وقف جيراد أمام سام وهو ينظر له بدفء قبل أن يقول بخفوت وندم: "أنا آسف! كنت خائفًا من ردة فعلك! لطالما ذهبت إلى منزل جدك لأراك.. وكنت أراك من بعيد طيلة مكوثي في إسبانيا! أنت ولدي الأكبر سام! أول فرحة لي، فكيف لي أن أتركك خلفي هكذا وكأنك لم تكن! أعلم أنني كنت جبانًا وأنا السبب فيما وصلنا إليه، لكن ارجوك يا بني.. سامحني واترك لي الفرصة للاقتراب منك!
ظل سام يطالعه بشرود، وبتلقائية شديدة ذهبت عيناه إلى مليكة التي كانت تراقبهما وهي تبتسم لسام بهدوء. ظل ينظر لوجهها قليلاً قبل أن يبتسم لأبيه الذي احتضنه ضاحكًا وهو يشكره بخفوت. انتهت الزيارة. لم تتوقع مليكة أن الأمر سيكون بتلك البساطة، ولكن إخوة سام هم من ساعدوا على ضبط الأجواء. رفعت رأسها للسماء تشكر ربها على ما حدث وهي تسير بجانب سام الذي أصر على أن يتمشيا قليلًا قبل أن يعودا إلى مكان السيارة.
"هل سنظل صامتين إلى الأبد؟ قالها سام بملل وهو يقود السيارة ملاحظًا شرود مليكة وهي تستند على زجاج السيارة. أجابته هي بعد برهة: "فقط كنت أفكر ببعض الأشياء! أومأ لها ليقول: "أجل، أعلم هذا! ما الذي يشغل بالك إذا؟! ابتسمت بحزن لتقول: "أنا سعيدة لأجلك.. ما زال أمامك والدتك وزوجها.. الرجل يبدو لطيفًا، لذا حاول تفهمهما أيضًا.. لا تفعل مثلي وتبتعد عن من يحبونك!
سيأتي يوم ستود لو أنك قد أصلحت علاقتك بهم منذ الأزل.. العمر قصير سام! أوقف السيارة على جانب الطريق لينظر لها قائلًا بدفء: "مليكة! انسي الماضي، لقد ذهب! أكمل بعدما تنهد، فهو يعلم أن فادي هي من تقصده بكلماتها: "فادي على ما يبدو كان شابًا ناضجًا ولا يحكم بسطحية، لذا أنا واثق من أنه ليس غاضبًا منك لتأخرك في إدراك مشاعرك وبأنك لا تحبينه! نظرت له باسمة بحزن: "أجل، كان كذلك.. رحمه الله عليه." مسحت عيناها بسرعة
قبل أن تهبط دموعها لتقول: "يجب أن نذهب إلى جدي حالًا.. سيفرح كثيرًا بما حدث! أومأ لها مبتسمًا بمرارة لم تلحظها هي، وعاد إلى القيادة من جديد. "ألم أخبرك أنك ستكون الخاسر إن لم تقابل جيرارد؟ قالها خافيير بعتاب بسيط حين جلس هو وسام وحدهما وقد غادرت مليكة لتؤدي صلاتها ثم النوم. نظر له سام ليقول: "ليس جيرارد هو سبب تحولي، وإنما... راكان! لقد أصابتني صدمة قوية من تصرفاته الرعناء معي التي تدل على حماسه الزائد لرؤيتي!
لكن أنت على حق.. الأمر لم يكن سيئًا، لكن ما زلت أشعر بتلك الغصة المسننة في حلقي! ابتسم خافيير مربتًا على يد سام ليقول: "مع الوقت يا بني ستزول تلك الغصة! ثم أضاف بنظرة خبيثة ميزها سام بسهولة: "لكن سام! أنا أحاول إقناعك بمقابلة والديك منذ كنت صغيرًا.. والآن وبعد محاولة واحدة من مليكة التي لم تكمل العام معنا هنا أطعتها وذهبت! قلب سام عينيه بضجر ليستقيم من مكانه مقبلًا رأس جده قائلًا: "آآه ليس مجددًا ارجوك جدي!
أنا سوف أصعد لأنام الآن، تصبح على خير! قهقه الجد بخفة على حفيده وهو يفكر جديًا فيما يتوجب عليه فعله ليقرب مليكة من سام. ها هو سام قد اختصر عليه المسافة وأصبح ملتفتًا إلى مليكة بكل جوارحه. لكن الكارثة هي... مليكة! أغمض عينيه مفكرًا في الأمر لعلّه يصل إلى حل. "هذا مستحيل سيد أكرم! أنت بالتأكيد تمزح!
هذا ما سمعه سام من مليكة التي تتحدث عبر الهاتف في غرفتها، فأسارع بارتداء السماعة التي تمكّنه من ترجمة كلماتها. لقد فهم من كلماتها أن هناك مشكلة. "سيد أكرم! حبًا بالله هذه الأراضي ليست ضمن أملاك عائلة الراوي من الأساس! هذه من مالي أنا وفادي! لقد قدمت لك الوثائق التي تثبت هذا قبلًا." سكتت هنيه لتقول بصوت أعلى:
"أجل، الجزء الذي عليه دار الرعاية كانت من مال فادي وحده، وقبل وفاته قد كتبها لي وأنا من قمت بشراء الأراضي المحيطة للتوسيع! ليس لهم بها شيء عن أي ميراث تتحدث ياسيد! تأففت بقنوط لتقول بهدوء عكس النيران التي اشتعلت داخل روحها: "ارجوك! ليس لدي ما أقوله لك حقًا! هل من كل عقولكم تطالبونني بأرض كان الهدف منها فعل خير كما هو واضح للعيان وهي من الأساس ليست ميراثًا اتخذه فادي من عائلته! لقد اشتراها من حر ماله!
لدي وصية كتبت بخط فادي تحت توقيعه وبصمته تؤكد أن الأرض قام بشرائها لتأسيس دار للرعاية وأنني أنا من يحق له التصرف بها في حال وفاته، وقد عُرضت الوصية على الطب الشرعي وهو أثبت صحتها! مسحت وجهها بتعب لتقول: "في أقرب فرصة سوف آتي إلى مصر لأرى هذا الأمر.. وعليكم السلام! أغلقت الهاتف لتتنفس بعنف قبل أن تصرخ بقوة وقهر أجفل سام الذي ذهب مندفعًا نحو غرفتها بقلق يدق الباب ليقول: "مليكة! عزيزتي ماذا بك! افتحي الباب رجاءً!
كانت كمن في عالم آخر لا تستمع لشيء سوى كلمات محامي عائلة الراوي! عائلة فادي المبجلة التي تريد ضم أرض دار الرعاية والأراضي المحيطة إلى أملاكها حتى لو بالإجبار.. الأرض حين اشتراها فادي كانت بلا قيمة لبعدها عن العمران، لذا استطاع فادي شراءها بسعر منخفض، ومع الوقت تقدم العمران إليها فأصبحت الأرض ذات واجهة مهمة في البلاد ولا تقدر بمال!
اندفع سام نحو الشرفة عازمًا على دخول غرفتها منها. وجدها تجلس أرضًا وهي ترتدي ثوب الصلاة كاملًا وهي تمسك رأسها بكفيها بقوة كمن يخشى على رأسه من الانفجار! تحدث بقلق واندفاع جاثيًا أرضًا أمامها ليعيد سؤاله، فرفعت وجهها ببطء.
هبط قلب سام ما إن وجد وجهها محتقنًا بالدماء وكذلك عيناها التي كانت زائغة وشارده في اللا شيء وهي تحاول الرد عليه، لكنها فقط تفتح فمها ثم تعاود غلقه بضعف جعله يفزع. ودون شعور منه أمسكها من كتفيها يهزها برفق حتى تفيق، لكنها حتى لم تغضب أو تحاول دفع يده عنها! كانت كالدمية لا تعي لشيء. كان يناديها بصوت عال مفزع وقد هوى قلبه من مكانه وهو لا يعلم ماذا يفعل.
تجمع على إثر صوته معظم المتواجدين في القصر، أولهم خافيير الذي اندفع نحوهما بفزع وهو يرى محاولاتها للتنفس أو الكلام، لكن الواضح أنها لا تستطيع! صرخ خافيير باسمها بهلع وهو يضمها إليه وهو يخبرها أن تحاول التنفس، لكن بلا فائدة! تحرك سام بسرعة حاملًا إياها وتبعه خافيير حين قال سام: "ستلفظ آخر أنفاسها بهذا الشكل! سأذهب بها إلى المشفى!
ركض سام وتبعه خافيير الذي جلس في الخلف وهو يضم مليكة إلى صدره بيد مرتعشة من الفزع، وقاد سام بسرعة نحو المشفى. قاموا بإدخالها إلى الطوارئ في محاولة لإسعافها. قام أحد الأطباء بمحاولة فك حجاب الصلاة من على رأسها، فصرخ سام فجأة أجفل جده وأثار سخطه حيث قال: "لا تفعل! حاول إسعافها دون كشف أيًا من جسدها! ثم أشار إلى إحدى الممرضات قائلًا بسرعة:
"أسرعي إليها أنتِ.. ولتذهب أنت لتحضر طبيبة فورًا وكل الرجال بالغرفة إلى الخارج معي، هيا! نفذ الجميع ما قاله سام. وقف هو خلف الباب يستند برأسه عليه. كاد جده أن يصرخ في وجهه، لكنه لاحظ يده المرتعشة التي يضعها على الباب، فقال محاولًا التحدث بهدوء: "هل أصابتك العدوى منها!! أهذا وقته حبًا بالله! تحدث سام بصوت مرتجف ظهر به خوفه بل فزعه عليها: "تذكرتها جدي! لم يكن ليعجبها ما سيحدث.."
ابتسم بصعوبة حتى يخفف من التوتر المحيط مكملًا: "عندما تستفيق ستأكلني كوجبة لها إذا سمحت لهم بذلك." تنهد الجد بيأس منهما وهو يجلس بقلق منتظرًا خروج الطبيبة. كان الأمر بسيطًا وقد طمأنتهم الطبيبة أنها بخير وتستطيع الذهاب معهم إلى المنزل. دخل الجد وتبعه سام إليها، وجداها تجلس على السرير بجمود كعادتها، وقد نظرت إلى سام بشراسة أجفلته! توقعها، لكن وللحقيقة أخافته! تحدثت مليكة قائلة بجمود: "من الذي قام بفك حجابي؟!
وكيف لك أن تسمح بفعل كهذا! أين كنت حين قاموا بفك حجابي! تنهد خافيير بيأس وهو يطالعهما بتعجب.. كلمات سام تحققت! قال سام بابتسامة متفاخرة وهو يحرك حاجبيه: "آه لقد حاول طبيب أرعن فعلها، فقمت بجذبه إلى الخارج وطلبت لكِ طبيبة، ومن قامت بفك حجابك كانت الممرضة ولم يكن هناك أي رجل بالغرفة.. حتى أنا وجدي كنا خارجًا."
نظرت له مضيقة عينيها، تحاول أن تعرف إن كان صادقًا أم لا، لكنه بدا واثقًا، كما أن نظرة الفخر التي في عينيه وكأنه قام بعمل بطولي جعلتها تبتسم بهدوء لمعرفتها أنه أخيرًا.. احترم دينها دون أن ينهرها قبل وقوع الكارثة مثل كل مرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!