الفصل 3 | من 22 فصل

رواية رجوع الى الهويه الفصل الثالث 3 - بقلم شيراز القاضي

المشاهدات
36
كلمة
2,750
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

مرت الأيام على مليكة في منزل جدها ولم يتغير شيء. لا تزال غير مرحب بها بينهم، وهي بدورها كانت تتجنبهم جميعًا حتى أثناء ذهابها معهم إلى العمل. كانت تجلس فقط في مكتب جدها تتابع ما يحدث بدون فعل شيء، لذا قررت عدم الذهاب مجددًا والبقاء في المنزل طوال اليوم تجلس في الحديقة حتى المساء.

مما أثار ريبة سام، لذلك عين أحد الخدم ليراقبها ويخبره في المساء ماذا تفعل في الحديقة كل هذا الوقت. وها هو اليوم غير مختلف كثيرًا، إذ أن مليكة جلست كعادتها بعد الإفطار في الحديقة تقرأ من المصحف. وها قد حل المساء وعاد خافيير وسام، وأيضًا شاهداها جالسة كالعادة. ليقول الجد وهو متعجب من حالها: "إنها لا تخرج أبدًا.. دائمًا ما تكون جالسة هكذا! يؤرقني أمرها جدًا." ثم التفت إلى حفيده وعيناه تقطران حزنًا وألمًا قائلًا:

"لما لا تتقرب إليها سام؟ إنها ابنة صوفيا يا صغيري! أعلم أنك الوحيد القادر على الدخول إلى عالمها الكئيب هذا وانتشالها منه." نظر سام بإتجاهها كاظِمًا غيظه، ليومئ لجده بلا كلام. ذهبا ليتناولا العشاء، وانضمت لهم مليكة وباقي العائلة في جو يسوده الهدوء. وبعد أن انصرف الجميع إلى غرفهم، أحدهم قرع باب سام ليأذن له بالدخول، فمن المؤكد أنه الخادم الذي يعطيه تقريرًا عن مليكة كل يوم. تحدث الخادم:

"مساء الخير سيدي.. الوضع كما هو. تخرج بعد الإفطار إلى الظهيرة ومعها الكتاب ذاته، ثم تعود إلى غرفتها وتبقى حوالي خمس دقائق، ثم تعود للحديقة حتى ما بعد الظهيرة وهي تحمل دفتراً وقلماً تكتب بهما حتى بعد الظهر. ثم تذهب مجددًا إلى غرفتها وتغيب نفس المدة، ثم تعود إلى الحديقة مع فنجان من الشاي وبعض البسكويت. ثم تعود إلى غرفتها ساعة الغروب، وتبقى ساعة كاملة هذه المرة، ثم تعود للأسفل مع الكتاب حتى عودتكم كما يحدث كل ليلة."

تعجب سام وارتفع ضغط دمه ليقول بهدوء بعدها: "ألا تتلقى اتصالًا أو يأتي لها أحد؟ هز الخادم رأسه بلا، ثم قال كمن تذكر شيئًا: "ولكن ياسيدي، كانت تراسل أحدًا بالهاتف وكانت تبتسم للهاتف كلما كتبت شيئًا." قطب حاجبيه: "تبتسم! عود الخيزران تلك تبتسم!!

أمر الخادم بالانصراف، ليتجه نحو الشرفة الملاصقة لشرفة مليكة ليسمع الهمسات مجددًا، لكن اليوم كانت أكثر وضوحًا. ليقترب على مهل من السور الفاصل بينهما ليستمع. لكنه قطب حاجبيه، فتلك الهمسات كانت بلغة غريبة فلم يستفد شيئًا، ليستدير ويعود إلى غرفته والفضول يأكله.

أشرق الصباح وتجمعت العائلة على مائدة الإفطار. جلست مليكة في مكانها المعتاد بعيدًا عن رجال العائلة. وبين تناولها الطعام، سحبت فنجان قهوتها وكادت ترتشف منه، لكنها اشمته أولاً وقد ظهر الاشمئزاز على وجهها وهي تبعد فنجان قهوتها لتأخذ بدلاً منه عصير برتقال. لاحظها سام ليحدثها لافتًا الأنظار لها: "ما بال أميرتنا الصغيرة؟ ألا تعجبك القهوة يا صغيرتي؟ لقد رأيتك تشربينها قبلاً! رفعت حاجبها لفهمها ما يرمي إليه لتقول:

"الأخرى كانت لذيذة ورائحتها شهية، أما تلك فلا." حدثها بإمتعاض ليقول: "هذا النوع الذي رفضتي شربه الآن هو أغلى نوع في العالم. الآخر كان عاديًا.. يبدو أنك لم تعتادي على قهوة الأغنياء في حياتك." رمقه جده بغيظ وهو يدعس على قدمه ليصمت، لكنه أكمل جملته المهينة رغم ذلك. لتجيبه هي بتعقل: "الحق يقال، أني حقًا لم أتناولها من قبل، لكن معلوماتي تقول إن أفخر وأغلى أنواع البن في العالم هي مشتقة من روث الفيلة."

أثناء قولها هذا، كان جدها يرتشف من قهوته، وحين سمع كلماتها بصق القهوة كالرذاذ في وجه ابنه ليو، الذي بدوره حين سمع كلمتها أسقط فنجانه على الطاولة. بينما اشمأز سامويل وترك الطعام كله، وكذلك فعل باقي الأفراد. لترمِش ببراءة قائلة: "ماذا؟ ألم يكن أحد منكم يعرف الأمر؟

نظرت إلى سام لتراه ينظر لها بصدمة وهو يحاول جاهدًا كتم ضحكاته على تلك الفوضى التي حدثت بسبب تلك الفتاة، التي بعد أن قالت كلماتها عادت تلتهم شطيرتها بهدوء مع كوب عصيرها. أتى بيادور، رئيس الخدم، من الخارج ليقطب حاجبيه حين وجد أن الجميع يشرب عصير البرتقال ولم يلمس أحدٌ كوب قهوته. ليقول بتعجب: "سيد خافيير، أهناك خطب ما؟ لما لم يشرب أحد القهوة؟ هل أعد غيرها؟ صرخ كل من ريزا وسامويل وخافيير وليو في نفس واحد: "لاا!

أجفل رئيس الخدم وهو يقول: "ح حسناً كما تحبون.. أوه، أنت لا تستطيع شرب العصير سيد خافيير، ماذا أصنع لك؟ نظر خافيير بلوم إلى سام ومليكة ليقول لبيادور بإمتعاض: "كوب حليب يا عزيزي! انتهى الإفطار الكارثي، ليذهب كل منهم إلى عمله. ومر اليوم ككل يوم، ليأتي المساء والكل مجتمع على العشاء. ليقول خافيير:

"أذكركم أن غدًا ستقام حفلة هنا، وككل احتفال، سامويل أنت مسؤول إرسال الدعوات وتدوين الأسماء. سام مسؤول الملابس وكلامه يطاع، لقد جف حلقي معكم بهذا الشأن. ريزا وأنيتا الزينة. رافل وليرا تم إعفاؤهما لأنهما سيصلان على موعد الحفلة." ثم نظر إلى مليكة ووجدها تنتظر أوامره. ظل ينظر لها فترة قبل أن يقول: "عزيزتي مليكة.. رأيتك تدخلين المطبخ مرارًا وأخبرني بيادور أنك طاهية ماهرة.. مهمتك هي الإشراف على المطبخ."

أومأت له برضا. لينبض خافيير وكذلك ليو وزوجته. لتنهض مليكة، وحين عبورها من الباب سمعت أنيتا التي صرخت: "لن تفعل بي هذا مجددًا أيها الوغد! لما علي ارتداء ما تختاره أنت؟ تحدث سام بهدوء مميت قائلاً: "لقد حُسم الأمر. الثياب ستكون زيًا رسميًا أسود بالكامل للرجال، والفتيات فستان أسود مطعم باللون الفضي، وانتهى." أنهى كلماته وانصرف غير آبه بصراخ أنيتا، ليقابل مليكة على السلم التي سألته: "ماذا يعني أنك مسؤول عن الملابس؟

أجابها بهدوء: "أنا من سأقول لهم ما يرتدون في الحفل، وأنا من يصمم لهم الثياب.. والأمر ينطبق عليك الآن." قالت وهي مقطبة الحاجبين: "كل فساتيني سوداء، لذا لا تشغل بالك بي.. سأرتدي واحدًا." تحدث بحِدة وهو مخفض صوته: "استمعي إلي جيدًا. أنتِ أحد أحفاد هذه العائلة، أي أن ما يسري عليهم فهو يسري عليكِ كذلك. لذا سترتدين ما سآمرك به، وانتهينا."

"تصبحين على خير." قالها عندما وصلا إلى غرفهما. لتتعجب مليكة من هذا التحكم وذهبت للنوم. أما سام، فقد دخل غرفته وتهاوى بإرهاق على مكتبه لينظر للورقة الموضوعة عليه بها تصميم فستان غير كامل. ليمسك قلماً وهو يحاول إنجازه، فهذا فستان مليكة! ليس الذي سترتديه غدًا، فهو لديه مخطط آخر لقالب الفولاذ تلك ليخرجها بلا إجبار من قوقعة تعاستها تلك. أمضى وقتًا طويلاً حتى أنهى رسم التصميم واتجه للنوم بإرهاق.

في الصباح، كان الكل منشغلًا بما كان مكلفًا به حتى بعد الظهيرة، حين اجتمع سام بباقي أفراد العائلة وهو يحمل بعض الأكياس قائلاً: "لقد انتهى تحضير الثياب والآن... وضع الأكياس وأصبح يسلم كل فرد منهم ثيابه حتى وصل إلى مليكة، التي نظرت للفستان بريبة بسبب ابتسامته الواسعة لها قائلاً: "هذا رداؤك يا مليكة.. وأرجو أن يعجبك." اللمعت عينا الجد وهو يقول محيطاً كتف مليكة بيده:

"بالتأكيد سيعجبها.. سام مصمم أزياء مشهور بين الطبقات الراقية ولديه ذوق رائع حبيبتي." ارتفع حاجب مليكة، لذلك مظهره غريب بالنسبة لها بشعره الذي يلامس عنقه وأزيائه الرسمية التي بدت مختلفة عن باقي أفراد العائلة. أومأت لجدها وصعدت لكي ترتدي الفستان وتتجهز لذاك الحفل. لكنها أجفلت وصعقت ما إن رأت الفستان وقامت بفردِه. "هذا الوغد القذر!

كان الفستان مجسماً من الأعلى.. لابأس بذلك، ستخبيء ضيقه بحجابها. واسع من الأسفل وهناك شق بطول الساق إلى الفخذ. بأكمام طويلة، ولكن الظهر مكشوف حتى الخصر. وهناك سلسال فضي تم وضعه كشبكة على الظهر. وهناك بعض النقوش الفضية الرقيقة للغاية على حافة ذيل الفستان. حسنًا، كان جميلاً لكن ليس لها! ألقت الفستان بحدة وهي تتذكر ابتسامة الوغد حين أعطاها الفستان، تعقد عزماً. أجل، سترتدي أحد فساتينها السوداء!

ذهبت إلى الدولاب وما إن فتحته حتى شهقت بصدمة! كل فساتينها غير موجودة! لم تتعد صدمتها حتى نبض قلبها بالخوف المميت وهي تتذكر الزي الرسمي الرجالي الذي أحضرته معها! بحثت عنه كالمجنونة، لكن حمدًا لله لم تصل أيدي العابثين إليه!

نظرت للفستان الذي ألقته أرضًا بحيرة وغم. لقد تعبت من الكره وعدم الترحيب وهذه الحرب. جلست أرضاً بتعب وهي تحاول منع تلك الدموع من الهطول، لكنها لم تستطع. ظلت تبكي قليلاً قبل أن تحول نظراتها إلى الشراسة. دخلت الحمام لتغسل وجهها فوجدت كل ثيابها ملقاة بالبانيو مغطاة بالماء. "ستنتقم من ذاك الوغد."

ذهبت باتجاه الخزانة وأخرجت الحقيبة التي بها الزي الرجالي. كان معه تنورة طويلة وفستان أسود من القماش الضيق قليلاً كانت ترتديه أسفل الثياب لكي تمنع إظهار تفاصيل جسمها. جهزت ثيابها وخرجت من الغرفة عاقدة العزم على الانتقام.

ذهبت إلى المطبخ حتى تأتي بشيء تنتقم منه، فلم تجد أمامها سوى زجاجات النبيذ لتأخذ واحدة منهم وذهبت إلى الأعلى دون أن يلمحها أحد. دخلت غرفة سام بتسلل، فهي تعلم أنه لازال بالأسفل. لكن ما إن دخلت حتى سمعت صوت المياه لتعلم أنه يستحم، وماذال أمامها فرصة أيضًا. اقتربت من السرير فوجدت زيه الرسمي الأنيق والمميز الذي سيرتديه الليلة. لتفتح زجاجة النبيذ وتسكبها فوقها بغل ثم خرجت مسرعة لتحضر نفسها.

خرج سام من الحمام وهو يجفف شعره ليتجه نحو الزي ليرتديه، وما إن لامسه حتى عرف ما حدث! أمسكه بسرعة ليجده قد تشبع بالنبيذ. امتعض وجهه قليلاً، لكنه توقع انتقامها على أي حال. وجد ورقة بجانب السرير مكتوب بها بالخط العريض: "وغد وستندم! تأفف بملل ليلقي الزي بلا اهتمام ويفتح دولابه ويجرجر زيًا مشابهًا للذي دمرته هي ليرتديه، وعلى وجهه ابتسامة متشفية منتظرًا رؤية وجهها حين تراه!

موعد الحفل. الناس بدأت بالحضور وشيئًا فشيئًا اكتمل العدد. لكن سام كان مشغولاً بشيء آخر، إذ أن مليكة لم تظهر بعد! كل دقيقة ينظر إلى السلم علها تنزل من عليه، لكن لا! بدأ قلبه يؤلمه قليلاً، فقد كان واضحاً على وجهها دون كلام أنها تحمست لتلك الحفلة. ثم عاد ليقول لنفسه: "ما فعلته لم يكن قاسياً، أنت فعلتها لتخرجها من ما هي به لتتمتع بالحياة، ثم إن فستانها كان الأجمل بين كل التصميمات، لذا لابأس."

لكنه عاد للإشفاق عليها مجدداً، فقد سمع صوت بكائها. ذم شفتيه بغضب: "ليس من السهل أن تكون في حضرة أشخاص لا يرحبون بك! حسم أمره، أنه سيصعد الآن لها ويحاول حل مشكلة الفستان لتحضر الحفل. وما كاد يصعد السلم حتى رفع بصره للأعلى بسبب الهمسات التي كان مفادها: "انظر للأعلى! ". اتسعت حدقتاه وفغر فاه وهو يراها ترتدي الفستان! لكن على طريقتها هي! لقد حلت المشكلة.

كانت ترتدي حجاباً رمادياً لم يره من قبل، أنار وجهها بطريقة جميلة ووضعت مكياجاً خفيفاً. كانت تبدو كملكة متوجة رغم ثيابها وشكلها المختلف جداً! وجد نفسه ينظر لها بابتسامة حقيقية. وما إن نظرت له حتى رفع يده بإشارة مفادها: "استسلم! ". ابتسمت له بجمود. ليحتضنها الجد بقوة ما إن نزلت السلم ليقول بصوت جهوري: "أعزائي، أحب أن أقدم لكم حفيدتي الجميلة ابنة ابنتي صوفيا... مليكة." رحب بها المدعوون وقد أصابهم التعجب من هيئتها!

بعدها كانت تقف قرب الشرفة وهي تحمل بيدها كوب عصير. لتجد أحدهم وقف إلى جانبها يحدق بالخارج. نظرت له، فكان سام. لتنظر إلى زيه بتركيز لتقول بسخرية: "كيف جففته بتلك السرعة؟ ضحك بخفوت وهو يرتشف من كأس النبيذ قائلاً: "هذا زي آخر.. توقعت انتقامك لذا أمرت بتفصيل قطعتين." صمت قليلاً ليقول: "الفستان يبدو رائعاً عليك.. خاصة بعد التعديلات التي لم أتوقعها! قالت له ببرود: "شكرًا."

وبعدها ظلا واقفين بلا كلام، فقط ينظرون إلى الخارج. انتهت الحفلة وعاد كل منهم إلى غرفته للنوم، فلقد كان اليوم مرهقًا. صعدت مليكة على السلم وهي تتبادل الكلمات مع جدها، الذي امتدح موهبتها في إصلاح الثوب، فقد علم أن هذا التصميم الغريب ليس لحفيده بالتأكيد! وصلت غرفتها، وما إن دخلت حتى لمحت شيئًا ما على السرير. لتذهب له ووجدته فستان آخر! لكن هذا كان معه حجاب مطرز بطريقة رقيقة وكان مناسباً لها جداً، كما أن ذوقه كان عالياً!

لترفعَه بين يديها لترى ورقة كتب بها: "آسف.. هذا فستانك الحقيقي.. أرجو أن ينال إعجابك."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...