مر شهران على اختفاء سام دون ترك أي أثر. تأثرت صحة خافيير بسبب خوفه وحزنه على سام. مهما حاولت مليكة التخفيف عنه، كانت تلمح في عينيه عتابًا صامتًا، فقد وصل صوت صراخهما لكل من كان موجودًا في المنزل. بالطبع، لم يفهم أحد سبب الشجار، لكن أدرك الجميع أن سبب اختفائه هو شجارهما ذاك. "لقد انتهينا الآن، سيد سام!
المدرسة جاهزة للعمل والمشفى تم تجديده، وهناك الكثير من الأشخاص الذين يريدون المساهمة معنا في أي شيء، لذا سنهتم بثياب الأطفال والطعام أيضًا! قالتها نائبة مليكة التي تدير الملجأ إلى سام بامتنان وسعادة. ليبتسم لها بهدوء، فأكملت هي بتساؤل: "أنا حتى الآن لم أخبر مليكة بأي شيء يحدث هنا.. ألم يأن الأوان لإخبارها؟! قال لها سام:
"ليس الآن، أرجوكِ. أنا أعد مفاجأة لها ولا أريدها أن تعلم الآن. أخبري حادثكِ أن الأمور بخير وأنكِ تسعين لإنهاء الإجراءات مع المحامي الذي كلفته بمهام الدار، ولا تخبريها أنني هنا أو أنكِ رأيتني هنا، فهذا جزء من المفاجأة." ابتسمت له أسماء بسعادة لتقول: "لك هذا.. أنا سعيدة لارتباطكما، عسى الله أن يجمع بينكما في خير."
ابتسم سام بسخرية لم تلمحها أسماء، ليغادر في طريقه نحو المسجد في الحي حيث منزل عم مليكة، فقد آن أوان صلاة العصر. وما إن دخل حتى أقبل عليه شاب ملتحٍ بابتسامة واسعة يحتضنه بسعادة ليقول: "سااام! لن تصدق.. لقد انتهينا أخيرًا من الإجراءات الخاصة بالعمرة! سنغادر بعد أسبوعين من الآن."
ابتسم سام بسعادة مضطربة قليلاً، فهو ما زال يحاول تقبل الدين بقلبه. الحق يقال، أن الخالة حسناء لم تتركه لشيطانه لحظة. فمنذ أن أتى إليها وتركته يرتاح قليلاً، خرجت معه باتجاه المسجد لتطلب من أحد الرجال أن يدخل إلى المسجد وينادي لها الشيخ محمود. ليلبي الرجل طلبها، بينما وقف سام معها منتظرًا ظهور هذا الشيخ الذي ما إن رآه حتى فغر فاه، فما كان الشيخ محمود سوى شاب صغير السن، لكن بدا ذا عقل راجح. أقبل نحو
السيدة حسناء ليقول بحفاوة: "خالتي حسناء، لقد اشتقتِ إليك." ابتسمت له حسناء لتقول: "وأنت كذلك يا بني! .. دعني أعرفك على سام.. سام هذا هو إمام مسجدنا هذا واسمه محمود، وهو خير من سيرشدك إلى الصواب.. ويا محمود، هذا سام قريب مليكة، ولعلك تعرف أنه زوجها أيضًا." أومأ الشاب بابتسامة ليقول: "أجل، لقد حضرت عقد قرانهما حقًا.. يبدو أن هناك الكثير لنتحدث به، لذا أستأذنك خالتي، سأذهب أنا وسام إلى الداخل."
أومأت له حسناء وهي تنظر لسام بتشجيع، ليفهمها هو ويدخل المسجد بصحبة محمود. قص سام الأمر على محمود الذي كان يسمعه بتركيز ليقول: "خالتي حسناء لديها حق.. كما أن مليكة متزمتة للغاية، لذا عليك أن تبعدها عن تفكيرك حاليًا وفكر فقط.. هل تريد أن تكون مسلمًا بحق؟! تطلع له سام ليقول: "أنا تقبلته بعقلي، فهو دين يدعو إلى اليسر وتعلمت منه العديد من الخصال الحميدة، لكن المشكلة في قلبي! ابتسم له محمود ليقول:
"وهذا جيد، لقد اجتزت شوطًا جيدًا... استمع إلي! في البداية، لا هواتف نقالة ولا حاسوب أو أي شيء يمكنك به الوصول إلى مليكة حتى لا تتشوش. وأيضًا، ستأتي إلى هنا لأداء كل صلاة جماعة، وبعدها سنحفظ أنا وأنت ما تيسر من كتاب الله.. بضع آيات فقط حتى لا يبقى الأمر صعبًا عليك. وعندما نتخطى تلك المرحلة وتصبح قادرًا على قراءة القرآن وحفظه وحدك وأصبحت ملمًا بأمور الدين، ننتقل إلى المرحلة الأخيرة وهي الذهاب لأداء العمرة!
لم يفهم سام ما المقصود بالعمرة، لكنه ابتسم ليقول: "هاتفي قد نسيته في إسبانيا على أي حال، ولقد أتيت على عجلة من أمري لذا لم أحضر حتى ثيابًا لي." صفق محمود بحماس ليقول: "جيد، إذاً قم بنا للصلاة الآن، ثم سنذهب لنشتري لك ثيابًا وبعض الأشياء التي ستحتاجها." ثم قطب حاجبيه ليسأل: "ولكن كيف تتحدث العربية بتلك الطلاقة؟! ابتسم سام ليقول:
"في البداية علمتني خالتي حسناء بعض الجمل والكلمات، ثم التحقت بدورة تدريبية لتعليم اللغة العربية، وكان معلمي مصريًا لذا أتقنتها بلكنتكم." أومأ له محمود وهما ينهضان معًا للوضوء لأجل الصلاة. توالت الأيام على سام وشيئًا فشيئًا يتعمق في الدين الإسلامي وتعاليمه، وأصبح الحزن والضيق بداخله يتلاشى بالتدريج، وبدأ يشعر أنه أصبح شخصًا آخر أفضل من ذي قبل. كما كان يتابع أعمال دار الرعاية في صمت في الآن ذاته.
عودة إلى إسبانيا حيث مليكة تجلس على الكرسي في غرفتها تحدق بالفراغ بوجوم. لم يعرفوا مكانه بعد! تشعر بالخواء الشديد وحزن أشد لما آلت له الأمور. لو أنها ظلت في مصر لما حدث كل ذلك! تنهدت بألم لتغمض عينيها، لكنها عادت لفتحهما على إثر الطرقات على الباب. فنهضت تفتح الباب بعد التأكد من حجابها، فوجدت إحدى الخادمات تقول بأسف: "لم يقبل السيد خافيير بتناول الطعام أو أخذ العلاج أيضًا سيدتي.. أرجوكِ تصرفي معه، فهذا خطر!
أومأت لها بقلق لتهبط سريعًا إلى غرفة جدها، فوجدته يجلس على كرسي قرب النافذة وهو يطالع الأفق بشرود حزين. قالت بعض النشاط في محاولة منها لتغيير حالته: "جدي! مساؤك مسك وعنبر.. ألم تأكل بعد! جيد إذا، لنأكل معًا." تقدمت إليه وجلست في الكرسي الذي أمامه وهي تقطع شريحة اللحم إلى قطع صغيرة قبل أن تغرس بها الشوكة لترفعها إلى فم جدها مبتسمة بدفء. ليفتح فمه بهدوء ويتقبلها منها دون كلام. اتسعت ابتسامتها ولكنها خبت فجأة حين قال:
"سام لم يعد بعد! قالت له بنبرة نادمة: "لا تقلق يا جدي... هو فقط في مكان ما طلبًا للاسترخاء، وحين يتحسن سيأتي وحده." ابتسم خافيير بسخرية مريرة لتبتلع لعابها قائلة: "لدي الحل يا جدي... أنا واثقة من أن لسام عينًا هنا ليخبروه ما يحدث.. هو غادر بسببي، لذا سأعود إلى مصر ليعود هو إلى هنا." نظر لها خافيير بألم وغضب ليقول: "غبية وستظلين غبية! أتعالجين خطأ بخطأ أسوأ بمراحل! ستذهبين أنتِ الأخرى وتتركينني بمفردي مثله!
أتعلمين.. كنت أظن أن أمك هي الغبية، لكن لا.. كانت محقة! حين طرق الحب الحقيقي بابها تركت كل شيء حرفيًا وتمسكت به دون أن تلتفت. أما أنتِ، فقد وهبك الرب فرصتين، أضعتِ الأولى بغبائك، وها أنتِ تضيعين الثانية! سام لم يقدم على الزواج بكِ لأجلي فقط، وأظن أنكِ لاحظت اهتمامه بكِ وحاول لفت انتباهك له أكثر من مرة، فما كان ردكِ يا حمقاء! لا شيء!
تركته يرحل كما رحل الآخر دون أن تعبري له عن حبكِ حتى، أو على الأقل اتركي لنفسكِ الفرصة لحبه! كانت كلماته قاسية، لكنها... حقيقة! بهتت معالمها وهي تنظر إلى جدها بصدمة. أحقًا أضاعته كما أضاعت فادي من قبل!!!
عودة إلى القاهرة حيث يجلس سام على أحد الكراسي الصغيرة وحوله أطفال كثر وهو يشرح لهم بحماس قصة سيدنا يوسف. كانوا أطفال دار الرعاية، وكان يذهب لهم يوميًا يعطيهم دروسًا متنوعة في الدين والرياضيات وغيرها، وقد أحبه معظم الأطفال لأسلوبه المرح في إيصال المعلومة. انتهى من سرد القصة ليقول:
"حسنًا يا صغاري، لقد انتهينا الآن، ولكن أريد أن أخبركم أنني ذاهب في رحلة ما وقد أغيب لبعض الوقت، ولكن أريدكم أن تذاكروا دروسكم باستمرار وعدم الإهمال، حسنًا؟! أومأ الأطفال ببعض القنوط ليقول صبي صغير ببعض الحزن: "ولمَ تتركنا يا أستاذ؟ ولمن! الأستاذ صالح والأستاذة علياء صرمان جدًا ولا أفهم منهما شيئًا.. أرجوك لا تتأخر علينا." قهقه سام على كلمات الصغير ليحتضنه وهو يعده أنه سيعود قريبًا جدًا! "موعد الرحلة أخيرًا!
قالها محمود بحماس وهو يجر حقيبته في ساحة المطار، بينما يسير سام إلى جانبه مبتسمًا بتوتر شديد مما هو آت! وصلا بعد عدة ساعات إلى مطار جدة لينتقلا فورًا بسيارة أجرة نحو مكة المكرمة. ما إن وصلا حتى ذهبا إلى الفندق أولًا لوضع الحقائب، ثم توجها نحو الحرم. وأثناء سيرهما، كان سام يسير مشغولًا بالإحرام، فهو لم يعتد عليه بعد! وقفا أمام أحد الأبواب لينظر سام حوله باستطلاع وانبهار من ضخامة المكان وأعداد الأشخاص المتواجدين!
أكملا سيرهما إلى داخل المسجد ورويدًا رويدًا ظهرت أمامهما الكعبة! ما إن لمحها سام حتى توقف مكانه برهبة، ودقات قلبه ازدادت حدتها، ووجد نفسه بتلقائية يعود إلى الخلف بخوف شديد! نظر له محمود بتفاجؤ ليقول: "ما بك سام! سنذهب من هنا لنصلي صلاة الظهر ثم نقوم بأداء العمرة، فلمَ تعود إلى الخلف؟! صمت تمامًا ما إن رأى نظرة الرعب في عينيه، ليبتسم قائلًا بخفوت لم يصل إلى سام: "يبدو أننا نجحنا.. لا لا، أنت من نجح سام!
هذه الرهبة يستحيل أن تظهر على وجه شخص ليس مسلمًا." وضع يده على كتف سام ليقول: "هيا يا رجل، ما بك! .. أتعلم.. أول مرة أتيت بها إلى هنا جلست إلى جوار السلم الذي هناك وأنا أطالع الكعبة وأبكي!
نظر له سام بتشوش ليومئ له محمود بضحكة صغيرة وهو يحثه على التقدم. شيئًا فشيئًا يقتربان من الكعبة حتى أصبحا على مقربة شديدة منها. أقاما صلاة الظهر معًا ليكمل رحلتهما باتجاه الكعبة بين باقي المعتمرين. فشرح محمود سريعًا ما عليهم فعله أثناء الطواف، وكانا يتحينان الفرصة ليقتربا من الكعبة رويدًا بين الزحام، حتى وصل سام أخيرًا إلى جدار الكعبة بجانب بابها، ليتلمسها بلهفة لم يعلم من أين أتته، ووجد نفسه يقترب منها حتى التصق بها، لتنهمر عبراته بدون توقف، ووجد نفسه من بين شهقاته يدعو الله أن يسامحه على عمر مضى وأن...
يجمع بينه وبين مليكة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!