الفصل 13 | من 22 فصل

رواية رجوع الى الهويه الفصل الثالث عشر 13 - بقلم شيراز القاضي

المشاهدات
26
كلمة
2,720
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

"هل أنت بخير؟ لماذا وجهك شديد الشحوب؟ " قالها سام وهو يحادث مليكة الجالسة بجانبه في الطائرة المتجهة إلى إسبانيا. قالت بخفوت: "أنا بخير، لم أنم جيداً فحسب." أومأ لها وظل صامتاً حين وجدها تغمض عيناها بإرهاق. لينظر هو إلى النافذة مبتسماً وهو يتذكر كل ما مر به في مصر. اتسعت ابتسامته الوحشية وهو يتذكر ما فعله بالأمس.

لقد خرج وهو عازم على فعل شيء. كان موعد خروج فيصل من عمله، وقد علم سام أن فيصل وزياد يسكنان في الحي ذاته، لكن في بنايات مختلفة. وقد شرحت له حسناء أماكنهم بنية طيبة، غير مدركة لما سيحدث. انتظر سام قدوم فيصل من عمله في شارع مظلم بجوار بنايته. وما إن اقترب حتى سحبه سام في الظلام وقام بتكميم فمه. وظل يضربه بعنف حتى فقد وعيه.

نفض يديه بإشمئزاز ليتوجه إلى البناية التي يمكث بها زياد. قام بطرق الباب ففتح طفل صغير له الباب. فابتسم سام له. وفجأة، وجد زوجة زياد تطالعه بفضول من خلف ولدها. فقال سام لها: "هل تتحدثين الإنجليزية؟ أومأت له ليقول: "أنا أريد رؤية زياد، هل عاد من عمله؟ أومأت له ليقول: "أخبريه أن سام يريد رؤيته."

أدخلته إلى غرفة الجلوس، وما هي إلا لحظات وقد دخل زياد متوجساً من زيارة ذاك الرجل له. تقدم سام من الباب وقام بإغلاقه بالمفتاح، ثم استدار فجأة لزياد مكمماً إياه كما قام مع أخيه. وظل يضربه بعنف قائلاً من بين لهاثه بعد انتهائه: "هذا لا يساوي نقطة في بحر ما كنت أود عمله بك أنت والحشرة الأخرى. اعتبراها تذكاراً مني على ما فعلتماه مع مليكة حين لم يكن لها أحد هنا."

وقام بركله في بطنه بعنف جعل زياد يتلوى ألماً. خرج سام من الغرفة فوجد زوجته تحمل الطفل وهي تطالعه بخوف. ليبتسم لها قائلاً: "أنا آسف، لكن زوجك يستحق ما فعلته." ثم أتى النصيب الأكبر. عم مليكة. اجتمع سام به فوق السطوح ليقول: "سنغادر أنا ومليكة غداً بعد الظهيرة." تنهد أحمد بارتياح لانتهاء هذا الكابوس ليقول: "أوه حقاً! بلغ سلامي للجميع، وجيد أن مليكة ستأتي معك بدلاً من بقائها منعزلة عن العالم!

ضحك سام باستخفاف ليقول: "هل تظنني غبياً!! تغيرت نبرته للجمود ويقول: "أين أموال مليكة؟ وشقة والدها، أين أوراق ملكيتها؟ ابتلع أحمد لعابه وقبل أن يجيب، تحدث سام مجدداً واضعاً ساقاً فوق الأخرى: "استمع إلي جيداً! لا تحاول الكذب. الأموال التي كانت تحول إليك شهرياً...

أنا من كان يحولها وليس جدي. حقاً، لا داعي لإنكارها، ولا داعي لتقول أنك كنت تعطيهم إلى مليكة، فهذا لم يحدث. مليكة لا تعرف حتى أننا كنا نحاول الوصول إليها منذ زمن. لذا، وبهدوء، سنذهب أنا وأنت غداً إلى البنك وستقوم بتحويل المال الذي ادخرته من أموال مليكة إلى حسابها. وعقود الشقة التي أجبرتها يوماً على الإمضاء عليها ستتنازل عنها. تصبح على خير."

وبالفعل تم ما أراد سام. فأحمد ليس بالغبي ليقف في وجه سام أو خافيير. تنهد سام مبتسماً ببعض الراحة حين استطاع أخذ ولو القليل من حق مليكة. لكنه استطاع فعل شيء. ذهب عقله إلى حسناء. تلك السيدة الطيبة. لا يعلم كيف تعيش بين هؤلاء الحمقى. تذكر بكاءها وهي تحتضنه بقوة ولم تهدأ إلا عندما أخبرها أنه سيعود لزيارتها. أغمض عينيه مبتسماً براحة، فتلك الرحلة كانت رائعة.

اختفت ابتسامته تدريجياً ما إن ظهرت أمامه صورة فادي المبتسم. ليفتح عينيه بانزعاج. لا يدري لما يثير ذاك فادي حنقه. "آه يا عزيزي، لقد افتقدتكما! " هكذا هتف خافيير وهو يضم كلا من مليكة وسام بقوة. تحدث من جديد ليقول: "أخبراني بكل ما فعلتماه... وهل أتممتما ما ذهبتما لأجله؟ أومأت مليكة مبتسمة قبل أن تقول: "اعذرني يا جدي، فأنا مرهقة للغاية، لذا سأذهب إلى النوم قليلاً. بعدها سأخبرك بكل ما تريد معرفته."

ربت خافيير على كتفها برفق وهو يومئ لها مبتسماً. ثم عاد بوجهه وعيناه تلمعان بسعادة إلى سام الذي كانت عيناه ترافق مليكة وهي تصعد السلم ببطء. تحدث خافيير قائلاً: "الآن وحالاً، أريد معرفة كل شيء. ماذا حدث؟ أعاد سام نظره إلى جده وهو يتحدث بحماس جعل قلب جده يحلق بسعادة: "مذهلة يا جدي! كل شيء كان مذهلاً. أنت لا تعلم كيف استمتعت ببقائي هناك." ابتسم خافيير بدفء، فهذه أول مرة يرى حفيده يتحدث بتلك السعادة.

ليقول: "وماذا عن مليكة؟ نظر له سام مبتسماً بشرود ليقول: "ما بها مليكة؟ نظر له الجد بنصف عين ليقول: "ألم... تحاولا... أعني، ألم يحدث أي شيء؟ أي شيء ولو كان بسيطاً؟ نظر سام إلى جده بطرف عينه ليقول بحنق: "هل أنت واعٍ لما تقول جدي! إنها مليكة وليست أي فتاة من إسبانيا." أومأ الجد ليقول بسعادة: "ولكنك... تعلم ما أريد قوله... هل أعجبتك؟ نظر له سام ليتنهد بثقل قبل أن يقول: "أنت لا تعلم شيئاً يا جدي."

قطب الجد ليقول: "أخبرني بما لا أعرفه إذا." نظر له سام بتركيز قبل أن ينهض فجأة قائلاً: "هل أخذت دوائك أولاً؟ أومأ له الجد متعجباً ليقول سام: "جيد، لأن ما سأقوله يحتاج إلى أن تكون في كامل صحتك!

في المساء، وأثناء اجتماع العائلة على العشاء، هبطت مليكة لتكون آخر الواصلين كالعادة. لكن ما أجفلها وأربكها هي نظرة البؤس على وجه جدها الذي نهض مسرعاً متجهاً لها ما إن دخلت الغرفة. ليحتضنها بقوة وهو يلقي على مسامعها كلمات لم تدري لما يقولها. فسألته أن كان بخير ليجيب: "أنا بخير يا حبيبتي، فقط اشتقت لك كثيراً! أحاط وجهها بيديه مقبلاً رأسها بعمق ليقول: "عديني ألا تتركيني بهذا الشكل مجدداً."

أومأت له بتوجس، لكنها كانت سعيدة بإحساس الدفء الذي أغدقها به منذ قليل. حدث ذلك أمام الجميع، من بينهم سام الذي نظر إلى جده بغيظ وهو يهز رأسه بقلة حيلة. أهذا ما فهمه جده من كلمته؟ لا تجعلها تشعر أنك تشفق عليها أو أنك تعرف شيئاً عنها. انتهى العشاء وطلب الجد من سام أن يرافقه إلى مكتبه. وحين دخلا قال سام بحنق: "أهذا ما اتفقنا عليه! أدمعت عينا الجد وهو يتحدث بصوت مهتز: "قلبي يؤلمني بني!

ما قيمة كل هذا المال الذي عشت به طوال حياتي متنعماً إن كانت حفيدتي قد عاشت كل تلك المآسي وحدها! ربت سام على كتف جده ليقول: "لقد ولّت تلك الأيام وهي الآن هنا معنا! لم تعد وحيدة ولن تواجه الحياة بمفردها مجدداً. سأبقى دائماً خلفها... أعدك بذلك! تنهد الجد بكدر ليقول: "آه، فقط لو أستطيع جمعكما معاً! وقتها فقط سأنام قرير العين وأنا أعلم أنها معك! تنهد سام بثقل ليقول: "لقد أخبرتك بما في الأمر!

لن تقبل بي بسهولة. هذا إن لم يكن هذا الأمر من المستحيلات! لكن لن أيأس، لا تقلق! في اليوم التالي، وأثناء عودة مليكة وسام معاً من العمل، دخلا سوياً من الباب وهما يضحكان بصخب غير معهود على موقف كان سام يرويه لمليكة. لكن ضحكته ماتت على شفتيه ما إن مر من أمام مكتب جده الذي وقف هو ورجل آخر يطالعانهما باهتمام.

تنحنحت مليكة ببعض الحرج ليعود الجمود يكسو ملامحها من جديد وهي تلقي التحية عليهما أثناء تحركها باتجاه السلم. وما كادت أن تصل حتى أتاها صوت سام الصارخ في وجه الرجل ومحاولة خافيير في تهدئته. نظرت لهم بفزع لتري سام غاضباً كما لم تراه من قبل. وخافيير يضمه في محاولة يائسة منه أن يبعده عن ذاك الرجل الذي يطالعه بضعف وقد ظهرت بعض الدموع في عيناه.

هبطت مسرعة لهم لعلمها أن جدها مريض وقد يسقط الآن بينهما فاقداً الوعي أثر الضغط العصبي. وقفت بينهم لتتحدث مع سام أن يهدأ قليلاً. ثم تحدثت إليه بفزع حين وجدت يد جدها بدأت في الارتعاد: "سام، جدي ليس بخير. اصمت! انتبه سام إلى جده الذي أصبح يستند عليه بدلاً من محاولة دفعه بعيداً. ليمسكه بفزع وقد عاونته مليكة. لتنظر باتجاه الرجل باعتذار لتقول: "اعذرنا أيها السيد على ما حدث، لكن أنت ترى ما حدث لجدي!

والتفتت وهي تعاون سام على جعل الجد يتقدم حتى وصل إلى حجرته وتسطح على سريره. بقي سام يدلك يديه بتوتر وهو يتحدث معه بخفوت لجذب انتباهه. بينما ذهبت مليكة لإحضار الدواء. وبعد عدة دقائق استطاع الجد أن يعود لوعيه وهو يطالعهم بأعين زائغة ليقول بابتسامة واهنة: "ما الذي أصابكما؟ لازلت بخير. كانت مجرد لحظة ضعفت بها لأني نسيت أخذ الدواء." ثم نظر لسام بلوم دون كلام. ليقبل الأخير رأسه بحب وندم.

في المساء، وكعادة أصبحت ترافقهما، اجتمع كلا من مليكة وسام في شرفة غرفتهما المشتركة. وقد أحضر سام بعض التسالي ليتناولاها. قالت مليكة بهدوء: "تحدث! أخرج ما بداخلك... الرجل الذي كان بالأسفل كان... أباك؟ زفر سام بحنق ليميل برأسه إلى الخلف دون رد لبعض الوقت.

ثم قال بسخرية مريرة: "حين كنت طفلاً تخلى عني هو وأمي بسهولة. أكمل حياته بشكل عادي وقد تزوج وأنجب من الأخرى. كنت أريده أن يأتي ويأخذني بين أحضانه ويقول لي أنه اشتاق إلي! لكنه لم يأت." ضحك بصوت لا حياة فيه ليقول: "ذهبت أنا إليه لرؤيته حين كنت في الخامسة عشر من عمري. أوتعلمين ماذا شاهدت؟ شاهدته يخرج من منزله يحمل طفلاً على يديه وطفلة أخرى تسير إلى جانبه! بدا سعيداً جداً في حياته! أصابتني صدمة!

لم يحاول أن يعرف عني شيئاً أو حتى يزورني لأنه أصبح مشغولاً مع أسرته الجديدة التي سافر معها لاحقاً. وها قد عاد الآن بعد أعوام طوال وبمنتهى الوقاحة يقول: "لقد أتيت لأطمئن عليك! " نفس الوضع مع والدتي، لكن على الأقل هي حاولت دمجي في حياتها الجديدة لكني لم أستطع الاتفاق مع زوجها."

توقف عن الكلام وقد لمحت مليكة تلك النظرة التي تعرفها هي جيداً. الحرمان. الحرمان من حق لك في الحياة أن يكون لك شخص يربت على كتفك. تعلم أن والدتها كانت تحتويه هي وجدها، لكن أمها أيضاً اضطرت للرحيل وظل هو وحيداً. مثلها تمام. تنهدت لتقول بحكمة وهدوء حتى لا تثير غضبه: "سام! لديك كل الحق فيما تقول! وأنا أعرف شعورك جيداً، ولكن...

عليك أن تكون شاكراً لربك أن والداك ما زالا على قيد الحياة. ربما أباك خائف من مواجهتك. ربما كان يخشى ردة فعلك حين يظهر في حياتك كما حصل اليوم. ووالدتك مخطئة حسناً، لكنها لم تيأس وهي تحاول بإستماتة أن تقابلك وأنت من تهرب منها. سام! اترك لهم فرصة على الأقل. أنت لا تعلم مرارة اليتم." ضحك سام بغضب ليقول: "انفصلا وأنا طفل في الثامنة وأنا اليوم رجلاً بلغت عقدي الثالث. ألم تكن كل تلك السنوات فرصة!

حباً بالله يا مليكة، أغلقي تلك المحادثة فأنا لا أريد التذكر." تنهدت مليكة دون رد حتى لا تغضبه أكثر. "لا والف لا، وأنت تعلم جيداً أنني لن أوافق على ذلك، فلا داعي لذكر هذا الأمر أمامي مجدداً جدي! " هكذا صاح سام بغضب في وجه جده الذي يحاول بيأس شديد أن يجعل سام يجلس مع والده ولو لدقائق فقط. لكنه عنيد كالثور، لا يثنيه أحد عن قراره.

حاول خافيير أن يبقى هادئاً وهو يتحدث مع سام، لكنه مع الوقت أصبح يصرخ في وجهه هو الآخر قائلاً: "كف عن عنادك هذا! استمع إلي، إن لم توافق على مقابلة بيلا وجيرارد، لا مكان لك بجانبي. لقد سئمت! تنفس سام بحدة ليومئ إلى جده عدة مرات قبل أن يقول بحزم: "لك هذا! سأرحل الآن! وداعاً."

شهقت مليكة بفزع وهي تراه يخرج من المكتب كالصاروخ باتجاه السلم المؤدي للطابق العلوي. دخلت إلى جدها راكضة لتراه جالساً على مكتبه وهو يستند برأسه على كفوف يديه بإنهزام. فقالت بقلق: "ما الأمر يا جدي! هل أنت بخير! رفع الجد عيناه الحمراء إلى مليكة ليقول بحزن: "لقد خيرته... إما أن يقابلهما أو أن يذهب من هنا! ربتت مليكة على كتف جدها لتقول بلوم هادئ لمعرفتها اختيار سام: "ما كان عليك فعلها يا جدي!

لكن سأصلح الأمر، لا بأس. اهدأ." ربت على يدها بإنهزام وكاد يتحدث قبل أن يسمع صوت أقدام أحد ما يسير بسرعة. لينظر لها بإستجداء، فهمته لتركض إلى الخارج خلف سام لتوقفه في الحديقة. لتقف لاهثة لتقول: "هل جننت! ستترك جدك هكذا وتذهب! لم أكن أعلم أنك طفولي إلى هذا الحد يا سام! قال سام بضيق: "مليكة! لا تزيدي مقتي على تلك الحياة، يكفي ما أنا به حالياً. سأذهب إلى منزلي! أنا لم أكن أعيش هنا على أي حال!

وذهب قبل أن يترك لها فرصة الرد على كلماته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...