعدت كفه برفق وقالت: -ما أنا فعلاً اتصلت بيك كتير يا مراد بس أنت مكنتش بترد وأنا كان لازم أروح لماما. ثم اقتربت من حماتها وقبلت رأسها وقالت: -آسفة يا ماما على اللي عملته الصبح. أنا غلطت واستحق أي عقاب منك. ومن النهاردة ترتاحي وأنا هعمل كل حاجة.
توسعت عيني مراد لتكمل هنا: -أنا ندمانة على اللي قولته وكنت حاسة بالذنب ولما قولت لماما بهدلتني. أنا فعلاً زودتها سامحيني. كانت صابرين تنظر إلى هنا التي طريقة كلامها تغيرت تماما، ولكن كان هناك شيء. نظراتها كانت جافة وهي تنظر إليها بلا أي مشاعر. كانت تصطنع الاعتذار. ابتسمت هنا مجددا وربتت على كفها وقالت: -روحي ارتاحي دلوقتي يا ماما. ثم استدارت نحو مراد وقالت: -وكمان بعتذر إنّي خرجت من غير إذنك، ده مش هيحصل مرة تانية.
في الليل. كانت هنا متسطحة على فراشها بمفردها. مراد اليوم عند منار. لا بأس غداً سوف تحصل عليه. كانت تلف خصلات شعرها الأشقر حول إصبعها وهي تتخيل اليوم الذي ستمتلكه فيه، اليوم الذي سيكون ملكها. ثم أغمضت عينيها وهي تحلم بهذا اليوم بينما ابتسامة سعيدة تزين شفتيها. عند منار ومراد. كانت منار نائمة بعمق على فراشها بينما مراد ينام على الأريكة التي أحضرها للغرفة.
كان يعجز عن النوم. يحترق ليقترب منها ولكن نظراته دوما تمنعها. لم تقلّها ولكن كلما حاول الاقتراب منها رأى النفور في عينيها. كيف تبدلت الأدوار؟ هو متلهف وهي نافرة؟ فكر بيأس. فجأة نهض وهو يقرر أن النوم لن يأتيه أبدا واتجه إلى حيث تنام منار وتسطح بجانبها. ثم بلطف جذبها إليه وضمها وهو يغمض عينيه وينام براحة وقلبه يدوي داخل صدره بسبب اقترابها منه. في اليوم التالي. فتحت منار عينيها بسبب رنين المنبه لتنتفض
وصوت ناعس يخترق عقلها: -صباح الخير يا منور. نظرت لتجد نفسها موضوعة على صدر مراد الرحب بينما تعانقه هي. نهضت جالسة باضطراب وهي تبعد خصلات شعرها عنها. حاولت التكلم وسؤاله عما يفعله هنا ولكنها تراجعت ورمقته ببرود ثم نهضت بسرعة لتخرج إلى الحمام. ابتسم مراد وقال: -وراكي وراكي يا منور والله مش هسيبك. مر يومين حتى أتى يوم الاثنين.
كانت هنا تتقرب فيه من حماتها وحماها وتسمع الكلام. صحيح لم تستطع اختراق الجدار الذي قرر مراد أن يضعه بينهما إلا أنها لم تستسلم وقررت أن تضرب ضربتها الثانية قريباً. في فيلا تظهر عليها علامات الرقي والثراء. دخلا منار ومراد إلى الحديقة الواسعة التي تقام بها حفلة عيد ميلاد أخ يونس الراوي، عاصي الراوي. -أنا مكنتش عايز أجي. قالها مراد بضيق. لتنظر إليه منار بضجر وتقول: -مراد خلاص تقى اترجتني أجي وبعدين أنت ليه مكبر الموضوع.
-مبتعجبنيش نظرات الراجل ده ليكي. هزت منار رأسها بيأس. لن تجادله بهذا الموضوع. -منار مبسوطة إنك جيتي. قالتها تقى بابتسامة وهي تقترب من منار وتضمها ثم تصافح مراد. أتى يونس أيضا وصافحهما مبتسما بلطف كعادته. -أنا مبسوط بجد إنكم جيتوا نورتونا. قالها يونس ثم أكمل: -أتمنى يا أستاذ مراد متكونش لسه زعلان مني. رغم إنك أنت اللي بهدلت وشي بالشكل ده. قالها مشيرا إلى الكدمة التي كانت ظاهرة على وجهه. ابتسم له
مراد ابتسامة صفراء وقال: -لا أنا مش زعلان وقبلت اعتذارك خلاص. فين صاحب العيد ميلاد عشان نقدم له الهدية. -أنا صاحب العيد ميلاد. قالها صوت أجش وهو يقترب منه. اتسعت ابتسامة تقى وهي تمسك ذراع عاصي وتقول بحماس: -ده عاصي ابن عمي وأخو يونس وأصغر منه بتلات سنين. نظر عاصي إلى تقى ببرود وقال: -ابعدي إيديكي شوية. أبعدت تقى فورا كفها بتوتر.
عبست منار وهي تنظر إلى عاصي والذي كان أكثر وسامة من أخاه ولكن كان يبدو فظا للغاية وعينيه الزرقاء كانت خالية تماما من المشاعر. قدم مراد الهدية له وتكلموا قليلا. ابتعدت تقى قليلا ويبدو عليها الحزن فتبعها يونس. وقفت أمام المسبح ودموعها تنساب على وجهها. -تقى. قالها يونس وهو يقترب منها ممسكا ذراعها وجعلها تستدير له. تألم قلبه وهو يرى دموعها ومسحها برفق وقال: -عاصي طول عمره قليل الذوق متزعليش منه حقك عليا أنا.
ابتسمت تقى وقالت: -خلاص أنا مش زعلانة. -خلاص مادام مش زعلانة تعالي بقا عشان نرجع للحفلة. ثم أمسك كفها وسحبها خلفه. بعد نصف ساعة من الحفل. كان مراد يضغط على الكأس بقوة وهو يرى هذا المدعو يونس يوجه كلامه لمنار فتدخل هو في الحديث ليبعد انتباهه عن زوجته وكل ما أراده الآن أن يخفيها عن عينيه. نظرات هذا الرجل لا تعجبه. حسنا يعترف أن نظراته عادية ولكن لا يعجبه أن ينظر إلى زوجته. لا يعجبه أبداً.
عادا أخيرا مراد ومنار من الحفل وكانت الفتيات قد نامت وطلبت صابرين منهما أن يتركا الفتيات بالأسفل ويصعدون لغرفتهما. دخلا الشقة أخيرا وولجت منار إلى الغرفة لتأخذ ثيابا لها ثم تستحم وتنام. وقف مراد في طريقها وقال بتجهم: -منار أنا مش عايز أشوف البني آدم اللي اسمه يونس ده قريب منك تاني. -بتغير عليا؟ قالتها بخبث وهي تقترب بوجهها منه. عينيها الرمادية تتألقان بانتصار. ابتلع ريقه وقال:
-طبيعي أنا جوزك وبغير عليكي ولو شوفتك مرة تانية بتتكلمي معاه هقتلك وأقتله. ضحكت بسخرية وكادت أن تبتعد إلا أنه أمسك كفها وجذبها إليه واضعا كفيه على كتفيها كي لا تتحرك. -ابعد. سيبني. قالتها بغضب وهي تحاول التحرر منه إلا أنه قال ونيران الغيرة تندلع من عينيه: -متختبريش صبري يا منار. متتخي... ولكنها قاطعته وهي تدفعه وقالت:
-متقلقش يا مراد أنا محترمة نفسي كويس. وعارفة إنّي ست متجوزة. بس غريبة حر قتك فكرة إنّي أتكلم مع غيرك. معرفش أنت هتعمل إيه لما أطلق منك. وساعتها هكون حرة تماما. اعتصر ذراعها وقال: -ده مش هيحصل أبداً. اشتعل الرماد في عينيها وقالت: -أيوه هيحصل. أنا وعدتك قبل كده إنك مش هتشوف الحب في عيوني تاني ووفيت بوعدي وهوفي بالوعد ده كمان.
ثم كادت أن تتجاوزه إلا أنه امسك ذراعها مرة أخرى والصقها به ثم عانق وجهها وصب نظراته فيه نظراته. كانت غيرته حارقة. قال بنبرة خافتة خطيرة: -أيوة بغير. شايفة اللي في عينيا دي غيرة. أنتِ ملكي. مراتي ومش هسمح لك تتسربي من إيدي يا منار حتى لو اضطريت أحبسك هنا. -مراد ابعد. قالتها باختناق وهي تحاول إبعاده ولكنه كبلها أكثر وقال:
-مش هتعرفي تتخلصي مني يا منار لإنّي هفضل وراكي لآخر العمر. مكانك معايا وفي بيتنا ومع أولادنا. مكانك في قلبي. لإنّي بحبك. أنا بحبك. واعترافه بالحب اتبعه بقبلة عاطفية أودع فيه مشاعره الحقيقية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!