عادت مليكة إلى الداخل لتجد جدها يطالعها بحزن. فقالت: "لا تقلق يا جدي، اتركه يهدأ قليلاً ثم نحدثه من جديد." أومأ الجد بحزن والتفت قاصداً غرفته ولم يخرج منها حتى المساء. فذهبت ثبات إليه تحثه على الخروج وتناول الطعام، فالحزن يضر بصحته. أتى صباح جديد، لكنه حزين بعض الشيء بالنسبة لخافيير الذي يتناول طعامه ودوائه بصعوبة تحت إلحاح مليكة. تنهدت مليكة لتقول: "جدي، حباً بالله، هذا خطر عليك!
استمع إلي. سأذهب له اليوم وأقنعه بالمجيء مجدداً. أنت تعلم أن سام يحبك أكثر من نفسه، هو فقط غاضب، وله حق وأنت تعلم ذلك." نظر جدها إليها بامتنان ليقول: "أنتِ على حق يا حبيبتي. اذهبي له الآن، أرجوكِ ألا تأتي من دونه! أومأت له وهي تفكر بارتباك فيما ستفعله. وقفت أمام باب شقته بارتباك، فهو قد أغلق هاتفه ولم يفتحه بعد، ولا تعلم كيف لها أن تدخل منزله هكذا.
كانت خطتها أن تأتي إلى هنا وتنتظره بالأسفل ثم تهاتفه ليقابلها بالأسفل. تنهدت بتعب حين تذكرت جدها، فقامت بقرع الجرس وعادت بضع خطوات إلى الخلف بأدب. كان سام جالساً في غرفته دون إشعال الضوء، ولم يرهق نفسه بفتح النافذة ليدخل نور الصباح إليه حتى. أغمض عينيه بأسى وهو يضع رأسه على وسادته، وما كاد أن يستسلم للنوم حتى سمع رنين جرس الباب.
كان سيتجاهله، ولكنه وقف واتجه إلى الباب بهدوء ليرى من الطارق عبر الشاشة التي تقبع خلف باب الشقة. رمش بعينيه وأصبح يغمض عينيه بعنف ليفتحهما وهو يقرب وجهه بشدة من الشاشة، يطالع مليكة التي تقف أمام باب منزله، تضع يديها خلف ظهرها وتنظر إلى الأسفل. هل كان سيتجاهل الطارق حقاً؟ فتح الباب بسرعة وهو يطالعها متوجساً من وجودها. فنظرت هي إليه تتأمل ملامحه التي بدا عليها الإرهاق التام، لتقول عدة جمل متفرقة غير
متناسقة بالمرة من قلقها: "ما الذي حدث سام؟ هل أنت بخير؟ وجهك مرهق للغاية. اتصلت بك البارحة ولا تجيبني، لقد خفت عليك أن يكون قد حدث لك مكروه! أجفله ذاك الهجوم وأسعده في الآن ذاته، ليقول بابتسامة واهنة: "هل سنتحدث في كل هذا على الباب؟ تعالي وادخلي وسنتحدث. أنا مرهق للغاية وغير قادر على الوقوف بثبات لذا...
ترك جملته معلقة وهو يرى ترددها، ويبدو أنها كانت على وشك الرفض لولا سماعها نهاية كلماته ليستند على الباب ممثلاً الوهن هذه المرة، ليقول بخفوت أتقنه: "أنا في مجمع سكني ولا يمكنني ترك الباب مفتوحاً، لا أضمن أن لا يحاول أحدٌ أن يدخل إلى هنا عنوة. لكن سنجلس في الشرفة، لكن ارجوكِ ادخلي الآن فقد تعبت حقاً." أطلقت صرخة فزعة ما أن وجدته يترنح في مكانه، لتقول بسرعة: "حسناً، حسناً، تعال وادخل، لكن ارجوك ابتعد عني بقدر ما يمكنك!
أومأ لها بضعف ليدخلا، وهي تتأمل شقته. راقية كشخصيته تماماً، وكالعادة ألوانها ما بين الفضي والأسود، وصور تزين كل شبر من الحائط بطريقة جميلة حقيقة. جلست على كرسي وجدته في الشرفة، فألقى سام نفسه على الأريكة المقابلة لها لينام مغمضاً عينيه، لكن تنفسه الحاد أعلمها أنه مستيقظ. لتقول: "هل أنت بخير؟ ماذا بك؟ قال لها وما زال مغمضاً عينيه: "لم أنم ليلة أمس فقط، محض إرهاق. ما الذي أتى بك إلى هنا؟ تنهدت لتقول: "جدي!
لقد عزل نفسه في غرفته منذ ذهابك أمس. لا يأكل ولا يتناول دوائه إلا تحت إصراري الشديد. لا تكن متعنتاً سام! كان بإمكانك مناقشته بهدوء لا أن تترك له المنزل وتغادر! تنهد سام ليقول: "لقد حاولت معه بهدوء ولم أفلح، وأنا لن أقابل أياً منهما. لم أعد طفلاً لأتعرض لكل تلك الترهات." قطب حاجبيه بقلق ليكمل: "لكن ماذا به جدي؟ هل هو بخير؟ ردت عليه مليكة بنبرة جاهدت لإخراجها ضعيفة
وحزينة حتى تسيطر عليه: "آه، حالته سيئة للغاية منذ أمس. لقد بكى أيضاً حزناً منك وعليك! أخبرني أن أباك لم يقدر على مواجهتك خوفاً من رد فعلك، وكان يجمع الأخبار عنك من بعيد. وكل ما كان يريده منك أن تقابل والدك لتتصالحا." نظر لها سام بتردد، لينوض جالساً ليقول: "أنا لا أريد تلك المواجهة، ولا أريد خسارة جدي." احتد صوته وهو يشير إلى وجهها بغضب ليكمل: "لكنه هو من بدأ، وهو يعلم جيداً مدى كرهي لهذا الأمر!
فكرت مليكة بسرعة لتقول: "لدي حل! أنت لا تريد البقاء منفرداً مع أباك أو خالتي بيلا، صحيح؟ أومأ لها ببعض التردد متبرماً لأنها كشفت خوفه، لتقول بحماس: "إذا ما رأيك أن آتي معك لنقابلهما سوياً؟ وفرصة لتتعرف على أخوتك." تنهدت بحزن لتقول: "آه، أنت لا تعلم كم تمنيت دائماً لو أن لي إخوة، بدلاً من تلك الوحدة الكئيبة التي أغلقت بها على نفسي. على أي حال، ما رأيك؟
بهذا الشكل ستكون نفذت أوامر جدي، وفي الآن ذاته سأكون معك، لذا ستكون الزيارة سريعة وسأحرص أنا على ذلك! فكر قليلاً وهو ينظر لها، مفكراً في أمر آخر تماماً غير ما تفكر هي به، ليقول: "آه، حسناً، متى نذهب؟ اتسعت عيناها بسعادة لتقول: "هل وافقت؟ آه يا إلهي، أخيراً! انهض لترتدي ثيابك الآن، ودلني على المطبخ لأعد لك كوب قهوة تشربه ونذهب." اتسعت عيناه ليقول: "أليس الوقت باكراً؟ واليوم أيضاً! لما لا نتركها ليوم آخر؟
زفرت مليكة لتقوم وهي تطالع الشقة لتبحث عن المطبخ بنفسها، لتقول بسرعة: "حسناً، حسناً، نم قليلاً وأنا سأعد لك طعاماً مع القهوة ونذهب لهم بعدها." نظر لها فاغراً فاه وهو يراها تسير في الشقة، تفتح الغرف التي تقابلها لتنظر داخلها بسرعة، ثم تغلق الباب، حتى أخيراً وصلت إلى المطبخ، فهتفت بصوت عالٍ ليسمعها: "تمتلك ذوقاً جميلاً سام!
شقتك رائعة. هيا اذهب لتنام وأغلق الباب عليك، ولا تخرج من الغرفة إلا بعد أن تصدر أي صوت يعلمني باستيقاظك! رمش بعينيه بعدم استيعاب وهو يفكر بغيظ بباقي جملتها التي حفظها عن ظهر قلب، ليكمل: "لأنه من الأساس وجودك هنا خطأ، ومن الخطأ الأكبر أن أتجول في الشقة وأنتِ معي، لأني لست أباك أو أخاك أو زوجك. واللعنة، لقد مللت."
تلا كلماته الحانقة صوت غلق باب بعنف، أجفلها لتخرج رأسها من المطبخ تطالع الشقة بريبة، قبل أن تدخل المطبخ مجدداً وهي تضحك بخفوت لتعد له طعاماً جيداً. يبدو أنه لم يأكل أو يرتاح منذ أمس. "آه، ألا يمكننا فقط الذهاب إلى مكان لطيف نتناول الطعام سوياً ونتحدث قليلاً ثم نرحل، ولنأجل تلك الزيارة إلى وقت آخر؟ قالها سام بنزق وهو يخرج من شقته، وقد سبقته مليكة لتقول بضيق: "ساام، كفاك لهوا كالصغار!
أباك في انتظارنا، سنذهب لنتعرف على أسرته لبضع دقائق فقط ونذهب! اكتفى سام بالصمت غيظاً وكمداً. "قادمة! كلمة خرجت بصوت أنثوي رقيق حين قرع سام جرس منزل والده، لينفتح الباب وتظهر سيدة أربعينية أنيقة، طالعت كلا من سام ومليكة بابتسامة مرحبة وهي تفسح لهما المجال للدخول قائلة: "أهلاً وسهلاً بكما! تفضلا... جيرارد لم يأتِ من عمله بعد، لكنه في الطريق."
أومأت لها مليكة بابتسامة متحفظة، وهي تلكز سام الصامت في يده ليرد للسيدة تحيتها ببعض الضيق. جلسا على كرسيين متقاربين، وفجأة سمعوا صوت خطوات سريعة قادمة باتجاههم، فنظروا باتجاه الصوت، ليعيد سام وجهه إلى الأمام ببعض الضيق الذي لم يلحظه ذاك القادم مبتسماً باتساع، ليقول بسعادة بدت واضحة تماماً: "مرحباً بكما... سام! أنا سعيد جداً لرؤيتك!
تقدم من سام وما زالت ابتسامته الواسعة مرتسمة على وجهه، ليمد يده لسام قائلاً: "أنا راكان! أخاك الأصغر." وقف ليصافحه، لكنه أجفل حين جذبه راكان وهو يحتضنه بقوة، ليبتعد بعد فترة مخاطباً مليكة بلباقة: "لابد أنكِ مليكة! تشرفت برؤيتك! لقد سمعت عنكِ الكثير مؤخراً وكنت أرغب حقاً في لقائك! ابتسمت له مليكة بحنو وهي تشكره بخفوت.
لاحظت نظراته المعجبة وعيناه اللامعة التي ينظر بها إلى سام، لتبتسم. يبدو أن الصغير معجب بأخيه الذي يجلس ببرود ولا يتحدث إلا بشق الأنفس دون النظر إليه. بعد قليل، أتت السيدة مارثا حاملة أكواباً من العصير الطازج وقدمتها لهم، وهي تحاول التحدث مع سام الذي لم يدخل معهم في أي من المحادثات القائمة، تاركاً مهمة الرد لمليكة التي كادت تقتله بنظراتها. بعد قليل، سمعوا صوت إغلاق باب المنزل، وكان جيرارد وابنته أمايا عائدين من العمل.
دخل الأب بسرعة وتوتر وهو ينظر لسام مبتسماً بارتباك. وقف سام ليصافحه ببعض البرود، ثم التفت لأمايا التي طالعته بحب لتضمه وهي تمطره بالكلمات اللطيفة. كان جواً أسرياً هادئاً، لكن سام لم يندمج به، وهذا ما لاحظته مليكة. أثناء جلوسهم، انتبهت مليكة على مراقبة راكان الدقيقة لأخيه الأكبر. كان يراقبه وعيناه تلمعان فخراً وحباً. وقف سام فجأة ليقول: "حسناً، علينا الذهاب الآن. سررت بلقائكم." وقف جيرارد معترضاً ليقول: "ابقوا قليلاً!
مارثا انتهت للتو من إعداد الطعام، لنأكل سوياً." كاد سام أن يعترض ليجد أخاه يصفق بيديه بحماس، قبل أن يسحب سام من يده في اتجاه طاولة الطعام وهو يقول بحماس: "أجل، لابد أن تبقى وقت أطول. لا يزال هناك الكثير من الأشياء التي أود أن أحادثك بها وأرويها إليك! تفضلي مليكة! ضحكت مليكة بخفوت وهي تلاحظ إجفال سام الذي تفاجأ بتصرف أخاه المتحمس لوجوده. لم يستطع سام أن يرفض لأن راكان لم يترك له الفرصة من الأساس. حاول الأب تلطيف الجو،
فتحدث إلى مليكة ليقول: "إمم، إذا مليكة، ما هو تخصص عملك أو دراستك؟ قالت مليكة: "لقد درست القانون، وكان لدي مكتبي الخاص قبل قدومي إلى هنا." أومأ جيرارد برأسه وكاد يتحدث حتى قاطعه راكان بحماس مجدداً: "وأنا أدرس الموضة والأزياء مثل سام! ارتفع حاجب سام دون تعقيب، لتمزح مليكة قائلة: "يبدو أن هناك من سيكون منافساً لسام قريباً." أسرع الصغير ليقول: "لا لا!
لا أريد العمل وحدي، لقد اجتهدت في دراستي في هذا المجال لأجل أن أعمل مع أخي! طالعه سام بدهشة أكبر من ذي قبل، فنهض راكان من مكانه مسرعاً، وبنفس تهوره وحماسه قام بسحب سام مجدداً من يده ليقول بسرعة وسط اعتراض أبيه ووالدته: "لقد شبعت أنا وهو! سآخذه إلى غرفتي لأريه بعضاً من تصميماتي ليخبرني رأيه! هيا سام، لن تندم، أعدك! "هذا كان تصميم لبدلة نسائية تناسب العمل، أنيقة وغير متكلفة ومريحة كذلك!
قالها راكان وهو يرى أخاه مندمجاً بين رسماته بإعجاب لم يتمكن من إخفائه. قال سام بهدوء: "أنت بارع للغاية! يبدو أن الموهبة تسري في دمك." تحدث راكان بفخر ليقول: "هذه ليست موهبة، إنه تدريب مكثف. كنت أحياناً أظل ساهراً عدة ليالٍ وأنا أتدرب على الرسم، فأنا لم أكن أستطيع أن أرسم." تعجب سام وكاد أن يتحدث ليقاطعه راكان كعادته، ليقول وعيناه تشعان فخراً وحماساً: "فعلت ذلك فقط لتفتخر بي، اتخذتك قدوة، ولم ولن أندم أبداً!
ظل سام يطالعه بذهول دون أن يتمكن من إيجاد كلمات يعبر بها، لكنه في النهاية ابتسم بدفء وهو يقترب هذه المرة من أخيه بنفسه، يضمه بحب وهو يقول: "من الغد ستتدرب في شركتي مع المصممين لكي تكون ذا مكانة بينهم حين تتخرج! أريدك أن تكون مميزاً بمجهودك وليس بصلة القرابة بيننا! صفق راكان بيديه ضاحكاً بحماس وهو يركض نحو الخارج صارخاً بابتهاج، لكنه أفزع الحاضرين، لكنه اقترب من أبيه ليقول بسعادة: "لقد أعجبته تصميماتي!
سأكون أحد المتدربين لديه من الغد، أبيييي! قهقه الأب بتفاجئ من هذا التقدم الملحوظ ليهنئ ولده الصغير، بينما اتجه إلى سام وهو يرمقه بأسف وامتنان في الآن ذاته، قابله سام ببعض الجمود، لكنه ابتسم له أيضاً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!