فحصتها الطبيبة مجددا قبل خروجها وهي تقول لهم بهدوء: "ما حدث كان صدمة مع ارتفاع ضغط الدم بسبب أنها كانت غاضبة للغاية، ولكن عليها توخي الحذر بعد الآن! في مساء اليوم التالي، جلس سام ومليكة في الشرفة كالعادة. قال سام: "هل لي أن أسألك في شيء بما أننا أصبحنا وحدنا؟ أومأت له. قال وهو ينظر لها بتركيز: "ماذا حدث لكِ بالأمس؟ لقد سمعت صوتكِ الصارخ وتبين لي أنكِ كنتِ تهاتفين أحدهم! زفرت ببعض الثقل وقالت: "سأخبرك!
"الوضع باختصار، أن فادي رحمه الله، بعد وفاة والدته، ادخر بعض المال. وكانت هناك قطعة أرض متطرفة معروضة للبيع بثمن بخس. اشتراها بسرعة لأنه كان يريد أن يبني عليها دار رعاية، وأن استطاع أن يرفق به مدرسة خيرية لتعليم الحرف اليدوية كصدقة على روح والديه." "لكنه مات قبل ذلك." ابتلعت غصتها وهي تمسح دمعة خائنة انحدرت على وجنتها من ألم الذكرى، لتكمل:
"قبل موته وأنا معه في المشفى، أخبرني أن هناك أوراق مهمة في خزنته الخاصة في المنزل، على أن أراها. رأيتها بعد وفاته، وكانت عبارة عن عقد الأرض وملكية البيت وما إلى ذلك، مرفق بظرف مغلق عليه ختم ما كانت وصيته." "عرفت فيما بعد أنه كتب كل شيء لي: البيت، سيارته، والأرض التي اشتراها أيضًا. وأنا إكمالا لمسيرته، أكملت بناء الدار."
"مع تقدم الأعوام، زحف العمران إلى جانب دار الرعاية وأصبحت الأرض بخسة الثمن، تقدر بملايين. وأنا خلال تلك السنوات كنت أشتري القطع المحيطة. لقد قمت ببيع الشقة الثانية واشتريت قطعة. أخذت سلفة من الشركة وقمت ببيع الذهب الخاص بي واشتريت الأخرى." "عائلة فادي، أعمامه وما إلى ذلك، عرفوا بالأمر وبعد كل تلك السنوات عادوا يطالبون بالميراث! فقط حين عرفوا قيمة الأرض ويريدون تحويل العمل الخيري إلى مشروع استثماري!
جحظت عينا سام وهتف بغضب: "وأي قانون يسمح بشيء كهذا؟ وأنتِ ماذا فعلتِ؟ تنهدت بحزن وقالت: "لم أفعل شيئاً بعد. لقد قدمت كل الوثائق التي تثبت عدم أحقيتهم في الميراث وأن تلك الأراضي هي ملك لي وحدي، لكنهم لم ييأسوا حتى الآن! "سيبقون دار الرعاية كدعاية لمشروعهم الذي ينوون إقامته على باقي الأرض. آآآه، سأجن! علي الذهاب إلى مصر مجددًا!
لن أقدر على البقاء هنا دائمًا. لدي العديد من المشاكل هناك ومسؤولياتي أيضًا. سأعود وربما آتي إلى هنا بعض الزيارات من حين لآخر." خفق قلب سام بقوة وهو يستمع إلى كلماتها وعيناه تكادان تخرجان من محجريهما. "ترحل! هكذا ببساطة.. وتتركه! رد بسرعة عليها قائلاً: "لا داعي لذهابك!
فقط ابقي وأنا سوف أحل باقي الأمور بطريقتي. صدقيني سأمحو كل مشاكلك في مصر ومسؤولياتك تقدرين على إنهائها من هنا. أتعلمين أيضاً، سأتکفل أنا ببناء المدرسة التي تريدينها وسأعمل على تطوير المشفى كذلك! نظرت له متسعة العينين وقالت: "هذا سيكلفك الكثير وأنا لا أملك سوى بضع آلاف لن تكفي حتى لشراء خمسين حجراً للبناء! تحدث بإصرار تعجبت له قائلاً: "أرجوكِ يا مليكة، فقط اتركِ الأمر لي!
سأحل كل شيء دون الحاجة لذهابك. أرجوكِ، وعن الأموال لا تقلقِ أبدًا! أستطيع التكفل به كاملاً دون أن يهتز اسمي في سوق الأعمال! نظرت له بدهشة ثم ابتسمت له بامتنان وقالت: "لا أدري ما الذي علي قوله! أنا أشكرك جداً سام! لكن هذا كثير! تنهد بملل وقال: "فقط وافقي ولن تندمي. فكري في أن تدخلي سيفيد الأطفال في أسرع وقت ممكن. واعتبريه ثواب لي كما تقولين." نظرت له مبتسمة لتومئ برأسها له.
فقال ببعض القلق: "هذا يعني أنكِ لن تذهبي إلى مصر! ستبقين هنا صحيح؟ أومأت له لتقول بتحذير: "لكن ما إن تتعقد الأمور، لا تشغل بالك وأنا سأذهب لحلها." أومأ برأسه بسرعة وهو يتنهد براحة. كاد يلفظ أنفاسه هلعاً حين قالت أنها سترحل. دام الصمت قليلاً بينهما. فقد انشغل سام بهاتفه وأخرجت مليكة كتاباً تقرأه. فانتبه لها سام ليقول: "أراكِ مهتمة بهذا الكتاب منذ مدة!
قالت له بابتسامة شارده: "هذا الكتاب كان جزءاً من آخر هدية تركها لي فادي." امتعض وجه سام ما إن أتت سيرته، لكنه تصنع الهدوء وهو يسمع مليكة تكمل قائلة: "هذه الهدية كانت مجموعة من مؤلفات كاتب مصري كان محبوباً في عصره للغاية. لديه طريقة بديعة لجذبك كي تقرأ دون ملل أبداً أبداً! أتمنى فقط لو أنني كنت أعيش في ذاك العصر الذي كان به. كما أنه الكاتب المفضل لدى فادي أيضاً." قال سام مقطباً
حاجبيه: "تتحدثين عن الرجل كما لو كان من كوكب آخر! عصر غير العصر! معجبان بكاتب مؤلفاته كانت من عصر غير عصرنا. كيف تعرفتم عليه من الأساس؟
قالت مليكة: "سأخبرك. فادي كان مولعاً بقراءة الكتب القديمة. وبين بحثه، قد عثر على كتاب غريب لكاتب مصري قيل إنه كان ذا صيت واسع في عصره اسمه 'د. أحمد خالد توفيق'. ظل يقرأ بإستمتاع حتى أنه قرأه لي مرة أخرى، فإنتقلت لي عدوى حب أسلوب هذا الكاتب. فبحثنا سوياً عن باقي مؤلفاته وحمداً لله وجدناها في مكتبة متخصصة في بيع نسخ لكتب انتشرت قديماً. كانت غالية الثمن لكننا استطعنا جلبها." أومأ سام ليقول: "ومتى توفي هذا الرجل؟
قالت مليكة جملة غريبة جعلته استقام في جلسته يتابع حديثها بإهتمام بالغ، حيث قالت: "تقريباً عام السابع عشر بعد الألفين، لست متأكدة." اتسعت عينا سام وفغر فاه. لتكمل مليكة بابتسامة واسعة: "أجل، من حوالي ألفي عام تقريباً، توفي هذا العبقري في الزمن الموازي لزماننا هذا! قال سام: "ما معنى الزمن الموازي لزمننا؟
ابتسمت مليكة لتقول: "لقد أخبرني فادي من قبل أنه قرأه ذات مرة أن الحياة على وجه الأرض تمثل دائرة، أي أن الإنسان سيطور من نفسه حتى يبلغ ذروة التطور ثم يعود مجدداً بالتدريج إلى نقطة الصفر."
"سأخبرك مثالاً بسيطاً. في زمان الدكتور أحمد خالد، كان المسلمون كُثر عن الآن. كان منهم العاصي والمؤمن، لكنهم كانوا بالمليارات. لكن، وبحسب علامات قيام الساعة، أن عدد المسلمين سيتضاءل، وهذا ما حدث بالفعل الآن. أنا كنت مسلمة بالاسم فقط قبل أن يعلمني فادي أمور ديني. وعدد المسلمين أصبح أقل بكثير من الماضي."
"وبالنسبة لكلمة الزمن الموازي لنا، أن الحياة كانت تدور في هذه الألفي سنة حتى عدنا إلى النقطة التي كان بها الناس في الألفينات من حيث التكنولوجيا والهيئة وما إلى ذلك." تحدث سام بصدمة قائلاً: "يا إلهي! لم أسمع شيئاً كهذا من قبل! وكيف عرفتما هذا الكاتب وهو قد مات من آلاف السنين! ابتسمت مليكة بحزن لتقول: "فادي رحمه الله كان مثقفاً وقرأ العديد من الكتب في جميع المجالات ولأزمنة مختلفة. كان عبقرياً متفائلاً، رحيماً!
التوى فم سام فيما يشبه الابتسامة حتى لا ينفجر في وجهها ليقول: "أوه، سأنهض الآن للنوم. تصبحين على خير. ولا داعي لإرهاق ذاتك بالتفكير في أمر دار الرعاية، سأتولى الأمر من الصباح! ابتسمت له بإمتنان ليذهب هو باتجاه غرفته وقد تجهمت ملامحه كمن يريد خنق أحدهم حتى يزهق روحه! "جدي! سأجن! هل من الطبيعي أن يغار المرء من شخص ميت؟ أنقذني بدلاً من صمتك هذا! أشعر أنني سأنفجر من الغيظ!
قالها سام وهو يلتهم أرضية غرفة جده بأقدامه ذهاباً وإياباً وهو يضع يده فوق رأسه، بينما ينظر له خافيير بصدمة وهو نصف جالس على فراشه. دخل عليه سام منذ نصف ساعة كالقذيفة وهو يتحدث بسرعة وغضب عن طريقة كلام مليكة عن فادي وكيف أنها لا ترى غيره أمامها، وكيف أن ذاك فادي كان بارعاً بكل شيء! لم ينتظر للصباح بل أتى إليه فجراً لينفجر بهذه الطريقة. تحدث خافيير وهو يجاهد لكبت ضحكاته: "ما بك يا سام!
اصبر قليلاً.. أنت لم تحاول لفت نظرها لك من الأساس! لكن أعدك أن أجد حلاً." أجفل خافيير حين وجد سام أمامه في جزء من الثانية يمسكه من كتفيه وهو يهزه قائلاً: "جدي! لن أصبر أكثر من هذا! في الصباح جد لي حلاً. أريدها لي في ظرف ساعات! فغر خافيير فاه بصدمة ليقول: "لقد جننت حقاً يا ولد! كيف ستوافق عليك في بضع ساعات من الآن؟! قال سام بتصميم وهو ينظر إلى خافيير بتفحص
أجفل الأخير وأثار قلقه: "ستكون مريضاً جداً غداً وعليك إتقان ادعاء المرض جيداً، ثم أخبرها بالقنبلة وكأنها وصية! قال خافيير صارخاً بحنق: "لقد فقدت عقلك بالتأكيد! هكذا ستتركنا وتذهب دون النظر خلفها أبداً! شد سام على شعره بيأس ليقول صائحاً: "حسناً جد لي حلاً! أنا أموت قهراً كلما تحدثت عن ذاك الرجل!
تنهد خافيير بتعب وهو يرى كم البؤس البادي على وجه سام ليفكر ملياً ليربت على كف سام قائلاً بدفء أخيراً: "سأجمعك بها يا صغيري لا تقلق. لكن اترك لي الأمر، ولأجلك، سأتحدث معها غداً، لكن لنمهد لها الأمر." في صباح اليوم التالي، طلب خافيير من مليكة أن تلحقه إلى غرفته بعد الإفطار، فوافقت. وما إن دخلت حتى أشار لها أن تجلس إلى جانبه ضاماً إياها إليه، فتقبلت الأمر سعيدة مستكينة.
فقال بدفء: "أنا سعيد جداً يا ابنتي أنكِ هنا بجانبي، وحزين كل الحزن على كل السنوات التي لم أركِ بها! ابتسمت له ببعض المرارة الخفية وقالت: "قدر الله يا جدي، لا بأس، ها أنا هنا الآن." أومأ لها ليقول بحذر وحزن: "أخاف يا صغيرتي أن يأتي اليوم الذي أجدكِ تخرجين من هنا قائلة بأنكِ ستعودين إلى بلدك، وحين تذهبين ستنسين ذاك العجوز الذي تعلق بكِ." قالت مليكة بابتسامة: "لا تقلق يا جدي، إن ذهبت، سأذهب لبعض الوقت وأعود."
تحدث مجدداً ليقول: "أصدقيني القول يا حبيبتي... أهناك أحداً.. قد.. احمم.. أعني أهناك أحد قد تنوين العودة إلى بلدكِ لأجله؟ أجفلت مليكة لتقول بضيق بعدما فهمت تلميحه: "جدي! أنا لا أفكر في أمر الزواج أبداً! كما أنني لست ممن يواعد رجلاً دون ارتباط رسمي! لمعت عيناه ليكمل بحذر شديد ولين أشد: "أنا أعلم يا حبيبتي. حسناً، لو أنني طلبت منكِ أن تفكري بأمر ما لأجلي يا مليكة، هل ستوافقين؟
قالت مليكة ببعض القلق: "ما هذا الطلب يا جدي؟ قال وهو ينظر إلى عينيها بتركيز محاولاً معرفة ردة فعلها: "أريد لكِ أنتِ وسام أن تتزوجا، فما رأيك؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!