تحميل رواية «رحماء بينهم» PDF
بقلم علياء شعبان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هل جربت ذلك الشعور يومًا؛ حينما يجعلك الله سببًا في إحياء حياة شخص رأيت موته بأم عينك؟! هل جربت أن تكون لحياتك معنى وأنت ترى تلك الروح التي أنت طوق نجاتها تحوم حولك من جديد!!! نقطة من بداية السطر. سبب لبداية حياة جديدة كادت أن تفنى. مشهد جعل كيانه يهتز بصدع حتى تعلم لأول مرة معنى غياب الأمان ووجود أرواح سيئة تشاركه في هذا العالم الذي انحصر دومًا في والده، دروس الدين المحببة إلى قلبه وممارسة هواية السباحة الأكثر شغفًا في حياته على الإطلاق. طفل صغير عاش في بلدة قروية بسيطة تبدأ حدودها مع بداية قنا...
رواية رحماء بينهم الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم علياء شعبان
انتشر الغمام في السماء فقتم لونها وصار مائلًا للسواد في يوم عاصفٍ بالريح العاتية وقُرب هطول الأمطار الغزيرة بصورة متوقعة. أفرع الأشجار تهيج بانتفاضٍ كلما تلاقت في صِدام مع الريح، وكُل ما على الأرض لم يعُد ثابتًا عليها فتتقاذف الريح كل شيء وتلقي به في غير أماكنه. حتى قلبها كان له نصيبًا داخل هذه الفوضى، فكان لكبريائها انتكاسة جعلته ينغمس في طين الأرض ولم يشمخ أنفها عاليًا منذ ذلك اليوم الذي عصف بقلبها المنكسر فصدعه إلى أنصاف كثيرة لا تصلُح للترميم.
منذ ذلك الوقت لم يعُد قلبها قابلًا للاستخدام مرة أخرى، ولم ينفع حتى في ترميمه كمجردٍ أنتيكة لا جدوى منها توضع فقط على رفٍ قديمٍ؛ صار فقط شظايا حادة تدمي أنامل من يجرؤ على الاقتراب منها. هِرة شرسة تخدش ولا تُبالي نيتك بشأنها؛ أأنتَ رَّاعِي أم مُروَّع!!
وقفت أمام البوابة الحديدية الكبيرة بجسدٍ هزيلٍ رفيعٍ جدًا وقامة محنية فتبدو سيدةً عجوزًا. كلما نظرت إليها للوهلة الأولى ترى فيها بقايا أُنثى صغيرة التهم شبابها الزمن والأيام. ارتدت عباءة سوداء باهت لونها وحجاب أسود كذلك وبدت في حالة مُزرية مروعة لمن يرها. جرت قدميها بجسدٍ عليلٍ تُجبره على المقاومة والصمود فانقضت على البوابة تطرقها بكُل ما بقي لها من قوة واهية وطفقت تصرخ بأنفاس مضطربة:
"يا عثمان بيه.. افتحي لي البوابة.. ابوس يدك.. إنتَ لازم تسمعني؟!"
كانت تصرخ منهارةً من قوة الكابوس الذي تعيشه كل يومٍ بفضل حقارته ودناءته. لم يكفه نزواته الليلية والرقم القياسي الذي حطمه منذ أن اشتد عوده وصار شابًا، فوضع عينيه على خادمة القصر حتى نال منها وأشبع شهواته بُغتة منها. كانت تصرخ فيه أن يرحمها ويتوقف عما يفعله من ذنب فادحٍ قد تطير فيه رقبتها إن سمع الناس. وهي التي لا تملك في هذه الدنيا سوى سُمعتها التي تضاهي لون القطن زاهيةً عفيفة تصون زوجها الذي اضطر على السفر للبحث عن لُقمة عيشه في بلد آخر وخلفها ورائه مع أطفالها. فلزمت بيت أبيها الذي يعمل بستاني وبواب للقصر وقررت أن تبحث عن مصدر للرزق لتغطية احتياجات أطفالها التي لا تنضب. فعملت طاهيةً للقصر الذي عاش فيه عثمان وحده بعد أن اختلف مع شقيقه الأكبر الذي تنازل له عن كُل شيء وقرر أن يقتصر الأمر ويقطن في مكانٍ بعيدٍ عنه عله يهدأ وتذوب جليد المشاعر السلبية التي تقبع في نفس “عثمان” ناحية شقيقه. ولكن بُعد “سليمان” أطمع الأخير في السطو على كُل ما تملك العائلة والتعامل مع الأمر وكأنه الوريث الوحيد لهذه الكُنية.
لم تستسلم. اشتدت قبضتها المتكورة تضرب حديد البوابة بصراخ اشتد كلما طال الجواب:
"افتح البوابة يا عثمان بيه!!.. بالله عليك افتح!"
في هذه اللحظة وجدت البوابة تنفتح على مصراعيها فظهر أمام عينيها “علَّام” الذي يعمل مشرفًا على طاقم الخدم داخل القصر ويعتبره “عثمان” ذراعه الأيمن. فامتدت ببصرها تتجاوز الواقف أمامها لتجد “عثمان” يأتي من بعيدٍ صوبها. هرولت بخطوات متعثرة تشتبك مع طرف عباءتها فتهيم على وجهها بالأرض، ولكنها بعزيمة وَهِنة تنهض من جديد وتهرول إليها إلى أن وصلت إلى قدميه فجثت على ركبتيها وسجدت أمامه تُقبل حذاءه وهي تقول بانكسارٍ مهينٍ:
"ابوس رجلك لتنقذني من المصيبة اللي وقعتني فيها.. قول الحقيقة.. قول إني مليش ذنب وإنتَ اللي اغتصبتني بالقوة؟!!"
ركلها ركلة خفيفة بطرف حذاءه جعلها ترتد للخلف ثم تابع مُحقرًا منها مُستهزئًا بسذاجتها:
"إنتِ مجنونة؟! حتة خدامة زيك تأمرني أقول أيه وما أقولش إيه؟!"
انتفض جسدها من شدة الإهانة التي سرت كالجمر في عروقها وكان مذاقها زقومًا، ولكنها ابتلعتها مرغمةً وهي تصرخ بانهيارٍ:
"حرام عليك دمرت لي حياتي.. أبويا بيموت من الصدمة وجوزي رافض يصدقني وعايز يطلقني.. إنتَ دمرت لي حياتي.. منك لله يا أخي.. ربنا ينتقم منك."
ضغط أنيابه غيظًا ثم مال بجسده نحوها إلى أن قبض على حجابها بقوة جامحة وشرع يسحبها بغير رحمة عائدين إلى البوابة. هدر بانفعال هائجٍ:
"إنتِ بتدعي عليا يا زبالة."
نجلا ببكاء مريرٍ خرج معه صرخات متألمة من قبضته:
"أنا حامل حرام عليك.. الناس كلت لحمي بالظُلم.. حامل وجوزي مسافر من سنة!!"
ظلت تلطم وجهها قهرًا تستجديه محاولةً نبش شيم الرجولة المدفونة فيه ولكنها لم تنجح، فصاحت مغلوبة على أمرها في انكسارٍ:
"طيب بلاش تقول للناس إني مظلومة.. على الأقل انقذ بيتي الي هيتخرب؟!.. قول الحقيقة لجوزي وأبويا وأنا عهد عليَّ هسامح في حقي ومش هخليك تشوف وشي تاني!!"
كانت حُمرة الغضب تُلهب جميع قسمات وجهه ولكنه توقف فجأة ثم احتدت نظراته إليها وقال متهكمًا:
"إنتِ عبيطة؟ أو عندك سوء إدراك؟!! بقول لك أنا مش فاكرك أصلًا.. مش فاكر ليلتي معاكِ أو إني لمستك.. ولو شوفتك هنا تاني هسجنك إنتِ وأبوكِ وهقول إنكم بتدعوا بالزور عليا وعايزين تلبسوني طفل ابن حرام علشان طمعانين في سيدكم."
سكت هنيهة ثم أضاف بوعيدٍ:
"بس وقتها هوديكم ورى الشمس وكل محاولاتك علشان تستجديني مش هتنفع وقتها.. فمن غير شوشرة تمشي وتنسي أي حاجة حصلت لك؟؟؟"
حدقت فيه بذهولٍ واستنكار ثم رددت بألم غلف كل ذرة بها واستقر بقلبها:
"انسى أيه يا بيه؟! انسى إنك استباحت عرضي بالقوة وأنا بتذل لك تعتقني لوجه الله؟ ولا انسى إني حامل من واحد غير جوزي؟! ولا انسى إني بسمع كلام الناس اللي بيدبحني؟! ولا انسى أنه بيتقال عليا رخيصة وأنا عايشة طول حياتي ما امتلكش فيها غير عِزة نفسي؟ ولا انسى إن انتهاك عرضي بالنسبة لك كان زي قرار تدخين سيجارة وقت ضيقتك؟؟؟ ولا انسى الناس وهم بيقولوا دي بتغريه؟"
لاحت ابتسامة واهية على شفتيها وتابعت بانكسارٍ:
"بغريك بأيه يا بيه؟ جلبيتي السودا ولا طرحتي اللي طايلة رجلي؟؟؟ ولا يمكن عرجة رجلي من كُتر التعب والشقا؟?"
انكمشت صفحة وجهه وهدر محتدًا بالغضب الشديد:
"أنا اللي عندي قولته واوعي تكوني فاكرة إني ممكن أحن واعترف بطفلة جاية من بطن خدامة ولو على الناس فالسنين هتنسيهم."
ابتلعت غِصَّة مريرة في حلقها وصرخت فيه باختناقٍ شق حلقومها وأدماه:
"بس أنا مش هنسى، مش هنسى شرفي اللي طمعت فيه ولا هنسى ضعفي وأنا بحاول أستر جسمي من عينيك اللي كانت بتاكل فيا ولا شهوتك الحيوانية، لو الناس والدنيا كلها نسيت أنا مش هنسى."
عاد يقبض على ذراعها بشراسة ثم قادها بعُنف كالقمامة يود التخلص منها بأسرع ما يمكن. قاومت مستميتة على البقاء وترجيه عله يترفق بحياتها المعرضة للانهيار ولكنه لم يحفل بعجزها أو كسرتها وهي تستجدي مغتصبها وهو من يجب عليه أن يستجديها طالبًا غفرانها!
قوبلت دموعها الحارقة بلا مُبالاة منه وما أن وصل إلى البوابة قام بدفعها بالخارج ووقف ينظر إليها شامخًا محتميًا بنفوذه وسلطته التي لا تُقارن بنملة ضعيفة تخشى أن تدوسها قدماه وهو يمشي مختالًا في الأرض.
انقضت الأيام ثِقال عليها وأعين الناس تفترسها بدمٍ باردٍ كلما مرَّ الوقت وانتفخ بطنها. حاولت جاهدةً التخلص من الجنين ولكن كان في ذلك خطورة على حياتها فقد نما الجنين وصار غير قابلٍ للإجهاض. اشتد المرض على والدها العجوز ولم تقم له قومة وبدا ينازع أيامه الأخيرة. وكذلك وصلها مُخبر من المحكمة يُبلغها بالطلاق ومن وقتها لا تستطيع الوصول إليه تاركًا إياها تتحمل أعباء ومسؤولية أطفالها وحدها داخل هوة سحيقة من الفقر المدقع. لم تجد بُدًا من الذهاب إليه مرة أخرى وتقبيل قدميه مرة أخرى لتبرئتها في محاولة بائسة للعيش بين أهل بلدتها برأسٍ شامخٍ ولكن لم يجدي اللقاء الثاني نفعًا.
"-يا علَّام، ارمي الزبالة دي برا مش عايز أشوفها في القصر دا تاني وإلا العقاب هيطولك إنتَ."
هاج صارخًا في وجه الأخير الذي تسمر واقفًا ينظُر إلى تلك الفتاة الضعيفة الواقعة بالأرض تنتحب في ألمٍ ولا تملك مثقال ذرة من قوة أو إرادة. قطب “عثمان” حاجبيه حينما لم يجد ردًا من “علَّام” فهاج مُجددًا بأنفاس تغلي:
"-سامع ولا لأ!"
انتفض جسد “علَّام” وعلى الفور أومأ مُنصاعًا؛ فيما صرخت هي بكل ما تحمله من طاقة مُستهلكة:
"حرام عليك، يا أخي ربنا ينتقم منك ومن أمثالك، ليه عملت فيا كدا؟! سيرتي بقيت على كل لسان بسببك."
أسرعت تلتقف ساقه ثم تتشبث بها في نحيب بينما بدأ يركلها بغضب وطغيان قائلًا:
"هو أمثالكم هيفرق مع الناس أصلًا؟! يا بنتي محدش مركز معاكم لأننا كأسياد مش شايفينكم."
اجهشت باكيةً بحُرقة حينما ركل ركلته الأخيرة التي أصابت جنبها الأيسر فصرخت بانهيارٍ:
"أبويا بيموت بسببك، طب علشان خاطري يا بيه انقذني من عيون الناس وكلامهم اللي زيّ السم، علشان خاطري!!.. أبويا بيموت من الحُرقة والكسرة!"
اِفتر ثغره عن ابتسامة ساخرة ظهرت بوضوح على جانب فمه وانحنى قليلًا ناظرًا داخل عينيها مُباشرة ومُضيفًا بسخرية:
"انقذك إزاي؟! يا بنت البواب!"
هي بدموع مُنهمرة:
"قول لجوزي إني اتغصبت على اللي حصل لي لأنه مش مصدقني، أبوس إيدك، أنا بيتي بيتخرب!!!"
ضحك ملء شدقيه ثم باغتها بقبضة قوية على فكها قائلًا بغيظٍ:
"ملعون جوزك على أبوكِ، إنتِ شكلك عبيطة وأنا مش فايق لك."
أسرعت بالقبض على ياقته ثم جاهدت أن تتكلم رغمًا عن قبضته الضاغطة على فكيها:
"أنا مش مجنونة، أنا اتهتك عرضي من واحد خنزير وألسنة الناس مش سايباني في حالي حتى جوزي مش عايز يصدق إني بريئة وطلقني وأبويا من القهرة بيموت ومفيش حد راضي يشغلني عنده.. حرام عليك عيالي هيموتوا من الجوع!!"
أسرع بالقبض على ذراعيها ثم أجبرها على ترك ياقته وهو يقول بلهجة شديدة يغمرها التهديد والوعيد:
"إنتِ تخرجي من هنا ومش عايز أشوف وشك تاني وإلا قسمًا بالله المرة الجاية هتكوني بين عداد الموتى، سامعة يا بت ولا لأ!.. افتكري إني حذرتك قبل كدا؟"
أجهشت بحُرقة وهي تُخفي وجهها بكتفيها تتفادى اعتدائه عليها بالضرب حيث بدأ يلطم وِجنتيها بقسوة بينما تصرخ هي بقهرٍ:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيك.. ربنا ينتقم منك يا ظالم.. ربنا يكسر فرحتك بكُل غالي عليك.. ربنا يكسر قلبك زيّ ما كسرت نفسي وكسرت كبرياء أبويا وسرقت شرفه وشرف جوزي بالقوة."
كانت تصرخ داعيةً عليه بكُل ما يأتي إلى رأسها بينما يزداد ضربه المُبرح لها حتى اقترب “علَّام” منه وراح يسحب ذراعه عنها قائلًا بنبرة مُتلعثمة يملأها الحُزن والضعف:
"كفاية يا بيه، سيبها لحال سبيلها."
وكأنه عُمي تمامًا عن رؤية شيء سوى تفريغ طاقته المشحونة فيها وما كان من علَّام إلا أنه أسرع بجذبها من بين ذراع الأخير ووقف حائلًا بينهما ليجد عثمان يهدر في وجهه بصوت أجشٍ:
"ارمي الكلبة دي برا."
أومأ “علَّام” حتى لا يثور الأخير مرة أخرى؛ فيما رمقتهُ “نجلا” بكُره وما أن نهضت عن الأرض حتى بصقت في وجهه مما أثار حنقه من جديد وهم أن يقبض على حجابها ليُسرع علام بدفعها بعيدًا عنه بينما قالت هي بحُرقة قبل أن تتحامل على نفسها مُغادرةً للقصر:
"افتكرني كويس يا بيه لأني راجعة لك تاني في يوم من الأيام علشان نصفي حسابنا!"
حدجها بعدوانية ولكنها تحركت بخطوات متباطئة خارج بوابة القصر رغم شعورها بالعجز المهين حول استكمال سيرها إلى البيت وكذلك شعور الوضاعة التي تشعر به نتيجة نظرات الجميع لها؛ فلم تفعل شيئًا حتى يتم نبذها من الجميع حتى زوجها؟! لا يُصدق أن زوجته الضعيفة قد وقعت فريسة لسيد قوي البنيان لا يخشى أحدًا ولا يُمكن مقاومته من قِبل رجل عتي فكيف لها أن تفلت من تحت براثنه!!
سارت تجر ساقيها بعجزٍ حتى أنها تحايلت على نفسها ألا تخذلها وتنهار أمام مرأى الناس وأن تكون عونًا لها حتى تسترد حقها المنتهك، نهرت نفسها لكونها ضعيفة سلبية تنتمي لعائلة فقيرة لا تمتلك سوى الشرف وحتى هذا استكثروه عليها!!.. ترجت دموعها ألا تسقُط وأن تناصرها حتى تحقق النصر!
"-استني!!"
ناداها بصوت مُتهدجٍ، توقفت في الحال دون أن تستدير نحوه ففعل هو حتى وقف أمامها مُباشرة وقال بضيقٍ:
"انسي اللي حصل، لأن اللي زينا لازم يتنازلوا علشان يعيشوا!!"
رمقتهُ بنظرات صامتة بينما تابع بتنهيدة حارة:
"كان بودي أساعدك بس مش عارف إزاي!!!"
أجابته بثبات وصوت مُتحشرج:
"اشهد معايا ضده يا علَّام، ساعدني أفضحه، أبوس إيدك!!!"
أومأ سلبًا على الفور وقال:
"مش هقدر، سامحيني، دي لُقمة عيشي الوحيدة!"
أومأت بدموع محبوسة وقالت:
"لُقمة عيش طعمها صبَّار، خلي بالك وإنتَ بتحافظ على لُقمة عيشك مع ظالم زيّ دا ييجي الدور عليك في يوم من الأيام وتكون مراتك مكاني؟!!"
أنهت كلامها وتحركت من أمامه بينما نكس رأسه بقلة حيلة شاعرًا بالحُزن على حالها واليأس على حياة صعبة لا يمكنه فيها أن يقول كلمة حق لأن الحق لن يجني له رزق بل سيقطع عنه كُل سُبل الحياة”.
مات والدها قهرًا ولم يحضر جنازته أحدٌ ولم يؤازرها من أهل البلدة سوى القليل منهم، نبذوها على جُرم لم ترتكبه وصدقوا فيها السوء ولم تقم بسوأة فاحشة. مات والدها وماتت معه بقايا شجاعتها وكبريائها وانهدم السور الذي لطالما كان يحميها وصارت هي وأطفالها مشردين جياع. ظلت تطرق الأبواب لكسب لقمة العيش من أجل إشباع بطون أطفالها وإنقاذهم من الفقر والجوع ولكن كُل الأبواب تُغلق في وجهها خشيةً أن توقع بأزواج الأخريات في شباكها كما شاع عنها بشأن عثمان السروجي.
حتى جاء اليوم الذي ستضع فيه المولود الجديد، كانت هزيلةً مستنفذة الطاقة والقوة صحبتها إحدى صديقاتها إلى المستشفى التي تعمل بها كممرضة وطلبت عملية مستعجلة لأنها صارت في المخاض وبعد عناء وعُسر جاءت الطفلة التي لم ترها بعينيها ولم تحملها. أخبرتها صديقتها إنها أنجبت فتاة ولكنها وُضعت داخل الحضانة لسوء حالتها الصحية ولكنها تفاجأت في اليوم التالي باختفاء الطفلة تمامًا وكأنما لم تلدها ولم تُعاني آلامًا مستعصيةً وحدها.. فلم يكُن لها أثرًا!
هكذا قَصت عليه عينيها مأساتها وذكرتها عيناه بالماضي، وقفا ينظران داخل أعين بعضهما ما بين نظرات نارية شرسة وأخرى مشدوهة مصدومةً. اعتلى ثغرها ابتسامة مُتشفيةً نتيجة عجزه عن تصديق رؤيته لها تقف أمامه وقد جاءت صورتها من الماضي السحيق تتشكل في صورة امرأة أخرى قوية تنظر إليه بوحشية غريبة. دعك عينيه أكثر من مرة قبل أن تقول بنبرة خافتة:
"أيوة أنا."
قطب حاجبيه حينما انتشلته من صدمته تؤكد ما تراه عينيه وأنه لا يعاصر حلمًا من يقظته مثلًا. بدأت تحرك أناملها بتمهل على صدره إلى أن وصلت إلى عنقه ثم غرست أظافرها في لحمه بشراسة ضارية وبنبرة تعبق بحرارة عميقة همست دون أن تلفت الأنظار إليها:
"فين بنتي يا عثمان؟! فين بنتي اللي خرجت من بطن الخدامة؟؟؟؟؟"
الدهشة تعتصر لسانه فأصابه الخرس تمامًا ولكنه جاهد في النهاية. وهو يُدقق النظر في ملامحها ويقول بخفوتٍ مرتبكٍ:
"إزاي؟! إنتِ إزاي؟!"
اتسعت شفتيه بضحكة مُتشفية وأردفت تحاصر نظراته:
"أيه مالك بس؟! مستغرب إن نجلا بنت البواب تكون هي نفسها نجلا مرات حمدي زهران؟!"
لم تشعر بأصابعها التي تنغرس في لحم عنقه إلا حينما لمحت كدمات حمراء وخيوط رفيعة من الدم تظهر رويدًا. أما هو فالدهشة كانت المسيطر الأوحد على مشاعره ولم يشعر البتة بإصابة عنقه الجريح مِن شراستها الكامنة أمام الناس. ضجرت بقاءه هكذا مشدوهًا فأطبقت فكيها بقوة وهمست من جديدٍ:
"فين بنتي اللي خطفتها يوم الولادة يا عثمان وملحقتش ألمح ضفرها حتى؟!.. دا سؤالي الأخير ليك يا ابن السروجي!!!"
بدأ يستفيق مؤخرًا فمسح على عينيه ثم وجهه وجبهته قبل أن يقبض على ذراعها يحثها بإشارة من عينيه أن تسير بمحاذاته في هدوءٍ فتبعته بخطوات مدروسة بعناية وما أن وصل إلى الحديقة حتى شدَّ من ضغطته على لحم ذراعها وهمَّ أن يظفر بها ناسيًا إنها ليست تلك الضعيفة التي عاصرها في ماضيه وأن ما تقف أمامه هي بقايا شرسة من امرأة قُهرت وذاقت من الذُل أهوال. نظرت إلى قبضته شزرًا قبل أن تبتسم ابتسامة مستفزة لكيانه وأناملها تتحسس طريقها إلى كفه وهي تقول بصوت ثابت:
"اللي بتعمله دا كان زمان.. دلوقتي العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم وإنتَ كُنت البادي."
غرست أظافرها داخل جلد كفه على حين غرة منه وطفقت تخدشه خدوشًا عميقةً يشملها الغل والشراهة في الانتقام فأسرع بتحرير ذراعها وسحب قبضته حينما تسلل الألم إليه فأردف بانفعالٍ:
"إنتِ إزاي دخلتي وسطنا؟ وإزاي وقعتي حمدي وخليتيه يتجوزك؟!"
حدقت فيه بعينين ناريتين وصاحت بسخطٍ ووعيدٍ:
"أنا مرات حمدي على سُنة الله ورسوله واللي بيني وبين المرحوم ملكش دخل بيه، إنتَ مطلوب منك تجاوب على سؤالي فقط وإلا هتشوف مني اللي عمرك ما كنت تتخيله."
اكفهر وجهه ورمقها بعداوة طاغية في عينيه قبل أن يرد بحنقٍ:
"بنت أيه دي اللي بتتكلمي عنها؟! أنا مش فاهم إنتِ بتتكلمي عن أيه أصلًا؟ زائد إني قولت لك قبل كدا مستحيل أعترف بعيلة جت من بطن خدامة."
دارت حول نفسها متعمدة إطلاق ضحكة متهكمة وهي تصفق بحرارة تؤازر تدفق النيران المنبعثة من عروقها المتأججة من شدة الغيظ والغضب ثم استقرت أمامه مرة أخرى قبل أن تتحول ملامحها إلى أخرى سوداوية وهي تردف بصوت حادٍ:
"بس في ناس شهدوا إنهم شافوك وإنتَ بتاخد البنت؟!!.. عثمان حسابك معايا تِقل بخطفك لبنتي ولا تكونش ناسي إن في بينا حساب تاني؟!!!!"
سكتت هنيهة ثم أضافت وهي تقترب أكثر منه وتداعب ذقنه الأملس في برودٍ:
"إنتَ يمكن تكون نسيت فعلًا علشان قولت لي إن السنين والأيام بتنسي بس أنا وقتها قولت لك إني مش هنسى.. ها بقى تحب نبدأ منين؟ اقتص لحقي الأول ولا حق بنتي؟."
بقى صامتًا يطالعها بعينين حادتين فقط فزمت شفتيها بامتعاضٍ ورددت:
"قولي يا عيوني متتكسفش.. اختار اللي يعجبك.. في الحالتين النهاية واحدة.. سودا على دماغك."
دفع ذراعها عنه ثم أردف بصوت أجشٍ غليظٍ:
"كُل دا من وحي خيالك.. إنتِ شبعتي من بعد جوع يا نجلا وعلشان كدا خيالك صور لك إنك تقدري تنتصري عليا!!"
افتر ثغرها عن ابتسامة هزلية قبل أن تُجاريه في حديثه وتتابع:
"طيب بلاش خطف بنتي.. حقي أنا؟! دا بردو من وحي خيالي!"
حدجها بنظرة نارية قبل أن يهتف بحزمٍ وصلابة:
"أعلى ما في خيلك، اركبيه."
أعطاها ظهره وهمَّ بالسير مبتعدًا عنها ولكن كلماتها المُعقبة على جملته الأخيرة جعلته يتسمر في مكانه مُحدقًا في الفراغ أمامه وصوتها الناري يصل إلى أذنيه قائلةً بتهديدٍ صريحٍ ومُباشرٍ:
"شرفي قصاده شرفك ومفيش خيار تالت يا عثمان وإنتَ ما شاء الله عندك بدل البنت اتنين دا غير بُلبُلة؟!!!"
أدار وجهه المشتعل نحوها وقال بلهجة سامة:
"فكري علشان أحرقك."
نجلا بنبرة هادئة للغاية ترد:
"ساعتها هتكون النار قضت على معالمك نهائيًا، الضربة بعشر أمثالها يا عيوني."
قرر الانسحاب من أمامها فورًا فما تزال الصدمة تسيطر على كل ذرة به حتى ردة فعله تضطرب فيسرع في ضبطها قبل أن يصلها شعور الانهزام بين ثنايا وجهه.
عقدت ذراعيها بتحدٍ أمام صدرها وقد زمت بأنفها ورأسها تكبُرًا وداخلها يقسم على الانتقام غير المشروط ودون تقنين لألوان العذاب الذي سيذيقها يومًا بعد يومٍ لعل انتقامها يشفي غليلها الذي يملأ صدرها.
***
تحركت بخفة ورشاقة بين الأطفال الذين يملؤون حديقة بيتها التي تحتوي على ألعاب كثيرة وأرجوحة لتسلية الصِغار. رأت في هذا المشروع الصغير راحتها الكبيرة؛ فقضاء الوقتِ بصُحبة الأطفال يُغنيها عن كُل شيء ويغمرها بسعادة تنسى بعدها كيف يكون طعم الألم والحرمان في نيل مطلب وحلم الأمومة. يرحب “عِمران” بكُل ما يسعد زوجته ويجعلها في ارتياح نفسي كبيرٍ فيأتي الأطفال إليها يوميًا للمرح برفقتها حتى عودة والديهم من العمل حتى أنها بدأت تبحث فعليًا عن معلمين مجتهدين لتعليم الأطفال القراءة والكتابة والحساب.
كانت تجلس على كرسيها تضع كفها أسفل وِجنتها وقد شردت تمامًا متغافلة عن الصِغار ولكنها مطمئنة لوجود المعلمات برقتهم. وجدت كفًا صغيرًا يهز ذراعها ويسحبها من شرودها كُليًا، التفتت بنظراتها إلى الصغير الذي يقف بجوارها ويقول متذمرًا:
"تيَّا قطعت شعر العروسة كله وشكلها بقى يخوف!"
زوت “شروق” ما بين عينيها في استغرابٍ ثم نهضت فورًا وهي تلتقط كفه الصغير وتسير بجواره قائلةً:
"لا متخافش خالص.. تعالي لما نشوف فين تيَّا!"
لم تفتأ تنهي عبارتها حتى وجدت الصغيرة تحتضن كفها الآخر وتقول بمرحٍ:
"إنتوا رايحين فين؟! أنا هاجي معاكم."
دنت “شروق” بقامتها من الصغيرة وشرعت تفحص الدمية القابعة بين ذراعها ثم تابعت بصوت ناعمٍ حنونٍ:
"فين شعر العروسة؟! سفيان بيقول إنك قطعتيه كله؟!"
دبت الصغيرة كفها داخل جيبها ثم أخرجت الشعر وأسرعت تقول بتلقائية بريئة:
"كنت بسرح لها ووقع مش قصدي."
أومأت “شروق” بهدوءٍ والتقطت الشعر منها ثم تابعت بابتسامة هادئة:
"ولا يهمك يا روحي.. يلا كملي لعب على المُرجيحة وإنتَ كمان يا سُفيان.. العب مع أصحابك."
انصاع الطفلين مهرولين إلى تسليتهم بينما عادت “شروق” إلى كرسيه مرة أخرى ومدت يدها تلتقط حقيبتها الموجودة على الطاولة ثم رمت بداخلها الشعر دون اهتمام وقد عاد عقلها ينخرط في شروده من جديد بصدد قرار شقيقها بطلب يد حبيبته الليلة دون علم والده وماذا سيفعل والدهم عندما تصله هذه الأخبار؟!
لك تلحق الانغماس في أفكارها المتحيرة حينما جاءها اتصال من زوجها يطلب منها الاستعداد من أجل الذهاب إلى البلدة بينما طلبت منه أن ينتظر لحين عودة أخيها بعد لقاء والد رويدا والاطمئنان عليه وسماع الأخبار السارة.
***
"-كدا بقيت عريس رسمي نظمي لا والبدلة فُرتيكة عليك."
أردف “كاسب” بتلك الكلمات المُحفزة وهو يطالع الأخير بنظرات معجبة فيما تهللت أسارير وجه “عُمر” الذي استبد به التوتر والحماس في آن واحد وظل يتطلع إلى هيئته عبر المرآة ويرتب رابطة عنقه باهتمام شديدٍ رغبة في الظهور بكامل أناقته واقتناص كل اللحظات اللطيفة التي تبعث الدفء على قلبه هذا اليوم دون التفكير فيما يعكر صفو مزاجه. التفت “عُمر” بعينيه إلى الأخير ثم قال بابتسامة ودودة:
"أنا النهاردة أقدر أقول إني كسبت أخ وصديق بدرجة إنسان."
أسرع “كاسب” بالاقتراب منه ثم ضم رأسه إليه في ودٍ كبيرٍ ليطقطق كلاهما على ظهر الأخير في دعمٍ وترابط. تذكر “عُمر” أن عمه ينتظره في السيارة خارج القصر فتابع بهمَّة وحسمٍ:
"لازم اتحرك مش عايز أتأخر على عمي أكتر من كدا!"
أومأ “كاسب” موافقًا إياه الرأي، أدار الكرسي بإحكام ثم قاده أمامه بسرعة إلى أن عاونه على دخول السيارة ثم التقط المقعد وقام بجمعه ثم وضعه بحقيبة السيارة الخلفية. لوَّح “كاسب” بكفه مودعًا إياه ثم غادرت السيارة على الفور. في هذه اللحظة تنهد تنهيدة ممدودة بعُمقٍ بعد أن تذكر اتصالها به ورغبتها في الالتقاء به بشكل عاجلٍ، أدار رأسه يمينًا ويسارًا قبل أن يحسم أمره للذهاب إليها وقبل أن يتحرك ارتفع بصره نحو نافذتها فتفاجأ بظهورها أمام النافذة. تنحنح بهدوءٍ قبل أن يبتسم لها ابتسامة بسيطة فلوَّحت له بكفها في امتنانٍ على اعتنائه بشقيقها. غادر بسرعة من أمام ناظريها فزوت ما بين عينيها في فضولٍ حول وجهته الذاهب إليها.
***
انتفخ شدقها بمللٍ وهي تسير داخل الغرفة ذهابًا وإيابًا تطالعه بعينين حانقتين فمنذ أن عاد من عمله وتناول الغداء وهو يغط في سُبات عميقٍ على الأريكة غير مُبالٍ بضجرها الشديد من سكون الأجواء خاصة بعد ذهاب الشيخ “سليمان” برفقة “عمُر” لطلب يدٍ الفتاة التي يحبها وذهاب “مُهرة” ووالدتها إلى بيتهما لأخذ قسطًا من الراحة بعد يومٍ عملٍ شاقٍ.
تحركت بخفة نحو النافذة فنظرت من خلالها ولم ترى سوى السكون والخواء يختلط بصوت نبيب الماعز ونقنقة الدجاج.. كانت المزرعة خاليةً تمامًا حتى البواب يغط في سُبات عميقٍ على كرسيه بجوار الباب أثناء جلوسه. تنهدت تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن تتوجه إليه بنظراتها من جديد وهي تستبين الوقت من خلال ساعة يدها فكان باكرًا جدًا على هذا الخواء!
سارت إليه حاسمة تخطو خطوات وئيدة متريثة إلى أن جلست على ركبتيها أمام الأريكة التي ينام عليها مقررةً أن توقظه كي يؤنسها في وحشة هذا الليل المريب الساكن.
سرحت أناملها بتريث على ذراعه وكتفه وهي تهمس بصوت خافتٍ بالقرب من أذنه:
"تليد!"
تطلعت إلى ملامحه الساكنة لأول مرة بفضولٍ غريبٍ ودقيقٍ؛ فأمعنت النظر في كل تفصيلة به وكأنها تتعرف على ملامحه للمرة الأولى حتى بدا الإعجاب جليًا في ملامحها وهي ترى ملامح رجولية شرقية يطغى عليها الحدة مع القليل من اللين. ملامحه صغيرة ودقيقة جدًا، الخشونة والصرامة تنبعثان بقوة من لِحيته الثقيلة المشذبة كالحة السواد وحاجبيه الحادين وصلات شعره الناعمة العائدة للخلف والتي لا تقل ظُلمة عن لِحيته.
لا يمكنها إنكار شدة إعجابها بوسامته التي تطغى عليه حتى في خصامهما ولكنها المرة الأولى التي تدقق هكذا عن قُرب دون مسافات، وما نتج عن هذه الدقة لا يُحمد عقباه، تُسحر وتهيم في هذه اللحظة مما جعلها تنتشل وعيها قبل أن يتمكن منها سحره. لم تكُن تجد طريق الخروج لهذه النظرات الهائمة به فبدأت تمرر أصابعها على قسمات وجهه بهدوءٍ وحِرصٍ، تستشعر ملمس بشرته وكذلك أنفه المزموم بشموخه المعتاد حتى في نومه. لم تشعر بنفسها إلا وهي تبتسم بعينين شاردتين في تفاصيله ولكنها سرعان ما أبعدت أناملها وأدركت أنها توشك أن تغرق في محيطه ومَنْ يُنقذها وقتها؟ فالمُنقذ هو نفسه البحر.
ابتلعت ريقها على مضضٍ ثم همست مرة ثانية متبرمةً:
"تليد.. اصحى أنا زهقانة؟!"
أهدابه الطويلة الناعمة لا تتحرك البتة وعيناه ساكنتان تمامًا، قررت أن ترفع نبرتها قليلًا وبدأت تهز كتفه وهي تقول بصوت مخنوقٍ:
"تليييييييد!"
لا إجابة أيضًا، زوت ما بين عينيها في حيرة وشعرت بأنه ربما يتجاهل ندائها وإن كان لا فهذا يعني أن نومه ثقيلًا جدًا. لمعت عيناها ببريق مشاكس وهي تُقرب سبابتها صوب أذنه ثم تغرسه داخل فتحة الأذن بقوة لإثارة حنقه وايقاظه بهذه الحركة المُزعجة ولكنه لم يحرك ساكنًا فارتابت على إثر ذلك وبدأت أنفاسها تعلو وتهبط في فزعٍ وهي تنبج قليلًا بصوتها وكفيها تلقائيًا يهزان جسده:
"تليد.. إنتَ ما بتردش ليه؟!"
شعر بها منذ نداءها الأول ولكنه رغب في استفزازها والعبث معها ولكنه شعر بأنه أثقل في مزاحه حينما وصله ذعرها فبدأ يفتح أهدابه ببطء وهو يقول بصوتٍ خشنٍ ناعسٍ:
"وَميض؟ في حاجة ولا أيه؟?"
تنفست الصعداء ما أن فتح عينيه فالتوى شدقها أيضًا وهي تردد بتبرمٍ:
"كل دا مش سامعني؟ أنا افتكرتك مُت!"
تليد وما زال متسطحًا على جنبه الأيمن مدثرًا أسفل البطانية ينظر إليها بهدوء ويقول:
"طيب واتفزعتي ليه؟! دي حاجة هتفرحك طبعًا وأهو تخلصي مني."
التوى شدقها حنقًا وأردفت:
"ليه هو إنتَ عدوي؟! وبعدين نومك تقيل أوي، أنا بقالي ساعة هنا بقول يا تليد!!"
افتر ثغره عن ابتسامة عبثية وأجابها مُتلذذًا بتوترها حالما تسمع إجابته:
"أنا صاحي من أول “تليد” اتقالت."
حدقت فيه بعينين متسعتين يكسوهما الصدمة وبنبرة متلعثمة سألت بتوجسٍ:
"أول واحدة أول واحدة؟؟؟ أول تليد اتقالت؟"
أومأ بمكرٍ فتخضبت وِجنتاها خجلًا وأسرعت بإشاحة وجهها عنه لتفادي نظراته المترصدة بها في استمتاعٍ لتسأل من جديد متوجسةً خيفة أن يكون قد شعر بالترهات التي فعلتها أثناء تأملها له:
"يعني إنتَ كُنت حاسس بكُل حاجة من البداية خالص وعامل نفسك نايم؟!"
تليد بضحكة ماكرة:
"من أول ما بدأتي تحطي صوباعك في ودني."
نكست وجهها بالأرض خجلًا وكتمت ضحكة كادت أن تنفجر من بين شفتيها بينما تابع هو متعمدًا إثارة استحياءها ورؤية حُسن وِجنتيها الحمراوين اليافعين وعينيها اللاتي تزيغان هربًا منه:
"بس إنتِ كُنتِ بتعملي أيه في مناخيري صحيح؟! لو عجبتك والله ما تغلى عليكِ!!"
حدقت بالأرض مصدومةً، حتى هذه كان واعيًا بها فأسرعت بالاستدارة فورًا وإعطاء ظهرها له قبل أن تتأهب للوقوف هربًا من الغرفة بأكملها وقبل أن تنفذ خطتها وجدت قبضته تلتقف ذراعها قائلًا بابتسامة عريضة:
"خلاص تعالي متتكسفيش، أنا زيّ جوزك."
حاولت التملص من قبضته دون النظر للوراء ولكنها فجأة وجدت نفسها تُسحب عنوة للخلف باستخدام قبضتيه القابضتين على كلا ذراعيها لتجد ظهرها ملتصقًا في النهاية بصدره حينما أبعد الغطاء عن جذعه العلوي ومال يجرها إليه. اقشعر جسدها وسرت به رجفة خفيفة وهي تجد سخونة أنفاسه تتصاعد على عنقها من الخلف فتسمرت كالجماد في مكانها وبدت كنعامة مرتابة حيث رفعت كتفيها قليلًا ودفنت عنقها بهما من شدة الخجل وبنبرة متلعثمة تكلمت:
"أنا مش مكسوفة.. أنا رايحة أنام!"
"-في حبة برتقانة حلوة كدا ومؤدبة تنام بعيد عن حُضن جوزها؟!"
لا تجرؤ على الاستدارة والنظر داخل عينيه ففعل هو حينما نزل بقبضتيه قابضًا بإحكام على خصرها بينما سعت في محاولات بائسة على الفرار منه ولم تكُن تتوقع أن يرفعها بسهولة هكذا وهو محاصرًا لوسطها كهرة وديعة حتى وضعها على صدره المسطح على الأريكة لتتلاقي عيناها بخاصته مُرغمةً فتقرأ في حدقتيه التسلية والاستمتاع ثم لم يلبث أن استدار بها حتى الصقها متسطحة بظهر الأريكة بينما بقى هو على طرفها، كان عرض الأريكة صغير جدًا بالكاد يستوعب عضلاته المفتولة ولكنه احتجزها بين الأريكة وصدره قسرًا ولم يكُن هناك مساحة تحميها من قربه، فلمست جبهته جبهتها والتهم نظراتها بنظراته التي فيها من الجرأة ما لا يليق بشيخ مثله متناسيةً أنها زوجته ولا بد أن يتحكم في كُل تصرف وخطوة تصدر منه باستثناء تصرفه بالقرب منها فليس مُجبرًا على التحكم في أي شيء بل عليه أن يترك لجام الأخلاق جنبًا ويمرح معها.
شعرت بحرارة تتوهج من جسدها بأكمله من شدة الخجل خاصة أن أنفه بات ملتصقًا بأنفها ونظراته لا تبرح عينيها فأغلقتها على الفور بقلبٍ يخفق بهياجٍ وخافت أن تصله خفقاتها فيُكشف أمرها. ارتسمت على محياه ابتسامة عريضة حينما أردفت بتلعثم وصوت متعثر لا يجد طريق خروجه:
"إنتَ حابسني كدا ليه؟ عيب كدا على فكرة!"
انبعج فمه لوهلة وأقسم أنها تمتلك حصة من البراءة ومثيلاتها من البلاهة أيضًا، ما العيبُ في مُداعبة الزوج لزوجه والتودد إليها ولكنه لم يلقَ بالًا لكلماتها وشرع يمرر قبضته على كتفها ثم ذراعها بلمسات راغبة فيها فارتجفت على إثر ذلك وهي تهمس بخفوتٍ خَجِل:
"تليد، قولت لك قبل كدا إني مش جاهزة!"
رفع كفه يلامس وِجنتها بينما إبهامه يداعب شفتيها المكتنزتين بحميمية وما أن وصله إحساسهما حتى زُلزل ملمسهما داخله لتضطرب وتيرة أنفاسه ويعلو صدره ويهبط بهياجٍ وهو يقول مُحطمًا من قُربها المُمتع:
"بحبــــــك!"
التقف كفها ووضعه على صدره كي يُشعرها بالفوضى التي أحدثتها مجرد لمسة من شفتيها وهو يتابع باشتياقٍ جارفٍ:
"افيضِ عليَّ بقطرة واحدة.. صبرت على الأيام العِجاف ببُعدك وجه وقت ارتوائي.. آسف."
لم يُمهلها فرصة الرد فقد خارت قواه الذي عاش عمره كله يبنيها وانفرطت غريزته التي عقدها كمسبحة في يده انفراطًا ولم تعُد كلمات الصبر جميعها تُعزيه أو تمنحه السلوى ولا يُرضيه في هذه اللحظة إلا أن يرتشف من عِشقها بنهمٍ يعيد إليه اتزانه.
التقط شفتيها بخاصته على حين غُرة منها فيبست أطرافها واتسعت عيناها وهي تتعرف على شعور لم تكُن تعلم بوجوده على هذه الدنيا في الأساس، لم تردعه رجفة جسدها أو صدمتها من إخماد شوقه منها فكان يغرق في مذاق شفتيها غرقًا بينما تحاول هي ردعه فوضعت كفيها على صدره وبدأت تدفعه بعيدًا عنها بقوة واهية لم تستمر طويلًا أمام قوته حتى أنها محاصرة وفكرة الفرار شبه مُستحيلة. كانت قبضته تضغط على عنقها من الخلف للتمكن منها فلم تجد بُدًا من ضرب صدره بقبضتها المتكورة حينما شعرت أنها تجد صعوبة في التنفس بفعل شراسته المنسكبة على شفتيها، بالكاد استفاق من سُكره وأدرك أنه كاد يخنقها فأسرع بإبعاد شفتيه على الفور وأخذ صوت أنفاسه يعلو باضطراب وهي كذلك بدأ النفس يخرج ويدخل إلى صدرها مُضطربًا حتى استطاعت بعد لحظات أن تعتصر تنفسها الطبيعي المنتظم وتيرته.
زوت ما بين عينيها وعادت من جديد تضرب صدره بقبضتها وهي تقول بصوت متلعثم خافت بعد أن اشتد الألم بشفتيها:
"مفترس متوحش كُنت هموت منك!"
رفع أحد حاجبيه وهو يلتقف كفها بين قبضته ثم يميل على أذنها هامسًا بحُب عَبِقت به أنفاسه:
"قطرة تانية معلش؟"
اتسعت عيناها اتساعًا فأسرعت تدفن وجهها على صدره ثم صاحت تقول بغيظٍ:
"لااااااااااااا.. ومش مسامحاك على فكرة علشان أخدت مني حاجة أنا مش عايزة اديها لك."
انفرجت شفتيه بابتسامة عريضة ثم قال بأريحية كبيرة:
"ياااااه الواحد أخد باور (طاقة) فظيع بعد القطرة دي والله.. نسأل الله التساهيل والمطر ينزل."
صرخت وما زالت تختبيء في صدره:
"متحلمش بالمطر علشان هنا صحراء."
انطلقت ضحكة عالية من بين شفتيه من دلالها؛ لا يُزعجه طفولتها أو دلالها وسوف ينتظرها مهما كلفه الأمر من استنزاف لخِصلة الصبر عنده؛ سيكتفي بالقطرات حتى تأذن له هي بخوض مشاعر جديدة بينهما. مال قليلًا بوجهه حتى قبل شعرها بسعادة غامرة.
***
جلس على الأريكة واضعًا قدمًا فوق الأخرى ينتظر نزولها ومعرفة السبب الذي جعلها تلح عليه في الحضور رغم حرصها الدائم ألا تلتقي به حتى لا تكثر الشكوك حولهما أو تنكشف حقيقة “كاسب” الذي يعمل لصالح “نجلا زهران”. تنهد تنهيدة طويلة وما هي إلا ثوانٍ حتى وجدت الخادمة تأتي إليه بفنجان القهوة الذي طلبه قبل قليلٍ.. لحظات أخرى وسمع “كاسب” صوت طقطقة حذاءها بالأرض وسيرها بتريث وشموخ أثناء هبوطها للدرج حيث البهو الذي يجلس به الأخير.
"-أخدت بالك وإنتَ جاي؟!"
أردفت بهدوءٍ وهي تتجه صوبه، فأومأ وهو يتناول الفنجان ثم يرتشف القليل منه ويقول بتوجسٍ:
"متقلقيش."
استقرت على الكرسي المجاور له تضع ساقًا فوق الأخرى بعد أن التقطت سيجارة ووضعتها بين شفتيها. مالت بجسدها ناحيته قليلًا فالتقط القداحة الموجودة على الطاولة وأشعل السيجارة لها فسحبت نفسًا عميقًا داخلها ثم طردته على هيئة دخان متناثر من حولها بينما ألقى “كاسب” القداحة ثم تابع بحنقٍ:
"للمرة اللي مش عارف عددها بقول لك إن السجاير هتدمرك."
نجلا بضحكة ساخرة:
"لو لقيت فيا حاجة تدمرها من الأصل."
رفع أحد حاجبيه ثم سأل مستفسرًا في فضولٍ:
"أيه بقى الجديد اللي جبتيني لحد هنا علشانه؟؟؟"
طالعته بنظرات ثاقبة من طرف عينيها ثم تابعت بلهجة ثابتة:
"سكون."
قطب حاجبيه وردد باستغراب:
"مالها؟!"
بهدوء شديد دعست السيجارة داخل المنفضة ثم توجهت بجسدها كله ناحيته وشبكت كفيها معًا وهي تقول بحزمٍ:
"عايزة حقي من عثمان فيها!!"
اهتاجت ملامحه بامتعاضٍ كبيرٍ وقد استبد به الشك وهو يصيح مُنفعلًا:
"سكون مين اللي عايزة تاخدي حقك منها، إنتِ اتجننتي رسمي تقريبًا!"
رفعت أحد حاجبيها ثم تابعت بلهجة حادة:
"اللي هقوله دا هيكون في مصلحتك قبل مصلحتي، اوعى تكون فاكر إن عثمان السروجي بجلالة قدره لمَّا يعرف إنك بتحب بنته هيقدر دا وهيقول لكم بالرفاء والبنين!!!.. دا وقتها مش بعيد يقتلك وهيستخسر فيك الدفن كمان.. إنتَ لو فعلًا بتحب سكون يبقى لازم تسمع خطتي."
همَّ أن يصرخ بملامح كشرة مكفهرة إلا أنها أسكتته وهي تقول بثبات:
"محدش هيقرب لها غيرك.. إنتَ بس اللي هتنفذ."
انتفض قلبه ذُعرًا بعد أن وصله بوضوحٍ فحوى حديثها المنمق بكلمات متوارية، حدق فيها متسمرًا وهو يقول باستحقار:
"إنتِ عايزاني …."
قطعت حديثه وهي تقول بجبروت يتلهف للانتقام:
"تغتصبها."
سكتت لوهلة ثم تابعت بقوة وصلابة:
"ولو مش عايز تنفذ دا.. إنتَ حُر.. ينفذه حد تاني غيرك!!"
انتفض كالثور الهائج من مكانه لينقض بكفه ضاغطًا على عنقه ونظرات نارية من عينيه تخترق حدقتيها وبصوت أجشٍ يهدد:
"لو فكرتي تقربي منها هنسى العِشرة اللي ما بينا ومش هبقى عليكِ يا نجلا.. سكون لأ.. محدش هيكسرها طول ما أنا على وش الدنيا."
نجلا وهي تسترخي تمامًا على مقعدها دون أن تأبه بقبضته الملفوفة على عنقها فتقول ببرودٍ:
"أنا عايزة أكسره هو وأذله.. وبأكد لك إن محدش هيلمسها غيرك!!"
دفعت كتفه برفق فحرر عنقها وعاد جالسًا في مكانه لتتابع هي بحزمٍ:
"لو عملت دا هتبقى جبت لي حقي وسهلت طريق جوازك منها لأنك لو عيشت عمرك كله مش هتطول سكون ولا حتى في حلمك.. دي فرصتك الوحيدة.. يا تنتهزها يا تفوتها!!!"
نبش مقدمة رأسه بأنامله في تيه ومشاعر ترفض الانسياق وراء ما تقوله، كيف يفعل ذلك بمن أحبها وأحبته؟! وهل بعد أن يستبيح جسدها لنفسه ستقبل بالزواج منه؟!.. نظر إلى “نجلا” التي تتابعه بعينين ثاقبتين ثم هدر باختناقٍ:
"وإنتِ فاكرة لمَّا أعمل كدا هي هتفضل بتحبني وهتوافق تتجوزني؟!.. وقتها لو عثمان وافق مجبور أنا هكون خسرت سكون."
نجلا وهي تنفخ بحنقٍ ثم تقول:
"هتوافق لو الموضوع اتخطط له على اعتبار إنه لحظة عبثية بين حبيبين شربوا كتير ومكانوش في وعيهم!!"
كاسب وتو يهدر فيها باستنكارٍ:
"سكون ما بتشربش.. وبعدين شوفي حل غير دا.. نجلا إنتِ بدأتي تبقي مخيفة؟! الانتقام عاميكِ عن الصح والغلط!!"
هبت واقفةً في مكانها بملامح واجمة ثم أردفت بلهجة حادة:
"هتقوم بالمهمة ولا أكلف بيها غيرك!"
رفع بصره يطالعها بعينين ناريتين غلبهما الحيرة، أطبق أسنانه بقوة ولم يمنحها ردًا واضحًا لا بالقبول أو الرفض خاصةً حينما دخل “ماكسيم” الغرفة يحمل بين يديه مظروفًا كبيرًا وبنبرة ثابتة تابع:
"نتيجة التحاليل."
نظرت “نجلا” للمظروف بلا مُبالاة ثم أشارت بإصبعها نحو سلة المهملات وأردفت بحنقٍ:
"ارميه في الزبالة.. مالوش لازمة."
رفع “ماكسيم” أحد حاجبيه ثم تساءل بدهشة:
"مش هتفتحيه!!!"
تنهدت تنهيدة ممدودة بعُمقٍ وهي تتحرك صوبه ثم تلتقط المظروف منه وهي تقول بغيظٍ مكظومٍ:
"ما أنا عرفت النتيجة يا ماكسيم.. بنت ال*** جابت لنا عينة غير اللي طلبناها."
كانت تتحدث إليه وتشرع في فتح المظروف من باب إثبات كلامها له فقط. ألقت بالمظروف أرضًا ثم فتحت الورقة التي تفي بالنتيجة التي تخص عينتا الحمض النووي وإلى أي مدى تطابقان، أجرت قراءة سريعة وعابرة بعينيها حتى تابعت وهي تضع يدها على سطور النتيجة وقالت بتهكمٍ:
"هقرأ لك النتيجة بنفسي طالما مُصر يا سيـ….."
تعرضت بُغتة لصدمة كهربائية أفقدتها أعصابها تمامًا ولجمت لسانها عن الكلام وبقيت كالصنم تقرأ بعينيها السطور التي تفي بتطابق العينتين بنسبة كبيرة جدًا تصل إلى تسع وتسعين بالمائة!!!!!!!
رواية رحماء بينهم الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم علياء شعبان
رواية رحماء بينهم الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم علياء شعبان
رواية رحماء بينهم الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم علياء شعبان
أزاح الغطاء عنه، تدلى بجسد نشيطٍ يستعد ليومٍ ملئ بالأشغال والمُغامرات والكثير من الاعترافات حتى يرغب في بداية صفحة جديدة معها.
سوف يُخبرها كم يُحبها ويشتاق لحياة حقيقية وأُسرة تمنحها له في وِدٍ وتراضٍ.
فرك عينيه بإصبعيه ثم مسح على غُرة رأسه وهو يتحول ببصره إليها فيجدها تغرق في نومٍ طويلٍ وقد غطت جسدها كله ولا يظهر منه شيءٌ.
تنهد باستعداد وهمَّ واقفًا ثم سار باتجاه الحمام قبل أن يلتقط المنشفة المعلقة على المشجب ويضعها على كتفه.
قرر أن ينعم بحمامٍ دافئ يشجعه على قضاء يومٍ مُميزٍ طويلٍ بل ويمنحه راحة وطاقة تُعينه على الانتعاش.
أغلق باب الحمام واندمج لبعض الوقت يسترخي أسفل المياه الساخنة.
وما أن انتهى حتى جفف جسده جيدًا ثم لف المنشفة حول خصره وسار خارج الحمام يتجه إلى الدولاب وهو ينادي بصوت مُرتفعٍ بعض الشيء:
- وميض.. كسولة هانم.. في أمل تصحي ولا الساعة عشرة دي بالنسبة لك لسه الفجر؟!!
تجول بعينيه بين الملابس يحتار فيما سيختار لهذا اليوم إلى أن وقع الاختيار على سترة وسروال رياضيين باللون الرمادي.
فأسرع بالتقاطهم وهو يتوجه بناظريه إليها ثم يرفع أحد حاجبيه ويقول متذمرًا:
- هتصحي ولا نلغي الفُسحة ونعتبر الوعد لاغي!!
شرع في ارتداء ملابسه أولًا وما أن انتهى حتى اندفع نحوها ثم أسرع بإزاحة الغطاء عنها ولكنه لم يجدها؟
كانت تضع الوسادات عوضًا عنها، اندهش بشدة واستبد به القلق وبدأ يصيح وهو يهرول خارج الغرفة:
- وميض!!!
كانت نظراته تتحرك في الشقة بغير هوادة أو تروي، فاندفع بقلبٍ مُلتاعٍ نحو المطبخ وهو ينادي بقلقٍ رهيبٍ:
- وميض، إنتِ في المطبخ!!
وصل إليه فوجده فارغًا تمامًا ودون تفكير أسرع مهرولًا خارج الشقة كلها ثم بدأ يتحرك نحو المزرعة بغير اهتداء وأنفاسه تتهيج بارتعادٍ لا يعلم سببه.
سمع صوت أصوات صاخبة تأتي من حقل الفواكه فهرول إلى هناك لتُبصرها عيناه تقف في وسط الحقل وتبدأ في قطف الثمرات مع العمال بضحكة رنانة واستأنَس.
كان العامل يمسك القدر بين يديه بينما تقطف هي الثمرة من شجرتها ثم تضعها بالقدر فرحةً بجني العديد.
أخرج زفيرًا قويًا مُحملًا بكُل مشاعر الخوف الرهيبة التي احتلته.
خلل لحيته بأصابعه يهدي روعه ويستعيد توازنه الذي فقده في غيابها عنه لدقائق.
أخذ يراقبها بعينين هائمتين لا تملان النظر إليها وإن بقى هكذا ظهرًا كاملًا.
كانت ضحكتها تخترق أقاصي قلبه فيبتسم في انبهارٍ وكأنما لم تأتي الأرض بسواها.
كان ينظر إليها بعين عاشق يهيم في تفاصيلها وتُبهره كُل حركة منها؛ فبدت كقطعة شفق تلمع في الأُفقٍ أوردتها الشمسُ بعد أن غابت كي تُنبيء عن ليلٍ آتٍ يحمل بين طياته الأمل بصُبحٍ جديدٍ مُفعمٍ بالخيرات؛ فخير الدُنيا أجمع حُسر في ضحكتها.
بدأ يقترب نحو الحقل بالأخص إليها بقلب مفتونٍ في تلقائيتها وبساطتها.
وما أن أبصرته حتى صاحت بمرحٍ حقيقي:
- أُترُّچ!!
توسعت ابتسامته وهو يقف أمامها في هدوءٍ واضعًا كفيه داخل جيبي بنطاله ويقول:
- الله ينور.. طلعتي شاطرة أهو.. عجبك الأُترُّچ!!
تحرك نحو العامل ثم التقط القدر منه ليغادر الأخير بينما أجابت هي بابتسامة كبيرة:
- حلو أوي.
تليد وهو يرمي لها غمزة ساحرة ثم يقول بمداعبة:
- بس مش بحلاوتك.
أشاحت بوجهها نحو الشجر في خجلٍ ثم استمرت في قطف الحبات ليتابع هو بلا استسلام:
- دوقتي طعمه قبل كدا؟!
أومأت سلبًا فتابع بلهجة مستهجنة يغلفها المزاح:
- لأ لازم تدوقيه، مش بينكم اسم مُشترك ولا أيه؟؟، بصي أنا هحاول أوصف لك طعمه وأوجه الاختلاف بينكم.
سكت هنيهة ثم أضاف بمكرٍ:
- ركزي معايا.. أنا لسه قايل من شوية أوجه الشبه.. الاسم.. اسأليني بقى أيه أوجه الاختلاف ما أنا مش هفضل أكلم نفسي كتير؟!
التفتت إليه ثم سألت بخفوتٍ مرتبكٍ:
- أيه؟!
تليد بنبرة هامسة موحية:
- مُر بس إنتِ مسكرة.
ابتلعت ريقها من فرط الشعور بالخجل وألقت الحبات بسرعة داخل القدر ثم مطت شفتيها وهي تقول بامتعاضٍ وغيظٍ:
- إنتَ شيخ إنتَ!!.. يا مُتحرش.
أسرعت تبتعد عنه فانفلتت ضحكة خافتة من بين شفتيه ثم تابع قاصدًا اللعب على مداخلها التي تلين بها:
- كان في فُسحة النهاردة، على ما يبدو إنك اتقمصتي وصرفتي نظر عنها!!
التفتت إليه على الفور ثم رددت بخضوعٍ وتراجعٍ:
- لا مصرفتش نظر.. هنروح فين؟؟
سألته وهي تعود إليه من جديدٍ فابتسم قائلًا بمكرٍ:
- الملاهي.. بس في مُشكلة.
زوت ما بين عينيها وهي تسأل مُحبطةً:
- مشكلة أيه؟؟؟
تجهمت ملامحه في جدٍ عكس ما نطق به تمامًا:
- الملاهي عايزة تذكرة والتذكرة عايزة فلوس.
مطت شفتيها في استغرابٍ ثم تابعت:
- طيب ما إنتَ معاك الفلوس؟؟؟
أومأ يمينًا ويسارًا وهو يزم شفتيه ثم يقول بلهجة حازمة متأسفًا:
- للأسف الفلوس دي مش هتيجي غير بحاجة تانية.
سألت بفضولٍ رهيبٍ واستنكارٍ:
- حاجة تانية زيّ أيه؟!!
تليد وهو يعقد ذراعيه أمام صدره ثم يقول بلهجة ثابتة:
- قَطرة.. الفلوس والفُسح بيحتاجوا قطرات.. على الناشف كدا خسرانة يا شِق.
ضغطت فكيها معًا وبدأت تدبدب الأرض بقدميها في تذمرٍ بالغٍ وعيناها ترميه بنظرات ساخطة وبنبرة غاضبة قالت:
- مُستغل وفوق منها مُتحرش ولعلمك أنا مش عايزة منك ولا من فلوسك حاجة وبالنسبة للقطرات بتاعتك دي أنساها خالص وإلا والله العظيم لأروح لبابا.
تليد مستمتعًا باستفزازها وهو يقول بلهجة صارمة:
- هتقولي له أيه؟؟ جوزي عايز مني قطرة؟
لم تجد ما تجيبه به، فهرولت مُسرعةً من أمامه ومشاعر الغيظ تتملكها ساخطةً على مساومته لها، أسرعت تصعد الدرج إلى شقتها فتحرك خلفها وقبل أن تصفق الباب صدر “تليد” يده فمنع غلقه وترجل للداخل وهو يقول بلهجة أكثر لينًا لتطيب خاطرها:
- خلاص تعالي.. كُنت بهزر معاكِ.. متزعليش!.
كانت تتحرك بثورة نحو الغرفة فأوقفها بضغطة من قبضته على رسغها ثم تابع بحزمٍ:
- ما قولنا بهزر يا أم راس تخين إنتِ!
هدأت ثورتها قليلًا وطالعتهُ بملامح واجمة عالية فيما تابع هو بابتسامة بسيطة يسألها:
- أيه الحاجات اللي نفسك تعمليها ومُتأكدة إنِّي مش هنفذها لك؟؟
التوى شدقها وصاحت سخطًا:
- أيه النرجسية دي؟ ولمَّا أنتَ مش هتنفذها.. يفيد بأيه تسمعها؟؟
حاول تمالك أعصابه وهو يتدبر ابتسامة بسيطة ويتابع:
- مش يمكن أنفذها بس في إطار سليم ومُرضي!!
ارتخت ملامحها ثم عَبرت عما تود القيام به وتفتقده بشغفٍ:
- يعني مثلًا من ساعة ما اتجوزنا وإنتَ قافل عليا كُل الأبواب بتحكماتك.. لبسي مانعني ألبسه وجبت غيره من اختيارك.. وِسَام صاحبي ومنعتني أتواصل معاه كصديق.. نفسي ألبس اللي يعجبني زيّ زمان وأخرج وأشوف ناس بدل السجن دا!!
استحال لون وجهه لحُمرة تزداد نتيجة غضبه وبدأ يقول بصوت خشنٍ محتدٍ:
- إنتِ لسه متجاوزتيش فكرة إن مفيش وِسَام تاني من لحظة دخولي حياتك؟؟ يعني أيه ست تكون متجوزة ومصاحبة؟؟، الفكرة نفسها مقرفة جدًا دا غير إنها حرام!!
سكت هنيهة ثم أضاف:
- وبالنسبة لحجابك.. إنتِ بتسمي فوطة الحمام اللي كُنتِ بتلفيها على راسك دي حجاب؟؟ قُصة حسونة اللي خارجة منه ورقبتك اللي باينة للعلن كانوا أشيك طبعًا من حجاب مش مبين أي مفاتن فيكِ والموضوع طبعًا مضايقك.
وَميض وهي ترمقهُ بجمودٍ وتقول في اختناقٍ:
- بس أنا حاسة إني بعيدة عن كُل حاجة كُنت بحبها.
تليد وهو يتابع بملامح أكثر لينًا وهدوءً:
- بُعدك عن كل حاجة تغضب ربنا في حد ذاته مكسب ليكِ.. صدقيني.. وآسف وحقك عليا لو كُنت خايف عليكِ بزيادة.
شرع يقترب منها ثم طبع قُبلة ناعمة على جبينها وتابع بثبات:
- ويا ستي أوعدك بحياة مُختلفة وبداية جديدة، إنتِ بس اديني فُرصة!!!
توترت من تصريحه بالتنازل له وتقبله، فأردفت وهي تفرك كفيها مرتبكةً تحاول سحب طرف الحديث لمكانٍ آخر:
- طيب.. إحنا رايحين فين بقى؟؟؟
ابتسم في تفهم لخجلها وقال بثبات:
- ادخلي البسي وخليها مُفاجأة.
أومأت بملامح سعيدة إلى حدٍ ما واندفعت نحو الغرفة فوجدته يقول بتأكيد:
- لبس واسع.. ها؟؟؟
تنهدت وهي تومىء ثم ردت باستسلام:
- طيب.
دخلت الغرفة وبدأت تبحث في الدولاب عن شيءٍ ترتديه؛ فكل ما يوجد بداخله كان من اختياره هو ولا يروقها طبعًا؛ فتبدو أشياءً واسعاً للغاية لا تتناسب مع حجم جسدها ولكنها لا تجد طاقة لجداله.
التقت بغير اهتمامٍ جيبة باللون الأبيض ومعطفًا باللون الوردي الفاتح يصل إلى قدميها وغطاءَ رأس يجمع اللونين معًا.
ارتدتهم على عجلٍ راغبةً في الخروج من البيت والاستمتاع بيومٍ لطيفٍ ولكنها ما أن نظرت إلى هيئتها عبر المرآة حتى مطت شفتيها بامتعاضٍ فقد كان الملبسُ واسعًا للغاية مقارنةً بجسدها الضئيل ولكنه رغم ذلك لا يبدو مبعثرًا أو سيئًا بل لاق بها كثيرًا.
تحركت بضيقٍ خارج الغرفة ثم وقفت أمامه وهي تقول بسخطٍ:
- بُص على اختيارك.. حلو الوِسع دا ولا نوسع أكتر؟؟
تليد بابتسامة هادئة:
- لا كدا تمام.
وَميض تجيبه بحنقٍ:
- تمام أيه يا تليد.. دا أوڤر سايز أو أوڤر ويتيد يعني ينفع لواحدة حامل في التاسع!!
تليد وهو يومىء بصبرٍ ومثابرة لا يعلم من أين يأتي بهم معها:
- خلاص اقلعيه والبسي غيره ونحتفظ بيه ونبقى نلبسه عن قُريب إن شاء الله في التاسع.
حدقت فيه مصدومةً ثم تنحنحت وهي تستسلم فضلًا عن هذه المناوشات التي تُسفر عن كلمات موحية وقطرات!!!
- خلاص حلو خليني لابساه وأمري لله.
أصبحت على أتم الاستعداد للانطلاق معه؛ وصار جاهزًا هو الآخر بعدما ارتدى حذاء رياضي أبيض يتماشى مع ملبسه.
هما على المغادرة ولكن أوقفهما رنين هاتفها؛ تهللت أسارير وجهها وهي تقول بحماسٍ:
- بابا علَّام.
أسرعت بالإجابة في لهفة تقول:
- وحشتني.. وحشتني.. وحشتني.
أتاها صوت علَّام يخالجه نفس الاشتياق أو ربما يزيد عنها فقال بنبرة دافئة:
- حبيبة قلب أبوكِ.. كدا متتصليش غير لمَّا اتصل أنا؟؟
لم ترد إخباره بتحفظ “تليد” على هاتفها ومنعها من استخدامه فتجاوزت ضيقها من الأمر وهي تقول بنبرة متأثرة تشي بمقدارٍ اشتياقها له:
- أصل دا موسم حصاد الخُضار والفاكهة وأنا بحب أساعد مع العمال واتعلمت جني المحاصيل وبقيت شاطرة ووعد والله في أقرب فرصة هاجي أقضي معاك يوم كامل.
سمعت صوت غمغمة بالقرب منه ففهمت رغبة والدتها في التحدث معها، بينما قال هو بصوت متفهم هاديء:
- في انتظارك دايمًا.
التقطت “سهير” الهاتف منه ثم تابعت بعتابٍ شديدٍ غير مُبالية بنظرات زوجها المُحذرة لها:
- كدا يا وَميض تتجوزي وتنسينا أنا وأبوكِ؟؟ ولا علشان محناش أهلك الحقيقيين؟؟ بتستعلي علينا يا بنتي؟؟ صحيح أنا مش أمك الحقيقية ولا هو أبوكِ الحقيقي بس إحنا عيشنا عُمرنا كُله ليكِ.
أصاب قلبها غِصَّة وتابعت باستنكارٍ ترفض تفكيرها بهذه الطريقة:
- يا أمي مفيش حاجة حقيقية من الكلام دا، صدقيني أنا بس كُنت مشغولة شوية، حتى أنا كُنت ناوي أجي لكم النهاردة وفاجأكم.
شعر “تليد” باستيائها وغِلظة حديث تلك المرأة مع زوجته لجعلها تشعر بتأنيب الضمير والإحساس بالتقصير، فأشار لها بكفه أن توجز؛ فأومأت له لتجيبها الأخيرة بلهجة ثابتة:
- ماشي يا وَميض، تيجي بالسلامة وإن شاء الله هستناكِ.
أغلقت المكالمة في الحال ثم نظرت إليه باستجداء وعينان تلمعان من تجمع الدموع فيهما:
- خلينا نروح عندهم النهاردة ومش لازم نخرج!!
أومأ “تليد” موافقًا ولكنه أضاف بعض التعديلات على رأيها:
- إحنا هنروح لهم ولكن بعد الفُسحة، اوعدك.
تدبرت ابتسامة بسيطة لم تُخفي وجوم ملامحها الحزينة، أرادت أن تنعم بيومٍ سعيدٍ ولكن كلمات “سهير” ستكون ما يقض متعتها بهذا اليوم.
عمَّ الصمتُ المائدةً، لا يُسمع غير صوت تصادم المعالق بالأطباق فقط.
كانت عينا “نبيلة” تنتقل بينهم في ترقُب وتوجسٍ خاصةً بعد أن عرفت عن ذهاب “عُمر” برفقة عمه لطلب الفتاة للزواج وكيف استبعد والده عن الصورة ولم يهتم بوجوده في مثل هذا اليوم.
كانت ترى أن يصر “عُمر” على أبيه كثيرًا ويجتهد في إقناعه بدلًا من الاستسلام وتفضيل عمه الذي يعرف جيدًا كراهية أبيه والعداوة التي يكنها للأخير وبهذا التصرف سيتأجج الغضب ومشاعر العدوانية تجاهه أكثر من قبل.
طلبت منه كثيرًا بألا يُخبر والده بالأمر وأن يقنعه مجددًا ويصحبه معه إلى زيارة بديلة متناسيين ما تمت لإعطائه حق الأبوة فيه إلا أن الأخير رفض عِنادًا حينما ساومه أبيه على تخليه عن الفتاة التي صاغ له الوعود وهيأها للزواج في مقابل منحه المال والرفاهية.
رأى “عُمر” تبجُح أبيه واستسهال ترك فتاة ألقت أحلامها وآمالها كافة بين كفيه ليس ليتحكم فيهما كيف يشاء ولكن لإضافة الصِدق إليهما وتحقيقهما، رأى تجبُرًا واستخفافًا منه بمشاعرٍ امرأة لا تملُك سوى قلبها تهديه إياه أملًا في ترميمه ودب الحياة داخله لا لهدمه وإزالة أنقاضه فيُصبح لا وجود له ولا أثر.
احتدت نظرات “نبيلة” نحو ابنها تحذره مما يوشك أن يفعله ولكنه تعمد تجاهل تحذيراتها وقرر أن يرمي الخوف من أبيه عرض الحائط ويدافع عما يؤمن به وما يريد.
- بابا!!
نطق بها “عُمر” في ثبات، بينما ضغطت “سكون” على كفه من أسفل الطاولة تترجاه ألا يفعل بقلب متوجسٍ يخشى عليه الأهوال، إلا أنه سحب كفه وهو يقول بلهجة حازمة ما أن نحا “عثمان” نظراته إليه:
- أنا روحت اتقدمت رسمي لرويدا النهاردة وقرينا الفاتحة.
احتدت نظرات عينيه ببوادر نار تستعر ثم ترك الملعقة من يده وصاح بصوت جهوري شديدٍ:
- نعم يا خويا؟؟ وقريت الفاتحة كمان؟؟؟ وأبوها النطع دا وافق يستقبلك من غير أهلك؟ عنده حتة لحمة رخيصة عايز يرميها لأي حد والسلام!!.
اشتد شراسة عيني “عُمر” الذي ثار غضبًا لذكره إياها بكلمات دونية منحطة لا تليق بقدرها وبصوت أجشٍ رد عليه:
- اتكلم عن خطيبتي كويس بعد إذنك، خلي سيرتها بعيد عن خلافاتنا!!
أراد أن ينتقم لتعديه على ذاتها بالسوء؛ فاستكمل بلهجة صارمة:
- وعلى فكرة بقى أنا مكنتش لوحدي، عمي سليمان كان في ضهري ومعايا.
كمن ألقى بنزينًا على حفرة تشتعل بالجمر فتزداد لهيبًا، حدق ناظرًا إليه بعينين مُشتعلتين ثم تابع بغيظٍ واضحٍ يسيطر عليها ملامحه:
- عمك سليمان؟؟ أخدته معاك يخطب لك من غير علمي؟؟ وكأن ملكش أب.
عُمر بثورة واحتجاجٍ:
- ليا أب ولكن عُنصري ومُتسلط وشايف نفسه هو اللي صح بس، بيتحكم في أحلامنا وبياخد لنا القرارات ومين يدخل حياتنا ومين يخرج منها، إنتَ ليه مش قادر تفهم إني كبرت وبقيت راجل قادر على اتخاذ قراراتي بنفسي ومسؤول مسؤولية كاملة عن اختيار شريكة حياتي!!
هبَّ “عثمان” واقفًا في مكانه بعد أن ثار ثائرهُ وأعمى الغضب عينيه ليضع كفيه أسفل الطاولة الكبيرة ثم يدفعها بقوة ضارية جعلتها تنقلب رغم ثقلها ليطير كل شيء من عليها ونعم الفوضى المكان ثم هدر بوجه مُلتهب من شدة الغضب:
- طول ما أنتَ بتاكل وتشرب من خيري وبتصرف من فلوسي يبقى من حقي أتحكم فيك غصب عنك، لو مش عايزني أتحكم فيك.. قوم.. قوم ياض واقف على رجلك واشتغل واصرف على الرخيصة بتاعتك؟؟؟
انتفض كالثورٍ الهائجٍ يهجم على ابنه الذي لا يملك أدوات للدفاع عن نفسه سوى لسانه، صرخ “عُمر” فيه بهياجٍ:
- مفيش أرخص من نظرتك للبني آدم.. متتكلمش عنها.. مش هعمل حساب لأنك أبويا في المرة الجاية اللي هتفكر تمس سمعتها برخص كلامك.
أسرعت “سكون” تصرخ بقلبٍ مكلومٍ حينما وجدت قبضتي والدها تطبق على ياقة شقيقها، قامت بالقبض على ذراعي والدها ثم أردفت باكيةً في توسلٍ:
- علشان خاطري يا بابا سيبه.. علشان خاطري يا عُمر.. اسكت!!
نبج “عثمان” عاليًا بصوت يشبه فحيح الأفعى في غضبها:
- أنا كلامي رخيص يا عاجز ياللي مفيش منك فايدة؟؟
ترك ياقته ثم قبض على عنقه وراح يضغط عليه بغضب أعماه تمامًا بينما تسارع أنفاس كلًا من “سكون” و “نبيلة” التي صرخت صراخًا مدويًا وهي تجده يخنقه بقوة، أخذت “سكون” تصرخ باكيةً في انهيارٍ وهي تدفع والدها بكلا ذراعيها بعيدًا عن شقيقها وبصوت منهار تصرخ:
- سيبه.. ابعد عنه بقى!!!!
لم تكفي قوتها لإبعاده فظلت تبكي وما زالت تحاول إبعاده لتصرخ “نبيلة” بصوت مكلومٍ:
- سيبه بقى يا عثمان هيموت في ايدك؟؟؟
لم تشعر “سكون” بنفسها إلا وهي تضرب صدر والدها الذي غاب عن الوعي تمامًا وساقه شيطانه إلى الشروع في قتل ابنه فغضب أكثر من ردعها له فقام بدفعها بكُل ما أوتي من قوة حتى سقطت على الأرض وارتطم جرحها الحديث بقوة جعلتها تصرخ متأوهًا في ألمٍ اكتسح كُل ذرة بها.
كانت لحظة دفعها هي أول شيءٌ رآهُ “كاسب” الذي حدق مصدومًا مما يحدث ولكنه سرعان ما انتشل نفسه من وقع الصدمة عليه وهرول بجنونٍ وانتقامٍ رغبه بشدة ثم قبض على ياقة “عثمان” من الخلف وراح يسحبه للخلف لإجباره على ترك الأخير الذي جحظت عيناه وأوشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، ضاقت ملابس “عثمان” على عنقه نتيجة شَدة “كاسب” القوية له؛ فبدأ يُرخي ذراعه عن عُمر والتوجه إلى تحرير ملابسه من بين قبضة “كاسب” الذي تمسك بقوة ورغب بشدة في خنقه والتخلص منه.
أخذ “عُمر” يلتقط أنفاسه في صعوبة شديدة وهو يضع كفيه على عنقه وعيناه تتابعان ما يدور أمامه في دوار، أطبق “كاسب” أنيابه بقوة ليترك ياقته بينما التفت “عثمان” إليه وما أن رآهُ أخيرًا حتى صاح بلهجة نارية:
- وديني لأقتلك.
انقض عليه فمنحه لكمة مشتتة نتيجة ما تعرض له من اختناق قبل قليلٍ بينما كال عليه “كاسب” بلكمات ضارية من قبضته؛ فكان يرتد للخلف بغير اتزان بينما يصيح “كاسب” مُنفعلًا في ثورة:
- تعالى نشوف مين اللي هيقتل التاني يا عثمان الكلب.. فاكر نفسك محدش يقدر عليك؟ أو يقف في وشك؟؟
كانت لكماته تشتد وتتوجه إلى وجه “عثمان” مع كُل كلمة يقولها، ابتلعت “سكون” غِصَّة مريرة في حلقها وهي تصرخ ببكاء متهدجٍ:
- كاسب.. إنتَ اتجننت؟؟؟
خارت قوى “عثمان” تمامًا فسقط أرضًا متسطحًا على ظهره ولم يفق بعد من صدمة هجوم “كاسب” عليه والذي فقد صوابه تمامًا لينقض عليه بالأرض ثم يصرخ محتدًا بالغضب:
- اقتلني يلا لو راجل ولا قوتك دي بتمارسها على النسوان بس؟؟
استندت “سكون” على ساعدها ثم تحاملت على نفسها إلى أن وقفت ثم هرولت إليه وصرخت فيه باختناقٍ:
- ابعد عنه يا مُتخلف إنتَ.. ابعد وإلا هطلب لك البوليس؟؟ سامعني يا كاسب؟؟
نحا بنظراته النارية إليها ومازال مطبقًا على عنق “عثمان” الذي يحاول التملص منه بجُهدٍ ضئيلٍ من أثر الضرب ثم قال بلهجة صارمة:
- هسيبه لمَّا يقول لي فين حق نجلا وغيرها؟؟
حاولت دفعه دون جدوى؛ فبدأت تلتفت حولها تبحث سريعًا عن حلٍ ينقذ والدها من بين براثنه فهرولت مُسرعةً تصعد الدرج وما هي إلا ثوانٍ حتى عادت من جديدٍ وهي تضع مسدس والدها في كفه وتصوبه باتجاه رأس “كاسب” ثم تصرخ بلهجة مُحذرةً:
- ابعد عنه وإلا هقتلك!!
انفلتت ضحكة مُتهكمة من بين شفتيه وهو يطالعها بنظرات مستخفة جعلتها تصرخ أعلى وهي تقول بغضبٍ:
- صدقني لو اضطريت هقتلك يا كاسب، متجبرنيش أعمل دا وامشي من هنا!!
أومأ يمينًا ويسارًا يرفض مفاوضتها؛ فقبض بكف واحد على عنق والدها وبالذراع الآخر فرده على آخره يفتح صدره لها ثم يقول بصوت خشنٍ محتدٍ:
- يلا اقتليني قبل ما اقتله!!
كان تشهير سلاحها في وجهه من باب تهديده كي يتراجع إلا أنه لم يأبه بتوجيه فوهة السلاح نحوه ولم يرتعب مُطلقًا بينما هي لا تقوى على إيذائه أو إنهاء حياته وهو الذي سحبها بإصرارٍ من حافة الموت؛ فكيف تزهق أنفاسه وكان هو لاستمرار أنفاسها بالحياة سببًا حتى قلبها لا يقوى على فراقه أو إيلامه، ارتخت ذراعها بفقدان أمل فشرعت تبكي بمرارة وهي تقول متوسلة:
- علشان خاطري سيبه وامشي يا كاسب، كفاية وجع بقى أنا مش مستحملة!!
تجمعت الدموع في عينيه وبدأ يستعيد وعيه المسجون في غضبه، أرخى قبضته عن عنق “عثمان” ثم قرر الانسحاب قبل أن يختل عقله ويضطر لقتله ثم يخسرها، نهض على الفور في مكانه ثم رماها بنظرة طويلة قبل أن يتحرك نحو باب القصر.
وقفت تطالعه بقلبٍ مكلومٍ قبل أن تجد يد والدها على حين غُرة منها تلتقط المسدس ثم تصوبه إلى الأخير عازمًا على الغدر به وقبل أن يطلق النار أسرعت بالوقوف أمامه وحجب رؤيته لكاسب وهي تقول بلهجة صارمة:
- اوعى!
وقفت حائلًا أمام والدها دون النيل منه وما أن تأكدت من ذهابه حتى هرولت مسرعةً إلى أخيها تطمئن عليه بقلب يخشى انتكاسه، ربتت على ظهره وعنقه في حُنوٍ ثم قادته إلى غرفته كي تهدأ فرائصه ويستعيد اتزانه وما أن يطمأن قلبها بشأن أخيها حتى تتصل على “كاسب” للالتقاء وإجراء حديث قاسي معه.
- أمي أنا جعان أوي؟!
حدثها الصغير بدموعٍ تترقرق في عينيه بعد أن قرص الجوع معدته، كانت جاثيةً على ركبتيها وفي يدها قطعة من الخيش تمسح بها الأرضية، فتوقفت لوهلة ثم منحته اهتمامًا وقالت بعينين دامعتين وصوت مخنوقٍ:
- هخلص أهو وناخد فلوس ونروح نجيب أكل على طول ونشبع بطنك إنتَ وأختك.
قامت بالتقاط كفه البارد ثم قبلته وهي تقول بحُزنٍ بليغٍ:
- أنا آسفة، حقك عليا والله.. حقك على راسي.
قبلت كفه قُبلة أُخرى سريعة قبل أن تنكب على عملها مرة أخرى وهي توصيه ببعض اللين:
- يلا روح اقعد جنب أختك وخلي بالك منها.
أومأ الصغير بإدراك رجل كبير هرول إلى شقيقته الرضيعة وجلس للاعتناء بها بحُب حتى تنتهي والدته وهنا قال بسعادة غامرة يتحدث إلى شقيقته:
- أمي قربت تخلص وهناخد فلوس ونجيب بيها أكل.
طفقت تنهي عملها ببيت سيدة ترجتها “نجلا” أن تعمل لديها لكسب قوت يومها وأولادها، كانت السيدة توبخها بين الحين والآخر وتقذفها بكلمات سامة ليست فيها ولكنه تبتلع الإهانة في صمتٍ من أجل أبنائها، أنهت عمله ثم ارتدت عباءتها بسرعة قبل أن يشتد الجوع عليهم أكثر خاصةً أن الطفلة بدأت تبكي وتأن من شدة الجوع وللأسف لا يمكنها أن تُرضعها من خلال صدرها فقد جف حليبها من أثر الحُزن والمُعاناة النفسية التي تُذيب جسدها وتنحله؛ فكان لا بد أن تشتري الحليب المجفف لسد جوعها.
أسرعت تحمل الصغيرة ثم أمسكت بكف الولد وسارت إلى البهو تنتظر قدوم السيدة بأُجرتها التي طلبت أن تحصل عليها يوميًا لكفاء أطفالها، جاءت السيدة ثم مدت ذراعه بالمال فالتقطت منها “نجلا” بسعادة إلى أن هذه السعادة لم تدم حينما نظرت إليهم ووجدتهم أقل بكثير من جُهدها المبذول حتى أنها بخسته تمامًا، رفعت “نجلا” بصرها نحو السيدة وقالت ببعض الضيق:
- بس دا قُليل أوي يا هانم؟؟؟
رمقتها الأخيرة شزرًا قبل أن ترد مستنكرةً:
- احمدي ربنا إني قبلت أدخلك بيتي رغم سُمعتك وارضي بالمقسوم!!
تجهم وجهها في حُزنٍ وردت في انزعاجٍ:
- مالها سُمعتي؟؟ ليه محدش منكم عايز يصدق إني مظلومة؟؟ دا أنا حتى ست زيَّك؟ يعني المفروض تحسي بيا؟؟ عملت أيه علشان تدبحوني بكلامكم؟؟ شوفتوا أيه مني؟ إنتوا ليه زبالة ومؤذيين؟؟؟
رمقتها السيدة بنظرة مُحتدةً ثم دفعتها بقوة تحثها على الخروج من بيتها وهي تقول بانفعالٍ:
- اطلعي برا يلا هي ناقصة قرف؟؟
خرجت آهة مكتومة من فمها حينما استشعرت ألمًا شديدًا داهم أسفل بطنها المُنتفخ ثم قبضت على كف ابنها وخرجت على الفور وهي تصرخ بقلبٍ مكلومٍ:
- حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا ينتقم منكم دنيا وآخرة.
التقطها “ماكسيم” فورًا قبل أن تغرق في ماضيها المؤلم الذي تمنحه كُل التفكير هذه الأيام وكاد أن يتمكن منها وينكسها، اندفع مُسرعًا إليها ثم طرح الزجاجة التي تمسكها أرضًا بضربة من كفه وبنبرة ساخطة صاح:
- كفاية بقى اللي إنتِ بتعمليه في نفسك دا ، فوقي يا نجلا.. فووووووقي.
بدأ يضرب وِجنتها ضربة تتأرجح بين اللين والشدة يحثها على الاستفاقة قبل أن تتدمر تمامًا، نظر من حوله فأدرك الفوضى التي تعم المكان ومقدار قَنانِي الخمر التي جرعتهم خلال يومين وبسهولة تأكد من حصرهم، اندفع غاضبًا يجمعهم ثم يضعهم داخل كيسٍ بلاستيكي ليجدها تقول بصوت مبحوحٍ:
- مكنش عندي أمل إني ألاقيهم أبدًا!
توقف عما يفعل ثم استدار لها كُليًا يعيرها اهتمامًا بالغًا ثم يقول بصوت متحشرجٍ حزينٍ:
- نجلا علشان خاطري فوقي لنفسك واقوي وخدي حقك، القرف اللي بتشربيه دا مش هيرجع لك عيالك ولا حقك؟؟ إنتِ كدا بتستسلمي بدري!!
سكت هنيهة إلى أن اقترب منها ثم قبض على كتفيها يهزهما بقوة ويقول:
- إنتِ المفروض تفرحي إنك لقيتي بنتك اللي بتدوري عليها؟؟
نجلا بضحكة مقهورة تردد:
- مش دي اللي كُنت بدور عليها.. دي أنا كُنت فاكرة إني خسرتها من زمان.. بس بالصُدفة لقيتها.
زوى ما بين عينيه يجهل ما تقول؛ فتابعت بدموعٍ تنهمر بلا هوادة:
- اللي لقيتها دي خدت قلبي وأمومتي معاها هي وأخوها.. ضعفي إني أنقذهم من الموت والجوع خيل لي إن الموت ليهم راحة.. خلعوا قلبي وأنا برتكب في حقهم أكبر ذنب.
حاول جمع خيوط عباراتها المُشتتة ثم حدق وهو ينظر بالقرب من عينيها:
- يعني وَميض مش بنت عثمان؟؟؟
أومأت تؤكد ظنه وهي تقول بقلبٍ مخلوعٍ:
- مش بنته.. ضنايا أنا.
انتصب “ماكسيم” واقفًا ثم تابع في صدمة يقول:
- معنى كلامك إن ليكِ بنت تانية من عثمان وعلى الأغلب هي….
قاطعته تقول بإنهاكٍ وهي تمحي عَبراتها بظاهر كفها:
- سكون.
في هذه اللحظة سمعت صوت صراخ “كاسب” ينبعث من الطابق الأول ويبدو أنه يتحدث إلى شخص ما ولهيب نبرته قد أرعبهما، تحاملت على نفسها كي تنهض فعاونها “ماكسيم” على ذلك وهما يتحركان خارج الغرفة بينما صرخ “كاسب” مُجددًا وهو يتحدث إليها عبر الهاتف:
- إنتِ عايزة أيه يا سكون؟؟ لو على الحساب فأبوكِ لوحده اللي لازم يتحاسب.
جاءه صوتها ساخطًا وهي تطلب منه الالتقاء به ومعرفة مكانه فقرر أن تكون هذه لحظة مواجهتها بقذارة والدها فأردف بصوت أجشٍ:
- إنتِ لسه مُصرة!!!
وجدها تلح عليه في غيظٍ فأعطاها العنوان وانتظر أن تأتي وترى تحالفه القوي مع عدوة والده، تمكنت “نجلا” من فهم ما يجري؛ فتابعت وهي تترنح على الدرج بينما يحاوطها “كاسب” بذراعيه كيلا تسقط:
- قررت تواجهها بحقيقتك؟؟ مش خايف لمَّا تعرف إنك من رجالتي تكرهك؟؟؟
كاسب وهو يصول ويجول في البهو ثم يقول بلهجة حادة:
- مش يمكن تكره أبوها؟؟ ليه المفروض إنها تكرهني أنا؟؟؟
هبطت “نجلا” الدرج برفقة “ماكسيم” ودار حديث طويلًا بينهم حاولت فيه “نجلا” أن تمنعه من إظهار حقيقته الآن ولكنه أبى الاستماع إليها، لحظات وسمعوا جميعًا طرق على باب البيت فانسحب “ماكسيم” خِلسة بينما توجه “كاسب” يفتح الباب لها وما أن ظهرت أمامه حتى صاحت “نجلا” بصوت عالٍ مخنوقٍ:
- أهلًا يا سكون.. نورتي بيتي المتواضع!!
توجهت “سكون” بعينيها إلى مصدر الصوت وما أن رأتها حتى جحظت عيناه في ذهولٍ وهي تتحرك ببُطء للداخل وقبل أن تتفوه بكلمة واحدة أسرع “ماكسيم” على حين غرة منهم جميعًا بتثبيت عنقها من الخلف بذراعه ثم غرس حُقنة مُهدئة في عُنقها جعلت أطرافها ترتخي في الحال وتغلق عينيها على الفور.
جحظت عينا “كاسب” الذي هرول إليه يلتقطها قبل أن تسقط وصرخ بهياجٍ وشراسة:
- إنتَ عملت فيها أيه؟؟؟
انتفض قلب “نجلا” التي نظرت إلى “ماكسيم” بسخطٍ وصرخت:
- أيه اللي إنتَ اديته لها دا؟؟؟
رفع “ماكسيم” كفيه أمامهما يحثهما على التروي والهدوء ثم قال يلتقط أنفاسه:
- اهدوا.. دي حُقنة مُهدئة هتخليها تنام ساعة بالكتير.. إحنا لازم نتأكد بنفسنا إنها بنتك يا نجلا.. ونخلص من الموضوع دا بكُل شكوكه!
رواية رحماء بينهم الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم علياء شعبان
طلبت استدعاء طبيبًا خاصًا من داخل أحد المختبرات الطبية الشهيرة والمعروف عنها السُمعة والدقة في نتائجها. كما يتضمن المختبر نُخبة من أمهر الأطباء، كما أن التقنيات والوسائل المُستخدمة بغرض ظهور النتيجة هي الأحدث على الإطلاق.
كانت تنام في سكينة على سرير “نجلا” بعد أن حملها “كاسب” ووضعها عليه. كان لون جلدها شاحبًا يُثير الخوف بين جنبات قلبه الهلع. بدأ يتحرك داخل الغرفة كليثٍ جريحٍ لا تُخمد ثورته، ينظر إليها تارة وأُخرى إلى “ماكسيم” الذي وقف مستندًا على الباب في صمتٍ. بينما جلست “نجلا” بجوارها على الفراش وبدأت تمسح على خصلات شعرها في حُنوٍ وفيرٍ قبل أن تتحقق حتى مما إن كانت صغيرتها أم لا.
لحظات وجاءت الخادمة تُخبرهم بوصول الطبيب. فأسرع “ماكسيم” في استقباله ثم صحبه فورًا إلى الغرفة. وقبل أن يدخل الطبيب، أسرع “كاسب” بالاقتراب منها مُعدلًا غطاء جسدها ومتأكدًا من ستره تمامًا تحت أنظار “نجلا” التي تابعت ما يفعله بملامحٍ لينة مثابرة وهي تقسم في نفسها بأن “كاسب” صار عاشقًا هائمًا قد سقط في عالمها ولن يعود قط.
لحظات ودخل الطبيب الذي هرول إليه “كاسب” بملامحٍ هلعة وبنبرة متلعثمة ردد:
الحقها يا دكتور. بعد ما تسحب العينة عايز أشوفها صاحية. قالوا لي إن دا مهدئ وهتفوق بعد ساعة. عدا ساعة ومافاقتش.
أومأ الطبيب ثم رد متفهمًا ما يمر به من مشاعرٍ مشتتة مبعثرة:
اهدأ من فضلك. كُل حاجة هتكون كويسة.
اتجه الطبيب نحوها، طالعها بنظرة مُتمعنة قبل أن يُتابع بصوت ثابت:
وشها شاحب شوية ودا لأن الحقنة كانت تقيلة وإن شاء الله في خلال نص ساعة هتكون فاقت.
طالعتهُ “نجلا” بنظرات ثاقبة وقالت:
طيب نبدأ.
الطبيب وهو يسأل بهدوء لجمع معلوماته قبل البدء:
حضرتك الأم؟
أومأت دون أن تنبس ببنت شفةٍ. فتابع الطبيب باستطراد:
هل الغرض من تحليل الأبوة إثبات نسب البنت لأبوها بغرض استخدامه في قضية؟ أو مجرد تحليل لإثبات نسب البنت ليكِ؟
كانت ترمقهُ بنظرات خاوية من أي شيء، ولكن سرعان ما تحولت نظراتها إلى أخرى تلمع بوميض يغلبه عليه الانتقام وهي تقول بحزمٍ:
اثبات نسب لينا إحنا الاتنين وهستخدمه في قضية ضد الأب.
تشخصت نظراتهما إليها في مزيج من الحيرة والدهشة. بينما طالعتهما بنظرة ثابتة وابتسامة صغيرة لاحت على شفتيها. أومأ الطبيب ثم تابع بحسمٍ:
تمام، كدا إحنا محتاجين عينة للأب علشان نتأكد من نسب البنت له.
اكفهر وجهها فجأة في ضيق من طلبه الذي بدا مُستحيلًا كما أنه سيُعطل الإجراءات وبالتالي النتيجة. مسحت على وجهها في شيءٍ من الاختناق قبل أن تستمع إلى صوت “كاسب” يقول بلهجة حادة:
أنا معايا عينة منه.
انهى عبارته ثم فرد كفيه أمام الطبيب وهو يقول بتمعنٍ ومتابعة لرد فعل الطبيب حينما أكمل “كاسب’ بثبات:
الدم اللي على إيدي منه وقت ما كُنا بنضرب بعض، لو ينفع نتستعين بيه في الموضوع؟
زم الطبيب شفتيه بأسفٍ وقال:
للأسف محتاجين عينة يتم التحفظ عليها في المختبر وتكون في متناول إيدينا لأنها بتمر بمراحل كتير جدًا.
تدخلت “نجلا” التي هتفت بحسمٍ وثبات وهي تنظر إلى “سكون” بملامح باهتة:
تمام أنا هتصرف والعينة هتكون عندك النهاردة. نقدر دلوقتي نسحب عينة منها ومني قبل ما تصحى ويكون الموضوع أصعب من الوصول لعينة أبوها؟
أيد الطبيب رأيها وشرع في تنفيذ ما جاء من أجله. تحرك نحو الفراش واندفع خلفه “كاسب” الذي أخرج ذراعها للطبيب وكشف عنه بأبعاد كُمها. بينما بدأ الطبيب في سحب العينة عبر إدخال الإبرة في أحد أوردتها ثم سحب قطرات الدم داخل الأنبوب رويدًا رويدًا. لم يحتج أكثر من ثلاث قطرات. وما أن نزع الإبرة عن جلدها حتى التقط “كاسب” القطنة وبدأ في المسح مكانها برفق وحرص شديدين. فعل الخطوات ذاتها مع “نجلا” التي لم تتأثر أو تُحررك ساكنًا عند سحب عينتها بل تابعت بوجه متجهم وثبات زائفٍ:
أقرب وقت تظهر فيه النتيجة ياخد أد أيه؟
تابع الطبيب وهو يسحب الإبرة للخارج ثم يقول:
من يومين لتلاتة.
نجلا بصوت غاشم صلبٍ:
مش عايزة أستنى أكتر من يومين، هدفع للمعمل كل اللي هيحتاجه في مقابل ظهور النتيجة في ظرف يومين بالظبط.
أومأ الطبيب ثم قال بحسمٍ وهو يستقيم في وقفته ثم يتحرك نحو جمع أشيائه:
هنشوف. مستني منك العينة التالتة.
نجلا بصوت خافتٍ لا حيوية فيه ترد:
تمام.
جمع الطبيب مُعداته وقرر المغادرة. فصحبه “ماكسيم”. بينما التفت “كاسب” إليها من جديد بقلبٍ مُرتجفً يهاب رؤيتها في سكونٍ وهن الذي اعتاد على عواصفها. التقط كفها بين راحتيه يتأملها بعينين نادمتين لكونه لم يتمكن من السيطرة على نفسه في مقاتلة والدها وهذا جعلها تنتفض غضبًا منه. ويبدو أنها فقدت ثقتها الكاملة به. كان كفها باردًا للغاية يشبه شحوب وجهها الناصع البياض وكأنما هي جُثة فارقة الحياة للتو.
أفزعه هذا التخيل فأخذ يرفع راحتيه القابضتين على كفها ثم ينفخ فيه بقوة بغرض تدفئته. فتارة ينفخ وأخرى يفركه إلى أن تحولت عينيه إلى “نجلا” التي تتابعه في صمتٍ وقال بنبرة غليظة أظهرت قُرب نفاد صبره:
كُنتِ عارفة إن ماكسيم هيعمل كدا؟
رماها بنظرات مرتقبة لردها يتخللها الحدة والغضب ولكنه لم يجد ردًا منها. حينما تنفست بعُمقٍ تطرد أوجاعًا تملأ صدرها فصرخ هو بنبرة أكثر انتفاضًا:
رُدي!
نجلا بصوت متهدجٍ مُنهارٍ:
مكنتش أعرف. صدق بقى. وبعدين محدش يقدر يلمسها وإنتَ عارف كويس إني مبأذيش حد ملوش ذنب.
انطلقت ضحكة ساخرة من بين شفتيه ثم رد بحنقٍ:
وبالنسبة للطلب اللي طلبتيه مني؟ مكنش أذية؟ مشاعر الانتقام والحقد على عثمان خليتك تنسي المبادئ دي.
سكت هنيهة ثم رماها بنظرة ثاقبة ذات مغزى ثم قال بجمودٍ:
أنا هنفذ اللي طلبتيه مني علشان ننتقم من عثمان حتى لو طلعت بنتك.
أراد استفزازها والتلاعب على أوتار أعصابها كما فعلت به وهي تطلب منه أذية من يُحب. بقى صامتًا فور إنهاء عبارته ومازال يرتقب غضبها الهائج من تصريحه. ولم يلبث طويلًا حينما هبَّت واقفةً في مكانها ثم مالت بجذعها العلوي إليه وهما يقفان في مواجهة بعضهما لترفع سبابتها أمام وجهه وبعينين حادتين ونبرة نارية تقول:
اللي بتقوله دا مش هيحصل. أنا عارفة إنك بتقوله بدافع استفزازي ولكن أنا هاخد بناتي لحضني ولحياتي غصب عن عثمان وغيره، لأن أنا من حقي أعيش حياة طبيعية وسط ولادي. عايزة أكبر وأعجز وسطهم وأشوفهم بيكبروا قدام عيني.
استقام جسدها من جديد وهي تمسح بقوة على وجهها وعرة رأسها ثم تقول باختناقٍ:
مش كفاية عليا عذاب وفقر وفراق من يوم ما وعيت على الدنيا؟ الدنيا خلاص مبقاش ليها سُلطة عليا، أنا دلوقتي هعيش بقوانيني أنا وهطوعها لرغباتي وأحلامي يا كاسب وهجبرها تضحك لي.
همَّ أن يتفاعل معها ولكن صوت صدوح رنين هاتفه جعله يسرع بسحبه من جيب بنطاله الخلفي ثم نظر إلى شاشته ليخفق قلبه وهو يقول مرتبكًا:
عُمر!
لم ينتظر رأيها فيما ينبغي عليه فعله؛ فأسرع بالإجابة فورًا:
عُمر في حاجة حصلت تاني؟
جاءهُ صوت “عُمر” المتهدج من الحُزن والبكاء يقول بلوعٍ:
إنتَ كويس يا كاسب؟
كاسب بابتسامة هادئة اقتحمها سعادة حقيقية:
كويس يا حبيب كاسب. إنتَ اللي كويس؟
عُمر بصوت مُثابر يرد:
الحمد لله. كدا خلاص مش هشوفك تاني يا صاحبي؟
ضرب “كاسب” جبهته بباطن كفه وهو يقول بحُزن دفينٍ أوردته كلمات الأخير ونبرته التي أنهكها الحُزن. ابتلع غِصَّة مريرة في حلقه وأكمل بثبات لا يعرف كيف نجح به:
أنا عُمري ما هتخلى عنك يا عُمر. اللي حصل دا مش هيفرق صداقتنا وقريب جدًا هنتقابل.
لم يستطع تمالك نفسه أكثر من ذلك. أغلق المكالمة ووضع وجهه بين كفيه تاركًا المجال لدموعه المختزنة منذ زمن أن تتحرر وتعرب عن أوجاعها الكامنة خريفًا وراء الآخر. تحرك “نجلا” إليه ثم ربتت على ظهره وهي تقول بلهجة ثابتة:
كُل حاجة هتكون تمام.
استقرت السيارة أخيرًا أمام قطعة أرضٍ خاوية لم تِبنى بعد تقع في مُقدمة إحدى القُرى الريفية الفقيرة. وظهر ذلك في تأملها للأبنية المتهالكة وانفجار أنابيب المياه تُغرق الشوارع وكذلك الطفح الذي نجم عن المصارف. كان الوضع مُزريًا تمامًا. فظلت تنظر باستغرابٍ عظيمٍ للمكان قبل أن تلتفت إليه وتسأل بفضول كبيرٍ:
أيه المكان دا، إنتَ واخدني فين؟
منحها ابتسامة هادئة فقط ولم يُجب بعد أن حثها على الصبر بنظرات من عينيه. فظلت تتأمل المكان في شدوه إلى أن توقفت السيارة في النهاية على إحدى الأراضي التي لم يتم بناؤها بعد.
ترجل “تليد” من السيارة فورًا ثم استدار إلى بابها يفتحه. وما أن نظرت أمامها حتى وجدت مجموعة كبيرة من الشباب والفتيات يرتدين نفس السُترة وتوجد كاميرات بين أيديهم. فبدا المكان كأنه موقعًا للتصوير التليفزيوني. تعجبت في نفسها؛ هل سيجري مقابلة تليفزيونية ولم يُخبرها بذلك؟ مد كفه لها فتشبثت به وهي تترجل من السيارة ثم سار بها إليهم وبابتسامة عريضة بدأ يعرف عنها ويقدمها لهم:
اقدم لكم، وَميض السروجي، مراتي وإن شاء الله هتكون المُدير التنفيذي للبرنامج بعد سفر دكتور محمد ملقيتش أفضل منها للمكان دا.
استقبلوا هذا الخبر بتصفيقات حارة. بينما هي لم يتضح لها بعد ما يجري؟ هل يُعينها أحد مسؤولي برنامجه دون أن يستشيرها في ذلك؟ حدقت فيه بعينين متسعتين من الدهشة ولكن قطعها صوت إحدى الفتيات وهي تقترب منها وتهم بمصافحتها وهي تقول بابتسامة هادئة:
نورتينا يا مدام وَميض، مع حضرتك شغف الـ stylist الخاصة بكُل كاست البرنامج والمسؤولة عن ظهور الشيخ تليد بكامل أناقته.
اتسع إدراكها وهي تلتقط العبارة الأخيرة بوجه متجهمٍ ثم تصافحها ببرودٍ قائلةً:
أهلًا بيكِ.
صافحتها الفتيات تباعًا وسلم عليها الشباب عن بُعد. تحرك “تليد” نحو الشباب يتأكد من تمام كُل شيءٍ على أكمل وجه في سرية تامة ودون أن تلتقط أذناها ما يدور. أتاه أحد الشباب بورقة حصر فيها عدد سكان القرية ومن يحتاجون ومن لا يحتاجون المساعدة. بينما قال شاب آخر:
الأستاذ كرم في طريقه لينا وهو اللي هياخدنا في جولة للقرية وهياخدنا لبيوت الناس اللي هنعمل معاهم اللقاء.
أومأ في تفهم قبل أن يعود إليها مرة أخرى ليجدها تقول بفضولٍ يطل من عينيها:
هو إنتَ عندك تصوير برنامج ومقولتليش؟ مش المفروض إننا كُنا نازلين نتفسح مش نشتغل؟
أومأ يؤيد كلامها المنطقي ولكنه تابع وهو يمنحها ابتسامة حانية:
كلامك صحيح، بس المكان هنا من برنامج الفُسحة اللي وعدتك بيها، إحنا مش هنطول بإذن الله وبعدها نروح في المكان اللي إنتِ تحبيه.
أومأت وهي ترد بخفوتٍ:
تمام.
لحظات وجاء “كرم” الذي يعيش داخل هذه القرية ويحفظ أزقتها وكُل رُكنٍ فيها عن ظهر قلبٍ. وقد استعانوا به ليدلهم على البيوت التي تحتاج مساعدة وتُعاني فقرًا مُدقعًا. اندفع نحو “تليد” ثم سلم عليه بحرارة وحفاوة كبيرة فبادله الأخير المثل قبل أن يلتفت إلى “وَميض” ويمد كفه لها. همَّت تُصافحه ولكنها وجدت كف “تليد” يقبض على كفها وباليد الأخرى يصافح “كرم” الذي بقى ذراعه مُمتدًا نحوها وهو يقول بلهجة ثابتة:
أهلًا أستاذ كرم. نقدر نبدأ منين؟
نظرت إلى كفه القابض على كفها في دهشة من تصرفه مع الرجل؛ فكان هذا التصرف بالنسبة لها يخلو من الذوق. تنحنح “كرم” قبل أن يقول:
من نهاية القرية علشان الأُسر المقصودة متجمعة كلها هناك.
أومأ “تليد” في امتنانٍ ليلتقط طاقم العمل أدواته وحقائبه ثم يسيرون معًا نحو القرية من جهة الخلف للبدء من هناك. كان “تليد” مازال يقبض على كفها يسيران بجوار بعضهما حينما همست بصوت خافتٍ يغلفه الغيظ:
على فكرة إنتَ أحرجت الراجل جدًا! فيها أيه لو سلم عليا يعني؟
تليد وهو يرفع حاجبه باستنكارٍ ويرد بنفس الخفوت:
فيها تنازل صريح عن رجولة راجل تقبل لمس زوجته من راجل غريب، فيها دياثة، فيها عقاب للست اللي بتصافح أجنبي عنها، فيها سواد وبلاوي.
وَميض بغيظٍ مكتومٍ:
بس هو بيسلم عادي مش قصده حاجة؟
تليد بلهجة صارمة:
إحنا لسه هنفكر في قصده ومش قصده؟ يسلم بالبؤ، ميسلمش بالإيد وما يلمسكيش.
تنهدت بتأفف ثم تابعت:
طيب إحنا هنفضل ماشيين كتير؟ على الأقل قول لي إحنا جايين هنا ليه؟
اِفتر ثغره عن ابتسامة هادئة قبل أن يتفوه بحسمٍ:
تحلي بالصبر.
قررت أن تتوقف عن الأسئلة وأن تسير بخطوات متقدمة حيث يسيرون بينما يتشبث هو بكفها ولا يتنازل عن تركه. نزلت بعينيها إلى كفه وخانتها ابتسامة تبدو مُستلذةً من تمييزه لها وحرصه على وجودها إلى جواره. راقها لوهلة ذلك الحُب الذي يتدفق من عينيه كلما نظر إليها حتى وإن كان به بعض المتحكمات والقيود الصارمة من وجهة نظرها. لم تكُن تتخيل أن تتزوج رجلًا يُضيق من دائرة معارفها، ينقي أفكارها التي تبنتها طيلة حياتها بل ويجعلها تشعُر بالسكينة والاسترخاء عند سحبه هذه الأمور من حياتها فجأة. وعلى عكس المتوقع؛ لم تثور أو تنتفض متعنتة برأيها بل تقبل بصمته في شؤونها وتتقبل أفكاره التي كانت تنبذها من قبل والآن رويدًا رويدًا يتسلل إلى قلبها بوادر قناعات بما يؤمن به ويستقر في قلبه وعقله.
انتشت مشاعر غيرته عليها كوقعٍ المِسك يداعب خياشيمها كما تداعب غيرته قلبها وتملكه دون حول لها ولا قوة. فتجده يطأ قلبها بقدميه بُغتة منها كمُحتلٍ لا تقوى على مقاومته وقد ضربها من زوايا ضعفها. فمشاعر الاحتواء والتمييز لها عن غيرها هي أكثر ما افتقدته يومًا.
لاحظ تركيز نظراتها على كفه فابتسم خِفية وهو يضغطه أكثر مما جعلها تستعيد وعيها على الفور وهي تنظر أمامها في تنحنح وحرج.
وصلوا أخيرًا إلى خيمة قد نصبها “كرم” من أجلهم لاتقاء أشعة الشمس التي اشتدت في نهار شتاء يبدأ ومن أجل احتياجها في أمور أخرى إن أرادوا. وقف الطاقم بجوار الخيمة ثم التفت “تليد” إلى “كرم” وقال بهدوءٍ:
فين أول بيت؟ وأيه طلباتهم؟
مدَّ “كرم” بصره نحو مكب القمامة الذي يظهر على مقربة منهم ثم أردف:
أول بيت اللي عند المقلب. محتاجين سقف للبيت والأجهزة الكهربائية المهمة وبطاطين.
كانت تتابع حديثهما بعينين ثاقبتين تحيطهما الحيرة واللا إدراك من هذه الأسئلة وأجوبتها وما علاقة ما يجري بمقابلة زوجها التليفزيونية؟ فضلت الصمت وقررت أن تجلس إلى أحد المقاعد التي أتوا بها وأن تتركهم يؤدون ما جاءوا من أجله. أومأ “تليد” بحسمٍ ثم أردف:
يلا يا شباب. استعدوا!
كانت تنظر إلى انتظام خطواتهم المدروسة والاستماع إليه في انصات وتقبل أوامره بحُب ودعمٍ. مال جميعهم يشرعون في فتح حقائبهم. بينما اندفع هو نحو الخيمة وفي يده حقيبته وقبل أن يدخلها التفت بنظراته نحوها ثم ألقى غمزة ساحرة من عينه جعلتها تبتسم له في ارتباكٍ وهي تفرك كفيها في انتظار رؤية الأمر الذي سيجري بوضوحٍ.
لحظات ووقف الطاقم بعد أن لبسوا أقنعة تداري وجوههم بجوار بعضهم البعض. فحدقت إليهم في ذهول وقد خلج صدرها الشك حول أمر ما. لم تمر دقيقة حتى وجدته يخرج عليهم بملبس يرتديه كلما ظهر في هذا البرنامج ووجهه مُغطى بقناعٍ تعرفه جيدًا!!!
ارتخت شفته السُفلى وهي تُدرك الأمر أخيرًا. فشهقت بقوة وهي تضع كفيها على فمها في صدمة. تقدم إليها على الفور ما أن لاحظ وقع الصدمة عليها وما أن وقف قبالتها حتى مد كفه لها وقال بابتسامة مبتهجة:
قررت تشاركيني مُغامرة النهاردة.
ارتجفت أطرافها وهي تضع كفها على راحته ثم تقف أمامه وتحدث داخل عينيه مُباشرة وتقول بانبهارٍ:
إنتَ؟ إنتَ اللي بتعمل البرنامج دا؟ إنتَ الجندي الخفي؟
أومأ في ابتسامة عريضة وقال:
أيه رأيك؟
زوت ما بين عينيها ثم تابعت تستفسر في حيرة:
بس الصوت مش صوتك؟
أجابها بحُب وهو يمد قناعًا آخر لها:
بستخدم جهاز لتغيير الصوت. يلا البسي!
انفرجت أسارير وجهها في سعادة غامرة. لم تكن تعلم أنها ستحب هذه الزيارة التي لم تكن تفهم ماهيتها. ولكنه لن يفشل منذ زواجهما في كسب ثقتها واقتحام قلبها ومشاعرها بتصرفاته الودودة والداعمة معها أو غيرها. التقط كفها لتسير معه إلى الحالة الأولى لبدء البرنامج. زحفوا جميعًا إلى البيت المنشود فقررت ما أن بدأ التسجيل أن تنسحب وتقف من وراء الكاميرات وأن تتابع زوجها بفخر يلمع في حدقتيها. بدأ بثُ البرنامج عن طريق تقنية البث المباشر في فيسبوك ليحصد البث الملايين من المشاهدات والدعوات لهم. بدأ “تليد” يتحدث إلى أصحاب الحاجة فسمع إلى مطالبهم وبدأ يحقق جُزءًا منها أمام الكاميرات. فقد جمع شكاوى هؤلاء الناس من قبل ومول طاقمه بالمال ثم كلفهم بشراء كل ما احتوت عليه شكاوى الناس ويمكن شراؤه. طلب من طاقمه من الرجال أن يشرعون في حمل الأجهزة إلى الدار وكذلك أغطية ثقيلة تقي أفراد البيت البرد. ووعد العجوز أن يسارع في بناء السقف لها. وقبل أن ينهي حديثه معها قام بطبع قبلة على كفها في ودٍ ثم قال بلهجة مترفقة تطمع في دعاء يخرج من قلبها الطيب:
ممكن دعوة ليا من قلبك؟
انهالت عليه بذخر من الدعوات يفيض على أذنيه فيبتهج قلبه. شكرها ثم خرج مع طاقمه بعد أن أنهوا عملهم. وقف مرة أخرى أمام الكاميرات يخاطب جمهوره، بينما عيناه ترصدها في كُل ثانية ليتمكن من رؤية الفخر به داخل حدقتيها. فضوى بريق في عينيها من شرارة سعادتها وإعجابها به. وبينما هو يتحدث نظرت داخل إحدى الكاميرات الخاصة بإحدى الفتيات والمخصصة لالتقاط الصور ثم أسرعت بينما هو يتحدث بوضع كفيها أمام الكاميرا. بينما هي تختبيء خلفها وراحت تشكل بإصبعيها السبابة والإبهام قلبًا بعد أن ضمتهما إلى بعض وأبقته في المنتصف. ثم حثت الفتاة بإشارات من عينيها على التقاط الصور. ابتسمت الفتاة بسعادة لحبهما. وما أن رأى ما تفعل حتى ارتبك داخله وجاهد ألا يظهر الارتباك في نبرة صوته وهو يُنهي البث بكلمات بسيطة توجز قولًا حتى لقائهم في المهمة الجديدة.
ارتفعت تصفيقات حارة من قِبل فريقه. وكانت هي أول من صفق بحرارة وحفاوة لا تكفي لِمَ أدهشها به. بادلهم ابتسامة عريضة وهو يشكرهم جميعًا على مجهودهم الذي لا يمكن التغافل عنه. وأشار إلى أهمية كل فردٍ منهم بالنسبة له وأن لولاهم ما حقق هو ذلك النجاح المُبهر. طلب منهم أن يأخذوا قسطًا من الراحة ويتناولون الوجبات التي أرسل في طلبها فورًا. ثم وقف يلتقط أنفاسه وهو يشير إليها بكفه أن تأتي. فأسرعت بالذهاب إليه وما أن وقفت أمامه حتى صرحت بإعجاب أبهر كل ذرة بها:
كُنت رائع. كُنت مُدهش. كُنت جامد يا تليد. أنا فخورة أوي بيك. يعني أنا دلوقتي جوزي أكتر راجل بيساعد الناس ومحدش يعرفه؟ أنا كُنت مُعجبة بيك أوي رغم عدم صدقي في المحتوى بنسبة 100%.
لمس صدق مشاعرها والفخر الذي انبعث عبر كلماتها. ظهرت على مُحياه ابتسامة هي الأسعد على الإطلاق منذ أن تعرف على عشقه لها. وبنبرة متأثرة سأل:
يعني إنتِ بجد فخورة بيا؟
لم تشعر إلا برغبة جامحة في عناقه فأسرعت تتعلق بعُنقه وتحتضنه بشدة وبنبرة ناعمة تقول:
فوق ما تتخيل يا تليد. أنا فرحانة إني معاك.
كان قلبهُ في حالة سُباتٍ عميقٍ منذ فراقها وحتى التقائه بها. فلم تكُن تمنح قلبه الحياة بجفائها له. ولكنه شعر بانتفاض سُبات قلبه الآن حينما سرت رجفة قوية في جسده من وقع كلماتها واشتعال مشاعرها التي تقبلته وقبلت عشقه الأفلاطوني لها أخيرًا. كان يود أن يحتضنها بكلا ذراعيه وأن يطبق عظام ظهرها من فرط الاشتياق والحنين إليها. ولكنه غار عليها من نظرات الجميع قربت على ظهرها برفق قبل أن يبتعد فورًا وهو يقول بصوت لين:
وأنا أكتر راجل محظوظ في الدنيا علشان إنتِ من نصيبي.
أظهرت استحياءً من كلماته المتدفقة بأنهارٍ هيامه بها. أطرقت برأسها قبض على ذقنها بأنامله ثم أكمل بكلمات مطرية على خجلها:
واقعٌ كُلي في طماطم خديكِ.
انطلقت ابتسامة عريضة من بين شفتيها ثم أسرعت تهرب من حدة نظراته داخل حدقتيها فجلست على كرسيها المجاور لكرسيه فورًا. أسرع بالجلوس بعدها ثم ناولها وجبتها وقال بعينين منجذبتين لتفاصيلها:
بألف هنا وشفا على قلب الطماطم.
تناولت العلبة البلاستيكية منه في توترٍ رصده في أطرافها جيدًا ولكنه قرر إبعاد عينه عنها كي تتمكن من الأكل براحة أكثر وإلا ستبقى جائعة لا تقرب الطعام كلما أطال النظر إليها.
شرعوا جميعًا في التهام وجباتهم قبل أن يجمعوا متاعهم ويستعدون للذهاب. وفي نيته أن يأخذها إلى بيت أبيها لقضاء المتبقي من اليوم برفقتهما. نهض الشباب يحزمون المتاع. وكذلك فعلت “وَميض” تساعد الفتيات في لم المعدات من كاميرات وغيرها. ليأتي إلى بصرها رؤية تلك الفتاة تتجه نحو زوجها وتبدأ في الحديث معه للحظات قبل أن تُشير إلى رأسه ثم تشرع في الاقتراب أكثر منه وكفها يمتد إلى رأسه.
تجهمت ملامحها فجأة وشعرت باضطراب يسري بين جنبات قلبها الذي قرصته بوادر غيرة جعلت الشرر يقدح من عينيها. وهي تندفع مسرعةً إليهما فوجدته يقول بحزمٍ:
مفيش مشكلة يا شغف. سبيها!
نطقت الفتاة باستنكارٍ وإصرار على الاقتراب:
إزاي يا شيخ. حضرتك لسه شاب ما شاء الله عليك. المفروض ما تسيبش حاجة زيّ دي في شعرك؟!!
وقفت أمامهما بغضب متأجج وسألت بنبرة حادة وهي تطالع الفتاة بعينين ناريتين:
خير، في أيه يا شغب!
توقفت الفتاة عن الاقتراب منه ثم تابعت بحنقٍ وهي تلتفت إليها:
اسمعي شغف مش شغب!
رمقتها “وَميض” شزرًا قبل أن تعقد ذراعيها أمام صدرها وتقول ببرودٍ:
أصل أنا شامة ريحة شغب. فعلشان كدا الاسم دا لايق عليكِ أكتر.
التوى شدق “شغف” التي همَّت أن تقترب منه مرة أخرى بإصرار وهي تقول:
لقيت شعرة بيضا في راس دكتور تليد وبحاول أقنعه يشيلها!
لم تستطع تمالك نفسها دقيقة أخرى فأسرعت تخترق المسافة التي تفصل بينهما ثم دفعتها من كتفها بقوة وهي تقول محتدةً بالغضب:
ايدك عندك ويكون في حدود. إنتِ مسؤولة عن اختيار لبس البرنامج ليس إلا يعني وبس. برا البرنامج فشعره ولبسه حاجة برا عنك. يلا يا شغب. توكلي على الله.
حدقت “شغف” فيها بملامحٍ مُتجهمة ثم سارت من أمامهما فورًا وهي تغمغم بكلمات غامضة لم تأبه “وَميض” لمعرفتها. التفتت بنظراتها إليه فوجدته يضحك ضحكة مكتومة لتتابع بغيظٍ وهي تقترب من رأسه:
وريني الشعرة البيضا يا شيخ تليد ولا شغب هي بس المسؤولة عن شعرك الأبيض وأنا بتنجانة وسطكم!
أسرعت تخلل أصابعها بين خصلاته تبعثرها. بينما قبض “تليد” على ذراعها ودفعه برفق عن شعره وهو يقول بابتسامة هادئة أثارت استفزازها أكثر:
اعتبر دي غيرة؟
وصل إلى أنفه رائحة اشتعال النيران داخلها. فحدسه لا يخيب حتى أن مشاعر الغيرة عليه تنمو وتتفاقم داخله. التوى شدقها وهي تسحب كفها من بين قبضته وقالت بحنقٍ:
تليد وديني عند ماما دلوقتي!
سمعت طرق على باب البيت فازداد الشك داخل قلبها خاصة بعد مكالمته التي أنهاها معها قبل قليل ويخبرها فيها أن تستعد لخروجها معه. علقت نظراتها على الباب بارتيابٍ حينما وجدت أمها تقترب نحو الباب ثم تفتحه بترقُب. وما هي إلا ثوانٍ حتى تابعت باستغرابٍ:
نوح؟ في حاجة حصلت في المزرعة ولا أيه يابني؟
أومأ سلبًا ثم رفع كفيه أمامها يدفعها للهدوء وهو يقول بابتسامة عذبة:
كله تمام. مفيش حاجة يا خالة. أنا بس كُنت جاي أطلب منك طلب؟
كان صوتهُ يصل إلى سمعها فأسرعت بدفن وجهها بين صفحات الكتاب الذي تقرأه؟ وهي تتمتم بغيظٍ من إصراره وهي التي رفضت عرضه كيلا تنزعج أمها عليهما. في حين تابع “نوح” على الجانب الآخر يقول بلهجة مسترسلة:
كُنت بستأذنك أعزم مُهرة على الغدا النهاردة لأنها تعبت الكام يوم اللي فاتوا دول معايا لحد ما لقيت سكرتيرة للمكتب ورفضت كمان تاخد فلوس مقابل تعبها. فأنا عايز أكافئها بغدوة.
سكت هنيهة وقبل أن يسمح لها بالكلام تابع بحماسٍ:
على فكرة هكون مبسوط لو إنتِ كمان جيتي معانا؟
تنفست “رابعة” بقوة قبل أن تلتفت إلى ابنتها التي تتظاهر بلا مُبالاة زائفة. وبين وجهه الذي بدا عليه الحماس الزائد. تنحنحت قليلًا قبل أن تقول بتروٍ:
إنتَ عارف إني مش هينفع أسيب المزرعة والعمال وامشي وكمان مُهرة هتساعدني في كام حاجة النهاردة.
نوح وقد ذهب الحماس عن وجهه وهو يقول بانزعاجٍ صريحٍ خلطه بمزاحه:
ما سماح تساعدك مش لازم مهرة يعني! إنتِ بتتهربي من طلبي صح؟ عيب والله عيب دا اللي بينا عيش وملح وحاجات كتير أوي.
رابعة وهي تزفر بغيظٍ بعدما فشلت في التهرب منه ونجح في كشفها:
يوه بقى يا نوح، خلاص روحوا ومتتأخروش.
تهللت أسارير وجهه فأسرع بالتقاط كفها وشرع يقبل ظاهره قبلات كثيرة وهو يقول بامتنانٍ:
أحلى كونتيسا رابعة في الدنيا كلها، يا شيخة روحي إلهي أشوفك حماتي.
أسرعت بسحب كفها منه واعتلى شفتيها ضحكة واسعة وهي توبخه في رفقٍ:
ما خلاص إنتَ هتشحت؟
وقف أمامها يُعدل من هندامه قبل أن يقول بثقة وحماس كبيرين:
نادي لي الدكتوغة بتاعتي. معلش.
رابعة وهي تقول بلهجة مازحة رغم إظهار امتعاضها:
أنا عارفة الهبلة دي عاجبها فيك أيه. دا إنتَ مُتنمر.
نوح بضحكة ماكرة:
ما إنتِ جاوبتي نفسك. هبلة بقى.
ضربت “رابعة” كفًا بالآخر قبل أن تلتفت إلى الأخيرة ثم تصيح بنبرة ثابتة:
اعملي نفسك مش مُهتمة وإنتِ ودانك كبرت من كُتر ما مصدراها عندنا. انجزي. هتخرجي معاه ولا لأ؟
نسيت تمامًا أمرَ شعورها بالخجل من أمها فأسرعت برمي الكتاب على الأريكة ثم انتفضت واقفةً وهي تقول بسعادة غامرة:
جاهزة يا ماما. أنا جاية أهو.
حدقت فيها “رابعة” مصدومةً وهي تلاحظ للمرة الأولى ارتداء ابنتها لملابس الخروج قبل أن يأتي حتى! رفعت أحد حاجبيها ثم رددت ومازالت على دهشتها تضع أناملها أسفل ذقنها:
ولابسة كمان؟ صبرك عليا يا مُهرة لمَّا ترجعي لي.
تجاوزت “مُهرة” والدتها وتخطت عتبة الباب لتجده يستقبلها بابتسامة واسعة وينحني أمامها قليلًا ثم يفرد ذراعه ويقول متحمسًا:
دكتوغتنا القمر، العربية في انتظارك.
انتصب معتدلًا في وقفته حينما وجدها تندفع بفرحة مفرطة نحو باب السيارة. وقبل أن يتابع خطواته إليها سمع صوت يقول بلهجة ساخطة مرتفعة:
رايحة فين يا مُهرة؟
وقفت في مكانها ثم تشخصت الأبصار إليه وهو يتقدم من ثلاثتهم. امتعض وجه “مُهرة” من سؤاله ووجدت أنه لا حق له في سؤالها عن وجهتها. بقي “نوح” صامتًا يطالعه بعينين ثاقبتين. بينما أجابته “رابعة” بلهجة ثابتة:
رايحة شغلها مع دكتور نوح يا إبراهيم، اتفضل لو هتدخل وإنتوا اتحركوا علشان متتأخروش على شغلكم.
صاح “إبراهيم” بلهجة صارمة يقول:
مُهرة مش هتتحرك من البيت قبل ما ييجي خالي.
زوت “رابعة” ما بين عينيها وسألت في دهشة:
هو خالك جاي عندنا؟ أمال مبلغنيش ليه؟
رفع “نوح” كفه إليها يحثها على الانتظار والتوقف عن الكلام قبل أن يلتفت إلى “إبراهيم” ثم يرمقه بعينين حانقتين ويقول بلهجة شديدة:
لحظة، إنتَ مش شايف إنها خارجة معايا؟ أيه الثقة اللي مقوية قلبك دي وإنتَ بتمنعها من الخروج؟ دا باعتبار إن ليك حُكم عليها؟ إنتَ لا أبوها ولا أخوها ولا جوزها. إنتَ حياله ابن خالتها. مستوعب ولا لأ!
رماه “إبراهيم” بنظرة نارية قبل أن يقف مواجهًا له ثم يقول بلهجة حادة:
خالي مأمني عليهم طول ما هم بعيد عنه، دي الحاجة الأولى. التانية بقى. مين قال لك أني حياله ابن خالتها ومليش حكم عليها؟ مش يمكن أبقى جوزها قريب!
نوح وهو يطالعه بنظرات ناقمة ويتابع بثبات زائفٍ رغم تلف أعصابه ورغبته الجامحة في الفتك به:
ما هو إنتَ مش هتكون وكل محاولات المفقوسة دي تبلها وتشرب مايتها.
تدخلت “رابعة” لإنهاء هذه المشادة قبل أن ترتفع شرارتها ولا تستطيع السيطرة عليها بعد ذلك:
خلاص يا جماعة. استعدوا بالله. ادخل معايا يا إبراهيم خلينا نتكلم مع بعض شوية وسيبهم يروحوا شغلهم.
نبج صوتهُ يصيح بلهجة جهورية:
وأنا قولت مُهرة مش هتروح في حتة!
انفجرت ضحكة ساخرة من فم “نوح” قبل أن يرمق الأخير شزرًا تاركًا إياهُ يعوي بلا فائدة. تحرك من أمامه إلى السيارة ثم أمرها بلهجة ثابتة بعد أن فتح الباب لها:
اركبي.
انصاعت فورًا. همَّت أن تركب ولكن أوقفتها قبضة “إبراهيم” المتملكة من ذراعها وتمنعها من الدخول. نحا “نوح” ببصره للخلف ليجدها تتقهقر للوراء والأخير يقبض بشراسة على ذراعها ويصيح بعنادٍ ناري:
مفيش ركوب ويلا امشي من هنا، معندناش بنات بتدور على حل شعرها.
ازدادت حِدة الشرر المُنبعثة من عيني “نوح” وهو يُبصره قبضة الأخير على رسخها. لم يشعر بنفسه إلا وهو يندفع إليه وما أن اقترب منه حتى وجه له ضربة مُميتة من رأسه تطيح بأنف الأخير الذي صرخ عاليًا على الفور من شدة الألم الذي نجم عنه نزيف بأنفه. شهقت “رابعة” بقوة وهي تهرول إليه ثم تقول بارتيابٍ:
كفاية يا نوح. مناخيره بتنزف!
أسرعت “مُهرة” بالوقوف حائلًا بينهما ثم أبعدت “نوح” بكل ما أوتيت من قوة وهي تقول بهلعٍ:
نوح!
أخذ صدره يعلو ويهبط في غليلٍ سامٍ وهو لا يود ترك الأخير قبل أن يفتك به تمامًا. فقاوم دفعتها له يرغب في الانقضاض عليه مرة أخرى. بينما رمقته “مُهرة” بنظرات مُحذرة وقالت:
اهدى!
كانت تنظر إليه في ارتيابٍ وهي تعتدل في نومتها جالسةً بعدما استعادت وعيها تمامًا. تستطيع تذكر ما حدث لها بوضوحٍ؟ لقد رأت “نجلا” تقف خلفه. وبينما هي تدخل من الباب شعرت بسن إبرة يُغرس في عنقها ثم لم تعد تدري بشيءٍ بعد ذلك. كان ينظر إليها بملامحٍ منبسطة بعد انقباض أنفاسه وهو ينتظر استيقاظها. بدأت تفرك عينيها بقوة قبل أن تتابع بإعياءٍ واضحٍ:
إنتَ كُنت بتكذب عليا كُل الوقت دا؟ كُنت بتمثل إنك خايف عليا أنا وعُمر علشان تنتقم من بابا؟
تجمعت الدموع في عينيها في تأثر وانكسارٍ أصاباها ما أن تحطمت الثقة التي تجمعها به. ابتلع ريقه على مهلٍ قبل أن يقول بلهجة مخنوقة:
إنتِ وعُمر مشاعري ليكم كانت حقيقية مش تمثيل. أيوة كُل حاجة حصلت من يوم دخولي حياتكم تمثيل إلا مشاعري كانت برا اللعبة.
أسرعت برمي الغطاء قبل أن تجاهد في النزول عن الفراش. خرجت صرخة متألمة منها حينما شعرت بألم شديدٍ يكتنف ذراعها. انتفض قلبه قبل جسده واندفع مُسرعًا نحو بينما لاحت سبابتها أمام عينيه وصرخت مُحذرة له وهي تنهض واقفةً:
اوعى تقرب مني. إنتَ خاين. ابعد عني واوعى إيدك دي تلمسني.
تأججت نيران مشاعره التي تنهار من كلامها عنه والذي خلا من الثقة فيه تمامًا. بدأت ترتدي معطفها ثم تحركت بخطوات مترنحة فقدت فيها قدرتها على الاتزان. بينما صرخ هو بأنفاسٍ ملتهبة:
أنا أه واحد من رجالة نجلا. بس لا أنا خاين ولا هي ست خبيثة. عثمان السروجي هو اللي خان واتخابث. أنا عُمري ما فكرت أأذيكِ. إنتِ نور عيني وهبتيني بصيرة أعرف بيها أفصل المذنب عن اللي مالوش ذنب. إنتِ والله كُنتِ وما زلتي بصري وبصيرتي.
رمقته بنظرات نارية قبل أن تستند بجسدها على الحائط كيلا تسقط بفضل ما تشعر به من دوار ثم صرخت بقلبٍ مكلومٍ:
ولمَّا أنا نور عينك طفيتني ليه؟ أنا عمري ما اديت ثقتي لحد قبلك ولا بعدك. إنتَ مخادع ومُجرم وأنا مش هستنى لمَّا تخلص من بابا ولو كان ليك حق عنده الأفضل لك تاخده بالقانون مش بالانتقام والغدر.
اندفع مُسرعًا إليها وما أن وقف أمامها مُباشرة حتى هاج بانفعالٍ ناقمٍ:
أنا مغدرتش بيكِ. أنا بحبك يا غبية!
نظرت داخل عينيه بتحدٍ ثم صرخت بقلبٍ مُرتجفً يرعد لقولها عكس ما يضمر به:
وأنا بكرهك. وعُمري ما هحبك.
كاسب وهو يرمقها بثبات ثم يقول بلهجة ثابتة:
بتحبيني يا سكون.
انهمرت دموعها تنفجر من عينيها ثم بدأت تنهال على صدره بضربات منتقمة من كفيها وهي تصرخ ملتاعة:
لو كُنت سيبتني أتحرق في العربية كان أهون عليا من النار اللي بتاكل قلبي دلوقتي، على الأقل وقتها كُنت هبقى جثة مش حاسة بالألم لكن أنا دلوقتي وجع الدنيا كله فيا.
قام بالقبض على كفيها ثم ترجاها بأنفاس مضطربة مكلومة:
مينفعش تتخلي عن قلبي علشان تتمسكي بأوهام. إنتِ متعرفيش أسبابي، متعرفيش حاجة. إنتِ نضيفة رغم إنك بنت عثمان، ومش هتخرجي من هنا غير وإنتِ مصدقاني يا سكون.
لمعت الدموع في عينيه حينما وجدها تصرخ باستهجانٍ وهي تتعمق بنظراتها داخل عينيه:
أيه؟ هتحبسني؟
أومأ برأسه ثم اندفع بثبات نحو الباب وقام بغلقه ثم وقف خلفه وهو يطالعها بنظرات متحدية ثم يهدر بلهجة صارمة:
بما إنك هتقفي في وشنا وقت تنفيذ خطتنا يبقى هحبسك يا سكون.
صرخت بلوعٍ وهي تقترب منه:
خطتك دي اللي هي قتل أبويا؟
كاسب بنفس الحدة يتابع:
أنا مش هلوث إيدي بدم فاسد، إحنا ما إلا بنجمع أدلة ضده. مسألتنيش يا سكون. أبوكِ أيه ذنبه؟ ولا خايفة أكون على حق؟
أجهشت باكيةً بمرارة قبل أن يحسم القرار في هذا الأمر ويتابع بلهجة شديدة:
أبوكِ خطف طفلة رضيعة من أمها علشان يحطها في حُضن مراته!
رواية رحماء بينهم الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم علياء شعبان
قاد سيارته مُغادرًا المدينة إلى البلدة منذ ساعتين تقريبًا حتى قارب على الوصول إلى بيت العائلة للاحتفال معهم بقدوم أول حفيد لهم.
غفت على كرسيها من لحظة صعودها للسيارة وحتى تكلم "عِمران" بصوت خافتٍ يغلفه الهدوء وهو يطالعها تارة وينظر إلى طريقه تارة أخرى.
"شروق؟!"
"اصحي إحنا داخلين على البيت."
وصلها هسيسه الخافت فبدأت تُحرك أهدابها بإرهاق شديدٍ ثم أدارت رأسها نحوه وهي تقول بنعاسٍ.
"وصلنا فعلًا؟!"
حرك رأسه مومئًا، ففركت عينيها بأطراف أصابعها ثم اعتدلت في جلستها على المقعد وهي تحاول استعادة تركيزها واذهاب الأرق والنوم عن عينيها.
تنحنحت باستعدادٍ وهي تدقق النظر فيه، بينما هو منشغلًا بقيادة السيارة بين الأزقة الضيقة في البلدة لتبتسم في هدوءٍ وتقول.
"كل مرة نيجي فيها البلد بتكون مُصمم تدخل العربية لحد باب البيت وترجع تختنق من ضيق الشوارع."
اكفهر وجهه وهو يستدير لليمين ثم يقول بلهجة لينة عكس ما يظهر على ملامحه من ضيق.
"ما ينفعش أركنها في بداية البلد، إحنا هنا مش في القاهرة وهيكون في احتمال من الاتنين يا تتسرق أو العيال في الشارع يبكوني عليها."
انطلقت ضحكة رقيقة من بين شفتيها ثم أومأت في صمتٍ، وما هي إلا لحظات حتى كان يصف سيارته أمام بيت العائلة الذي كان بابه مفتوحًا على مصراعيه لاستقبال المهنئين بقدوم أول ولي عهد لعائلة النوبي المعروفة في البلدة والثرية.
معقبين بأنه أخيرًا جاء من يرث عنهم كل هذه الأموال الطائلة.
نزل "عِمران" من السيارة يتململ واقفًا من تيبس جسده الذي بقى أمام كرسي القيادة لأكثر من ساعتين.
نزلت هي الأخرى من السيارة وقد عبست ملامحها فجأة وظهر الارتباك باديًا على وجهها وهي تستعيد ذكرياتها المؤلمة بين جدران هذا البيت الذي رفضها دائمًا.
ابتلعت ريقها على مضضٍ وبدأت تفرك كفيها سوية فلاحظ هو ذلك.
استدار إليها فورًا ثم حرر كفيها والتقطهما بين خاصتيه وهو يقول بلهجة ثابتة بعد أن قرأ عينيها وما يجول في خاطرها بدون أن تتفوه بحرف منه.
"اوعي أحس تاني إنك خايفة أو هايبة حد أو مكان طول ما أنا جنبك ولو في وضع جوا معجبكيش بلغيني فورًا!!"
همَّت أن تتكلم ولكنه وضع سبابته على شفتيها وأكمل بنظرات معاتبة ولهجة حازمة.
"اوعي تسكتي عن إهانتك علشان المركب تمشي أو اليوم يعدي!"
"عِمران" بنبرة أكثر حدةً يحذرها.
"تغرق المركب أو تعطل حتى الأهم إن محدش يدوس على طرف منك، فهماني؟?"
أومأت بتفهم فأمسك بيدها وسار بها داخل البيت.
كان البيت حاشدًا بأهل البلدة كلهم تقريبًا من رجالٍ ونساءٍ وما أن لمحه أبوه وشقيقه حتى أتيا لاستقباله بحفاوة كبيرة فتصافحون بحرارة.
ثم جاءت والده التي تهللت أسارير وجهها عن رؤيتهم.
وبعد السلامات قامت بأخذ "شروق" إلى الداخل حيث مراسم استقبال المولود التي تقمن بها النساء.
كانت "شروق" تنظر من حولها في انبهارٍ وهي تجد مجموعة كبيرة من السيدات يجلسن داخل غرفة تراصت فيها أواني وأقدار عملاقة يطهون الكثير من الأكلات الشعبية الدسمة لتوزيعها على أهل البلدة كافة.
ومجموعة أخرى تنكب على تجهيز أكياس مُلأت بالفول السوداني والحلوى المُشكلة والفشار.
لمحت "راوية" تجلس على الأريكة تُشرف بعينيها على الجميع، فافتر ثغرها عن ابتسامة عريضة وهي تتجه إليها.
"حمد لله على سلامتك يا راوية، إن شاء الله يتربى في عِزك وعِز والده وتشوفيه بأحسن حال."
ابتسمت لها "راوية" ابتسامة باردة وردت.
"عقبالك يا حبيبتي!"
نحت "شروق" ببصرها للرضيع الذي ينام بجوارها ثم دست كفها داخل حقيبتها تلتقط علبة من القطيفة ثم تميل نحو الصغير لمداعبته وهي تقول بسعادة كبيرة.
"بص بقى أنا جبت لك أيه؟?"
وقبل أن تكشف عن وجهه وجدت "راوية" تحابي على الصغير بذراعها تحثها على التوقف وهي تقول بلهجة حانقة.
"معلش لسه مولود ومناعته ضعيفة ومش عايزة حد يبوسه!!"
غابت السعادة عن ملامحها وشعرت بالحرج وهي تستقيم مرة أخرى في وقفتها ثم تقول بصوت مخنوقٍ.
"مكنتش هبوسه، بس طبعًا عندك حق."
ثمة غِصَّة عالقة في حلقها جعلتها تقول بصوت متهدج حزينٍ.
"اقبلي الهدية البسيطة دي مني."
أنهت عبارتها ثم انصرفت من أمامها فقابلتها "تماضر" التي كانت تهتم بالإشراف على تعبئة الوجبات.
نادت إحدى العاملات وطلبت منها أن تحمل الحقيبة عن شروق وترافقها إلى غرفتها.
صعدت ومعها العاملة وما أن دخلت الغرفة حتى تابعت العاملة باحترام.
"حاجة تانية يا ست هانم؟?"
شروق وهي تومىء نافيةً ثم تقول بخفوتٍ.
"لأ يا حبيبتي.. اتفضلي إنتِ."
خرجت البنت على الفور فألقت "شروق" بنفسها على الفراش ترمي همومها قبل أن تقع هي عليه.
جلست على طرفه يغلفها الانكسار واللوعة في تقبلها أمر الخالق وتحطيم الخلق لها خاصةً راوية التي أصابها لمعة غريبة في عينيها تشبه التجبُر والترفع.
حتى بحة صوتها صارت أقوى وأغلظ كمن شعرت بالقوة والصلابة بإنجابها ولدًا للعائلة فصارت تطغى بنظراته وكلامها واثقةً أن ما تفعله لن يكون له مردودًا لأنها منحت العائلة غُصنًا مُمتدًا لنسلهم.
فرَّت دمعة ساخنة من حدقتيها شاعرةً بالوضاعة التي انبعث تقبض على عنقها من أعين "راوية" وكأنما تخبرها بأنها لم تقدم لهذه العائلة شيئًا؛ بل هي من قدمت لهم جزورًا تمتد للنهاية.
طُرق الباب فمحت دموعها فورًا قبل أن تفتح "تماضر" الباب ثم تقول بدهشة.
"أيه يا شروق، إنتِ لسه هنا؟ تعالي يلا اقعدي مع البنات وانبسطي بالأجواء!"
أومأت شروق وهي تنهض من مكانها متجنبة النظر إلى أعين "تماضر" حتى لا تلاحظ لمعة عينيها الدامعتين.
خرجت "شروق" من الغرفة ونزلت إلى الصالة التي تجلس فيها النساء.
كانت تجلس في وحدة وحُزن فلم يصيبها القدوم إلى هذا المكان إلا بالوحدة.
التفتت إليه إحدى السيدات التي ربتت على كفها وقالت بنية سليمة لا يشوبها ذرة شماتة.
"وإنتِ يا بنتي، ربنا يديكِ ويراضيكِ قُريب."
لقد داهمت التجاعيد كف المرأة العجوز بشكل قاسٍ، شعرت "شروق" بحُنوٍ جارفٍ في حديثها.
وقبل أن تتكلم وجدت "راوية" تتصنع التأثر وهي تقول بحُزن زائفٍ.
"بدعي لها والله يا خالة إن ربنا يرزقها بمعجزة وتخلف وتدوق حلاوة الضنا، أصل الدكاترة قالوا لها إنها مش بتخلف."
عبست العجوز وأسرعت تقول بلهجة ناقمة.
"تفي من بؤك يا راوية، ليه يا بنتي كدا، الملافظ سعد، مفيش حاجة عن ربنا بعيدة."
ابتلعت "شروق" غِصَّة مريرة في حلقها وهي تشيح بوجهها للجهة الأخرى وتقول بخفوتٍ رغم نزف مشاعرها المكلومة.
"ونعم بالله."
في تلك اللحظة، هبَّت "راوية" من مكانها وشرعت تمشي بخطوات متهادية أمامهما وهي تضع كفها أسفل بطنها المجروح وتقول بنية غير سوية.
"الوجع هيموتني بس كله يهون علشان عيون النوبي الصغير."
ابتعدت من أمامهما بينما ظلت "شروق" مُطرقةً برأسها للأرض في اختناقٍ ورغبة عاتية تنبعث من داخل نفسها في البكاء.
نظرت "راوية" يمينًا ويسارًا تتأكد من انشغال الجميع في أعمالهم، فطفقت تصعد الدرج رويدًا وعلى مهلٍ بعيدًا عن انتباه الكل حتى صعدت للطابق الثاني ثم بدأت تلتفت حولها في ارتباكٍ قاصدةً غُرفة "شروق" خصيصًا.
وما أن وصلت حتي اندفعت للداخل وأغلقت الباب خلفها وأخذت تتنفس الصعداء في وجلٍ ولم تترك لنفسها لحظة لالتقاط الأنفاس فأسرعت فورًا تشمل الغرفة بعينيها بنظرات مبعثرة مضطربة.
حتى وقعتا على الحقيبة الشخصية، هرولت إليها ثم بدأت تقلبها وتفرغ ما في جوفها على التسريحة تبحث عن شيءٍ بذاته، شيءٌ يُعزز ذنبها تجاه الأخيرة وحرمانها الأمومة.
إلى أن رأت كرة من الشعر فابتسمت بظفرٍ وعينين تلمعان وقامت بإخفاء الكرة داخل حمالة صدرها ثم اندفعت تخرج من الغرفة قبل أن يراها أحدُ.
هرولت نحو الدرج تهبطه مرة أخرى، بينما ظلت "تماضر" تراقب هبوطها الدرج وهي تختبئ خلف الحائط.
وما أن نزلت حتى قدح الشرر من عيني "تماضر" واستبد بها الشك حول "راوية" التي رغم أنها ما زالت مرأة نفساء حققت الزواج الناجح ورُزقت بالابن إلا أنها لا تنظر إلى حياتها وتحمد الله وتكتفي بل تسعى ألا يحقق غيرها هذه الإنجازات.
أطبقت "تماضر" أنيابها في غيظٍ وقد اشتعل صدرها وجاش بنارٍ لا تنطفئ، توعدت لها ومحاسبتها عمَّا يضمر في نفسها تجاه "شروق" من ضغينة دفعتها لأذيتها كي تبقى هي سيدة البيت وأم الأحفاد وحدها ودون أن تشاركها غيرها في ذلك.
اندفعت "تماضر" بمشاعرٍ مُلتهبة وخطوات مهتاجة نحو غرفة "شروق" ثم جمعت الأشياء داخل الحقيبة مرة أخرى والتقطتها وخرجت بها من الغرفة.
كان وقع خطواتها عنيفًا حينما هبطت الدرج وتوجهت نحو حشد النساء ومن ثم إلى الرقعة التي تجلس بها "شروق" و "راوية".
وما أن وقفت أمامهما حتى لوحت بالحقيبة أمام عيني "شروق" ثم تابعت بابتسامة ثابتة تخفي غيظها عن مرأى أعينهما.
"خُدي يا شروق يا بنتي شوفي شنطتك ليكون ناقص منها حاجة!!"
زوت "شروق" ما بين عينيها قبل أن تسأل في تعجُبٍ.
"دي كانت في أوضتي!!"
التفتت "تماضر" بعينيها إلى "راوية" التي توترت صفحة وجهها بشكل ملحوظٍ جاهدت في إخفائه.
ثم التفتت من جديد إلى "شروق" وقالت بلهجة شديدة.
"لقيت كل اللي فيها مرمي على التسريحة قولت يمكن حد من عيال الضيوف فتحها وخد حاجة؟"
أومأت "شروق" في تفهم؛ دست يدها وعيناها داخل الحقيبة تتفقد أشيائها جميعًا.
وما هي إلا لحظات قبل أن ترفع عينيها مرة ثانية ثم تقول بهدوءٍ.
"لا مفيش حاجة ناقصة غير خصلات شعر العروسة اللي كانت بتلعب بيها بنوتة عندي في الكيدز إيريا (مكان مخصص للأطفال).. ربنا يستر ومفيش طفل يلاقيها ويحطها في بؤه."
تماضر وهي ترفع أحد حاجبيها ثم تبتسم بمكرٍ.
"آآآآه، شعر عروسة لعبة؟?"
أومأت "شروق" إيجابًا؛ فتوترت "راوية" أكثر وجاش صدرها بنيران الغيظ والغضب.
ونجحت "تماضر" في ملاحظة ذلك بوضوحٍ شديدٍ.
***
اندفع من بوابة المصنع بسرعة البرق؛ تقدم إلى الداخل بخطوات متعثرة لا تُشبه الراسخة التي كان عليها من قبل.
كان وجهه مُكفهرًا والنيران تنبعث من حدقتيه وهو يضع الهاتف على أذنيه ويقول بلهجة شديدة الغضب.
"في أيه يا نبيلة؟ إنتِ مش عارفة إن العمال كلموني علشان الكارثة اللي حصلت في المصنع؟"
جاءهُ صوتها تقول بكلمات مُضطربة.
"سكون لحد دلوقتي مرجعتش البيت وأنا قلقانة عليها!!"
عثمان وهو يهيج صارخًا بانفعالٍ.
"هتروح فين يعني.. مهما لفت لازم هترجع.. اقفلي دلوقتي يلا."
أكمل سيره بخطوات مستعجلة للداخل إلى أن التقى بسكرتيرته التي سارت بجواره في وجلٍ دون أن تتكلم.
بينما تابع هو بصوت أجشٍ جعل جسدها ينتفض.
"فين ياسر من كُل اللي بيحصل هنا؟?"
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة وهي تقول بتلعثمٍ.
"مع العُمال في المصنع يا عثمان بيه!!"
غير مسار طريقه من غرفته إلى المصنع وما أن عبر أبوابه حتى وجد تجمهرًا من العمال حول الماشية الميتة على الأرض.
صوت غمغمة العمال ضغط أعصابه؛ فتسارعت أنفاسه وهو ينظر إليهم بعد أن أدرك أنه يتعرض لخسارة فادحة لم يكابد مثلها على مر الأعوام ومنذ نشأة المصنع.
حيث وصله أنباء بانتشار فيروس ما بين المواشي مما أدى إلى قتلها وتسرب هذا المرض المُعدي إلى العُمال أيضًا فمرض منهم من مرض وتخلف عن الحضور من تخلف.
نظر مصدومةً من حوله قبل أن يصيح مُنفعلًا.
"ياسر؟؟ فهمني أيه اللي بيحصل؟؟ وامتى الكلام دا كله حصل؟؟ ومرض أيه دا اللي ظهر ما بين يوم وليلة؟?"
أسرع "ياسر" إليه قيل أن يقبض بهدوءٍ على ذراعه ثم يحثه على الابتعاد عن العُمال ثم التكلم.
تنحنح أولًا قبل أن يقول بتوترٍ.
"المرض كان موجود من فترة بس الدكاترة كانوا مسيطرين على الوضع ولكن فجأة كل حاجة اتغيرت ووصلنا النهاردة لقيناهم ميتين."
قبض على كفه الممدود إلى ذراعه ثم أطاح به بقوة ضارية وأردف.
"لازم تلاقي حل المهزلة اللي بتحصل قدام العمال دي، مكنش لازم يحصل قدامهم الكلام دا، إنتَ المسؤول قدامي عن النتيجة يا ياسر."
تصبب جبين "ياسر" عرقًا قبل أن يقول بخوف يكتنفه.
"الأهم من كُل دا، إنتَ لازم تعمل تحليل للڤيرس دا يا عثمان بيه، لازم نطمن عليك!"
استبد الخوف به وخشي أن يكون قد أصابه هذا المرض المنشود وهو المصاب بحب ذاته وخوفه الشديد على صحته وسلامته، أومأ مؤيدًا رأي ياسر.
قبل أن يتلعثم الأخير وهو يسأل متوجسًا.
"مش عايزك تقلق خالص، أنا هكلف العُمال يتخلصوا من الحيوانات دي في أسرع وقت وهنسكتهم بمبلغ وكأن مفيش حاجة حصلت."
قدح الشرر من عيني "عثمان" وهو يطبق على أسنانه بشراسة ويقول.
"حيوانات أيه اللي هترميها يا مُغفل إنتَ؟?"
قطب "ياسر" ما بين عينيه باستغرابٍ وتساءل بشكٍ وريبة.
"أمال نعمل فيهم أيه؟?"
خفت حدة صوته وخفض نبرته الحادة وهمس من بين أسنانه المطبقة.
"إحنا هنتظاهر إننا تخلصنا منهم ولكن هيتم استخدامهم كسلع انتاجية خارجة من المصنع للمستهلك عادي جدًا."
خرجت عيني "ياسر" في جحوظ وصدمة لجمته عن النطق لثواني قبل أن يتابع بلهجة مضطربة يكسوها الريبة.
"بس دي ميتة؟؟ ودا حرام؟?"
رمقه "عثمان" بنظرات نارية قبل أن يتابع بلهجة محذرة.
"ما هو محدش يعرف غيري أنا وإنتَ يا ياسر!"
ضرب بكفه على صدر الأخير الذي تصلب في مكانه ويبست أطرافه وهو ينظر مصدومًا إلى الفراغ من حوله.
بقى هكذا للحظات قبل أن يصيح "عثمان" في وجهه بصرامة.
"فين الدكتور اللي هيعمل لي التحاليل!!"
استفاق "ياسر" من دهشته وهو يتعثر في كلماته ويقول وما يزال تحت وقع الصدمة.
"من هنا.. من هنا يا عثمان بيه."
انطلق "عثمان" حيث أشار الأخير وذلك بعد أن أكد عليه تنفيذ ما طلبه منه في سرية تامة وبأسرع وقت.
صر بقوة على أسنانه من هول ما يرغب هذا الرجل المُستبد الذي يرى أن لا أهمية للإنسان ولا حياة أثمن من حياته، اشتعل الغضب وملأ قلبه الحاقد على عثمان.
فتح "عثمان" الباب بقوة فوجد الطبيب يجلس في انتظاره وما أن دخل حتى صاح بصبرٍ نافدٍ.
"خلص اللي هتعمله والنتيجة تكون عندي النهاردة وفي أسرع وقت، مفهوم؟?"
أومأ الطبيب بقلقٍ وقال.
"تحت أمرك يا عثمان بيه."
كشف على الفور عن ذراعه قبل أن يغرس الطبيب سِن الإبرة في وريده ويسحب عدة قطرات قليلة تفي بالغرض.
وما أن انتهى حتى هبَّ عثمان واقفًا مرة أخرى واندفع بغضبٍ مُدمرٍ نحو غرفته لإتاحة الفرصة لعقله للتفكير فيما يجري معه في الآونة الأخيرة خاصةً منذ ظهورها.
فتح الباب بعصبية مُفرطة ولكنه بقى صنمًا لا يُحرك ساكنًا ولا يتجاوز عتبة الباب حتى، اتسعت عيناه على وسعهما حينما أبصرها تجلس على كرسي مكتبه واضعةً قدمًا فوق الأخرى وابتسامة ماكرة تظهر على شفتيها.
انتشل نفسه من الصدمة فورًا وهو يصيح مشتعلًا من شدة الغضب.
"إنتِ إزاي دخلتي هنا؟?"
اِفتر ثغرها عن ابتسامة ساخرة وهي تقول ببرودٍ وكأنما تستمتع بتأججه.
"من الباب."
اندفع بقوة نحوها فاستدارت بالمقعد كي تواجهه، قام بمحاصرتها بوضع كفيه على مسندي الكرسي بينما مال عليها يرمقها بنظرات نارية.
فبادلته نظرات أكثر من خاصته اشتعالًا وقسوةً، ظلا ينظران إلى أعين بعضهم للحظات قبل أن تقول هي بلهجة استفزازية ثابتة.
"سكون بنتي مش كدا؟?"
انتفض داخله في صدمة على عكس جسده الذي بقى صامدًا إلا عينيه.
رأت الارتباك والهروب فيهما حينما ضغط كفيه معًا وقال بلهجة نارية.
"شكلك مريضة نفسيًا لدرجة إن الوهم صور لك إني ممكن أحتفظ ببنت منك!!"
انطلقت ضحكة عالية من بين شفتيها؛ لم تكُن على الإطلاق ضحكة بل كان غليلًا يتصاعد في تراكمٍ لتتكلم بلهجة ناقمة.
"أمال خطفت بنتي مني يوم ولادتها ليه؟؟ كان أيه هدفك وقتها لمَّا بعدتها عني؟؟.. اقنعني يلا!!"
رفع أحد كفيه ثم ضرب جانب رأسها وهو يقول بغليلٍ ينبعث بين طيات حروفه.
"إنتِ مين علشان أقنعك؟؟ قولت لك مليون مرة أنا مخطفتش حد ولا فارق معايا إنتِ أو حد يخصك، تقتنعي أو لأ ميفرقليش ويلا غوري من هنا قبل ما أسرق روحك."
أسرعت برفع قدمها قليلًا ثم دعست قدمه بقوة مغلولة جعلته يسحبها فورًا وهو يصيح يغيظٍ وألفاظ نابية.
"يا بنت ال*لب."
رفعت أحد حاجبيها بثبات وما أن جاءت سيرة والدها على طرف لسانه بل وسبه وكأنه لم يكفه ما تعرض له والدها بفضل فعلته الدونية.
ارتسمت ابتسامة عريضة على مُحياها قبل أن ترفع ساقها للأعلى ثم تضربه ضربة ضارية بركبتها بين ساقيه وهي تقول بصرامةٍ.
"خلفتك الجاية.. خطر على البشرية."
انبعثت صرخة متألمة من بين شفتيه فأسرع في كتمها وهو يضغط على مكان الألم قائلًا بنبرة ينفجر منها الوجع.
"دا أنا هشرب من دمك يا رخيصة يا بنت الحرام!"
هبَّت واقفةً في مكانها ثم وضعت حقيبتها في كتفها ورددت بابتسامة غير مُباليةٍ بوجعه.
"هسألك للمرة الأخيرة قبل ما أعرف بطريقتي وساعتها العقاب هيكون ضعفين!!"
سكتت هنيهة وهي تحدق في عينيه بتحدٍ وتقول.
"سكون بنتي اللي خطفتها مني ولا لأ يا ديل الكلب؟?"
انتظرت رده بحاجب مرفوعٍ وذراعين معقودين في ثبات كبيرٍ؛ فوصلها الرد بعد لحظات حينما باغتها بقبضته التي أطبقت عنقها ثم أخذ يدفعها للخلف إلى أن التصق ظهرها بالحائط.
أخذ يضغط عنقها بقوة حتى ظنت أنها مفارقة للحياة لا محال ورغم ذلك أخذت تقاوم ذراعه وتحاول دفعه بعيدًا عنها بينما عيناها تجحظان من شدة الاختناق.
إلى أن توصلت إلى حلٍ ينقذها من بين براثنه، أسرعت بوضع كفها داخل جيب معطفها والتقطت القداحة على الفور وعلى حين غُرة منه قامت بإشعالها وتوجيهها نحو خصلات شعره التي التقطت النيران فورًا ليتركها على الفور وما أن شعر بسخونة ودخان ينبعثان من رأسه؛ كما ازدادت الرائحة بصورة ملحوظة فبدت كرائحة الشواء.
ليُحررها رغمًا عنه ثم يهرول مسرعًا إلى الحمام ويقوم بوضع رأسه أسفل الصنبور لإطفاء النيران.
بدأت تستعيد وعيها الذي أوشكت أن تفقده وراحت تتنفس بقوة ثم هدأت وتيرة أنفاسها لتُقرر الذهاب قبل عودته.
وهي تقول بلهجة شديدة أثناء خروجها من الباب.
"المرة الجاية هحرق لك ديلك.. لأن مفيش أمل أنه يستقيم أو يتعدل."
تجذفت في سيرها خارج المصنع بأكمله وما أن وصلت إلى سيارتها واستقرت بالمقعد الخلفي حتى فتحت النافذة ليظهر أمامها وهو يقول بنبرة متوترة.
"دي العينة يا نجلا هانم."
ابتسمت له بهدوءٍ ثم تساءلت بحزمٍ.
"الفيديو والتسجيل الصوتي؟?"
أردف "ياسر" بارتباكٍ شديدٍ وهو يتلفت حوله مخافةً أن يراه أحد.
"قبل ما توصلي البيت هيكونوا على تليفونك، ما تنسيش لازم نحذر الناس من منتجات اللحوم لشركة عثمان السروجي.. أنا خايف على الناس تتأذي!!!"
أومأت "نجلا" وتابعت بتفهم.
"سيب الموضوع دا عليا، أنا هتصرف بمعرفتي."
تابع يذكرها بكلمات مُشتتة.
"اوعي تنسي تفبركي تحليل علشان هيسأل كل دقيقة عن نتيجة تحليل الڤيرس!!"
نجلا بابتسامة هادئة تتدارك مخاوفه.
"اعتبر حصل يا ياسر.. اوعى تخاف منه.. إنتَ شخص أمين وربنا هيسترها معاك."
بادلها ابتسامة بسيطة ثم ابتعد عن السيارة على الفور عائدًا إلى الشركة قبل أن يلاحظ "عثمان" غيابه ويتساءل حوله.
***
مطت شفتيها بامتعاضٍ وهي تجوب الشوارع بعينيها من خلال نافذة السيارة قبل أن تلتفت صوبه ثم تقول باستغرابٍ وهي تُشير إلى أحد المنعطفات.
"تليد، طريق بيت بابا من هنا!!.. إنتَ نسيت ولا أيه؟?"
أومأ سلبًا ينفي اعتقادها ثم التفت بعينيه إليها وقال بابتسامة مسالمة.
"قبل ما نروح لبابا.. حبيت نروح مكان هيبسطك أوي."
انبسطت ملامح وجهها بسعادة متحفظة قبل أن تسأل باهتمام وتوجسٍ.
"فين؟؟ هنروح البحر وألبس مايوه؟"
ضحك ضحكة بسيطة لا صخب لها قبل أن يقول بحرصٍ ودهاءٍ.
"إنتِ والبحر تاني؟؟ دا بعينك تحققي أحلامك الوردية دي، عايزة بحر ومايوه، علينا وعليكِ بخير الصيف الجاي وهيبقى شاليه مُغلق بحمام سباحة وعيشي."
التوى شدقها وسألت في فضولٍ.
"أمال إحنا رايحين فين؟?"
أجابها بإيجاز وهو ينخرط مركزًا مع طريقه.
"حالًا هتعرفي."
ارتحت أكثر فوق كرسيها تُسند رأسها عليها وقررت أن تنتظر ظهور المفاجأة قريبًا، هي فضولية تحب أن تعرف كل شيءٍ في وقته.
بينما يعلمها هو الصبر والترويج وليس كل شيءٍ نريده أو نريد معرفته يكون توقيته "الآن" التريث في نيل الأشياء أو المعرفة بها دومًا تقنية جيدة لا تكابدك خسارة كبيرة وقد لا تكابدك خسارة أبدًا.
بينما التسرع لا ينجم عنه إلا الهباء.
استقر بسيارته أمام أحد المولات التجارية قبل أن ينظر إليها ثم يقول بابتسامة عذبة.
"يلا يا ست البنات، تعالي!"
زوت ما بين عينيها وهي تنظر للمكان، ترجل على الفور من السيارة ثم سار إلى الباب التي تجلس بجواره وفتحه وهو يمد كفه لها ويقول بلين.
"يا فضولية، خلاص هتعرفي دلوقتي."
انطلقت ضحكة صغيرة من بين شفتيها مع إدراكه ما يجول في رأسها.
وضعت راحتها على كفه وهي تترجل من السيارة في تروي وتمهلٍ، أحكم غلق الأبواب ثم انطلق بها للداخل.
بينما تنظر هي بانبهارٍ إلى محلات الملابس الموجودة بالدور الأول فاجأها حينما انعطف يسارًا بعيدًا عن المحلات تمامًا.
كان يمسك بيدها إلى أن وصلا إلى باب كبير فعبرا منه ليلتفت "تليد" بعينيه إليها يتفقد ملامحها حينما ترى المفاجأة.
شهقت بخفوتٍ وهي تنظر إلى الصالة الكبيرة المغطاة بالجليد والتي تُستخدم في التزلُج وهذه أكثر الأمنيات التي أرادت تحقيقها مع زوجها يومًا ما، فغرت فمها وهي تتحول بنظراتها إليه ثم تقول بدهشة.
"اوعى تقول إنك قرأت مذكراتي؟?"
قطب حاجبيه معًا قبل أن يومىء نافيًا معتقدها وهو يقول بلهجة ثابتة.
"لا والله خالص.. أنا قولت نعمل حاجة مجنونة مع بعض!!"
تهللت أسارير وجهها وهي تنظر بانبهارٍ إلى المكان قبل أن تلاحظ خلوه من الناس وتتساءل بشأن هذا.
"بس هي فين الناس؟?"
تليد وهو يلتقط العجلات من يدٍ الرجل ثم يقول بهدوءٍ.
"حجزت الصالة كاملة لمدة نص ساعة، نلعب فيها أنا وإنتِ وبس."
دقَّ قلبها بقوة وبغير هوادة، هذا بالضبط هو الاهتمام الذي رغبت أن تناله وتستحقه يومًا؛ بل شغفه واهتمامه بها كانا أجمل بكثير مما حلمت به طوال عمرها، انفرجت ملامح وجهها بسعادة غامرة تمكن من رؤيتها بوضوحٍ فسرت السعادة بين شرايين قلبه لفرحتها.
في هذه اللحظة أسرع بجذبها من ذراعها حتى أجلسها على دِكة حديدية بالصالة ثم نزع حذاءها الرياضي عن قدميها ووضع حذائي التزلج وتأكد من ثبات قدميها داخلهما.
كان جالسًا على قدميه أمامها ومنخرطًا في التأكد من ارتداؤها للحذاء بإحكام لتُمرر هي أناملها برفق على خصلاته السوداء الناعمة.
فرفع عينيه يلتقي بعينيها ويمعن النظر فيهما قبل أن يرمي لها غمزة قتلت الثبات فيها ويقول بابتسامة هادئة.
"يلا بينا!!"
أومأت وما زالت تتطلع إلى عينيه الخلابتين فبدت هائمةً في عالمٍ آخر ولم تسمع سؤاله حتى، ابتسم على حالها وأسرع بارتداء حذائه قبل أن يمسك كفها مرة أخرى ثم يتجه بها صوب الرقعة الجليدية.
بدأت تضحك بشكلٍ متوترٍ حينما دفعها بروية على الجليد وهي تصرخ باستجداء راغبةً في بقائه إلى جوارها.
"خليك جنبي يا تليد.. أنا عمري ما استخدمت العجلات دي!!"
دخل إلى الساحة هو الآخر بينما بقيت هي واقفةً تترنح في ذعرٍ خشية أن تسقط على وجهها فانتظرت حتى اقترب منها ثم تشبثت بقوة في ذراعه وقالت بتلعثم.
"يا لهوي، دي مش بتثبت على الأرض؟?"
انطلقت ضحكة عالية من فمه وسأل في دهشة.
"أمال كان نفسك تركبيها إزاي؟?"
تركت الإجابة عن سؤاله جانبًا وتحولت ملامحها إلى غيظٍ وهي تقول.
"شوفت إنك قريت ذكرياتي!!"
ضرب كفًا بالآخر وهو يقول بغيظٍ مكظومٍ.
"يا ستي والله ما حصل، إنتِ اللي لسه قائلة دلوقتي.. وبعدين إحنا جايين ننبسط.. بلاش جو البرتقانة المُلتهبة دا وإلا هسيب دراعك.. إنتِ حُرة بقى!!"
هزت رأسها بنفي وهي تتشبث أكثر بذراعه ثم تقول بخوف جلي في نبرتها.
"لأ خلاص، أنا آسفة."
سكتت هنيهة ثم تابعت بتمرد وتبرم.
"على فكرة بقى أنا أترچاية مش برتقانة؟?"
تليد بضحكة هزلية يقول.
"مش هتفرق، أهي كلها برتقاليات."
كانت قدمها تنجرف للأمام تارة فتُسرع بالتشبث بالأرض قبل أن تسقط وللخلف تارة فتقبض أكثر على ذراعه حتى قال وهو يضع كفه أسفل ذقنه بنفاد صبرٍ.
"خلينا واقفين لازقين في بعض زيّ التوأم المتلاصق لحد صلاة الجمعة الجاية، يا أمي؟؟ إحنا جايين نلعب، حلي عن دراعي!!"
وَميض وهي تهتف بإصرار وارتيابٍ.
"مش هحلك.. افرض وقعت على وشي د لوقتي؟?"
تليد بانفعالٍ خفيفٍ يرد.
"طب ما تقعي عادي وقومي تاني؟؟ ليه محسساني إنك هتقعي من برج خليفة؟؟"
مثلت اختناق نبرتها وبكائها فصاحت.
"إنتَ قاسي على فكرة و..."
تليد بضحكة ماكرة وهو يدفعها برفق بعيدًا عنه ثم يقول بلهجة مازحة.
"هل تظنيني وَغدًا؟.. أنا أوغد مما تظنين!"
صرخت بهلعٍ وساقها تقودانها بعيدًا عنه مُرغمةً، فضغطت أسنانها وهي تُبطبط كبطةٍ واقعةً في الماء فتميل على أحد شِقيها تارة وأُخرى على الشِق الثاني، فصاحت متبرمةً.
"تقريبًا كدا لازم أقاوم وابقى سترونج، بدل ما أما هُزء كدا؟?"
صفق لها بحرارة وهو يقول.
"براڤو يا هُزء.. قصدي يا سترونج، جووو."
بدأت تتغلب على مخاوفها رويدًا رويدًا خاصة حينما وجدته يلف الصالة باستخدام عجلاته وكأنه مُتمرسًا فلم تجده للحظة يتخبط أو تنزلق قدميه.
وهذا ما دفعها أن تقلده حتى تصل إلى درجة ثباته، بدأت تترك نفسها وتقودها العجلات وبينما هي متوجسةً استطاعت أن تسير مسافة كبيرة دون أن تنزلق قدميها فصاحت بسعادة وانتصار.
"شوفتني يا تليد؟؟ أنا مشيت مسافة كويسة من غير ما رجلي تتزحلق!!"
كان يتابعها بطرف عينيه حتى لا تسقط سقطة قاسية تؤلمها وما أن تحدثت إليه حتى بدأ يتجه نحوها وهو يقول بابتسامة عريضة.
"شوفتك يا روح تليد.. براڤو عليكِ.. الثقة بالنفس أهم من الخوف في اللعبة دي."
أومأت في حماسٍ وبدأت تتحرك بعيدًا عنه ولكن على حين غُرة منها انزلقت قدميها معًا فمالت للأمام فاقدة الاتزان تمامًا.
وقبل أن يرتطم وجهها بالأرض أسرع فورًا بلف خصرها بين ذراعه متمسكًا بها بقوة إلى أن جذبها إليه مرة أخرى فاستقام طولها والتصق ظهرها بصدره.
فأردفت وهي تستدير إليه متوترةً ثم تقول في دهشة من إنقاذها السريع.
"كنت هقع على وشي حالًا."
تليد وهو يُمعن النظر في ملامحها المرتابة من الخضة ثم يقول في توددٍ مُتغزلًا بتفاصيلها.
"دا قلبي اللي وقع على وشه حالًا."
عانقت كلماته ثنايا قلبها الذي تعلق به رغمًا عنها ورفض القيود التي حاصرته بها كيلا يقع في حُبه وتُصبح سبية لرجلٍ مُتطرفٍ يستخدمها لأغراضه.
إلا أنها تفاجأت برجلٍ عتيدٍ رصينٍ في فعله وقوله لم يُقدم لها حتى الآن سوى اليُسر واللين؛ فلو كان ثمة من هو مُتطرفٌ أو إرهابيٌ إنما هو عقلها الذي صور لها هذا اللين على هيئة سِجِّين!!
تنفست بعُمقٍ بعد أن توترت من نظراته المحدقة فيها وتابعت بإنهاك.
"كفاية كدا.. أنا مش قادرة ألعب تاني."
أومأ يُقدر رغبتها وأن هذه المرة الأولى لها؛ فمدَّ كفه إليها فأمسكت به.
بينما تابع وهو يسير بها بترفق نحو الباب.
"زيّ ما تحبي."
سارا بمحاذاة بعضهما، اهتم كثيرًا أن تبقى مستقيمة راسخة حتى خروجها، فدفعها برفق أمامه ثم خرج بعدها.
وما أن وصلا إلى الدِكة حتى حثها على الجلوس في هدوءٍ ثم أسرع بنزع الحذاء عن قدميها لتميل هي معه وتبدأ في ارتداء حذاءها الرياضي.
وهنا أردف باستعدادٍ وهو يهندم ثيابه ويخلل أصابعه بين خصلاته المبعثرة لتنظيمها.
"يلا ظبطي نفسك وهدومك علشان نخرج."
ارتدت حذاءها ثم وقفت أمامه ترتب ثيابها التي أصابتها الفوضى وكذلك حجابها؛ فقامت بحله ثم وضعته على رأسها بصورة مُنمقة أكثر ثم تابعت بانتهاءٍ.
"يلا بينا!"
وجدته مُحدقًا فيها بعينين ناريتين فرمقته باستغرابٍ وتساءلت متوجسةً.
"في أيه؟ مالك؟?"
رفع كفه إلى حجابها والتقط طرفه ثم قام بجذبه للأمام حتى تجاوز جبينها وهو يقول بغيظٍ ظهر في كلماته.
"قُل للتي أظهرت طليعة شعرِها وتشبهت بحسونة، صونِي حِجابكِ أختاه واغلقي البلكونة!!."
التوى شدقها بغيظٍ وهي تجد حجابها الذي نظمته بالكاد قد بُعثر من جديد؛ فتابعت بحنقٍ وهي تدفع غُرة شعرها بأصابعها تحت الحجاب.
"كدا حلو؟?"
تليد بابتسامة متراضية يقول.
"تمام."
اِفتر ثغرها رغمًا عنها عن ابتسامة ناعمة حينما وجدته يقبض على رأسها بكفيه ثم يقربها من فمه ويقبلها قُبلة هادئة تحمل شغفًا لا ينتهي لها.
***
قد تكون المأساة الحقيقية لك حينما ترى العالم أجمع في عينين لا تراك سوى ضيعة مُتهالكة؛ هكذا بدا شعوره المؤسف منها، رغم ما يحمله داخل صدره من شوقٍ لا ينضب أبدًا لها لا يراها تتنازل له بقدر إصبع حتى، يمنحها حُبًا فترده كَلمًا ينزُف من عمقه ولا ترد له بالًا إن كان تألم أو لا!
كان يجلس على الأرض يسند ظهره على باب الغرفة ويدفن رأسه بين ذراعيه في سكونٍ بعدما هدر طاقته كُلها يُقنعها بالعدول عن عداوته التي لا يستحقها منها.
وقفت هي أمام النافذة بصدر يجيش غيظًا وغضبًا منه، كيف يحتجزها كذليلة وسبية له في غرفة بمنزل عدوتها؟؟ كيف سحب بذور ثقتها به بعد أن ظل يغرسها فيها طويلًا؟؟ هل أخذ الحق يؤتى بالعُنف؟؟
كان جسدها يفور من شدة لهيبه المُشتعل فنحت ببصرها إليه ثم صرخت بنظرات نارية حادة.
"لآخر مرة بقول لك، سيبني امشي يا كاسب؟?"
كاسب بصوت صارمٍ يقول دون أن يرفع وجهه.
"لأ."
تحركت نحوه بخطوات متمردة إلى أن وقفت أمامه وصاحت وهي تنظر إليه من علوٍ.
"أيه؟ مستني أوامرها؟ طب لو مستني أوامرها فعلًا، بلغها بأني عايزة أتكلم معاها!!"
رفع بصره إليها فوجدها تنظر داخل عينيه بتحدٍ ليقول بلهجة شديدة.
"متخليش الغضب يعمي عينيكِ خالص يا سكون؛ لأنك في الفترة دي هتحتاجي تشوفي كل واحد على حقيقته."
صرخت بحدة وغيظٍ.
"ما أنا شوفت فعلًا!!"
لم يتحمل نبوج صوتها أكثر من ذلك، انتفض واقفًا في مكانه ثم ضغط على ذراعها بشراسة ما أن تداركها حتى أرخى قبضته قليلًا وهو يهدر بلهجة حادة.
"بتحاولي تستفزيني بصوتك علشان أوجعك بفعل أو بكلام وبعدين تقولي عرفتك على حقيقتك؟؟ لا يا سكون مش هتنولي مرادك لأنك سكون اللي مش هفكر أجرحها بنظرة حتى.. لأني مش إنتِ.. بتجرحي وبتجحدي عادي."
ضوى بريق الانكسار في عينيها ولم تستطع اخفائه حينما أردفت بلوعة مريرة.
"جبتني هنا ليه يا كاسب؟؟؟ وحابسني ليه؟?"
رق قلبه لعينيها الدامعتين فألان نبرته قليلًا وهو يردف.
"إنتِ اللي أصريتي تعرفي مكاني فأنا قررت أعرفك بالسر اللي مخبيه عنك، إنتِ ليه مش قادرة تشوفي ذنب أبوكِ؟"
هدأت فرائصها قليلًا قبل أن ترد بخفوتٍ ولوعة.
"لأني مش بشوف ذنوب اللي بحبهم."
افتر ثغره عن ابتسامة فاترة منكسرة وهو يقول بحنقٍ.
"بس شايفة ذنبي؟؟ دا لأنك مش بتحبيني!"
فرَّت دمعة من عينيها وهي ترد بنبرة مختنقة حُبست آلامها فيها.
"أو يمكن بتظاهر إني شايفة لك ذنوب؟?"
كانت عبارتها بمثابة رد أنفاسه إلى صدره مرة أخرى بعد أن انقطعت، دبت الأمل في قلبه دون أن تُدرك ذلك.
تنففس بقوة قبل أن يجدها تقول بلهجة مستسلمة.
"عايزني أسمعك؟؟ قولي لي أيه اللي حصل لي من لحظة دخولي هنا؟؟ وليه نيمتوني؟?"
رمقها بنظرات جامدة وأكمل.
"بس إنتِ رافضة تصدقي أي حاجة ومش عارفة تشوفينا غير مُذنبين!!!"
تلفتت تنظر حول نفسها وهي تقول بصوت مهزومٍ.
"ما أنا صدقتك كتير.. شوف وصلتني لفين؟؟ حابسني في بين أكتر إنسانة بتتمنى لي ولأبويا الموت!!"
صاح بانفعالٍ شديدٍ ينفي اعتقادها باقتيادها إلى سفح جبل شاهق وقبل أن تظن بأنه يرميها من فوقه تابع دون أن يعي ما يقول.
"الست اللي بتقولي عليها بتكرهك مغدور بيها من أبوكِ اللي خطف بنتها منها."
حدثت فيه في جحوظٍ وبدت وكأن الدهشة سلبت روحها فشعرت بارتيابٍ يحتل صدرها ثم صاحت باستنكارٍ تامٍ.
"وهياخد بنتها يعمل بيها أيه؟?"
كاسب بنفاد صبرٍ يصيح.
"لأنها بنته بردو!!!"
زوت ما بين عينيها غير مصدقة ما يتفوه به من تُرهات؟ هل حملت "نجلا" من أبيها في محاولة الاعتداء عليها كما تزعم؟ وإن كان كذلك؟ فلماذا يختطف ابنتها؟؟ والأهم أين هي؟.
افتر ثغرها عن ابتسامة متهكمة ترفض تصديق قوله وهي تبغض كلامه المتحامل على والدها.
"مستحيل بابا يخطف طفلة!!"
في هذه اللحظة وجدت الباب يُفتح فورًا فظهرت "نجلا" أمامها والتي تابعت بلهجة لينة تقول.
"كُنتِ بتقولي بردو مستحيل يكون مُغتصب رغم إنه كدا فعلًا.. عامةً يا سكون أنا هريحك.. تحبي تسمعي الحقيقة؟?"
رواية رحماء بينهم الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم علياء شعبان
ركضت مُسرعةً ما أن أبصرت باب المبنى الذي يقطن فيه أباها والسعادة تغمرها في حنينٍ للقياه.
ابتسم بهدوءٍ وهو يتأكد من إغلاق سيارته ثم أسرع يتبعها داخل المبنى ليجدها قد أكلت درجات السلم ركضًا دون استراحة قصيرة حتى.
رفع بصره فوجدها قد وصلت إلى الطابق المقصود ثم بدأت تنظر إليه من فوق سور الدرج وتقول بمرحٍ:
- اسرع شوية يا تليد!!
كان يحمل في كفيه أكياس الفاكهة بعد أن أصر على حملهم جميعًا.
ابتسم ابتسامة مثابرة مسالمة إلى أن وصل إليها فوجدها تنظر إليه بعينين تلمعان بشغفٍ وتقول:
- تعرف إن بابا هينبسط بالعلبة دي أوي.. أصله بيحب الجاتوه.
اقترب "تليد" منها بعد أن وضع الأكياس بالأرض حتى يُفتح الباب لهم ثم وضع ذراعه حول كتفها وقال بنبرة هادئة:
- بالهنا والشفا.
اندفعت فورًا نحو باب الشقة ثم شرعت تطرق عليه طرقًا يخلو من الصبرٍ والانتظارٍ.
وما هي إلا ثوانٍ حتى سمعت صوت "سُهير" يقترب من الباب وهي تقول متبرمة:
- لحظة ياللي على الباب.. هو إحنا قاعدين وراه؟
ضحكت "وَميض" ضحكة رقيقة وهي تنتظر ظهور "سُهير" أمامها في حماسٍ كبيرٍ.
لحظات وطلت "سهير" من وراء الباب تنظر إليهما في اندهاش لتُبعد "وَميض" العلبة بذراعها قليلًا ثم ترتمي بين ذراعي "سُهير" التي تهللت أسارير وجهها وهي تقول بفرحةٍ:
- حبيبتي يا بنتي.. وحشتيني أنا وأبوكِ أوي!
تشبثت "وَميض" بوالدتها ثم تابعت قاصدةً طرد تلك الأفكار التي تراودها حول تخليها عنهما لأنهما ليسا والديها الحقيقيين؛ فدعمت بكلمات حنونة مدى اشتياقها لهما:
- أنا اللي وحشني كلامكم معايا وقاعدتنا سوى ووحشني كُل ركن في البيت.. أمال فين بابا؟؟
ابتعدت "وَميض" عن ذراعي والدتها ثم تجاوزتها للداخل تبحث بعينيها عن والدها؛ بينما نظرت "سُهير" إليه نظرات خاوية لا تحمل أية معاني ثم تابعت على مضضٍ:
- اتفضل.
قامت "وَميض" بوضع الكعكة على الطاولة الموجودة بالصالة ثم هرولت صوب غرفة والدها تتفقد وجوده بها.
تنحت "سُهير" جانبًا فمرَّ الأخير بخطوات متهادية إلى أن وضع الأكياس القابعة بين كفيه على الطاولة بجوار الكعكة ثم تحرك نحو الصالون وجلس مُباشرةً على الأريكة وسط نظرات "سُهير" المدققة فيه في نقمٍ.
استطاع التعرف عليه من خلال حدقتيها الحادتين، أراح ظهره على الكرسي واشغل نفسه بالاطلاع على آخر الأخبار بهاتفه وقراءة تعليقات الجمهور حول شخصية "الجندي الخفي" الذي تعتبر هويته غامضة لا يُكشف عنها حتى أقرب الناس له بعد أن حلفوا القسم لصون العهد وجعل شخصيته الحقيقية خفية حتى يفصح عنها بنفسه.
كان بين الفينة والأخرى ينظر إليها بطرف عينه فيجدها ترميه بنظرات ساخطة جعلته يُبعد الهاتف عن وجهه قليلًا ثم ينظر إليها مُباشرةً وهو يقول بهدوءٍ:
- في حاجة يا مدام سهير؟؟؟
تنحنحت في حرج قبل أن تتلعثم وهي تسأله سؤالًا كام يتوقعه منها:
- عامل أيه انتَ ووَميض مع بعض؟؟
اِفتر ثغره عن ابتسامة خفيفة تحمل بين طياتها سخرية القدر من سؤال يبدو طبيعيًا من أُمٍ بينما لا يبدو كذلك من شخصية كسُهير التي ترغب أن يُخبرها بوجود الكثير من المشاكل والعراك والأهوال بينه وزوجته؛ ولكنه لم يمنحها هذه الأمنية حينما قال بهدوءٍ:
- على عكس ما بتتمني، بس إحنا بفضل ربنا وكرمه في أحسن حال، مكملاني وروحي فيها.
كوَّرت "سُهير" شفتيها بضيقٍ شديدٍ قبل أن ترد مُحتجة بغيظٍ تكتمه:
- أنا بتمنى لبنتي السعادة الأبدية بس ليك إنتَ لأ.
خرجت ضحكة عريضة من بين شفتيه وقال يستفزها بثقة كبيرة:
- ولو قولت لك إن السعادة الأبدية بالنسبة لبنتك تبقى أنا، هتزعلي؟؟
حدقت فيه بنظرات كارهة بينما استكمل هو ببرودٍ:
- معلش، هتزعلي شوية بس هتتقبلي الموضوع بعدين.
في هذه اللحظة قطع همساته معها صوت "وَميض" التي تعلو ضحكتها بمرحٍ وهي تأتي مع "علَّام" من غرفته حاضنًا إياها بقوة.
ركز "تليد" انتباهه مع سعادتها التلقائية بصحبة والدها تحديدًا.
تحرك "علَّام" صوب "تليد" الذي نهض باحترام وتقدير لرجل كبير كعلَّام وفي خبيئة نفسه يشكره جَمًا لأنه كان سببًا في عودة غائبه إلى وطنه؛ عودتها إلى ديارها؛ عودتها إلى قلبه وداره بعد فقدان دام لزمن طويلٍ.
صافحه "تليد" بحرارة حتى أنهما ضما بعضهما تعبيرًا عن الشكر الخالص الذي يخرج من كُلِّ منهما تجاه الأخير.
كانت "وَميض" سعيدة من هذه المُصافحة الحارة.
جلس "علَّام" على الأريكة وجاورته "وَميض" التي التصقت به واستقرت بين ذراعيه تُشبع شعورها بفقده.
طبطب على ظهرها برفقٍ أُبوي ناعمٍ ثم التفت إلى "تليد" وقال بهدوءٍ:
- عاملة أيه وَميض معاك؟؟ أتمنى تكونوا بخير وحياة زوجية مُباركة ويديم عليكم نعمة الحُب والمساندة لبعض.
أومأ "تليد" ثم قال بلهجة حزينة نوعًا ما:
- ممكن تكون فاكر إنِّي جايبها زيارة ليكم يا عمي بس الحقيقة إن حصلت مشكلة بيني وبينها وأنا جاي اشتكي لك.
قطب "علَّام" ما بين عينيه في قلقٍ؛ أثار كلامه دهشتها فابتعدت عن والدها فورًا وهي ترمقه بعينين متسعتين من الدهشة بينما ظهرت على شفتي "سُهير" ابتسامة بسيطة لم تفلح في اخفائها فلاحظها بكُل الوضوح قبل أن يلتفت ناظرًا إلى "علَّام" مرة أخرى والذي تابع بقلقٍ:
- ليه يا بني؟؟ خير إن شاء الله!!
كانت تحدق فيه وتُشير بأناملها إلى نفسها في دهشة؛ فيما تابع هو بصوت جادٍ رغم ما تفوه به توًا:
- من يوم جوازنا وكُل يومٍ مكرونة وبانية وبتقول لي من باب ادخال السرور على قلب مُسلم؛ وأنا كمُسلمٍ إدخال السرور على قلبي يتوقف على المحشي، أنتوا مش معلمينها تعمل محشي ولا أيه؟
ارتخت ملامح وجه "علَّام" وتحولت من القلق إلى الهدوء والسكينة ثم خرجت منه ضحكة بسيطة وقال:
- الكِذب خِيبة يا بني، هي مكانتش مُهتمة بالمطبخ خالص ولا فاضية له.
رفع أحد حاجبيه ثم رد بمزاحٍ ماكرٍ:
- كانت فاضية تكتب مقالات عني بس وتسمي نفسها زهرة الخشخاش.
مطت شفتيها ثم ردت بغيظٍ مكتومٍ:
- زهرة اللافندر على فكرة.
قطعت "سُهير" حديثهما وهي تنهض من مكانها ثم تقول بصوت مُقتضب:
- هقوم أعمل لكم حاجة تشربوها.
تحول "تليد" بنظراته إليه ثم قال بصوت حازمٍ:
- مش قادر أشرب حاجة يا مدام سهير.. تقدري تعملي لعمي ووَميض.
رمقته "وَميض" بنظرات ثاقبة تُحلل عبارته التي قالها للتو حتى فهمت المغزى منها؛ ألا هو عدم الشعور بالطمأنينة تجاه والدتها لدرجة ألا يتناول شيئًا من يدها خاصةً بعد الواقعة السابقة لها في بيته.
تنحنحت "وَميض" قليلًا قبل أن تنهض مسرعة في مكانها ثم تقول بحسمٍ:
- تعالي يا ماما ارتاحي.. أنا اللي هعمل لنا حاجة نشربها وعارفة تليد بيحب أيه هقوم أعمله له.
أومأت "سهير" دون إطالة؛ فتوجهت الأخيرة صوب المطبخ وهي تتجول بعينيها في تفاصيل المكان الذي بقى على حاله منذ استقرارها في بيت الزوجية.
دخلت المطبخ وتوجهت مُباشرةً إلى الغلاية الكهربائية فكبست زرها ثم مالت على أحد الأدراج والتقطت مجموعة من الأكواب بعددهم ثم وضعتهم على صينية مدورة.
قررت أن تتسلى قليلًا فوضعت سماعة الأذن الموصلة بهاتفها تستمتع ببعض الأغنيات حتى انتهاء المشروب.
بحثت بعينيها عن علبة السكر ولم تجدها فبدأت تدور في الأرجاء تبحث بحرصٍ دون فائدة فضمت شفتيها بيأسٍ حينما أبصرت العلبة على أحد الرفوف وكعادتها التي لا تعرف الاستسلام قررت أن تحصل عليها بنفسها فدارت بعينيها تبحث عن شيءٍ تقف عليه ولكنها لم تجد.
زفرت في حنقٍ وبدأت تقف على أطراف أناملها وقد امتد بصرها ناحية الرف مع امتداد قامتها وذراعها في محاولة مستميتة للوصول إلى العلبة.
وفي لحظة اندماج وإصرار منعتها عن الشعور بقدومه إلى المطبخ، وجدت جسده يلتصق بها من الخلف حتى قدميه وضعهما أسفل كعبيها المرفوعين.
شدَّ على خَصرها بكفيه ثم رفعها بليونة عن الأرض حتى لمس كفها العلبة فقامت بخطفها فورًا ثم أنزلها برفق للأرض مرة أخرى.
تنحنحت في وتوترٍ فلاحظ هو رفوف جفونها من شدة الخجلٍ فأرغمها بكفيه على الاستدارة إليه رغم محاولتها الهرب من عينيه ثم التقت عيناها بعينيه فوجدت ابتسامة متلذذة في انبساط على شفتيه ثم قال بنبرة هامسة:
- مفيش شُكرًا!!
عضت شِفتها السُفلى في ارتباكٍ قبل أن تُحتبس الكلمات في حلقها وتخرج على هيئة هسيس:
- شُكرًا.
قام بمُحاصرة وجهها بين كفيه ثم مال على أنفها وقبَّلها بأطراف شفتيه وهو يقول بعشقٍ ولهٍ:
- ظاهرة كسوف القمر كما يجب أن تكون.
تخضبت وِجنتاها فأكمل وهو يبتعد قليلًا ثم يدقق النظر في ملامحها الخطيرة بالنسبة له:
- دي ظاهرة أول مرة تحصل في قلبي، لازم أصورها!!
خرجت ضحكة خجِلة من فمها حينما استشعرت تغزله فيها بينما أخرج هاتفه من جيبه فورًا ثم جذبها إليه ووضع الهاتف أمام وجهيهما مُلتقطًا صورة مُميزة لهما معًا؛ وكانت هذه الصورة الأولى التي تعرف فيها على شكل قلبه مُتجسدًا أمام عينيه.
انتهى من التقاط الصورة فأسرعت هي نحو الأكواب وبدأت تضع داخلها السكر هربًا من اخجاله لها وبينما هي مُندمجةً أو تبدي ذلك وقف بجوارها ثم جذب إحدى سماعات أذنيها ووضعها داخل أذنه وهو يقول بتساؤل:
- بتسمعي أيه بقى؟؟؟
لم ينتظر جوابها فأسرع بدفع السماعة بعيدًا عن أذنيه وهو يقول بعبُوسٍ خفيف:
- بتسمعي أغاني!!
رفعت أحد حاجبيها ثم تابعت بتبرمٍ وهي تنتقل محو الغلاية الكهربائية التي أنذرتها بانتهاء الغليان:
- دي بردو أبطلها؟؟
تنهد بعُمقٍ قبل أن يتابع في هدوءٍ:
- أنا مقولتش دا.. عامةً إنتِ هتبطليها.. بس بالتدريج لأني مينفعش أجي فجأة كدا أجبرك تبطلي حاجة طول عُمرك بتعمليها.. هيكون الموضوع صعب وشبه مُستحيل واحتمال تكرهيني.
سكت هنيهة ثم أضاف بمرونة وتروي:
- السموم اللي بتدخل أجسامنا مش بتخرج منها بسهولة؛ دي محتاجة علاج وأيام وصبر.. وأنا وقلبي صابرين ورزقي ورزقه على الله.
سكبت الماء بداخل الأكواب ثم أومأت في صمتٍ وهي تتجه إلى الثلاجة.
فتحتها ثم بحثت فيها عن ليمونة وما أن التقطت واحدة حتى اتجهت إلى الأكواب مرة أخرى بعد أن التقطت السكين ثم جزأتها إلى شرائح ووضعتهم فوق كوب الشاي الخاص به.
حملت الصينية بين كفيها ثم تابعت بهدوءٍ:
- شُكرًا إنك فاهم إن الموضوع خارج إرادتي.
ابتسم لها بهدوءٍ ثم تحركا إلى الصالون مرة أخرى وهنا تكلم "علَّام" حينما وضعت ابنته الشاي على الطاولة وأخذت مجلسها هي وزوجها:
- أنا بقول تباتوا معانا النهاردة، دي زيارة مش بتحصل كل يومٍ؟؟
تهللت وجهها ولكنها لم تبدي قبولها أو رفضها حتى التفتت إليه ورمقته بنظرات متوسلة جعلته يبتسم قائلًا في ثباتٍ:
- لو دا هيفرحها.. مفيش مشكلة نِبات.
ابتهجت ملامح "علَّام" الذي استرسل في حديثه مع "تليد" في اندماج وتقارب؛ فكانت تنظر إليهما كأُمنية تحققت من بعد إلحاحٍ؛ أب وزوج يتفاهمان يتشاركان في حُبها بمشاعرٍ صادقةٍ نحوها.
وسط انغماس الرجلين في الحديث ضغطت "سُهير" على ذراع ابنتها فحثتها بإشارة من عينيها على تتبعها ففعلت الأخيرة.
استبقتها إلى الغرفة فلحقت بها "وَميض" فوجدتها تروح وتأتي تفرك كفيها بقلقٍ.
زوت ما بين عينيها ثم تساءلت بتوجسٍ:
- مالك يا ماما؟؟ في حاجة؟؟
تنحنحت قليلًا قبل أن تسأل بنبرة سادرة:
- حساكِ مش مبسوطة يا بنتي.. كلامي كان في محله؟ لو حاسة إنه خطر على حياتك إحنا ممكن نبلغ أبوكِ.. اوعي يكون بيأذيكِ يا وَميض أو بيجبرك على حاجة؟؟
أومأت نافيةً ما يجول بخاطرها من هواجس لعينة فأسرعت تقبض على كفي الأخيرة ثم تقول بثبات:
- مفيش أي حاجة من الكلام دا يا ماما ولا في داعي لقلقك عليا.. أنا وتليد مبسوطين مع بعض وحياتنا ماشية كويسة وهو مُستحيل يجبرني على حاجة.
صمتت لثوانٍ ثم أكملت بصوت خافتٍ:
- أنا كمان حبيته أوي لدرجة إني مش ندمانة على جوازي منه.
زوت "سُهير" ما بين عينيها في استنكار ثم رددت:
- إنتِ حبيتي تليد؟؟ لا لا مش مصدقاكِ.. دا إنتِ كُنتِ تطيقي العمى ولا تطيقيه.
وَميض بنبرة أكثر ثباتًا تردف:
- كُنت، في الوقت الحالي، أنا بحبه وإن شاء الله مشاعري تكمل للمستقبل وللنهاية.
عضت "سُهير" شِفتها السُفلى قبل أن تتساءل بامتعاضٍ ونبرة ذات مغزى:
- أنا كُنت فاكرة إنك يستحيل تسلمي له نفسك يا وَميض؟؟ إنتِ بجد استجابتي لرغبته وحصل بينكم حاجة؟؟
رأرأت مُقلتيها قليلًا في توترٍ وذهولٍ من سؤال والدتها الجريء، تنحنحت تستعيد ثباتها وهي تقول بلهجة ثابتة:
- أه طبعًا حصل لأنه جوزي.. يمكن كُنت شيفاه مُخيف بس دا مش ذنبه دي أوهامي المريضة وقتها.
رفعت كفيها إلى وجه الأخيرة وقالت بلين:
- ماما أنا بحب تليد وأهو إنتِ شايفة بنفسك إنه مش حارمني منكم ولا عنده نية يبعدنا عن بعض، لو سمحتي حبيه زيّ ما أنا بحبه!!
تدبرت ابتسامة خافتة لم تصل إلى عينيها وقالت بهمسٍ:
- ربنا يسعدك.
لم تقتنع "وَميض" بقبولها البادي على صفحة وجهها الباهتة، ولكنها بادلتها ابتسامة خفيفة وخرجت على الفور، جاءت بعدها "سُهير" التي تظاهرت بشعورها بالدوار والإنهاك واستأذنت منهم للخلود إلى النوم.
ظلت الدردشة مُستمرةً بين علَّام ونسيبه إلى أن اجتاح النعس عيني "علَّام" فاستأذن منهم على مضضٍ متمنيًا لو يجلس أكثر من ذلك ولكن النوم سُلطان يأمره.
توجهت "وَميض" إلى غرفتها التي لم يتغير بها شيءٌ وقرر تليد" إجراء مكالمة سريعة ثم اللحاق بها.
لحظات وقام بفتح باب الغرفة وهو يمد ذراعه أمامه ويكور كفه فبدا كأنه قابضًا على شيءٍ ما إلى أن وصل إليها فأشار لها بعينيه إلى قبضته.
اسبلت عينيها لوهلة في محاولة لفهم ما يريد ثم قررت في النهاية أن تكور كفها في شكل قبضة وتصدمها بخاصته وما أن فعلت ذلك حتى أبسط كفه فظهرت ورقة عليه.
نظرت للورقة باستغرابٍ ثم أسرعت بالتقاطها وفتحها في فضولٍ وما أن نظرت داخلها حتى رددت بخفوتٍ:
- «اللهم إني أستغفرك لكل ذنب يعقب الحسرة، ويورث الندامة ويحبس الرزق ويرد الدعاء، اللهم إني أستغفرك من كل ذنب تبت منه ثم عدت إليه، وأستغفرك من النعم التي أنعمت بها عليَّ فاستعنت بها على معاصيك، وأستغفرك من الذنوب التي لا يطلع عليها أحدٌ سواك ولا ينجيني منها أحدٌ غيرك ولا يسعها إلا حلمك وكرمك ولا ينجيني منها إلا عفوك».
قرأتها في هدوءٍ احتله حيرة من تصرفه الذي يحتاج إلى تفسير، بينما تابع "تليد" بنبرة لينة:
- قولي الذكر أكتر من مرة.. هيكون مُفيد ليكِ.
رفعت رأسها إليه بعد قراءتها للذِكر أكثر من مرة فطالعته بعينين مسالمتين قبل أن يجلس بجوارها فورًا مُداعبًا بطرف إصبعه أرنبة أنفها ثم قال باستطرادٍ:
- هعلمك فكرة حلوة أوي.. طبعًا كُلنا بنعمل ذنوب ومفيش حد معصوم منها.. بس أيه رأيك بعد ما تعملي الذنب تقضي عليه بالأذكار؟؟؟.. أنا شخصيًا بطبق الفكرة دي.. يعني أحيانًا بقول لفظ مش في محله أو بتصرف غلط من غير ما أقصد بس بسرعة بقول أي ذِكر ييجي في بالي ولو طولت أقولهم كلهم بقول.
سكت هنيهة ثم أضاف بتنهيدة عميقة:
- من باب تنفيذ وصية رسول الله في حديثه "وأتبع السيئة الحسنة تمحها".
ابتسمت في انصاتٍ وإعجاب شديدين وما أن استوعبت ما يرمي إليه قالت بتفهم:
- يعني لمَّا أسمع أغاني زيّ ما حصل من شوية أتبع دا بحسنة تمحي الذنب اللي عملته صح؟؟
أومأ في دعم ثم قال بحزمٍ:
- وتكرري دا لحد ربنا ما ينزع حُب الذنب دا من قلبك ويتوب عليكِ منه.
اعتدلت في استقامة وهي تجلس في الفراش ثم تربعت وراحت تفرك كفيها ببعضهما ثم تقول بصوت متلعثم قليلًا:
- تليد.. أنا عايزة أقول لك حاجة.. أو أعترف لك بحاجة.
توجه بانتباهه كُله إليها في انصاتٍ، فتنحنحت عدة مرات قبل أن تقول بملامح مرتخية رغم كسوها بحُمرة الخجل:
- أنا كُنت بقول عليك إرهابي وكُنت فاكرة إن حياتي انتهت بجوازي منك.
توقفت لوهلة ثم استكملت بنبرة مُتحشرجة:
- أنا آسفة كُنت فكراك "سِجِّين".. بس إنتَ.. إنتَ لين.. كُل اللين.
بدأت تبتلع ريقها على مهلٍ حينما استشعرت اشراقة وجهه إثر كلماتها ولكنها لم تتراجع وهي تتابع بنعومة:
- لين أي بنت تتمناه في شريك حياتها.. وللمرة الأولى بعترف لك.. أيوة أنا كُنت غلط.. أيوة أنا محظوظة بيك.
انفرجت أسارير وجهه بانتصارٍ لاستطاعته كسب قلبها ففتح ذراعيه لها فاندفعت إليه تسكن بينهما وهي للمرة الأولى تُغلق عينيها وتسمح لمشاعرها أن تنتصر عليها.
أخذت نفسًا عميقًا اختلط بالمِسك المُتشبث بجلده في استرخاء وسكون، ظلا هكذا للحظات حتى تابع "تليد" وهو يجذبها معه كي تميل متسطحةً على الفراش حتى نام هو ووضع رأسها على صدره:
- أنا بقول بقى إننا ننام ونخلي الاعتراف اللذيذ دا أكتر أمل نصبح بيه على خير.
ضحكت بغنج ورقة، لحظات ونزل بعينيه إليها يرمقها بطرف عينه ثم يقول:
- قومي يلا اقفلي النور وتعالي تاني.
زمت شفتيها بامتعاضٍ وردت:
- لأ أنا مكسلة قوم إنتَ.
رفع أحد حاجبيه ثم تابع بضحكة مازحة:
- خلاص إحنا ننادي على أبوكِ ييجي يقفل لنا النور.
ضحكت ملء شدقها وفي النهاية تنازلت عن سُكناها على صدره وتوجهت نحو المقبس فأغلقته ثم عاد إلى مكانها مرة أخرى.
كانت تتابع وتيرة أنفاسه المتهادية قبل أن يتابع بهمسٍ:
- أيه رأيك احكي لك حدوتة؟؟
تنحنحت بمكرٍ ثم أجابته:
- طب أيه رأيك تحكي لي حاجة تانية وبصراحة؟؟
قطب جبينه وسألها بفضولٍ:
- عايزة تعرفي أيه؟؟
ضغطت شِفتها السُفلى في توترٍ قبل أن تُصرح له بأمر يُزعجها ويأخذ حيزًا كبيرًا من تفكيرها، دام صمتها للحظات قبل أن تتابع بصوت مخنوقٍ:
- تليد أنا بعتذر لك لأن اليوم اللي قولت لي فيه إنك هتعمل مكالمة تليفون في المزرعة أنا مشيت وراك لمَّا حسيت إنك متضايق!!
نزل بعينيه إلى عينيها المرفوعة نحوه، رمقها بطرفه في صمتٍ وقد فهم التالي في كلامها فتابعت هي بصوت أكثر ضيقًا:
- تليد أنا شوفتك واقف مع نجلا ومكنتش بتتكلم في الفون زي ما قولت؟؟ ليه كذبت عليا؟ مقولتش ليه إنك خارج تتكلم مع نجلا؟؟ وليه أصلًا تيجي لحد المزرعة في وقت متأخر زيّ دا؟؟
همَّ أن يتكلم فوضعت إصبعها على شفتيه برجاءٍ وأكملت:
- أنا شوفت الخلاف اللي حصل بينكم رغم إني مسمعتش حاجة، بس شوفتها بتنهار على الأرض وإنتَ حطيت ورقة في جيبك وسيبتها ومشيت.
سكتت هنيهة ثم أضافت:
- أنا كمان فضولي خلاني أشوف اللي جوا الورقة؟؟ كان تحليل حمض نووي لنجلا مع عينة تانية بدون اسم؟
ابتعدت عنه فورًا ثم جلست في مكانها وهي تضغط على كفيها معًا وقد ظهر الحُزن والضيق على صفحة وجهها بشكل ملحوظٍ.
اعتدل هو الآخر وبدأ يدعك جبينه في ارتباكٍ رغم محاولته على الثبات لتتفوه "وَميض" بمشاعرٍ فاترة منكسرة:
- تليد ممكن تقول لي أيه اللي بيحصل بينك وبينها بالظبط؟؟ أنا ما بحبش الست دي أبدًا!!
- ليه ما بتحبيهاش؟؟؟
لا يعلم لماذا صاح مُرددًا سؤالًا كهذا؟، هل لأن ما يخفيه عنها يتنافى تمامًا مع مشاعرها الكارهة للمرأة؟؟ فلو كانت تحبها ربما كانت الحقيقة أسهل على نفسها ورغم نقمه الشديد على "نجلا" إلا أنه عليه أن يدافع عنها أمام "وَميض" ويبث في نفسها حُبًا للأخيرة حتى يجعلها مُهيأةً لحقيقة ستعلمها مهما طال اخفائها.
التوى شدقها ورددت بحنقٍ:
- من غير سبب، ولأول مرة أكره حد من غير سبب أو يمكن علشان هي غامضة شوية!!
تنحنح بخشونة وهو يربت على كفها ويقول بتمهلٍ:
- طيب ما تجربي تحبيها وهيكون عندك السبب، يعني إنها ودودة معانا وعُمرنا ما شوفنا منها حاجة وحشة، زائد إنها ست مسؤولة عن عيلة كبيرة من بعد وفاة جوزها فطبيعي تكون شخص مهموم وغامض.
رمقتهُ بطرف عينيها وتساءلت مُجددًا بإصرار:
- والتحليل؟؟ وأيه علاقته بيك؟؟
أومأ يتفهم مخاوفها قبل أن يلتقط كفيها بين راحتيه ويقول بلهجة ثابتة نافيةً لمخاوفها:
- نجلا ست مُحترمة جدًا.. ست دُغري وصريحة.. الكلام دا بقوله علشان ندي لكُل واحد حقه.. أما بالنسبة للتحليل.. نجلا عندها بنت من جوزها الأول وكانت غايبة عنها ولمَّا رجعت لها كانت عايزة تتأكد إنها فعلًا بنتها فلجأت لي أساعدها في دا وهل التحليل حقيقي ولا ملعوب فيه.
ضوى بريق عينيها بأملٍ جديدٍ وتهللت أسارير وجهها ولكنها أطرقت تحاول إخفاء فرحتها وهي تقول بصوت خافتٍ:
- وطلعت بنتها فعلًا!!
تليد وهو يتنهد بعُمقٍ ثم يبتسم ابتسامة مُجاملة رغم بهوتها:
- طلعت بنتها.
تقدمت "نجلا" بخطوات مُتهادية نحوها وما أن وقفت أمامها حتى رفعت "سكون" عينيها إلى الأخيرة واحتدت النظرات بينهما لبعض الوقتٍ قبل أن تجلس "نجلا" على ساقيها أمام الأخيرة وتقول بصوت مخنوقٍ يتردد متخبطًا بين ثنايا قلبها المكلوم:
- لو عايزة تعرفي الحقايق وتتحري عنها، أنا معاكِ وهعرفك.. عايزة بقى تغمي عينك وتسدي ودنك عن الحقيقة أنا هحترم دا بردو بس مش مسامحة وقتيلة حقي من عثمان ومش مسامحاكِ لو طلعتي بنتي ورفضتي وصولي ليكِ وأنا اللي كُنت مُجبرة على فراقك!!
حدقت فيها بجحوظٍ ثم زعقت بها في استنكارٍ:
- بنتك؟؟ أنا أمي موجودة على فكرة، ومش فاهمة إزاي شوفتيني هي؟؟
أشارت "نجلا" بسبابتها نحو قلبها ثم ردت بثبات ورباطة جأشٍ:
- قلبي.. عُمرك سمعتي عن أحاسيس الأُم اللي بتحس وبتعرف ضناها بالاستشعار والفطرة؟؟
نزلت "سكون" بنظراتها إلى سبابة "نجلا" المسيرة إلى قلبها وتابعت مُتساءلة في حيرة:
- وليه أنا مش شروق؟؟ وليه مش واحدة تانية غيرنا إحنا الاتنين؟؟
تنهدت بقوة وهي تتابع بمرارة غصَّت قلبها:
- علشان إنتِ الوحيدة من بنات عثمان اللي في عُمر بنتي الفعلي.
تساءلت "سكون" بفضولٍ رهيبٍ:
- ليه هي المفروض يبقى عندها كام سنة؟؟
نجلا بابتسامة ثابتة:
- واحد وعشرين، مش إنتِ بردو في نفس العُمر دا؟؟
ابتلعت "سكون" غِصَّة مريرة مرت عبر حلقها، توترت ملامحها بوضوحٍ وتخبطت أنفاسها في صعود وسكون يشتدان بإخفاق، بينما استكملت "نجلا" حديثها بتساؤل مُهتم للإجابة أيًا كانت:
- ها؟ قرارك أيه؟؟
رمقتها "سكون" بنظرات مُرتابة وداخلها يرفض الرضوخ لهذه الحقائق التي لم تفصح عنها الأخرى بعد، خشيت أن تكون هذه كلها ادعاءات لتحطيم ميثاق العائلة في عينيها والسيطرة على عقلها وبث الشك في نفسها ولكنها في النهاية قررت أن تنصت برغبتها وإن لم يُعجبها ما ستقوله ستُقرر فورًا إنهاء النقاش والذهاب فورًا.
تحولت بنظراتها إلى "كاسب" الذي وقف بجوارها كي يبث بعض الطمأنينة إلى نفسها فوجدته يومىء برأسه أن تتروى، فالتفتت بحسمٍ نحو نجلا مرة أخرى وقالت:
- تمام.. سمعاكِ!!.
تنفست "نجلا" الصعداء بقوة رهيبة قبل أن تلتقط هاتفها من داخل جيبها ثم تبحث فيه عن تسجيلات "عثمان" الصوتية والمرئية.
ابتسمت في ظفرٍ ما أن وجدتهم قد أضحوا بحوزتها فضغطت زر التشغيل وهي تجلس أمام "سكون" مُباشرةً ثم قربت الهاتف من أذنها وقالت بلهجة حازمة:
- اسمعي دا وبعدين نتكلم.
ساد الصمتُ الأجواء تمامًا ولم يكُن يوجد سوى صوت "عثمان" الذي يخرج من الهاتف أثناء حديثه مع أحد عماله بشأن الحيوانات الميتة بفعل مرض ما وقراره في استخدامها كسلعٍ للمستهلك.
انفتح فمها على آخره في صدمةٍ كاسحةٍ لصورة والدها المثالية التي تتلاشى رويدًا ومع الوقت فأسرعت بالتقاط الهاتف منها ثم نظرت إلى صورة والدها؛ فكان هو فعلًا ويبدو أن من سجل هذا المقطع كان يرغب في الفتك بأبيها وإظهار حقيقته المنفرة فظهر في المقطع بصورة مهزوزة ومقلوبة حتى يتمكن المُسجِل أو الفاعل من أخذ هذا المقطع كدليلٍ ماحقٍ ضده.
لم تتمالك أعصابها فبدأت ترتجف رغمًا عنها وهي تدفع بالهاتف بعيدًا عنها ورغم غضب "نجلا" المتأجج كلما سمعت صوته إلا أنها أسرعت بإغلاق المقطع ثم اهتمت كثيرًا لأمرها.
قربت كفها من رأس الأخيرة وبدأت تمسح على خصلات "سكون" في محاولة لتهدئتها وهي تقول بصوت خافتٍ لين:
- اهدي.. ممكن؟؟
مال "كاسب" بسرعة إليها ثم التقط كفيها يمسد عليهما بأطراف أصابعه وبنبرة مخنوقة أردف يحدثها بهدوءٍ:
- سكون، لازم تواجهي الحقيقة حتى لو كانت مُرَّة لأن الأمر من معرفة الحقيقة التغافل عنها، علشان خاطر عُمر لازم تكوني أقوى!!
اِفتر ثغر "نجلا" عن ابتسامة هزلية وهي تسألها سؤال ذا مغزى بعيد جدًا:
- مسألتيش نفسك يا سكون ليه عثمان مش بيحب عُمر؟؟
رفع بصره إليها فورًا ورماها بنظرات نارية مُحذرة حينما استرعى السؤال انتباه "سكون" التي زوت ما بين عينيها تنتظر إجابة الأخيرة حول سؤالها كما أنها استطاعت رؤية نظراته الشرسة المصوبة نحو "نجلا" والتي منعتها من استكمال حديثها بشأن هذا السؤال وغيرت مجرى كلامها وهي تتابع بصوت هادئ:
- هبدأ احكي لك من يوم الولادة.
طفقت تروي لها القصة بأكملها من لحظة تعدي "عثمان" عليها واكتشاف حملها مرورًا بموت والدها كمدًا على حالها وما يقوله الناس في حقها وحقه ثم تطليق زوجها المسافر لها وانقطاع أخباره تمامًا وحتى لحظة الولادة.
تحشرجت كلماتها في هذه اللحظة وكأن ألمها وقتئذٍ مازال نابضًا بين أعماقها وكأن الوقت لم يمر عليه.
اِغرورقت عيناها بدموعٍ ساخنة وهي تستحضر ذكريات تلك الأيام التي ذهبت روحها بذهابها ولا تتمناها لأشد أعدائها حتى.. تتمناها له فقط.
صرخت بهلعٍ حينما اجتاحها ألمُ المخاض وفاجأها ليلًا وهي تنام محتضنةً طفليها اللذين بكيا من شدة الجوع حتى ناما؛ انشطر قلبها نصفين عليهما فلم تعد قادرةً على العمل الذي بالكاد تحصل عليه من أجل إشباع بطنيهما.
صرخات مدوية خرجت من فمها فاستيقظ الطفلين بهلعٍ أرجف أطرافهما وأبكاهما، بدأ العرق يتصبب من جبينها وهي تحاول أن تستند على طاولة بمنتصف الغرفة حتى تتمكن من النهوض وطلب العون من الجيران.
لم تقوَ على ذلك فهرول الصغير الذي أدرك حاجتها للمساعدة إلى بيت الجيران يدق أبوابهم في ذُعرٍ واستجداءٍ لإنقاذ حياة والدته التي استحال لون وجهها وازرق بشدة.
جاءت معه صديقتها التي تقطن بجوار بيتها مُباشرةً والتي تعمل مُمرضةً بإحدى المستشفيات العامة، هرولت مسرعةً معه وما أن أبصرتها حتى صاحت بفزعٍ:
- نجلا، إنتِ بتولدي.
أومأت بالإيجاب وهي تكتم صرخاتها داخلها فتخرج في صورة وجه محتقن بالحُمرة من شدة الكبت والألم، أسرعت إليها تعاونها على النهوض ثم احتضنتها من خصرها وهرولت بها نحو الباب وهي تقول بأنفاس متقطعة:
- خليك إنتَ هنا يا يحيى وخلي بالك من أختك لحد ما نجيب النونو ونرجع!!
ترقرقت عينيه بالدموع ولكنه تماسك شاعرًا بالمسؤولية وهو يومىء برأسه في تفهم ثم هرول إلى شقيقته الصغرى وضمها إلى صدره وقرر أن يجلس في سكونٍ ينتظر عودة أمه بشقيقته الجديدة.
التفت بعينيه نحو الطاولة فوجد الحقيبة التي أعدتها نجلا من أجل استقبال الصغيرة مازالت في مكانها وقد نسيت أخذها، وضع رأس شقيقته على المخدة مرة أخرى ثم التقط الحقيبة وهروب خلفهما وهو يقول بأنفاس متصاعدة ما أن أبصرهما يتحركان بعيدًا:
- أمي؟؟ نسيتي الشنطة!!!
ركض بكُل ما أوتي من قوة ولكنه لم يلحق بهما حيث ركبتا سيارة الأُجرة قبل وصوله إليهما، عاد إلى البيت بمشاعرٍ حزينة متخاذلة وكل همه في هذه اللحظة هو ما الذي سترتديه المولودة حينما تخرج من بطن أمه؟
جذبتها من ذراعه فورًا ما أن اوصلتهما السيارة أمام المشفى بينما كانت تصرخ "نجلا" بصوت مكتومٍ من داخلها.
مدَّت الصديقة يدها بالنقود إلى السائق ثم تابعت بنبرة مُتلعثمة مُعتذرة:
- أنا مش معايا غير دول!
نظر السائق لحالة المرأة التي على وشك الوضع ثم تابع بهدوءٍ دون أن يمد يده ويلتقط النقود:
- وأنا مسامح، خليهم معاكِ للظروف.
رمقته بنظرة مُمتنة قبل أن تهرول بها إلى ممر الطوارئ ثم تصرخ في زملائها بتوترٍ كبيرٍ:
- خدوها بسرعة أوضة العمليات علشان بتولد وأنا هكلمك دكتور محمد.
وضعتها المُمرضات على كُرسي متحركِ يُستخدم للمرضى ثم انطلقوا بها إلى غرفة العمليات بينما أسرعت الصديقة إلى غرفة الطبيب وأبلغته بوجود حالة فقيرة توشك أن تلد وتحتاج مساعدته الفورية فقبل فورًا طلبها لكونها مُمرضة ناجحة ومتفانية في عملها، تحرك على عجلٍ إلى غرفة العمليات ليُخضعها إلى ولادة مستعجلة.
كانت تود كثيرًا أن تخضع لعملية ولادة طبيعية ولكن الأمر لم يتم وفي محاولة لإنقاذ الجنين خضعت "نجلا" لعملية ولادة قيصرية، شُقت بطنها للمرة الأولى وتركت علامة لا تزال باقية لم تُرمس وانشطرت روحها في هذه اللحظة إلى نصفين؛ نِصف بقى مع صِغارها بالبيت ونصف رحل مع وليدتها الغائبة والتي أقسمت على استردادها يومًا ما فلم وإن تُشق طبقات بطنها هباءً.
في هذه اللحظة خرجت الصغيرة تبكي فطلب الطبيب بعد أن أجرى لها اللازم أن تؤخذ إلى الحضانة لعدم انتظام أنفاسها التي تروح وتأتي في تقطع، أخذتها الممرضة وأودعتها هناك وانتقلت "نجلا" إلى غُرفة عادية وظلت نائمةً حتى استيقظت في صباح اليوم التالي على صرخات صديقتها تأتي من الخارج حينما ذهبت لتفقد الصغيرة ولم تجدها، فهرولت مذعورة بين الممرضين والعاملين بالمشفى تسأل كل واحد على حدى إن كان قد رأى الصغيرة بحوزة شخص ما؟؟
هرولت إلى ساحة الاستقبال بالمستشفى تنظر في الوجوه بتيه وحُزن ولفت انتباهها في هذه اللحظة وجه ذلك الحقير وهو يهرول خارج باب المستشفى مُسرعًا حاملًا بين ذراعيه الفتاة!!
صرخت بقوة وهي تهرول نحوه ولكنه أسرع بركوب سيارته مغادرًا المكان على الفور ولم يلاحظ رؤيتها له وإلا كان قد قتلها وانتهى!
استيقظت "نجلا" على صوت بكاء صديقتها بالخارج فحاولت أن تنادي عليها ولكن الألم يشتد بها كلما حاولت تحريك فمها حتى، سقطت دمعة من طرفي عينيها أثناء نومها وقلبها يُخبرها أنه الفراق قبل أن تدخل صديقتها وتقول بصوت باكٍ مُتحشرجٍ:
- عُثمان خطف البت يا نجلا.. أنا شوفته بعيني!!
لم تعي على نفسها وماذا تفعل؟ فقد سيطر عليها العجز ووقع عليها الخبر كالصاعقة فأخذت تصرخ وتصرخ صراخًا هستيريًا يطابق مؤشرات توحي بفقدان عقلها تمامًا.
هرولت الصديقة إليها ثم صرخت ببكاء متهدجٍ:
- اهدي يا نجلا.. علشان خاطري اهدي.. جرحك هيفتح ودا خطر على حياتك؟؟
لم تُنصت لها فحدث ما تنبأت به تمامًا، بدأ نزيفها يشتد وتدفقت الدماء بغزارة منها وانفتح الجرح بشكل مُدمرٍ سيءٍ، فتم نقلها إلى غرفة العمليات مرة ثانية وتخييط جُرحها الدامي ومن شدة ما عانته من آلام نفسية وجسدية لم تتحملها وعدم قبولها واقع سرقة صغيرتها دخلت في غيبوبة كانت فيها طريحة الفراش لمُدة أسبوعين ثم استيقظت بشخصية أُخرى كمن مَسَّه الشيطان وزال عقله تمامًا ولم يعُد يعي من حوله شيئًا.
كانت تبدو مُخيفةً وغريبةً تهمس بينها وبين نفسها وتتجنب الحديث مع الناس وحينما يوجه لها أحدُ الحديث ترتجف وتنكمش على نفسها في ذُعرٍ.
حاولت صديقتها تقديم يد المساعدة لها فعرضتها على طبيب أوعز حالتها إلى اكتئاب ما بعد الولادة ممتزجًا بالأحوال النفسية والعصيبة التي مرَّت بها فقد أطلعته الصديقة على تجربتها المريرة من أجل التشخيص السليم، رق قلب الطبيب لمُعاناتها واعطى الصديقة ورقة دُون عليها عناوينه وأرقام هواتفه إن احتاجوه يومًا.
عادت "نجلا" إلى البيت مرة أخرى وكلما يسألها الصغير عن صغيرتها ترمقه شزرًا بلا وعي؛ قلم تكُن تعتني بهم ولا ويغيب عن عقلها للحظات حتى من هم؟؟ ومَنْ هي؟ حتى جاء ذلك اليوم الذي قسمها نصفين ودمر ما بقي لها في الحياة كي تعيشها لهم.
ظلت الصغيرة تبكي بلا توقف بينما لا تُبالي "نجلا" بها عن غير قصدٍ حيث جلست تجمع ساقيها إلى صدرها بجوار باب البيت تهمس لنفسها بهسيس لا يسمعه غيرها فجاءها الصغير مهرولًا باكيًا:
- أمي؟؟ أختي جعانة وعايزة تاكل؟؟
لم تنظر إليه حتى وبقيت تهز جسدها في صمتٍ؛ فصاح الصغير ببكاء أعلى:
- أمي؟؟؟
التفتت إليه في هدوءٍ ثم سقطت دموعها وهي تقول بهدوءٍ لا يليق بالموقف:
- مفيش أكل.
كانت الصديقة تمر عليهم بيت الحين والآخر وتترك لهم ما تستطيع جلبه من الطعام حتى تستعيد "نجلا" نفسها وعقلها المُشتت ولكنها في هذا اليوم لم تأتِ.
نهضت "نجلا" من مكانها كإنسانٍ آلي يتحرك دون روحٍ ولا عقل، اتجهت إلى الصغيرة ترفعها إلى حُضنها تشم رائحتها بعُمقٍ قبل أن تلتفت إلى الصغير وتمد ذراعها له، تشبث "يحيى" بكفها فتحركت بهما خارج البيت وقد كان الليل قد عشش وانتهي الناس من صلاة العشاء بالمسجد والتزموا بيوتهم؛ فهذه هي حياة القرية تجد الشوارع خالية تمامًا في فترة معينة من الوقت وبالأخص مع حلول الليل حتى وإن كان في أوله.
رفع الصغير بصره إليها وقال بتساؤل برئ:
- أمي إحنا رايحين فين؟؟؟
نظرت إليه دون رد ثم استكملت طريقها، كانت تمشي في الشوارع هائمة على وجهها لا تعرف أين تذهب ولا يخدمها عقلها في التراجع أو إدراك ما تفعله بطفليها، ظلت تمشي حتى خرجت من القرية تجر قدميها عنوة حتى لا تتوقف إلى أن تجاوزت الكثير من القُرى ووجدت الصغير يبكي معبرًا عن تعبه وانتهاء طاقته:
- أمي، أنا رجلي وجعتني وعطشان وجعان؟؟؟
لم يجد منها ردًا أيضًا إلى أن وصلت إلى قرية تبدأ حدودها بقناة كبيرة لها سورًا عاليًا، هرولن "نجلا" نحو السور بغير اهتداءٍ، بدأت تنظر يُمنة ويُسرى ورغم ارتجاف أطرافها وبُكائها الصامت لم تتوقف عما تفعل، وضعت الصغيرة جانبًا ثم وضعت كفيها حول خصر الصغير وما أن رفعته حتى دفعته بقوة في القناة ثم مالت على الصغيرة والتقطتها لتطرحها بعده أيضًا وبقيت كالصنمٍ تُتابع سقوطهما بالماء.
خرجت شهقة قوية منها وانهمرت الدموع على خديها رغم عدم وعيها الكامل وإدراك ما تم للتو وما هي إلا لحظات حتى هرولت بعيدًا جدًا.
ركضت ركضًا طويلًا ولم تشتكي التعب أبدًا وهي تعدو لمسافة طويلة جدًا لا يمكنك سيرها على الأقدام، لم تشعر بنفسها إلا وهي تقترب من بيتها فأسرعت تسند ظهرها على حائطها فبدأت أنفاسها تتسارع بلا هوادة وقلبها كاد من فرط الخفقان أن يتوقف.
في هذه اللحظة فقط لم تعد قادرةً على الوقوف فسقطت أرضًا تصرخ في بكاء وعويلٍ تعود عليه جيرانها مُقدرين ما تمر به من أزمة نفسية قاتلة.
كانت تأتي الصديقة من بعيدٍ وما أن رأت حالتها حتى هرولت إليها وصاحت بقلقٍ:
- نجلا.. إنتِ كويسة؟؟؟
أشاحت "نجلا" بنظراتها بعيدًا عنها وهي تدفن وجهها بين ساقيها جاهشةً بالبكاء، استبد القلق والشك بقلب الأخيرة التي هرولت داخل البيت ولم تجد الصِغار فعادت إليها من جديدٍ وتابعت بصوت متحشرجٍ ملتاعٍ في ريبة:
- نجلا فين عيالك؟؟؟
أجابتها بملامح وديعةٍ تجهل الكارثة التي حدثت تمامًا:
- في البحر.
لطمت الأخيرة خديها وصرخت في هلعٍ:
- يا نهار أسود.. رميتي عيالك في البحر!!!
مالت عليها وأخذت تهزها بقوة ضارية وتكرر:
- رميتي ضناكِ في البحر يا نجلا!!!!
كانت تهزها بقوة عنيفة وكانت هذه هي الصحوة المؤقتة لنجلا التي حدقت في صديقتها مصدومةً وكأنها لم تفعل وأخذت تبكي بمرارة أدمت عينيها قبل قلبها.
أصابتها نوبة ذُعر وضاقت أنفاسها وهي تحكي هذ المأساة التي قضت على أمومتها وإنسانيتها رغم أنها لم تفعل عمدًا ولم تعي حتى ما فعلت إلا بعد أشهر من هذه الكارثة، كانت "نجلا" تحكي بأنفاس متهدجة تلاحقها مرارة سرت بقوة عبر حلقها، تغضن وجهها الذي كسته الحُمرة من فرط الألم ورغم محاولاتها المُستميتة السيطرة على نفسها إلا أنها لم تستطع في النهاية وصرخت بوجعٍ قاتلٍ:
- أنا بسبب عثمان السروجي رميت عيالي في الميه، مكتفاش إنه خد مني بنتي دا كان السبب الوحيد في دخولي مستشفى المجانين.
كانت "سكون" تحدق فيها في صدمةٍ كاسحةٍ فتفاعلت وهي تصيح بلوعةٍ:
- ومدورتيش على ولادك؟؟
نجلا بانهيارٍ وهي تضع وجهها بين كفيها وترد ببكاء يتنافى مع ما تتعامل به من قوة زائفة:
- دورت.. دورت بجنون.. سألت الدنيا كلها عنهم.. أنا كُنت يعاقب نفسي كل يومٍ.. أنا مبطلتش أدور عليهم لحد اللحظة دي يا سكون.
سكون بلهفةٍ تسأل:
- ولقيتيهم؟؟
أطرقت "نجلا" برأسها قليلًا وهي تقول باختناقٍ:
- لقيت البنت بس مش قادرة أواجهها بأني أُمها.. مش قادرة أبص حتى في وشها.. بس مكنش ذنبي والله العظيم مكان بإيدي.. أنا محستش إني عملت كدا غير بعد ما فوقت بس كان فات الأوان.
لان قلب "سكون" قليلًا وتناست مع من تتكلم؟ السيدة التي كانت تنبذها من قبل؟ ولكنها الآن تتفاعل مشفقةً مع آلامها؛ فتابعت "سكون" بإصرار شديدٍ:
- بس إنتِ لازم تواجهيها وهي مع الوقت هتسامحك!!
افتر ثغر "نجلا" عن ابتسامة مهزومة ورددت بنبرة سادرة:
- تفتكري؟؟ تفتكري وَميض هتفهمني!!!
رواية رحماء بينهم الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم علياء شعبان
لحظات ارتجاف قلبها مهيبةٌ وكأنني ضُربت ضربةً قاضيةً في مُنتصف قلبي؛ لم أمُت؛ عانيت الألمين.
ظلت في مكانها مُجمدةً فقد صعقتها عبارة "نجلا" الأخيرة فألجمت شفتيها عن الكلام وبرق بصرها في نتوءٍ ودهشةٍ؛ فكادت أن تُقتلع حدقتيها اقتلاعًا، لم تستطع تجرع هذه الحقائق دُفعة واحدة والتي لا تأتيها فرادى، فبدأت تبتلعها رويدًا رويدًا إلى أن وصلت حيث نُقطة مُعينة، قفزت فكرة احتمالية صدق "نجلا" معها التي تدعي بأنها أُمها وقد خُطفت منها قِسرًا وهذا يعني احتمالية أن تكون "وَميض" هي الأخرى شقيقتها؟؟
انفتح فمها على وسعه وبدأت تدعك جبينها باضطراب ثم تهز رأسها يمينًا ويسارًا وهي تقول بضع كلمات مُتعثرة:
- وَميض؟؟ وَميض بنت عمي علَّام؟؟ إنتِ عمالة تقولي في عجايب من لحظة ما شوفتك، وَميض أيه اللي بنتك؟؟ ومين أوحى لك بدا!
أسرعت "نجلا" بقوة وثبات زائفين تكفكف دموعها بظاهر كفها قبل أن ترتخي ساقيها وتجلس على الأرض أمام الأخيرة وتقول بأنفاس مضطربة تهدأ بتحرير الأسرار من مكمنها تدريجيًا:
- اسألي ابن عمك يا سكون؛ قولي له مين اللي أنقذ "يُسر" من الغرق وهي عُمرها سنتين وسحبها من قلب الماية.
زوت "سكون" ما بين عينيها فأدركت "نجلا" استغرابها فتابعت بهدوءٍ:
- قصدي وَميض.
أطرقت برأسها قليلًا في صمتٍ يخبرها عن أوجاعٍ تساوي عُمرها فخرجت كلها في تنهيدة "نجلا" التي أكملت بثبات:
- ربنا أراد إني أوصل لها وأنا بدور عن بنتي اللي خطفها عثمان؛ وللمرة الأولى اللي عثمان السروجي يقدم لي فيها خدمة لمَّا طلبت من الخدامة عندكم بالقصر تجيب لي عينة منك علشان التحليل وهو عرف منها عن خطتي فقرر يبدل العينة وقرر ياخدها من وَميض.. كان فاكر إني واخدة القَطر بتاعك علشان أأذيكِ بيه فزاح الأذى عنك ولبسه لوَميض وبعد ما بعت التحليل للمعمل كلمني تليد وبلغني إنه عرف بحكاية العينة وإنها مش ليكِ ولكن تخص مراته.
حدقت فيها بفضولٍ رهيبٍ وانطلقت من عينيها سهام تحث الأخيرة على المُتابعة؛ فقالت بابتسامة مهزومة:
- قولت كدا خلاص التحليل مالوش لازمة لأن العينة مش ليكِ واستسلمت للأمر الواقع وقررت أفكر في خطة تانية علشان أوصل لك ويوم ظهور النتيجة كانت العينة متطابقة مع عينتي.
شهقت "سكون" بخفوتٍ وهي تضع يدها على فمها في ذهولٍ؛ فتابعت الأخيرة تومىء برأسها:
- كلمت تليد وطلبت أقابله علشان يلاقي معايا تفسير للي بيحصل وفي وسط كلامنا قال لي "مستحيل وَميض تكون بنتك لأن أنا اللي أنقذتها من البحر وهي طفلة عمرها يادوب سنتين واللي إنتِ بتدوري عليها بنت لسه مولودة حديثًا".. وقتها تأكدت إن نتيجة التحليل صحيحة مليون المية.
شعرت "سكون" للحظة بأنها قد تكون فقدت عقلها حتى كاد رأسها أن ينفجر بعد أن زلزلت الحقائق جدرانه، شرعت تبسط كفها وتصدمه بجبينها مرات مُتتالية قبل أن تقول بنبرة مختنقةٍ:
- يعني وَميض بنتك؟؟ لو دا صحيح فوَميض مُستحيل تسامحك.. من عشرتي ليها فهي عُمرها ما هتقبل بيكِ خاصةً لو عارفة حقيقة ماضيها كضحيةٍ متاخدة من وسط البحر والفاعل أُمها حتى لو عرفت أسبابك مش هتقدر تسامحك.. لأن زي ما إنتِ تظلمتي وعانيتي هي كمان عانت ليالي بعد ما عرفت إن علَّام وسُهير مش أهلها الحقيقيين، يمكن أنا وهي مش قُريبين من بعض وقد نكون مش متقبلين بعض ولكن أنا مُتأكدة إنها عانت مشاعر اليُتم وفقدان الهوية وقتها.
ظل "كاسب" يُتابع حديثهما المُلتهب على صفيحٍ ساخنٍ فهدأت فرائصه حينما رأى تفاعل "سكون" مع كُل ما مرَّت به "نجلا" ما بين متعاطفة ومستنكرة؛ أراد بشدة أن تلين وتتخذ الحياد سبيلًا حتى تتضح لها الحقائق كبزوغٍ الشمس في وضح النهارٍ ويبدو أنها استمعت إلى نصيحته، ابتلع ريقه على مهلٍ فقرر أن يطرح بنفسه على الأرض في سكينةٍ اقتبسها من هدوء صفحة وجهها واندماجها في الحديث؛ فجاءها رد "نجلا" التي أردفت بنبرة تتقطع وتيرتها فتعلو تارة وتخفق أخرى:
- بس إنتِ قولتي الأفضل إني أواجهها؟؟.. نفسي أخدها في حُضني وأصرخ.. مُستعدة أبوس إيديها وأوطي أبوس رجليها بس تسامحني.
تحررت دمعة من عينيها فنحتها فورًا عن وِجنتيها ثم تابعت في صلابةٍ اجتهدت في إظهارها:
- بعد خروجي من المصحة النفسية بعد خمس شهور من الواقعة، جريت على الجسر اللي رميتهم منه، كُنت ببوس إيد كُل الناس علشان بس يدوني خبر عنهم أو يوصلوني لطرف خيطٍ يوصلني ليهم.
تحشرجت نبرة صوتها وهي تقول بانهزام:
- أنا اتدبحت بسكينة تلمة من يوم ما فارقوني.. أنا بكره نفسي كُل يومٍ.. شايفة إني مستحقش أكون أُم وفي نفس الوقت أنا كُنت أحن أُم عليهم.. كانوا عيني اللي بشوف بيها وكُنت بجاهد في الدنيا علشان يعيشوا ويعلم ربنا إني موعتش على اللي عملته غير بعد علاجي.
شردت بعقلها لتلك اللحظة، التي وقفت فيها بنفس المكان الذي ألقتهم منه، بقيت تنظُر في صدمةٍ كاسحةٍ للمياه الساكنة التي احتضنت صغيريها، ظلت في حالة سكون لبعض الوقت حتى خرجت من حلقها صرخة عاتية وهي تنادي بألمٍ أحرقها:
- يحييييييييييى.. يُســـــر!!
كان صوت صراخها المدوي ينتشر بسهولة بين سُكان البلدة القريبين فهرول الناس واحتشدوا حولها فبدأت تميل على أكفهم تُقبلها برجاءٍ ومذلة وتسألهم واحدًا يلي الآخر عن أطفالها وما إن كانوا قد سمعوا عن حادثة غرق تخص طفلة رضيعة وطفل قد تجاوز السبع سنوات؟؟ فلم تصل إلى شيءٍ سوى السراب، قضت سنوات عديدة تنتحب بمرارة قاسية على صِغارها الثلاث؛ ظلت تبحث عن أثرٍ لهم دون استسلام ولكن رغمًا عنها استسلمت في النهاية بعدم وجود أية خيوط تُصيب هدفها لتُقرر في لحظة انتقامية أن تستعيد توازنها وتقتل شخصيتها القديمة للأبد وتبدأ في رحلة البحث عن طفلتها المخطوفة ورد مَظلمة لها بقيت بحوزته حينما جَارَ عليها وسلبها كُل شيءٍ في الحياة وهدم أحلامها فوق رأسها.
تذكر أنها وبعد مرور الكثير جدًا من السنوات ومحاولاتها الوصول إلى "حمدي زهران" الذي سمعت بعداوته الشديدة مع عدوها البغيض فأرادت أن تتخذ صفه ويتبنى قضية ثأرها، ظلت سنوات عديدة تحاول الوصول إليه أو العمل داخل الشركة ولكن طلبها العمل عنده كان يُقابل دومًا بالرفض حتى قررت في النهاية أن تُكمل تعليمها الجامعي وتحصل على شهادة تستطيع من خلالها تحقيق هدفها بطريقة تستحقها، أنهت دراستها وبدأت العمل في الكثير من الأماكن ولكن حلمها برد حقها لم يكُن يبرح خاطرها حتى جاء اليوم الذي سمعت فيه بقبولها بشركة "زهران" في قسم المحاسبة وفق خبراتها التي عرضتها في السيرة الذاتية وما أن وطأة قدماها الشركة حتى طلبت بشكل عاجلٍ لقاء مع مالك الشركة، لم تكُن الاستجابة سريعة بقدر لهفتها ولكن تحت الحاحها استجاب لطلبها، تذكر أنها حينما جلست أمامه مُباشرةً كان يتعرق جبينها وترتجف أطرافها ورغم ذلك تذكر جيدًا أيضًا كيف قالت بأنفاس ساخنة مُتلهفةٍ لنيل حقوقها المسلوبة:
- أنا مش جاية هنا علشان أشتغل.. أنا جاية لك تساعدني أجيب حقي؟؟؟
استطاعت "سكون" أن تستنتج الباقي في القصة وكيف لمعت عينا "حمدي" بظفرٍ وطلب منها أن تتروى وتتعقل لكي تصل بمهنية أكبر؛ دارت الأيام وتزوجها "حمدي زهران" بعد أن وقع في حُبها واحترم الصدق فيها حينما جاءته تطلب مساعدته ولم تستغله على الإطلاق ووعدها أن يعود حقها إليها يومًا ما ولكن بالحكمة والمُثابرة.
أومأت "سكون" تستنتج الباقي من الحديث وهي تقول بلهجة شديدة:
- وطبعًا جوازك من حمدي زهران قربك من هدفك بسهولة!!
طالعتها "نجلا" بعينين تقدحان بوَميض مُنتصر؛ فأكملت "سكون" بفضولٍ غلبه الحيرة:
- ويحيى؟؟ كدا خلاص مفيش أمل توصلي له؟؟
كورت "نجلا" شفتيها قبل أن تردد بيأسٍ التهم طبيعتها الثابتة:
- كُل المؤشرات بتقول إنه توفى.
كان التفوه بالكلمة الأخيرة من جملتها مؤلمًا قاسيًا على قلبٍ أُم مكلومة ضاع صِغارها بين غياهب الماضي وكانت هي الضياع لهم، تهدج صوتها وهي تقول بلهجة مهزوزة أفقدتها ثباتها:
- وبتمنى لمَّا نتقابل أنا وهو يوم الحشر يسامحني، يسامح أُم عجزت عن توفير لُقمة تشبع بيها بطنه، كان العجز والفقر بيحاربوني في أولادي.
صمتت لثوانٍ ثم أكملت بصوت باكٍ:
- يحيى مات وهو جعان وعطشان.. مات حبيبي وهو بيعيط من الجوع والتعب.
تدمرت أعصاب "سكون" تمامًا وانهمرت دموعها تسيل على خديها بغير روية، بينما استكملت "نجلا" بوعيدٍ يتأجج ناره بين طيات كلماتها:
- بس والله ما هسيب حق موت ابني من الجوع قبل موته غرقان.. ورحمة أبويا اللي مات مكلوم على شرفي وفراق عيالي عني سنين عمري كله ما هسيب حقي، ويفرق بيني وبين حقي الموت يا سكون.
مدَّت "نجلا" ذراعها تجاه "سكون" ثم لمست ذقنها بأطراف أناملها وهي تقول بحزمٍ:
- على فكرة يا سكون.. النتيجة لو نفت انتمائك ليا أنا وقتها مش هكون ندمانة على صراحتي معاكِ؛ أنا كُل حرف خرج مني كان حقيقي وصادق وكُل سر عرفتيه عن أبوكِ هو صحيح مليون المية.
التفتت سريعًا بعينيها تنظر إلى الباب ثم أكملت:
- ودلوقتي بعد ما عرفتي كُل حاجة تقدري تروحي تواجهي بيها أبوكِ ولو لسه شايفاني مُفترية أو بعادي أبوكِ بدون أسباب.. تقدري تبلغي عني بكُل بساطة.
عاودت النظر إلى عينيها الباكيتين مرة أخرى ورددت بقليل من اللين:
- استني مني نتيجة التحليل بكرا.. حاجة أخيرة.. إنتِ خسارة في عُثمان.
قامت "نجلا" من مكانها وما أن وقفت أمامها بشموخٍ حتى رددت في هدوءٍ:
- أشوفك على خير.
توجهت "نجلا" مُباشرة صوب الباب ثم خرجت منه باندفاعٍ شديدٍ فكان آخر قطرة قوة تجرعتها فهرولت تختلي بنفسها داخل غُرفتها قبل أن تنهار كبُرجٍ عالٍ صار أنقاضًا.
صفقت الباب فور دخولها بطريقة عنيفة صفقت الباب فور دخولها بطريقة عنيفة قبل أن ترتمي على السرير باكيةً تدفن وجهها به رغبةً في كتم صرخاتها المشتعلة، ضربت الفراش بقبضتها ترفع رايات استسلامها لأوجاعٍ تعصف بها من خريف لآخر وسيول تجرفها منذ عدة سنوات حتى حافة الهاوية.
انتفضت "سكون" مندفعةً بانفعالٍ ناقمٍ صوب الباب فكان يقف "كاسب" حائلًا يعوق خروجها فبقى راسخًا وهو يقول بلهجة ثابتة:
- ناوبة على أيه يا سكون؟؟
أغمضت عينيها بنفاد صبرٍ قبل تردف بأنفاسٍ مُشتعلةٍ:
- دي حاجة تخصني لوحدي يا كاسب.. سامع؟.. يعني ملكش حق السؤال عنها.
ضربت صدره بكف يدها في غضب مُتفاقمٍ فأسرع بالقبض على كفها يضغطه كيلا تسحبه وقال بثبات:
- إنتِ بتدفعيني تمن أفعال أبوكِ؟؟ وإنتِ عارفة إن التمن قلبي؟؟
طفق يستخدم كفها لضرب صدره عدة ضربات متتالية قوية ثم صرخ في حدةٍ:
- دا قلبي يا سكون.. مش عربية أبوكِ جابها لك ووسط تهورك دمرتيها!.. فوقي.. التمن مش هيكون قلبي ولا مشاعري.
سكون وهي تحدق فيه بنظرات محتدةٍ وتصرخ:
- بدفعك تمن لكذبك وعدم صراحتك ودخولك حياتي بشخصية غير الحقيقية.. إنتَ قررت تدخل حياتي على إنك كاسب السواق وأنا قبلتك على وضعك بس أنا دلوقتي شيفاك كاسب تاني خالص وسامحني مش هكرر غلطتي مرة تانية.
كاسب بصوت مخنوقٍ:
- أنا مليش مليون شخصية، أنا كاسب واحد بس وبحبك!!.. افهميني؟
رفع كفها إلى فمه يُقبله بلوعةٍ؛ ابتلعت غِصَّة مريرة في حلقها وهي تتطلع إلى عينيه اللامعتين بكبرياءٍ؛ كادت أن تذوب من نظراته، كادت أن تقترف خطأً كبيرًا وتغفر له وينتهي غضبها منه ولكنها أظهرت استماتةً ضاريةً ترفض من خلالها الصفح عنه؛ سحبت كفها من بين كفه فورًا وقالت بألمٍ عميقٍ:
- الحُب مش كفاية يا كاسب.. الثقة عند ست ناضجة تسبق الحُب.. وأنا ثقتي فيك مفقودة.
تجاوزته دون رحمةٍ تتكفل بقلبه، مرَّت بعيدًا عنه وقد غفل قلبها عن رفيقه مُتجاوزةً مشاعرٍ تضرب ثنايا قلبه الذي يشتعل هائمًا بها، قلبه هرول إليها يستجديها البقاء بينما بقى جسده في مكانه ينازع كبريائه الذي يُجبره عُنوة ألا يهرول خلفها وباتت عيناه تبكيان عزاءً على وداعها الذي تدفق بكُره من عينيها إلى خاصته.
هرولت مسرعةً خارج البيت تمامًا، ظلت تركض في الشوارع تهيم على وجهها لا تدري أين تتجه ومَنْ تقصُد؟؟ أجهشت باكيةً بمرارة وكلما انسكبت دموعها تمحوها بطرف سترتها حِرصًا ألا تلفت الأنظار إليها، كانت خطواتها غير مُتزنة وحاجة قاتلة داخلها تدعوها إلى الصراخ وطرد أوجاعها السامة قبل أن تنتشر بين جدران روحها وتقضي عليها.. لم تسيطر على حالتها طويلًا فتمنعت عن الصراخ ولكنها ذرفت أنهارًا من الدموع دون أن تأبه بنظرات الناس المتعاطفة معها وفي لحظة خاطفة لعقلها وبعد أن استجمعت ما بقي من تركيزها وجدت نفسها تقف أمام مزرعة عمها!!!
عمها دومًا هو الخيار السليم لألم دميمٍ يسعى لتشويه روحها؛ فيحارب من أجلها بتلاوة عذبة.
كانت نظرات الأخير لا تفارقها حتى وقفت أمام بوابة المزرعة ثم خبطت عليها وبعد دخولها، بدأ "كاسب" يتنفس الصعداء ثم ضرب جبهته بمِقود السيارة ضربات قوية وهو يصرخ بصياح مكتومٍ خالطه بُكاءٍ لا يطيق الفراق:
- آآآآآآه.
في صبيحة اليوم الموالي.
ربتت "تماضر" على كتف ابنها بدعمٍ وحنانٍ كبيرين أثناء وقوفه وزوجته بردهة البيت استعدادًا للذهاب بعد إلحاح وإصرار غريبين من والدته للعودة إلى القاهرة والتزام رأس عمله وأن لا جدوى من بقائه أكثر من يومٍ؛ فقد أتم مهمته بوصل رحم أخيه وتهنئته بمولوده الجديد والآن عليه أن يُباشر عمله وألا يهدر وقتًا بين الصخب وأمور لا تعود على حياته العملية بالنفع، كان في قمة دهشته من رغبتها المُلحة وهي التي طلبت قدومهما وبقائهما لعدة أيام والآن تودعهما دون تبريرٍ.
- يا أمي ما كُنا قعدنا كام يوم تاني علشان حسان ميزعلش؟؟
أومأت سلبًا وهي ترد بصلابةٍ:
- حسان مش هيزعل يا قلب أمك.. هو عارف إنك مشغول.. روح شوف مصالحك يا ولدي.
أومأ "عِمران" باستسلام واقتناعٍ، فمال يُقبل ظاهر كفها بينما ربتت على ظهره بحنوٍ وفيرٍ قبل أن تلتفت إلى "شروق" وتقول بابتسامة صافية:
- وإنتِ يا شروق هتوحشيني!
اتسعت حدقتي عينيها من تصريح أبعد ما يكون عن خيالها وَمنٍ قائله؟؟ حماتها؟؟ التي لا تطيق رؤيتها أو البقاء في مكان تتواجد به؟؟ تحولت بنظراتها إلى "عِمران" الذي ابتسم بهدوءٍ فيما فتحت "تماضر" ذراعيها في دعوة صريحة وواضحة لاستقبال الأخيرة بين ذراعيها، ابتلعت ريقها على مهلٍ ثم تقدمت بتردُدٍ إلى أن استقرت بين جنباتها ورددت بخفوتٍ:
- إنتِ كمان هتوحشيني يا ماما.
ربتت "تماضر" على ظهرها برفقٍ فشعرت لأول مرة بدفء لم تكن تنتظره يومًا منها، مالت تضع رأسها على كتف الأخيرة في سعادة تمهلت في إظهارها.
ودعتهما بسلامات حارة، ظلت ابتسامة هادئة تستقر بهدوءٍ على ثغرها حتى غادرت السيارة فتحولت صفحة وجهها إلى أُخرى عابسة وظهرت نظرات نارية في عينيها ثم التفتت مُندفعة بهياجٍ داخل البيت، سارت بملامحٍ ناقمةٍ حتى وصلت إلى "راوية" وما أن وقفت أمامها حتى تابعت بنبرة جامدة:
- راوية، تعالي ورايا عايزاكِ!!
زوت "راوية" ما بين عينيها ثم أردفت تتظاهر بألم العملية:
- مش قادرة أقوم من مكاني يا أمي، تعالي قولي لي في وِدني؟؟؟
حدقت "تماضر" في عينيها وصاحت بحنقٍ:
- راوية.. فِزي!!!!
انتفضت أطرافها في توترٍ وهبَّت واقفةً في مكانها ثم سارت خلف الأخيرة إلى أن دخلت الغرفة الخاصة بها؛ فقالت "راوية" بتوجسٍ:
- خير في أيه؟؟
أطبقت "تماضر" أسنانها بقوة وقالت بنبرة حادة:
- منين هييجي الخير من وش البومة؟؟
اتسعت حدقتاها وتساءلت في صدمةٍ:
- ليه؟؟ أنا عملت أيه؟؟
تقدمت "تماضر" منها أكثر ثم كورت قبضتها وضربتها في غلٍ وبنبرة تعبق بحرارة عميقة صرخت:
- هسألك السؤال مرة واحدة وقبل ما تجاوبيني.. فكري فيه بدل المرة ألف.. لأن الإجابة هيتوقف عليها كُل النِعم اللي إنتِ عايشة فيها دي.. جوازك من ابني واقف على إجابتك.. استمرارك مع ابنك واقف على إجابتك.. فكري!!
زوت "راوية" ما بين عينيها في توجسٍ واضطربت أنفاسها في هلعٍ واستمرت تنظر إلى شفتي "تماضر" التي تساءلت بصرامةٍ:
- حاطة العمل اللي عملاه لشروق فين؟؟؟
تصلبت كالصنمٍ في مكانها بينما عيناها تجحظان في صدمةٍ، همَّت تتكلم فقاطعتها الأخيرة بنظرات مُحذرة وكلمات صارمة:
- فكري!!!!
جاهدت رغم ذعرها أن تنفي الاتهام الموجه إليها ولكنها ارتابت من نظرات حماتها التي ذكرتها بشدة أن تتأنى في الإجابة للحفاظ على بيتها وطفلها وإلا ستقع تحت براثن وجبروت "تماضر" التي تتخلص منها في لمحٍ البصرٍ بعد أن تسوء صورتها في نظر "حسان" الذي يرى كلام والدته فرمانًا لا يمكن الإخلال له.
بللت شفتيها بطرف لسانها قبل أن ترد مُتلعثمة في رضوخ:
- في الزريبة.
رمقتها "تماضر" شزرًا قبل أن تدفعها بقوة دون الالتفات إلى كونها قد أنجبت حديثًا، دفعتها أمامها بكُل ما أوتيت من قوة وهي تصيح ساخطةً يضرب الغضب والانتقام رأسها:
- قدامي على الزريبة.
جمعت ساقيها إلى صدرها أثناء جلوسها فوق الأريكة، كذلك وضعت رأسها على المسند في فتورٍ يتنافى مع تأجج كُل ذرة داخلها، كانت مُغمضة العينين لا تقوى على الخروج أو مُجابهة الواقع وبدا من خلال شحوب وجهها وغياب نضارته بأنها لم تنم الليل وتنعم بدفئه، تساقطت عَبراتها الساخنة بينما حالتها صامتةً منذ حضورها بالأمس.
- يلا يا سكن.. الفطار يا روح عمك!!
رمقتهُ بطرف عينيها فوجدته يضع الأطباق على الطاولة المُجاورة لها؛ أسرعت بمحو دموعها قبل أ تفع رأسها في خمولٍ ثم تقول بصوت ودود:
- ربنا يبارك لي فيك يا قلبي ويديمك تاج على راسي.
اقترب "سليمان" منها ثم قبض على كفها وقال بلهجة ثابتة لا تقبل النقاش:
- دا كلام معسول علشان ييجي بعده عدم رغبتك في الأكل وتجبريني أوافق، بس دا مش هيحصل، ما أُخذ بسيف الحياء؟؟ وأنا مش هتنازل عن قعدتك جنبي نفطر سوى.
قامت بسحب قبضته ثم قبلت ظاهرها بحُبٍ وفيرٍ وقالت بصوت مُتحشرجٍ من كثرة البكاء:
- لا يا عيوني مستحيل أسيبك تاكل لوحدك.
ربت "سليمان" على ظهرها برفقٍ ثم حثها على الإسراع والجلوس إلى المائدة وهو يقول بتحفيزٍ:
- بسرعة قبل طبق البيض بالزبدة البلدي ما يبرد.
ابتسمت بخفوتٍ وجلست إلى المائدة بجواره، التقطت رغيف الخبز رغم فقدان شهيتها ولكنها لم تُرد إحزانه عليها أكثر من ذلك، قطعت لُقيمة وهي تقول بصوت مخنوقٍ:
- عمي إنتَ من ساعة ما عرفت اللي حصل معايا وإنتَ ساكت، إنتَ عارف كويس أوي إن رأيك وكلامك يفرقوا لي أوي، حتى سؤالي مردتش عليه؟؟
صمتت لثوانٍ ثم أكملت تكرر سؤالها في ترجي:
- تليد لقى وَميض غرقانة في الميه وهي صغيرة؟؟
لم يجد "سُليمان" بُدًا من الكلام الذي يدعم نفسيتها ويُريح عقلها المتسائل رغم حزنه الشديد على ما مرَّت به الفتاتان وغضبه المتأجج من أخيه الذي يُصر على أن تكون نهايته يتحاكى بها الناس!!
- أيوة يا بنتي.. وَميض كانت طفلة رضيعة لمَّا تليد شاف ست بترميها في القناة في بلدنا اللي فيه بيت جدك القديم.. يومها أنقذها وكان متعلق بيها أوي.. وقتها خوفت التعلق دا يتحول لحُب والناس يلوموه إنه حب واحدة اتربت معاه وكانت زيّ أخته، فقررت أديها لعلَّام يربيها ويحنو عليها.. الحمد لله إني عملت كدا لأن اللي توقعته حصل.. وتليد فضل عُمره كله بنفس التعلق ونفس المشاعر.
تجمعت الدموع في عيني "سكون" ورددت بأنفاسٍ مضطربة:
- ولو طلعت بنت نجلا فعلًا؟؟ وَميض تبقى أختي؟؟
أومأ "سليمان" إيجابًا في تروي ليمد يده ماسحًا على ظاهر قبضتها وهو يقول بصوت دافئ:
- دي كلها احتمالات يا سكن، بلاش نسبق الأحداث، ونصيحتي ليكِ إنك تكوني أقوى وأهدا في أي مواجهة جاية وأي حقيقة تتعرض عليكِ.
سقطت عبراتها رغمًا عنها وهي تومىء برأسها في صمتٍ، في تلك اللحظة كان انتظارها للنتيجة قد بلغ مبلغه منها فطفقت تأكل في صمتٍ حينها طُرق الباب فهمَّت أن تذهب ولكن "سليمان" أوقفها وهو يتجه صوب الباب ويقول بهدوءٍ:
- كملي إنتِ أكلك.
- صباح الخير يا شيخ قلبي وتاج راسي.
فتح "سليمان" الباب فظهر أمامه ابنه وزوجته اللذان عادا للتو من بين "علَّام"، قابلهما بابتسامة صافية قبل أن يتحرك صوب الطاولة مرة أخرى ويقول في دعوة حماسية:
- يا دوب تلحقوا الفطار وهو سُخن.
وَميض وهي تسبق زوجها للداخل وتقول بمرحٍ:
- أكلك لا يُقاوم يا بابا طبعًا و...
سليمان بحُب يردد:
- بألف هنا على قلبك يا روح أبوكِ.
تسمرت في مكانها بعد أن خطت خطوتين بالضبط فقد تفاجأت بوجود "سكون" تجلس إلى المائدة بوجه عابسٍ، تنحنحت وهي تنظر إلى "سليمان" مرة أخرى وتقول:
- خلاص يا بابا.. أنا مش هزعجكم وكمان لازم أغير هدومي وأكون مع مُهرة قبل ما خالها يوصل.
دخل "تليد" بعدها بدقائق فور إنهاء اتصالًا طارئًا ورده؛ وقبل أن يتكلم أو يتفاعل أيًا منهما على كلامها ردد "تليد" مُتفاجئًا في ترحيبٍ:
- سكون عندنا.. وأنا أقول البيت منور ليه؟؟
تدبرت "سكون" ابتسامة هادئة قبل أن تنظر إلى "وَميض" وتقول بهدوءٍ:
- مفيش إزعاجك يا وَميض.. اقعدي خلينا نفطر مع بعض.. أنا ضيفة عندكم.. معلش استحمليني لو ضيفة تقيلة.
تحولت ببصرها إلى ابن عمها وقالت بودٍ صادقٍ:
- البيت منور بأهله وصُحبته.. مبسوطة إني شوفتكم قبل ما أمشي.
لمست "وَميض" حُزنًا يحيط بها ويتملكها، فأردفت تُصحح حديثها ببعض اللين:
- مش قصدي، كُنت عايزاكِ تكوني على راحتك مع عمك.
تقدم الاثنان من المائدة وجلسا إليها على الفور بعد أن استعجلهما "سليمان" الذي بدأ يسكب الشاي داخل الأكواب لتناوله مع الأكل.
أومأت "سكون" متداركةً تبريرها وأنها لا تقصد منه سوى عدم إزعاجها خاصةً أنهما لا تجتمعان في مكانٍ واحدٍ إلا ويتشاكلان بطريقةٍ سيئةٍ، في هذه اللحظة سمعت "سكون" صوت اشعارٍ يأتي من هاتفها، خفق قلبها بقوة عنيفة تضرب جدرانها فأسرعت بأطراف مُرتجفة تمرر كلمة المرور ثم قصدك تطبيق "واتساب" لتجد رسالة قد وصلتها للتو من رقم غير مُسجل لديها، ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة وهي تضغط على أيقونة فتح الرسالة فتجدها ورقة تحتاج إلى التحميل أولًا، أغمضت عينيها بقوة قبل أن تتأهب بضرورة استقبال النتيجة مهما كانت، فتحت الصورة بعد تنزيلها ثم دققت النظر فيها بينما تقرأ سطورها فوجدت اسم والدها مُدون بجوار إحدى العينات واسم "نجلا" مدون على الناحية الأخرى وفي نهاية الورقة قرأت أن عينة الابنة -مذكورًا اسمها- تتطابق بنسبة كاملة مع الوالدين.
نظر "تليد" إلى ابنة عمه وقال باهتمامٍ بعدما رأى وجهها الشاحب فجأة وتركيزها بالهاتف:
- في حاجة مش طبيعية فيكِ؟؟ إنتِ كويسة يا سكون؟؟
كان سؤاله بمثابة القشة التي قضمت ظهر البعير، تحملت حقائق لا يستوعبها رجلًا عتيدًا هُيأ للشدائد وما أن تلقت سؤالًا عن حالها حتى انفجرت باكيةً تشهق شهقات قوية مُلتاعة، أطرق "سليمان" بمشاعرٍ حزينةٍ فور رؤيته دموعها وقد فهم إلام كانت تنظر في هاتفها، استبد القلق في قلب "تليد" الذي قابل انفجارها بالبكاء في دهشة، ابتلعت "سكون" ريقها على مهلٍ قبل أن تُقرر فورًا الاقتراب منها وبرد فعل تلقائي منها أسرعت بضمها إلى صدرها وهي تقول في ارتيابٍ:
- بتعيطي ليه؟؟ مالك؟؟ في حد ضايقك بحاجة أو بيهددك بحاجة؟؟
هبَّ "تليد" في مكانه واقفًا يتفقد وجهها الشاحب ويقول بقلقٍ كبيرٍ:
- سكون رُدي وقولي لنا في أيه؟؟ حد بيهددك بحاجة؟؟ في مشكلة حصلت في البيت أو مع عُمر؟ عرفيني علشان أتصرف!!
كانت تصرخ باكيةً في حُرقة وما أن ضمتها "وَميض" إليها حتى أسرعت "سكون" بالتشبث بقوة بها فقامت بشبك ذراعيها حول جسد الأخيرة بمشاعرٍ حميمية دافئة وصلت بقوة إلى "وَميض" التي تعجبت هذه المودة المُفاجئة ومدى عُمقها، ظنت أنها تتخيل تشبث "سكون" بها واحتضانها بقوة كمن لا يرغب في الابتعاد أبدًا، لم تفهم جيدًا ما يحدث ولكنها تجاوبت معها بدافع المُساندة وتطييب الخاطر، مسحت "وَميض" على غُرة رأسها وهي تقول ببعض اللين:
- إحنا فاهمين إنك مش قادرة تتكلمي بس إحنا عايزين نساعدك!!
بدأت شهقاتها تخفض تدريجيًا وصوت بكاءها الذي تضاعف تقل حدته ورغم تراجعها عن الانهيار إلى أنها ظلت تطبق بذراعيها على ظهر "وَميض" لا تتركها وبصوت مكلومٍ قالت:
- بابا ضرب عُمر.. علشان كدا أنا زعلانة.
بدأت تربت "وَميض" على ظهرها بحُنوٍ وقد تجمعت الدموع في عينيها بينما تابع "تليد" بغيظٍ مكتومٍ:
- وعُمر عامل أيه دلوقتي وفين؟؟ مع كاسب؟؟؟
سؤاله ذكرها بخسارتها الأخير فعادت تبكي مرة أخرى وتقول بألمٍ دفينٍ:
- كاسب ضرب بابا دفاعًا عن عُمر وبعدها مشي من القصر خالص.
تليد بنبرة مخنوقة يلومها:
- كُل دا حصل وأنا آخر من يعلم؟؟ طيب كُنتِ كلميني؟؟
أجابته بصوت مُتحشرجٍ:
- إنتَ عارف كويس إن مينفعش إنتَ وبابا تجتمعوا حتى في نقاش.
وَميض بصوت حزينٍ تهدئ من روعها:
- اهدي وكُل حاجة هتكون كويسة والله!.
بدأت "سكون" تستعيد توازنها وهي تفارق ذراعي الأخيرة على مضضٍ ثم تمسح دموعها وتقول بهدوءٍ لا يشبه داخلها وهي تنظر داخل عينيها:
- شُكرًا.
وَميض ترد بابتسامة ناعمة:
- العفو.
كان "سليمان" يتابع تطور حالة "سكون" التي رق قلبها سريعًا لرابطة الدم التي تجمعها بالأخيرة، لاحظ تقبُلها الفوري لأخوية نشأت فجأة ودون ترتيب وكيف أن قلب سكون ناعمُ رقيقُ يسامح دون عتابٍ ويرق ولو كان الخلاف عظيمًا ولوكان بينها وبينك ألف بابًا تفتحهم دون كللٍ أو مللٍ إن عاملتها برفقٍ أو عبرت آسفًا عن ذنبٍ اقترفته في حقها.. لينة كوردةٍ تتفتح أوراقها كلما سقيتها حُبًا وتصير مُقاتلة بارعة تدافع عن مشاعرها وتوهب روحها باستبسال فداءً لقلبك.
تنحنح "سليمان" برصانةٍ وقال منتشلًا نفسه من حُزن أوشك أن يضرب قلبه:
- سكَن.. أنا شايف إنك تفضلي معايا هنا في المزرعة لحد ما تهدي وبإذن الله الفرج قريبًا.
قالها ببُسطة قول بينما نفسه تُهيئها لأمرٍ آخر، فود أن تطيل مُدة بقائها بجانب شقيقتها وتعمُق شعورها بالأمان والطمأنينة معها كي تتشبع من رؤيتها وتتقبل الأمر الواقع بسرعة كبيرة حتى لو كانت "وَميض" لا تعي عن الأمر شيءُ؛ فمعرفة "سكون" بالأمر كافيةً لخلق المشاعر واسترداد الودٍ.
تنهد "تليد" مُستسلمًا من وقاحة عمه، تحول بنظراته إلى والده قبل أن يقول بلهجة حاسمة:
- طيب أنا هطلع أخد حمام سريع وأغير هدومي علشان أروح لنوح أوضته قبل ما نتحرك عند خالتي رابعة.
عاد ببصره إليها مرة أخرى وقال بثباتٍ:
- إنتِ النهاردة بايتة معانا يا سكون زيّ ما أبويا قال، مفيش جدال؟؟؟
أومأت بتقدير لقرارهما، ربتت "وَميض" بحُنوٍ على كفها قبل أن تستأذن للصعود مع زوجها إلى شقتهما استعدادًا لحضور لحظة تقدُم "نوح" لخال مُهرة وطلب الزواج منها وفض النزاع الذي دار بين الشابين.
وما أن غادرا حتى التفت الشيخ لها وقال بابتسامة مسالمة:
- تقبلتي وَميض بدورها الجديد في حياتك بسُرعة.. قدرت أحس أد أيه كُنتِ حاسة بالمسؤولية ناحيتها والراحة في قُربكم من بعض.. عارفة ميزتك أيه يا سكن؟؟؟
طالعته بعينين تلمعان بضياء مهزوم فتابع بلهجة ودودة:
- ميزتك إنك بتفكري في مشاعر الناس اللي بتحبيهم وبتغضي الطرف عن مشاعرك.. يمكن إنتِ دلوقتي في أضعف لحظاتك بس شاغل تفكيرك وجعك على وَميض وإزاي هتتقبل حقيقة زيّ دي مش كدا؟؟؟
أومأت في صمتٍ ودموعها تتساقط منها فاندفعت نحوه ثم جثت على ركبتيها أمامه ووضعت رأسها على ساقيه وطفقت تبكي بمرارة غصَّت قلبها؛ مسح الشيخ على رأسها وقال راغبًا في نثر الصبر على قلبها:
- احساس المسؤولية ناحية وَميض نمى جواكِ بسرعة أوي.. أنا عارف إن قانون البقاء الخاص بيكِ قمته هي إخواتك.
نامت على ظهرها فوق الفراش وفردت ذراعيها على آخرهما وظلت مُحدقةً في السقف لدقائق طويلة كافية أن تُكسبها بعض التروي خاصةً بعد تلقيها نتيجة التحليل من قِبل طبيب المُختبر الذي أرسل التحليل فور اتصالها به؛ كانت صدمتها أقل من السابقة فقد كانت تتوقع أن "سكون" هي ابنتها المخطوفة بنسبة كبيرة، لم تنصدم أو تنهار ولكنها لا تُنكر سعادتها بالوصول إلى ابنتها أخيرًا وكيف رأت في عينيها بعض القبول والتقبل، التقطت "نجلا" الورقة الموضوعة بجوارها ثم وضعتها أمام ناظريها مرة أخرى تتأمل النتيجة بظفرٍ وعينين تلمعان بوَميض غلبه الانتصار، تنهدت تنهيدة ممدودة بعُمق قبل أن تحتضن الورقة بين ذراعيها في سرورٍ وملامح "سكون" تقفز أمام عينيها كما لو كانت تراها الآن.
سقطت دموعها على الوسادة فأسرعت بمحوها وهي تقول بلهجة ثابتة:
- مفيش عياط تاني خلاص يا نجلا.. لقيتي بنات وقُريب هيكونوا في حُضنك ودلوقتي لازم تركزي على حاجتين.
تنفست بقوة قبل أن تستكمل حديثها مع نفسها:
- موتي نفسك علشان وَميض تسامحك وتسمعي منها كلمة "أمي" ودمري عُثمان.. حُطي خطة نهاية طغيانه بنفسك.. خليه يكتشف إن سيناريو حياته كان من تأليفك وإنتِ المُتحكمة في مصيره.
ابتلعت غِصَّة مريرة في حلقه ورددت:
- خليه يدوق من أطنان العجز اللي دوقه ليكِ وقررتي تحتفظي بجُزء منهم له، حوليه ورقة في خريفك.. ورقة مش قادرة تواجه ريحك.
مدَّت ذراعها حتى التقطت علبة الكبريت ثم قامت بالتقاط عود ثقاب منها وأشعلته فورًا ثم ثبتته بين أسنانها الضاغطة عليه، ظل مُشتعلًا وظلت نائمةً كما هي تراقب تآكل العود وتحوله إلى عودٍ من الرمادٍ حتى بدأت النيران تقترب من شفتيها فأسرعت بفتح فمها ثم أدخلت العود داخله وأغلقت عليه فانطفأ فورًا من الهواء الصادر عن فمها، قام بالتقاط هاتفها في لهفةٍ حينما وصلها اشعارًا فظنه ردًا من "سكون" ولكن ارتخت تعابير وجهه بخيبة أملٍ وما أثار حزنها أكثر رؤية الأخيرة لصورة التحليل دون رد!!!
وقفت أمام المرآة تتطلع إلى هيئتها المُنمقة في إعجابٍ، فكانت ترتدي ثوبًا جديدًا اشترته خِصيصًا لهذه المُناسبة السعيدة، لم تستوعب حتى الآن قدومه بعد قليلٍ لطلب يدها من خالها، هل سيكون لها فعلًا؟؟ هل سيضع خاتمه حول إصبعها؟؟ هل سيأتي اليوم فعلًا طالبًا إياها كشريكةٍ معه في حياته للأبد وأن تكون هي أول من يرى في صباحه وتكون رؤيتها لوجهه بعد أن تُبصر عيناها في أول صباحٍ بينهما من أجمل الخيرات والمسرات بالنسبة لها، خفق قلبها بقوة واضطراب لا يهدأ فطوال الليل وهي تدعو أن يسير اليوم على النحو الذي يُرضيها وتفوز في النهاية بالخاتم الذي وعدها أن يُحضره لها في أول لقاء رسمي يجمعه بأهلها.
بدأت تدور حول نفسها في سعادة غامرة ولكنها توقفت فجأة حينما تذكرت خالها المُستبد في طلباته وكيف ينوي إعادة "نوح" خالي الوفاض من هذه القعدة ونية "إبراهيم" الشريرة في شحن خاله ضد نوح.
عبست صفحة وجهها فرأتها "رابعة" التي ضربت كفًا بالآخر وهي تسأل في توجسٍ:
- مالك بوذتي ليه ما كُنتِ مُنشكحة من شوية؟؟؟
التوى شدق "مُهرة" وأسرعت تصيح باحتجاج:
- ما هو أنا مش مغتاحة لأخوكِ دا بصغاحة ولا إبغاهيم دودة العلق دا.
رفعت "رابعة" أحد حاجبيها قبل أن تقول بنبرة ماكرة تخفي وراءها ابتسامة:
- وأيه الجديد يعني.. نوح زيّه زيّ أي عريس هيقعد مع خالك وهيختبره ولو معجبوش يبقى كُل حي يروح لحال سبيله.
اكفهر وجهها في غضب صريحٍ وصاحت سخطًا:
- نعم؟؟؟ نوح أيه اللي زيه زيّ أي عغيس؟؟ لأ بقول لكم أيه دا أنا أغوح فيكم في داهية، جوزي المُستقبلي يتعامل بكُل احتغام وتقديغ ويتوافق عليه فورًا وبدون اختباغات.. أنا خلاص اختباغته.
رابعة وهي تحدق فيها وتقول بغيظٍ:
- اختباغتيه إزاي يا مُهغة؟؟
ابتلعت ريقها على مهلٍ قبل أن تُصحح حديثها بكلمات أخرى:
- قصدي يعني أنه عنده واسطة.
تخصرت "رابعة" أمامها ورددت بتساؤل حاد:
- واسطة أيه دي بقى إن شاء الله؟؟
مُهرة بابتسامة عريضة تجيب:
- قلبي.. واسطته قلبي.
افتر ثغر "رابعة" عن ابتسامة عريضة قبل أن تسمع رنين الجرس وتقرر الذهاب إليه إلا أن "مُهرة" عاقت طريقها وردد بلهجة ثابتة حاسمة:
- هتوافقوا عليه بما يُغضي الله ولا أتجوزه من وغاكم؟؟؟
انفتح فم "رابعة" على وِسعه وهي تهتف بغيظٍ بعدما دفعتها برفقٍ بعيدًا عن طريقها:
- مخلفة بِجحة.. كان على زماننا نتكسف نفتح في أهالينا أو نعبر عن رغباتنا.. بقى أنا كُنت استجري أقول لأبويا "هتجوزوني دا ولا أتجوزه بالعافية" والله كان طخني في التو واللحظة.
ظلت تتحدث "رابعة" إلى نفسها بصوتٍ مسموعٍ تُعبر عن غيظها الفكاهي من جرأة وشجاعة ابنتها التي رددت بصوت عالٍ في مزاحٍ:
- الله يغحم أبوكِ.
تصلبت "رابعة" في مكانها وقد جحظت عيناها في صدمة قبل أن تلتفت إلى ابنتها وتصرخ في دهشةٍ:
- يجحم أبويا!!!
أومأت "مُهرة" سلبًا على الفور وهي تصيح في دهشةٍ مثيلة:
- يغحمه يا ماما.. يغحمه.. إنتِ ناسية إني لادغة!!
ضربت "رابعة" جبينها بكفها واستأنفت سيرها وهي تردد في تذكر:
- صح كُنت هظلمك.
توجهت فورًا إلى الباب تستقبل شقيقها وابن شقيقتها ثم دعتهما إلى الجلوس في غرفة الضيافة وأخبرتهم بقدوم الآخرين بعد قليلٍ، وما هي إلا لحظات حتى دق باب البيت مرة ثانية وقبل أن تضع "رابعة" يدها على مقبض الباب وجدت يد "مُهرة" تسبقها فرمقتها بذهولٍ وهي تقول من بين أسنانها المُطبقة:
- طب شوية خجل من بتاع العرايس دا؟؟؟
مُهرة بابتسامة عريضة ترد:
- لأ
أسرعت بفتح الباب وما أن ظهر أمامهما الشيخ سليمان حتى تهللت أسارير وجهيهما، رحبت "رابعة" به بحفاوة كبيرة ثم قادته إلى غرفة الضيافة بينما بقى "نوح" واقفًا يتطلع إليها بُهيامٍ مُحتجزًا البقية وراءه ثم ردد بتغزل وهو يقدم باقة من الزهور لها:
- مساء المانجا يا مانجا!!!
تخضبت وِجنتاها وهي تتناول الباقة منه بينما دفعه "تليد" بغيظٍ ثم قال:
- يا عم ادخل.. إنتَ بتعاكس من قبل ما يتوافق عليك!!
تنحى "نوح" جانبًا موسعًا الطريق لهم للمرور داخل البيت بينما بدأ يتجول بعينيه في أرجاء البيت ثم تساءل بصوت خفيضٍ:
- خالك جه؟؟؟ صحيح هو عنده كان سنة؟؟
أومأت إيجابًا ثم ردت بخفوتٍ:
- عنده ستين سنة.
فتابع بلهجة تتأرجح بين المزحٍ والغيظٍ:
- طب أيه هو مش ناوي يموت!!
انطلقت ضحكة عالية من فمها فأسرعت بكتمها قبل أن تتجه الفتيات إلى غرفة "مُهرة" ويذهب الشباب إلى الغرفة، فركت "مُهرة" كفيها معًا في توترٍ بينما جلس "نوح" بجوار الشيخ سليمان وجلس "تليد" على الجانب الآخر منه وبقى الشيخ في المنتصف ليتكلم بنبرة هادئة ودودة:
- قبل ما نتكلم في اللي إحنا جايين علشانه، لا بد أن نُصلح بين الشابين لبقاء ود النسب قبل أي شيء.
أومأ الخال مؤيدًا كلامه ثم قال بلهجة ثابتة:
- يرضيك يا شيخ سليمان إن ابنك يضرب إبراهيم علشان بيدافع عن بنت خالته.. إنتَ عارف إني مكلفة ياخد باله منهم في غيابي ونوح تجاوز كل الحدود باللي عمله دا.
أومأ "سليمان" قبل أن يرد بلهجة شديدة:
- وإبراهيم لما مسك دراع البنت بالعافية مكنش تجاوز الحد يا توفيق؟؟؟
توفيق بلهجة غاضبة يُبرر:
- بنت خالته يا شيخ سليمان وهو حُر فيها.
سليمان يرد ردًا قاسيًا بعض الشيء رغم ثباته الذي لا غبار عليه:
- الشرع مفيهوش بنت خالته يا توفيق الحرام بيّن والحلال بيّن وبالنسبة لحريته فحريته دي في قول رأيّ أو فعل لا يؤذي غيره.. الحرية اللي بتتكلم عنها بنودها تُنفذ إلى الحد الذي لا يجعلك تمس أو تضر شخص تاني.. أنا شايف إن هم الاتنين كانوا على خطأ وأتمنى تتقبل الحقيقة دي.
تنفس "توفيق" بقوة حينما عجز عن الرد أمام قامة كالشيخٍ "سليمان" خاصةً أنه لم يجد موضع خطأ في كلامه، في النهاية أومأ مُذعنًا؛ فأكمل "سليمان" بهدوءٍ:
- إحنا جايين بنية زواج بنتنا (مُهرة) من ابننا (نوح) على سُنة الله ورسوله.
سكت هنيهة قبل أن يُتابع بابتسامة هادئة:
- ما شروطك للموافقة؟؟
دخلت "رابعة" في هذه اللحظة بعد أن طرقت الباب ثم تقدمت بصينية المشروبات فأسرع "نوح" بتناولها منها ووضعها بالمُنتصف وبعدها خرجت مرة أخرى على الفور.
تنحنح "توفيق" قبل أن يقول بحسمٍ:
- طلباتنا بسيطة.. عايزين شقة مِلك علشان بنتنا متتبهدلش.. 100 جرام دهب عيار 23 .. وفرش شقة كامل خشب.
دمدم بخفوتٍ وغيظٍ من بين أسنانه المطبقة فلكزه "تليد" أن يتحكم في أعصابه أكثر من ذلك، لم يكُن يجرؤ أيًا من الشباب الحديث أو الاعتراض أثناء تكلُم الكِبار فرغمًا عنه لم يستطع الانفجار في وجه ذلك العجوز الذي ظنه يلد المال ولا يجنيه!!
تنهد "سليمان" بهدوءٍ ثم رد:
- في البداية.. أنا شايف إن دي شروط تعسفيه وتعجيزيه.. لأن لو نوح ابني كان قِبل مساعدتي من البداية كُنت هوافق على شروطك لأن مال الدنيا كله لا يتساوى بأدب وأخلاق مُهرة ولكن زي ما إنتَ عارف إن أنا اللي ربيت نوح وهو من زمان رافض مساعدتي المالية وقرر يشقى ويتعب ويكبر بنفسه ومجهوده.
سكت هنيهة يرتشف بضع قطرات من الماء قبل أن يستكمل بصلابةٍ:
- وإنتَ دورك كوصي على بنت الناس إنك تيسر لها الحلال وتقنن مشاعرها ناحية الراجل اللي اختارته وتحولها لمشاعرٍ يقبلها الله ورسوله لأن قبولك أو رفضك لن يُغير ما في القلوب!!!
ابتسم في خفةٍ وتابع بكلمات خيطت من تجاربه كمأذونٍ:
- كُن رحيمًا يرحمك الله.
رواية رحماء بينهم الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم علياء شعبان
اندفع نحوها بمشاعرٍ تتلظى سعيرًا وهو يدير عجلة كرسيه المُتحرك في تبعثر واضطراب. كانت منغمسةً في قراءة الجريدة تأخذ قسطًا من الصفاء الذهني بعد أُمسية سيئة أثارت قلقها وخوفها على "سكون" التي اختفت من الوسط فجأة، ولكنها سكنت بعد ذلك حينما علمت ببقائها في بيت عمها لاستعادة طاقتها. ربما "نبيلة" ناقمة على ترابط وقوة العلاقة بين أولادها وعمهم، ولكن هذه العلاقة في النهاية لا تضرها بشيءٍ، فقط تُثير حنق زوجها وتأجج غضبه.
لا تعلم حتى الآن بأن الحقيقة انكشفت والأمور ستنقلب رأسًا فوق عقبٍ. اندفع نحوها وصاح مُحتدًا بالغضب:
- أنا مش طلبت منك عربية يا أمي توديني لسكون؟ مش فاهم ليه كبرتي دماغك؟
طوت الجريدة بسرعةٍ ووضعتها على الطاولة القابعة أمامها قبل أن تلتفت إليه باهتمام بالغٍ وتقول بصوت مخنوقٍ:
- يا عُمر أنا مش عايزة خلاف بينك وبين بابا تاني.. ليه بتحاول تستفزه يا عُمر؟ دا والدك في النهاية حتى لو فيه عيوب الدنيا كلها!
صاح بانفعالٍ جامحٍ في وجهها:
- بستفزه بأيه؟ أنا مش بطلب غير إني أشوف أختي واطمن عليها.. أختي اللي هو دمرها وقضى على نفسيتها لدرجة إنها مش قادرة ترجع القصر وفقدت راحتها وأمانها في بيتها.. إنتوا فاكرينها عُمر اللي هيتهان ويستحمل؟
بدأت "نبيلة" تدعك جبهتها بأطراف أناملها في ضيقٍ واختناقٍ، بينما لم يسأم هو من صراخه الهادر قائلًا باحتجاج:
- سكون كتومة وعندها قُدرة تحمُل مش في رجالة كتير.. فقدتها خلاص.. إنتِ مُتخيلة إن سكون مبقيتش قادرة تتحمل؟ سكون اللي من يوم ما وعيت وهي شايلة معاه ومشتكتش؟
أفضى ما في داخله بحالة من النقم قبل أن يصمت لثواني ثم يقول بحزمٍ:
- نهاية كلامي.. هتطلبي عربية توصلني لبيت عمي ولا لأ؟
نبيلة بحسمٍ وثبات:
- لأ يا عُمر حقنًا للدماء بقول لك لأ، وعلشان خاطري افهم بقى!
حدجها بنظرات نارية قبل أن يستدير بكرسيه وهو يتمتم بسخطٍ:
- تمام.. أنا عايزها دم.
انصرف غاضبًا صوب غرفته يعزم النية على إيجاد طريقة توصله إلى شقيقته. أسرع صوب الطاولة ثم التقط هاتفه باحثًا عن اسمه وبعد ثوان من الاتصال به سمع صوته يقول بفتورٍ:
- عُمر!
أجابه الأخير بنبرة مخنوقةٍ:
- كاسب، محتاج مساعدتك!
***
- نفسك في خاتم شكله أيه؟
سألها "نوح" بنبرة مهتمة للإجابة أثناء جلوسه بجانبها على الحجر. فزوت "مُهرة" ما بين عينيها في استغرابٍ من تنقله بين الأحاديث ببساطة شديدة، فقد كانا يتكلمان قبل قليل عن وصوله إلى مُسرب التسجيل ومن الفتاة التي جاءته في العيادة، والآن ينتقل إلى حديث آخر ويسألها دون مُناسبة عن شكلٍ الخاتمٍ الذي تود ارتدائه. تنهدت بقوة قبل أن تمط شفتيها وترفع ذراعها وتُنزلهما في استسلام:
- مش فاهمة سؤالك؟ خاتم بخصوص أيه بالظبط؟
أومأ "نوح" قبل أن يُكرر سؤاله بوضوحٍ أكبر:
- لو قررت أتقدم لك وحددت ميعاد مع خالك، تحبي هديتي ليكِ في الخطوبة يكون خاتم شكله أيه؟
سكت هنيهة ثم أضاف بابتسامة ماكرة:
- كدا السؤال أحلى!
شعرت بالغبطة والسرور فور اعترافه الصريح بنيته حول اقتراب موعد خطبته لها. خفق قلبها بقوة واضطراب أنفاسها وظهر ذلك جليًا في نبرة صوتها التي تضطرب وتيرتها من فرط السعادة:
- فغاشة.
ظهرت ابتسامة عريضة على شفتيه وهو يتأملها بعينين هائمتين قبل أن يردد:
- فغاشة.. اشمعنى الفراشة يعني؟
شبكت كفيها معًا ثم عَبرت بسعادةٍ حقيقيةٍ:
- علشان وجود خاتم منك في إيدي هيحولني زيها، هكون طايغة.
رفع سبابته وراح يحركها باتجاه عينيه وهو يقول بحُبٍ سطع في كلماته:
- عيني يا عيني.
تهللت أسارير وجهه من تمسكها به؛ فالثقة التي تمنحه إياها دون أن تدري جعلته يتمهل كي يكون جديرًا بها، واثقًا أنه مهما عصفت بهما الظروف ستبقى مُرابطةً بين ثنايا قلبه. قاد مسيره إليها بمشاعرٍ سوية، لم يستغل ضمان مشاعرها المُتدفقة له، ولم تكُف هي للحظة عن تشبثها به وإصرارها على لقاءٍ مُثمرٍ بينهما.
تذكر هذه اللحظة بينهما حينما أخرج العلبة من جيب سترته ثم فتحها وبقى يتأمله بسعادة كبيرة مُتخيلًا ملامحها الرقيقة التي تسر بمجرد رؤية الخاتم. سُحب من شروده حينما وجد الشيخ "سليمان" يستجيب لِمَا اتفقا عليه سوية وبعلم البقية عدا الخال وابن الخالة. تنحنح "سليمان" قبل أن يقول بلهجة ثابتة:
- إحنا النهاردة يا توفيق مش جايين نقرأ فاتحة وبس.
قطب "توفيق" ما بين عينيه مُلتفتًا إلى "إبراهيم" الذي كتم غيظه في صدره حتى لا يظهر عليه رغبته في إفساد هذه الأجواء، خاصةً أن خاله قد وعده بعودتهم خائبي الرجا ووعده بأن الفتاة سوف تكون له. لم يكونا يعلمان بأن ما رُتب له من وراءهما سيثبط سعيهما ويبيت هباءً منثورًا. استطاع "سليمان" مناقشة الأخير بالود وأمام إصرار "توفيق" على شروط الزيجة التعجيزية قرر الشيخ أن يوافق عليها بعد أن قبل "نوح" عرض مساعدته. لم يجد "توفيق" مفرًا من إتمام قراءة الفاتحة والموافقة المبدئية على أملٍ تدبير خطة تُنهي هذا العبث، ولكنه تفاجأ في دهشةٍ من تصريح الشيخ؛ فردد متوجسًا:
- هو في حاجة بتتم تاني في أول لقاء غير قراية الفاتحة؟؟؟
تنهد "سليمان" تنهيدة ممدودة بعُمقٍ وهو يسحب حقيبته من جانبه ثم يضعها أمامه ويبدأ في فتح سحابها ثم قال بهدوءٍ:
- إحنا جايين النهاردة بغرض كتب كتابهم.
جحظت أعين الرجلين في صدمةٍ كاسحةٍ، ابتلع "إبراهيم" ريقه على مضضٍ وصاح بغيظٍ:
- أيه الكلام الفارغ دا؟
لم يتحمل "تليد" أكثر من ذلك وخرج عن صمته وهو يصيح بلهجة حادة:
- احترم نفسك وطول ما الكبار بيتكلموا.. العيال تسكت.
ضغط "سليمان" على ذراع ابنه برفقٍ فتراجع تقديرًا لرغبة والده الذي تابع بثباتٍ:
- تحجيمًا للمشاكل ومنح نوح حق زيارة حبيبته في أي وقت؛ فدا الخيار الأنسب.. نوح ومُهرة ميعرفوش بعض إمبارح.. وأنا ربيت راجل قادر يحميها ويصونها وإن شاء الله مش هتفوت السنة غير وهي في بيته.
سكت هنيهة ثم نظر صوب "إبراهيم" وقال بثبات أكبر:
- ومن اللحظة دي مش هيكون في داعي لزيارات إبراهيم المتكررة بدون سبب لبيت خالته.
توفيق بلهجة غاضبة:
- وهو كتب الكتاب بالسهولة دي؟ مفيش إجراءات وأوراق وعقد زواج؟؟؟
اِفتر ثغر "سليمان" عن ابتسامة بسيطة، كتم "نوح" ضحكة ترددت في صدره ورغب بشدة في تحريرها ولكنه تمهل ألا يُزعج الشيخ خاصةً عند رؤية الشرر الذي يتطاير من عيني إبراهيم. دس الشيخ يده داخل حقيبته ثم أخرج منها عقد زواج وضع عليه صورتهما وأخرج بعد ذلك المحبرة الخاصة ببصمة الإصبع والقلم. نظر "توفيق" إلى العقد مصدومًا وأدرك فورًا أن خطته ردت إليه مرة أخرى وأن خائب الرجا لم يكُن سواه.
لقد أدركت "رابعة" ما ينوي عليه شقيقها فهي أكثر من يعرفه. لم ترد كسر فرحة ابنتها الوحيدة التي انتظرت هذا اليوم طويلًا وبعد ساعات من إقناع "نوح" لها بالفكرة انصاعت رغبةً في منحهما السعادة والتأنس برفقة بعض. كذلك عمل "تليد" على إقناع والده وأخبره بنية هذا الرجل المبيتة للوقوف أمام هذا الزواج ودفعها رغمًا عنها إلى الزواج بابن خالتها. وافق الشيخ في النهاية ليبدؤوا جميعًا في جمع كافة متطلبات عقد القران في وقت قصير للغاية.
رفع "سليمان" بصره إليه وقال بابتسامة ودودة:
- كُل حاجة جاهزة يا توفيق.. اكسب ثواب بجمع اتنين بيحبوا بعض في حلال ربنا.. العِند رفيق الشيطان.. محدش بياخد غير نصيبه من الدنيا مهما جاهد وشقى وتعب.. مش هتاخد أكتر من اللي ربنا قاسمه لك.. الكلام دا يشمل الرزق والزواج كمان.
استبد الغيظ من وجه إبراهيم الذي نظر بقوة إلى خاله يحذره من الاستجابة لطلبهم. تملك التوتر جسد "نوح" الذي بدأ ينفخ أوداجه بغضبٍ مكتومٍ من تصرف ذلك الأحمق الذي ينبش عن الخراب بغاية عدوانية. امتقع وجه "توفيق" ببعض الضيق ولكنه في النهاية ردد على مضضٍ حينما أدرك أنه قد حُسر أمام الأمر الواقع ولا مفر من هذه الحقيقة:
- هي حُرة في اختيارها وأنا مش مسؤول عنها في أي مشاكل هتحصل بينهم أو متلاقيش راحتها بعد كدا!
أسرع "نوح" بالاقتراب من "توفيق" وهو يرمق الأخير بنظرات ظافرة مُنتصرة قبل أن يلتفت إلى الخال ويقول بثقةٍ وهو يلتقط راحة "توفيق" بين راحته:
- لا عاش ولا كان اللي يقلق راحة مراتي.. حتى لو كُنت أنا.
افتر ثغر "تليد" عن ابتسامة مكبوتة جاهد ألا يُظهرها بينما ظل "نوح" مُتشبثًا براحة الأخير إلى أن قام الشيخ بوضع منديل عليهما وبدأ مراسم عقد القران وتلقينهما ما يتوجب عليهما قوله تعهدًا من الزوج بصون الأمانة وقبول الولي به حلالًا لها.
تنفست "رابعة" الصعداء أثناء استرقاقها السمع من وراء الباب وما أن بدأت المراسم حتى هرولت إلى غرفة ابنتها وقد تهللت أسارير وجهها. فتحت الباب بملامحٍ منشرحة فرمقتها "مُهرة" بنظرات مرتبكة وكذلك الفتيات. لُجمت "مُهرة" عن الكلام فتابعت "وَميض" بدلًا منها:
- الخطة نجحت؟
رابعة بسعادةٍ غامرةٍ:
- بيكتبوا الكتاب برا!
صرخت "مُهرة" بفرحة مفرطةٍ ثم هرولت ترتمي بين ذراعي والدتها لتحتضنها الأخيرة بسعادة لم تذق مثيلها من قبل. أسرعت "وَميض" في تلك اللحظة بالذهاب إلى "سكون" واحتضانها بتلقائيةٍ تضامنًا مع فرحة صديقتها، فبادلتها "سكون" الفرحة رغم عدم اكتمالها إلا أنها تشبثت بها بقوة. لحظات وجاء الطرق على باب الغرفة فتنحنحت "رابعة" بتوترٍ وهي تفتحه ليظهر أمامها وجه أخيها المغتاظ يقول وهو يناولها الدفتر:
- خلي بنتك تمضي وخليكِ عارفة إن ابن خالتها كان أولى بلحمه.
رابعة وهي تبتسم في ثباتٍ:
- دا نصيب يا توفيق.. البنت خلاص اتكتب كتابها والكلام دا مالوش لازمة.
حدق فيها بنظرات ساخطة قبل أن يردد بلهجة شديدة:
- ماشي يا رابعة.. بس اوعي في يوم ألاقيكِ جاية تترجيني أجيب لها حقها لما ييجي عليها.
ترقرقت عيناها بالدموع حينما لمس منطقة محظورة بالنسبة لها؛ غياب والد ابنتها ودعامتها في صغرها. تخشى على قلب ابنتها أن يمسه سوء فتتلقى ضِعفه حسرةً عليها ولذلك كان خيارها الأصوب من بين الجميع هو نوح.. ثقتها به تعدت كُل الحدود.
جاء بالصُدفة لرؤية عروسه والتأكد من عدم تعرض "توفيق" لهما بالأحاديث الفاسدة ولكن توقعه كان في محله. وصلت عبارته إلى مسمع "نوح" الذي لاحظ لمعة الدموع في عيني "رابعة" فجاء يتمشى بتريثٍ ثم قال بلهجة صارمة:
- قبل أول دمعة تنزل من عينيها ندمًا على جوازها مني.. هكون رميت رجولتي في سلة الزبالة.
التفت "توفيق" إليه ورغم ذلك لم يُظهر توتره من سماع الأخير لحديثه، فاستدار وهمَّ مُغادرًا دون أن ينبس ببنت شفةٍ فتطلع إليه "نوح" وردد بابتسامة حانقة لا تعبر سوى عن ضيقه من حديث بعث في نفس الأخيرة الحُزن والخوف:
- متقلقش يا خالي.. اتطمن إنتَ بس وروق.
شزره "توفيق" بنظرة حاقدةٍ قبل أن يتجاوزه منصرفًا. تطلع "نوح" إلى عيني "رابعة" التي كساهما الحُزن ووقفت مُتسمرة في مكانها. اقترب منها ثم بدأ يتناول الدفتر من بين راحتها وهو يقول بدعمٍ حقيقي لها:
- دموعك بالدنيا يا ست الكُل.. وثقتك فيا على بنتك دين في رقبتي ليوم الدين هعيش عمري كله أسدد فيه.. وسدادي لدينك هو صونها.. بالله لأحطها في عيني وفوق راسي.
سقطت عبراتها تأثرًا بكلامه فأسرع بالتقاط راحتها ثم قبل ظاهر كفها بتقديرٍ لا يوفيها حقها بينما تابعت "رابعة" من بين بكائها وهي تسحب يدها برفقٍ وتربت على كتفه:
- أستغفر الله يا بني.. أنا بس عايزة أقول لك إن من يوم يُتمها وغياب أبوها عنها.. أنا عُمري ما شوفت أصرار في عينها أو تعلق بحد غير أبوها إلا معاك يا نوح.. بيتي الوحيدة أمانة في رقبتك.. في وجودي أو غيابي، هسألك عنها قدام ربنا، متشمتش فيا حد ولا توجع قلبي عليها، إنتَ النهاردة بس قلعت قلبي مني وخدته وأنا راضية عنكم إنتوا الاتنين؛ فربنا يرضى عنكم ويراضيكم.
ابتسم بهدوءٍ قبل أن تلتفت صوبه الغرفة وتنادي بصوتٍ خفيضٍ:
- مُهرة.. تعالي.
انفتح الباب وأطلت من وراءه ترتدي فستانًا باللون الوردي الغامض وجزمةً سوداء ذا كعب عال وكانت لفة حِجابها الأبيض رقيقة للغاية. تسمر في مكانه ينظر إليها ذائبًا منكبًا كالأخرق على وجهه ليصيح وهو يضع كفه على منطقة قلبه:
- أخ يا قلبي.
تخضبت وِجنتاها وخرجت منها ضحكة ناعمة متجنبةً النظر صوب عينيه الغارقتين في تفاصيلها. ناولتها "رابعة" الدفتر والقلم لتخط توقيع مِلكيته الأبدية لقلبها ولها وما أن انتهت حتى أطلقت "رابعة" زغرودة مجلجلة. أسرع "نوح" بالتقاط كفها ثم سحبها خلفه إلى غرفة الضيافة وذهبت الفتيات خلفهما. التقط الشيخ الدفتر ثم طلب توقيع الولي والشهود؛ ليلتفت "نوح" إلى "إبراهيم" ويقول بلهجة ثابتة:
- امضِ كشاهد يا إبراهيم.. مش إنتَ ابن خالتها بردو؟
لم يجد حلًا سوى الانصياع بعدما وافق كبيره على هذا الهراء. أسرع بخط توقيعه بعصبيةٍ شديدةٍ ثم ترك القلم بسخطٍ وكذلك فعل تليد الذي ظل مبتسمًا بمكرٍ طيلة الجلسة. التفت الشيخ إلى العروسين وطلب منهما بصمة الإصبع، ففعل نوح أولًا ثم فعلت، ليبتسم الشيخ "سُليمان" قائلًا بصوتٍ عذبٍ مُجلجل:
- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
ارتفعت التصفيقات في سعادةٍ وأسرع "نوح" بالتقاط الخاتم من علبته ثم مسك يدها أمام الجميع وتابع وهو يضعه حول إصبعها ويقول كلمات عذبة خطرت إلى عقله تأثرًا بهيبة الموقف الذي حلم به لسنين وأشهر وأيام وظن أنه مُحال:
- إلى امرأتي.. إلى امرأةٍ نوحٍ.. لقد كان الحصول عليكِ "مُعجزةً" وكان رفق الله بقلبي أكبر.
كانت سعادة الجميع بهما لا توصف فمال "نوح" إلى كفٍ الشيخ يقبله ليرفعه "سليمان" إليه ثم يحتضنه في سرورٍ. توجه كذلك إلى صديق عمله وتبادلا عناقًا قويًا لم يفهمه سوى "تليد" الذي يدرك كيف عانى صديقه للوصول إليها وكيف حاول أن يكون جديرًا ولائقًا بها.
في هذه اللحظة نظرت "مُهرة" صوب خاله وانتظرت تهنئتها وعناقها من قِبل ولكنه رمقها بنظرات جامدة قبل أن ينهض من مكانه وخلفه إبراهيم مغادرين. ضوى بريق منكسر في عينيها بينما تابع "نوح" بلهجة ثابتة يتحدث فيها إلى إبراهيم:
- ابراهيم؟
استدار الأخير بوجهه إليه؛ فأكمل "نوح" دون مواربة أو تجميل لكلامه:
- مش مسموح تيجي هنا تاني وتقعد مع مراتي زيّ الأول لأنها بقيت على ذمة راجل ايده تقيلة حبتين، أنا مش بمنعك من خالتك لا سمح الله، ولكن بعد جوازي أنا ومُهرة وبمجرد ما تكون في بيتي وقتها الحظر هيتفك عنك وتقدر تيجي تشوف خالتك وقتما تشاء قبل كدا لأ.
انتظر "إبراهيم" حتى أنهى الأخير كلامه ثم انصرف وراء خاله في غضبٍ جامحٍ. بدأ الشيخ في جمع أشيائه قبل أن يهم واقفًا استعدادًا للذهاب في هذه اللحظة التفت إلى "مُهرة" ثم ردد بنبرة دافئة:
- صِرتِ في كنف رجل بكل معنى الكلمة، أدامه الله لكِ جدارًا لا يميل مهما عصف به روتين الأيام وانبهار البدايات.
ابتسمت في رقةٍ فمسح الشيخ على رأسها تعبيرًا عن فرحته باتحادهما ثم التفت إلى ابنه وقال بتأنٍ:
- أنا هسبقكم على المزرعة.
تليد وهو يمسك بذراع أبيه ثم يتابع بلهجة حاسمةٍ:
- إحنا كلنا رايحين معاك يا حبيبي.. العرسان عايزين يعملوا سيشن بين الخُضرة.
رفع "سليمان" سبابته ثم وجهه صوبهم جميعًا وقال بلهجةٍ مُحذرةٍ:
- اياكم وترويع الغنم والماشية!
أومأ الجميع في انصياعٍ، تأبط الشيخ ذراع ابنه وسار الجميع خلفهم إلى المزرعة حيث قرر "نوح" توثيق هذه اللحظات الأسطورية معها ولكن على طريقتهما الخاصة فطلب من صديقه أن يتجهز لجلسة تصوير ماهرة؛ فتليد يجيد التصوير الفوتوغرافي ويتفنن به ولكنها موهبة لم يعلن عنها أمام أحدٍ.
قرر الشيخ سليمان الجلوس في مجلسه للاستراحة بينما توجه "تليد" صوب شقته لإحضار الكاميرا والقطعة الحديدية التي تثبت بالأرض قبل تثبيت الكاميرا بها. رغبت "سكون" في البقاء برفقة عمها قبل أن يتسرب حُزنها إلى سعادتهم فيلطخها، سارت معه وكان المجلس ببوابة كبيرة تطل على ساحة المزرعة فكان بإمكانها رؤية جلسة التصوير.
- العقبى لكِ يا حبيبة عمك.
نظرت إليه بودٍ صادقٍ قبل أن تجلس بجانبه ثم تلتقط كفه وتُقبله بلُطفٍ يشبه الذي يستخدمه معها. لمع ضوء بارق في عينيها فأشاحت نحو الباب كيلا يشعر برغبتها القوية في البكاء ولكن تفاجأت برؤية "عُمر" يدخل من بوابة المزرعة فتهللت أسارير وجهها ولكن سرعان ما زال حماسها وهي تجد "كاسب" يأتي من وراءه ثم يدفع بالكرسي أمامه.
ابتلعت غِصَّة عالقة في حلقها لا منها استطاعت لفظها ولا هضمها. تنهدت بقوة قبل أن تدعك جبهتها وهي تقول بنفاد صبرٍ:
- عمي، أنا مش عايزة أشوف كاسب قدامي، لو سمحت اطلب منه يمشي!
التفت "سليمان" بعينيه حيث تنظر فوجد الشابين يتجهان صوبهما. ربت على راحتها برفقٍ وقال يحثها على التريث:
- بالعقل يا سكن!
تدبرت ابتسامة واهية حينما سمعت صياح أخيها ينادي باسمها فنهضت على الفور ثم توجهت باندفاع صوبه إلى أن استقر برأسه بين ذراعيها فقامت بتقبيل رأسه وهي تقول بصوت مخنوقٍ:
- وحشتني أوي يا عُمر.. دا مكنش يوم بعيد عنك دا سنة.
كانت تتعمد تجاهله وتجنب النظر إليه. زفر "كاسب" بقوة ووجه إليها بنظرات ثاقبة قبل أن يقول بثبات:
- سكون، أنا كمان موجود على فكرة؟
رفعت أحد حاجبيها وهي تتوجه إليه بنظرات حادة تروح وتأتي بينه وبين شقيقه لتحذيره من إبداء أية مشاعر لها أمام أخيها ولكنها لا تعلم أن "كاسب" أفصح عن كُل ما ينفجر داخله ويكاد يفنيه. أخبر عُمر بكُل شيءٍ حتى حقيقة انتماءها لامرأة أُخرى غير التي ربتها وسر "وَميض".. أراد أن يحكي قبل أن ينفجر وترجاه أن يجعلها تترفق بقلبه وتلين.
- عُمر عِرف كُل حاجة يا سكون.
أغمضت عينيها بقوة قبل أن تلتفت إلى شقيقها وتقول بابتسامة زائفة:
- عُمر، روح سلم على عمك وأنا جاية وراك.
تنقل "عُمر" بنظراته بينهما قبل أن يتابع بهدوءٍ:
- سكون حاولي تفهمي كاسب.. أنا واثق من كُل حرف قاله.. خليكِ إنتِ كمان واثقة من دا.
أومأ ومازالت ترسم بسمة خفيفة على مُحياها حتى ذهب. التفتت إليه ثم تحولت ملامحها إلى أخرى ناقمة وقالت:
- كاسب.. أنا مش عايزاك في حياتي تاني.. أنا أصلًا مستقبلتش أي وعود منك ولا قدمت لك وعود.. انساني!
ضحك ملء شدقيه، ضحكة تنم عن تهكمه ببساطة ما تقول. تجمعت الدموع في عينيه وبكبرياءٍ لفظها داخله مرة أخرى قبل أن يتابع متهكمًا:
- لحظة واحدة كدا.
تنفس الهواء داخله بعُمقٍ قبل أن يغلق عينيه ثم يكرر في سخريةٍ مما يفعل ومما قالت كي تدفعه لهذا:
- انساها.. انساها.. انساها....
ظل يرددها مرارًا إلى أن تجهمت ملامحه وفتح عينيه واحتدت نظراته إليها وهو يقول بصوت رخيمٍ تسلل إليه شوائب من الضعف:
- أيه دا في أيه؟؟ دا أنا مانسيتش؟؟ إنتِ مُتخيلة أنا قولتها كام مرة؟؟ تفتكري الحل إني أشرب كوباية ماية بعد ما أرددها خمسين مرة!!
التوى شدقها وصاحت بغيظٍ:
- إنتَ بتقول أيه؟؟
كاسب وهو يقبض على رأسها بقوة ثم يصيح مُختنقًا:
- بقول إني تعبت منك.. تعبت من عنادك.. تعبت من كبرياء الحُب اللي بتفرضيه عليا.. عملت فيكِ أيه؟؟ أنا بحبك ومش عايز منك غير نفس المشاعر!
حدقت فيه بقوة ثم أردفت بتحدٍ وغلظة:
- بالعافية.. عايز مني مشاعر بالعافية؟؟؟
ضغط أنيابه بقوة قبل أن يمعن النظر في عينيها ثم يقول بأنفة وعزة نفس:
- أنا مستحيل أقبل مشاعر من واحدة مش عايزاني، بس قبل يومين كان في بينا مشاعر وكان في منك اهتمام وكُنت الدنيا بالنسبة لك ولا كُنت بهلوس؟
لمست حزمه وتحوله السريع لطالما المسألة تخص كبريائه. ثار قلبها يبغض تصرفها معه ولكنها تماسكت بصلابةٍ بينما صاح فيها بلهجة أرعبتها:
- كُنت بهلوس؟؟ رُدي؟.. لو قولتي أه.. مش هتشوف وشي تاني يا سكون.. كانت هلوسة؟؟
كانت نبرته تعطي مؤشرًا مريبًا وكانت المرة التي تخشى فراق أحد خارج دائرة أشقائها. وقتئذٍ اعترفت "سكون" داخل نفسها بتميزه عن رجال العالم وكونه الرجل الوحيد الذي غرس بذرة عشقه داخل أرض قلبها عنوة. كانت تنظر داخل عينيه بجفاءٍ ما لبث أن زال من حدة صوته وظلت مُحدقةً في صمتٍ؛ فهزها بقوة وكرر حانقًا:
- هلوسة؟؟
احتجت على ضغطة كفه على رسغها فبدأت تنتشل ذراعها في محاولة يائسة وهي تقول بصوت متهدجٍ:
- مش هقول حاجة.. معنديش رد على كلامك.. ممكن تسيب ايدي؟
بدأت تتراجع للخلف وهي تحرك ذراعها ساخطةً من تشبثه به. ظلت هكذا للحظات تحدق فيه مُتحديةً قلبها قبل أن تتحداه. انتظرت افلاتها ولكن تفاجأت به يجذبها بحسمٍ إلى ذراعيه؛ لم تشعر بنفسها إلا وهي تستقر بينهما بينما يلف هو ذراعيه حولها ويضغطها بقوة اشعرتها برغبته في حبسها كأسيرةٍ داخله كي تهدأ نفسه ويعود إليه صوابه بعودتها إليه. ذاب مأسورًا من قربها وغاب عن باله اشتداد قبضتيه على جسدها فتأوهت بألمٍ حقيقي حينما أوشكت ذراعيه على تدمير عظامها التي أصدرت طقطقة عالية. رفعت كفيها ووضعتهما على كتفيه تدفعه بعيدًا عنها بينما لا يستجيب لها على الإطلاق فكادت تجزم بأنه ربما غاب عن الوعي أو فقد عقله ولا ثالث لهما!!
- كاسب.. إنتَ بتوجعني؟؟.. سيبني بقى إنتَ اتجننت؟
كانت رأسها مُستقرةً على كتفه فأبعدتها قليلًا والتفتت تنظر إليه مرددةً بغضب كبيرٍ:
- كاسب بقول لك وجعتني وبعدين اللي إنتَ بتعمله دا مينفعش؟..
اِبتسمت عن الكلام فورًا وهي تنظر إلى وجهه بعينين متسعتين حينما أبصرت انسكاب دموعه بغزارة وكأن زلزال أصاب قلبها حتى جعله أنقاضًا. لم تتخيل للحظة أن ترى القهرَ الحقيقي الذي قيل عن الرجل قائمًا أمام عينيها. ظلت ترمقهُ بقهرٍ أدمى قلبها وتساءلت أمام عينيه مِرارًا هل تغفر له اكرامًا لدموعه أم تبقى على رغبتها في الافتراق عنه؟ لم تعي على حالها إلا والدموع تنهمر من عينيها. أرخى ذراعيه عن جسدها وأشاح بوجهه بعيدًا عن ناظريها يرفض قطعًا أن يُصبح ضعيفًا تزدريه رياح جفاءها.
قرر ألا ينتظر أكثر من ذلك، ودون رؤية وجهها للمرة الأخيرة اندفع مُسرعًا صوب بوابة المزرعة مُغادرًا قبل أن يستجديها بضعفٍ مستغنيًا عن كبريائه الذي حافظ عليه باستمات ولا يجرؤ على المساس به.
انفجرت باكيةً تتابع اختفائه خلف البوابة، فأسرعت بوضع يدها على قلبها الذي كاد من فرط الخفقان أن يتوقف. أراد قلبها بقائه بينما نبذ عقلها وجوده وباتت في صراعٍ مروعٍ بين الاتنين.
أضناها دموعه وصرخت ببكاء مريرٍ تبغض نفسها:
- مكنش لازم يوصل للمرحلة دي بسببي.. أنا آسفة والله يا كاسب.. آسفة على دموعك.
لاحظت "وَميض" اندفاع "كاسب" منزعجًا صوب البوابة فالتفتت تبحث بعينيها عن "سكون". أبصرتها تبكي من بعيد فاستبد القلق بها وهرولت ركضًا إليها بينما كان "تليد" مُنشغلًا بالتصوير.
- سكون!
اقتربت "وَميض" صوبها فوجدتها تبكي بكاءً شديدًا وما أن انتبهت "سكون" لاقترابها، ألقت بنفسها بين ذراعي الأخيرة التي تساءلت بريبة وقلق:
- في حاجة حصلت تاني؟
أومأت سلبًا وظلت تشهق شهقات قوية بينما تمسح "وَميض" على شعرها بشفقةٍ وقررت ألا توجه الأسئلة إليها حتى تهدأ، فغمغمت بنبرة خافتة:
- اهدي.. لو العياط هيريحك.. عيطي وخرجي أي طاقة سلبية جواكِ.
تركتها "وَميض" تلفظ أوجاعها خارجها على هيئة بكاء ولم تكل أو تمل وهي تعانقها في صمتٍ في محاولة ناجحة ومتفانية لتهدئتها. لحظات وبدأت "سكون" تستعيد توازنها فابتعدت على مضضٍ وهي تكفكف دموعها وقد خفت وتيرة شهقاتها وضعفت، فابتسمت "وَميض" ابتسامة هادئة ورددت:
- لو حابة تتكلمي عن اللي مضايقك؛ فأنا سمعاكِ ولو مش عايزة فأنا بردو هحترم دا.
أومأت "سكون" بهدوءٍ قبل أن تنظر بعُمقٍ داخل عيني "وَميض" وتقول بلهجة مهزومة:
- عندي سؤال ليكِ يا وَميض!
هزت رأسها مُرحبةً؛ فأكملت الأخيرة بصوت مُتهدجٍ:
- هتعملي أيه لو فجأة اكتشفتِ إن عندك أُخت؟
خفق قلب "وَميض" من وقع سؤالها، فأشد ما أحزنها في صِغرها وحتى الآن أنها لا تحظى بشقيقة تُعينها على مشاقٍ الدنيا وتكون مخبأً لأسرارها. لاحت ابتسامة خفيفة على شفتيها مجرد أن تخيلت الفكرة ولكنها سرعان ما عادت إلى الواقع وهي تقول بلهجة ثابتة:
- هفرح أوي لأن الحياة من غير إخوات مُهينة كأنك من غير عمود فقري.. رخوة كدا وهشة.
صمتت لوهلة ثم زوت ما بين عينيها وتساءلت متوجسةً:
- أيه سبب السؤال دا؟
تعمقت نظراتها داخل عيني الأخيرة أكثر قبل أن تقول مُترددة في نطق عبارتها:
- أنا اكتشفت إن ليا أُخت تانية غير شروق.
انفتح فم "وَميض" على وسعه وجحظت عيناها وهي تتابع في صدمةٍ:
- معقول؟ إزاي دا حصل؟ وليه باباكِ خباها عنكم؟
ابتلعت "سكون" غِصَّة مريرة في حلقها قبل أن تردد بمشاعرٍ مُلتهبة:
- أختي من أمي يا وَميض.. مش من بابا.
كان وقع هذه الصدمة عليها أكبر من سابقتها فرددت مذهولةً:
- طنط نبيلة كانت متجوزة قبل باباكِ!
أغمضت "سكون" عينيها في قهرٍ وعجزٍ يمنعاها من الاعتراف بشيءٍ واكتفت فقط بأن هزت رأسها دون أن تنبس ببنت شفةٍ؛ فتابعت الأخيرة بفضولٍ:
- وهل اتقابلتوا؟ يعني هي عرفت إنك أختها؟
أومأت "سكون" سلبًا ثم رددت بصوت مخنوقٍ:
- اتقابلنا كتير بس هي متعرفش إني أختها.. تفتكري لو عرفت هتحبني؟
ابتسمت "وَميض" لها بنعومةٍ قبل أن تقول برد صادقٍ:
- إنتِ حنونة يا سكون.. أكيد لازم تحبك.. يا بختها بيكِ.
انهمرت الدموع من عينيها مرة أخرى قبل أن تردد بأنفاسٍ مضطربة:
- بالعكس، يا بختي بيها.
أسرعت بمحو دموعها قبل أن تتظاهر مبتسمةً ثم تقول بلهجةٍ حاسمةٍ:
- أنا لازم أرجع البيت دلوقتي اتقاءً لغضب عثمان السروجي.. والعرسان مالهمش ذنب ليلتهم تدمر بسببي.
أومأت "وَميض" بتفهم فتابعت "سكون" ببعض اللين:
- إن شاء الله هشوفك تاني.
انصرفت من أمامها على الفور متجهةً إلى المجلس تستأذن عمها في الانصراف فأذن لها على مضضٍ بعد أن شرحت له وجهة نظرها في إبقاء الأمور مُستتبة، توجهت برفقة شقيقها إلى البوابة بعد أن ودعت العروسين وتمنت لهما السعادة الأبدية، لحق بها "تليد" الذي أصر على اصطحابهما إلى القصر وأمام رفضها القاطع التقائه بوالدها اكتفى بأن أعطى شابًا من المزرعة مفاتيح السيارة وطلب منه توصيلهما حتى بوابة القصر، عاد من جديد إلى كاميرته، طلب من العروسين أن يقفا قبالة بعضهما؛ فيظل "نوح" ثابتًا بينما تخطو "مُهرة" خطوات مُتهادية إليه فيمد كفه إليها يلتقط راحتها ثم يضعها على منطقة قلبه مُباشرة.
في نهاية اليوم قرر "نوح" اصطحاب زوجته والذهاب بها إلى بيتها بعدما أعدت "رابعة" لهما طعامًا خاصًا؛ قرر الشيخ أن يذهب إلى فراشه لنيل قسطًا من الراحة وذهب "تليد" برفقة زوجته إلى شقتهما.
كان يوم مُزدحمًا بالكثير؛ فأول ما فعل "تليد" ما أن وطأة قدماه الشقة أن أسرع إلى الحمام مستعينًا بحمامٍ دافئ يدفع عنه عناء اليوم. اتجهت هي إلى الدولاب تلتقط منه بيجامة شتوية رقيقة فوقعت عيناها على بعض المنامات الجريئة المُعلقة في طرف من الدولاب ولم تمسهم يداها من قبل، راودتها بعض الأفكار لثوانٍ وهي تلمس إحداهم بأطراف أناملها رغبةً منها في منحه حقه الشرعي فيها. ظلت لحظات تتأمله وداخلها يشتعل خوفًا وترددًا من تنفيذ الأمر، ارتجف جسدها برعشةٍ قويةٍ حينما انفتح باب الحمام وأدركت خروجه فتحولت ببصرها إلى إحدى البيجامات وأسرعت بالتقاطها وهي تجر باب الدولاب فورًا.
ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تهرول متجاوزةً إياه إلى الحمام وسط دهشته منها ولكنه لم يُعلق.. لحظات وخرجت من الحمام فوجدته يجلس إلى طرف الفراش المُحبب إليه، تنحنحنت بهدوءٍ قبل أن تتجه إلى الطرف الآخر من الفراش وقبل أن تتسطح عليه أسرعت بالتقاط رواية ورقية من أسفل المخدة ثم دثرت نفسها تحت الغطاء وقامت بفتح الصفحة التي وقفت عندها. تنهد "تليد" براحةٍ قبل أن يرمقها بطرف عينه ثم يقول بمراوغةٍ:
- بدل ما إنتِ بتقرأي الرواية.. ادخلي على اليوتيوب واعرفي طريقة عمل المحشي ولا خلي خالة رابعة تعلمك!
اتسعت ضحكتها وهي تتحول بنظراتها إليه ثم تقول بخفوتٍ:
- للدرجة دي بتحب المحشي؟
تليد وهو يرفع كفيه كمن ثُبت تحت ضغط السلاح وقال بلهجة مازحة:
- بس مش أكتر منك.
اتسعت ضحكتها أكثر حينما بدأ يقترب منها ثم قال بصوت هادئ:
- تعالي أعلمك فكرة حلوة أوي.. هتغير حياتك 180 درجة.. أنا مواظب عليها من سنتين.
أومأت تنصاع إلى كلامه في فضولٍ شديدٍ، فطلب منها أن تأتي إليه بورقة وقلم من الدرج المجاور لها، ناولته ما يريد فأمسك القلم وبدأ يدون تاريخ اليوم ثم قال بابتسامة ودودة:
- أنا عندي مذكرة تواريخها من سنتين ولحد النهاردة.. الفكرة بقى إني باجي في آخر اليوم كدا. اقعد مع نفسي وأحاسبها وأشوف أنا عملت كام ذنب في يومي وأكتبهم وأعاهد نفسي إني مش هرجع الذنب دا تاني ولازم طبعًا عدد الذنوب يقل كل يوم عن اليوم اللي قبله علشان تحسي بنجاح وانتصار.
لمعت عيناها في انبهارٍ استطاع من خلال رؤيتهما إدراك مدى إعجابها الشديد بالفكرة. تابعت "وَميض" وهي تحدق في ملامحه بشرودٍ وتأملٍ:
- إنتَ كدا إزاي؟
تليد وهو يقطب ما بين عينيه ويتساءل بحيرةٍ:
- إزاي؟
طالعته بعينين تلمعان بشغفٍ ثم أردفت برقةٍ:
- حلو.. كُل يوم بتثبت لي إن جواك حلو أوي.. حلو لدرجة إني بدأت استكترك على نفسي!
بادر برفع كفيه يحتضن وجهها بينهما ثم يقول بلهفةٍ عاشقٍ:
- مفيش حاجة كتيرة عليكِ.. إنتِ اللي مقامك كبير أوي عندي.
مازالت فكرته تشغل تفكيرها؛ فأسرعت تقول بلهفةٍ:
- طيب أنا هبدأ من دلوقتي أدون ذنوب اليوم دا!
أومأ موافقًا فالتقطت الورقة والقلم منه وبدأت تفكر مليًا في أخطاء اليوم وتدون كل ما يخطر ببالها بينما يراقبها بعينين هائمتين وشعور الفخر بها يتنامى داخله، لحظات ووجدها تلتفت إليه من جديدٍ ثم تسأل بجديةٍ:
- هل حرام أعاكس أبطال الروايات الخياليين واتغزل فيهم يا شيخ تليد؟
ضحك ملء شدقيه ثم ردد من بين ضحكه يُعبر مازحًا:
- لا حلال يا قلب شيخ تليد وشريانه التاجي لأن ليس على المجنون حرج.
انطلقت ضحكة عالية من بين شفتيها حينما أبصرته قد انغمس في ضحكة طويلة لم ينته منها بعد، وما أن شعرت بالحرج من بله سؤالها حتى التقطت المخدة وبدأت تضربه بها في غيظٍ وخجلٍ.
أعطاها ظهره مُتظاهرًا بتفاديه الضرب من قبضتها القاسية ليقول بسخريةٍ ومزاحٍ:
- لا مش معقول كدا يا شيخة.. ايدك تقيلة جدي.
ضغطت أسنانها بغيظٍ فأسرع بفتح الدرج المجاور له ثم التقط شيء ما واستدار إليها من جديدٍ وهو يمد قبضته المطبقة إليه في ابتسامة كامنة بينما تدب أصابعها بين كفه المتكور وتجاهد في التقاط الذِكر منه ليردد هو بابتسامة ماكرة:
- خُدي يا ستي اذهبي سيئة ضرب جوزك حبيبك بالذِكر.. علشان تعرفي إني خايف عليكِ.. خُدي ربنا يغفر لك.
التقطت الورقة من بين كفه ثم بدأت تردد ما بها بسعادةٍ واضحةٍ ورغبة حقيقية في تحقيق ما بها وما أن انتهت حتى وجدته يسألها في حيرةٍ:
- إلا بصحيح يا روح الشيخ.. هو يعني أيه شيخ تايواني اللي كُنتِ ملطخة سُمعتي بيها دي؟
مطت شفتيها بجهلٍ صريحٍ في الإجابة عن سؤاله ثم ردت بتلقائيةٍ:
- بصراحة مش عارفة.. بس يبدو إنها بتتقال على اللي عاملين نفسهم شيوخ وهم نصابين ومُضللين أو عارفين الدين بحذافيره بس مش بيطبقوه.
أومأ يتفهم شرحها لوجهة نظرها وقبل أن يطرح سؤالًا آخر وجدها تقول بابتسامة يغلفها الحرج منه:
- وبقول لك أهو قبل ما تسأل.. أنا معرفش قولت عليك كدا ليه مع إني مشوفتش أي حاجة من دي فيك.. تقدر تقول كُنت متغاظة منك.
مدَّت كفه وخبط على فخذها وهو يقول بابتسامة عابثة:
- مسامحك يا زهرة الخشخاش.
أسرعت تجلس القرفصاء على السرير ثم رددت بنبرة مبتهجة مسلية:
- بقول لك أيه، مثل لي كدا كأنك شيخ تايواني؟
ضيق عينيه بتأملٍ ثم نظر إليها وأضاف بابتسامة عريضة:
- دي حاجة مُحيرة بصراحة، طيب بصي إنتِ اسأليني سؤال وهرد عليكِ رد من ردود التايوان دول.
أومأ موافقًا ثم شبكت أصابعها معًا وقالت بابتسامة عريضة:
- دلوقتي أنا راجل وبتصل عليك في البرنامج علشان أخد الرأي الشرعي في أمر ما.. تمام؟
أومأ في صمتٍ؛ فتابعت هي بصوتٍ جاهدت أن يبدو أقسى من نعومة صوتها الطبيعي:
- دلوقتي يا شيخ تليد أنا راجل متجوز من خمس سنين ولسه بشوف حبيبتي الأولانية في أحلامي ولو قابلتها بالصدفة مش بقدر أشيل عيني من عليها.
قاطعها "تليد" يقول مُتأثرًا بنبرة هائمة:
- يا حبيبي.. ما شاء الله.. خمس سنين وما نسيتش؟ دي كانت جمل يا أبا الحج.
جحظت عيناها في ذهولٍ بينما انطلقت ضحكته حينما رأى ارتخاء شفتها السُفلى ثم تابع يقول من بين ضحكه:
- لأ دي وسعت مني شوية.. آسف آسف.
تنحنح بخشونةٍ مقررًا ترك المزاح جانبًا راغبًا في تقمص الدور بجدارةٍ فتابع على نفس وتيرة التأثر:
- ومُش هتقدر تنساها أبدًا.. نقل فؤادك حيث شئت من الهوى، ما الحب إلا للحبيب الأولِ.
عاد إلى شخصيته مرة أخرى وهو يقول مستهزئًا:
- شوفي الكلام، راجل جاي يقول لك إنه بيخون مراته بالتفكير في واحدة تانية وهو معاها، فأنا بدل ما أعظه علشان يتقي الله في نفسه وفيها بساعده يكمل في الذنب دا.. دي كارثة في حد ذاتها.
أومأت في انبساطٍ من استطراده المُبهر لكل ذرة بها وتيسير فهم الأمور عليها، تنحنح من جديدٍ حينما سألته باعتبارها المُتصل وتابعت:
- كدا يبقى حلال ولا حرام يا شيخ؟
تليد يتعمق في تأدية الشخصية بمهارة وخفة ظلٍ:
- بعيدًا عن الدين وبغض النظر عن الحلال والحرام، إنتَ ملكش دخل ولا سلطان على قلبك يا قلب الشيخ.
انفجرت ضحكة عالية من بين شفتيها حينما ردد يبغض هكذا نوعية ويقول بغيظٍ:
- واحد متصل ياخد رأي شرعي في كارثة بيعملها فبقوله بعيدًا عن الدين وبغض النظر عن الحلال.. كِبر العبيط وصوته تِخن وأطلق لحيته وقرر يكون شيخ وجاي يقول لك بغض النظر عن الحلال.
اغرورقت عيناها بالدموع وهي تُنصت باهتمامٍ إلى غضبه الكامن داخله والذي يظهر على هيئة كلمات ساخطة، يرفض إعطاء بعض الأفراد قيمة لا يستحقونها وتناول الرأي والحكمة من فم السُفهاء.. فأكمل مُضيفًا بثباتٍ:
- حتى أنا برفض بشدة يتقال لي شيخ لأني لسه مستحقتش مرتبة مبجلة زيّ دي ولكن أُجبرت عليها علشان أنا ابن سليمان السروجي.
استوقفه متابعة حديثه صوت رنين الهاتف فنظر إلى شاشته باستغرابٍ قبل أن ينظر إليها مرة أخرى ويقول بهدوءٍ:
- لحظة وراجع.
***
دفعت كرسي شقيقها برفقٍ داخل باب القصر الساكن تمامًا من الحركة. دارت بعينيها في المكان فلم تجد حتى العاملين به فمطت شفتيها باستغرابٍ بينما تابع "عُمر" بتساؤل مُهتم:
- هي البني آدمين فين؟
تابعت بلهجة قلقة:
- مش عارفة، تعالي نروح الصالون.
سارت به صوب غرفة الضيافة وما أن دخلا حتى وجدا "نبيلة" تنام جالسةً أمام التلفاز وتستند برأسها على الأريكة. تركت "سكون" الكرسي وتحركات صوبها فوجدت أمامها أكوب فارغة من القهوة والشاي بأعداد كبيرة؛ فيبدو أنها غضبت بشدة وقررت أن تفرغ طاقتها المشحونة في تناول مشروبات ساخنة تركيزها واضحٍ على ايقاظ العقل ورغم ذلك نامت دون أن تشعر. أبصرت بجانب الأكواب قصافة أظافرها فقد استخدمتها في إزالة الزوائد عن ظفرها وتقليمه، لمعت فكرة ساطعة في عقلها فمالت بسرعة إلى تلك الزوائد المنزوعة من أظافرها ثم قبضت عليهم وأسرعت بدسهم داخل جيب معطفها قبل أن تنظر إليها نظرة طويلة متأملة. للمرة الأولى التي تحاول فيها "سكون" مقارنة نفسها بوالدتها ومحاولة إيجاد أوجه التشابه بينهما وبالأخص الوراثية منها ولكنها وبعد تأمل لدقائق وتفكير طويل لم تجد بينهما أية تشابه لا في الملامح ولا حتى الشخصية. ابتلعت "سكون" غِصَّة مريرة في حلقها وقررت أن تتريث في الحكم على "نبيلة" وألا تواجه والدها بما عرفته حتى تتأكد بنفسها إن كانت "نجلا" صادقة أم تحاول إقصاء "سكون" عن حياتها العائلية وتضليلها فكريًا!!!!
رواية رحماء بينهم الفصل الخمسون 50 - بقلم علياء شعبان
أضناني فُرقتنا وفراقنا؛ كلاهما المعنى ذاته ولكنني بهذا أؤكد لكِ على انهيار ما بقى لي من صلابةٍ حينما غابت عيناكِ اللاتي تُلهماني وتشدد عضدي وِصرتُ هشًا هزيلًا ما أن تطنب الريح تجدني أميلُ ميلًا عظيمًا.
مرَّ يومان اعتبرتهما "سكون" عِجاف أيامها. اعتكفت في غُرفتها خلالهما، ترفض الكلام والأكل وما بينهما تمتنع عن التفسير بصدد تغيرها كُليًا إلى فتاةٍ لم تكُن تحب أن تكون عليها يومًا. غاب شغفها المُستعر للحياة وفقدت رونق الروح الخفيفة وتبدلت إلى أُخرى تشعر بثقل في كُل شيءٍ حتى النفس الذي يخرج منها.
عاشت في عُزلةٍ قصيرةٍ. حاولت "نبيلة" مرارًا واصرارًا معرفة ما يجعلها تختار عزلتهم وهي التي لا تطيق الافتراق لثانيةٍ عنهم. بررت لها ذلك من خلال تأثر "سكون" بما صار مع والدها وشقيقها ومدى حُبها الشديد لهما وبالأخص شقيقها فلربما تعبت نفسيتها لدرجة أن اختصرت الجميع في محاولة لاستعادة طاقتها وتجديدها. شعرت "نبيلة" بالضيق من توقف الأخيرة عن تناول الطعام وكانت تلجأ إلى "عُمر" تسأله حول غرابة شقيقته هذه الأيام وإن كان هناك ما يستدعي القلق عليها، ولكنها لا تجد إجابة لأسئلتها عنده. بدأ "عثمان" يشعر بالغضب نحوها لكونها تُعطي الأمور أكبر من حجمها؛ فما حدث كان بين أبٍ وابنه ولم يعُد هناك داعي لاستمرار الخِصام بينهما!!
كان "عُمر" يتردد على غرفتها خِلسة دون أن يراه أحد. يعي تمامًا ما تمُر به وما تنتظره هذه الأيام وخاصةً صبيحة هذا اليوم بالتحديد. فبعد معرفته بحقيقة "نجلا" وما أخبرت به شقيقته وهو يطلب منها التأني والتريث في الأمور حتى تأتي الحقيقة كاملة إلى حِجرها، انصاعت لنصيحته وطبقتها بشكلٍ كاملٍ إلى أن جاء موعد استلام الورقة التي ستعري كُل فردٍ في حياتها وإلى أيهم تنتمي هي؟؟
هل تنتمي لامرأةٍ تجرعت من القسوة والذُل كؤوسًا دِهاقًا ورغم ذلك استطاعت تذليل الصِعاب وإخضاعها لها؟؟ أم لامرأةٍ وُضعت كُل الأحلام أسفل قدميها ورغم ذلك لم تسعى يومًا لتقديس قيم العائلة أو نزع العدوانية من قلبٍ أبٍ نحو ابناءه؟؟
إلى أيهما تنتمي؟؟ ففي النهاية عليها أن تسلُك طريقها نحو إحداهما. حاولت تهيأت نفسها لأية نتيجة. ذهبت في غفلة من الجميع إلى المختبر لاستلام التحليل في ميعاده والتخلص من هذا التوتر القاتل والضغط النفسي القاسي الذي عانت منه خلال اليومين الماضيين.
وقفت في صالة الانتظار بوجهٍ شاحبٍ وأطراف تسري فيها رعشة خفيفة تمكنت من إبقائها دون الملاحظة ممن حولها. أسندت رأسها إلى الحائط وبدأت تفرك كفيها معًا حينما طلبت منها الطبيبة أن تنتظر فقط للحظات. أغلقت عينيها وأسرعت تسحب شهيقًا ممتدًا داخلها ثم تزفره ببطءٍ في محاولة يائسة لتحقيق ثباتها الانفعالي لمواجهةٍ الحقيقي القريبة جدًا منها. لا شك بأنها أرادت أن تكون "نجلا" مُخطئة ومُضللة حتى لو أُعجبت بشخصيتها وصلابتها وفكرت أيضًا في الجانب الآخر من الأمر. ماذا وإن كانت صادقة واكتشفت أنها والدتها؟؟ هذه الصلابة التي تجمع بينهما مُثيرةً للقلق والريبة؛ هاتان الشخصيتان تبدوان وجهين لعملة واحدة ومجرى دم واحد!!!
- اتفضلي.
لم تستطع كبح جماح جسدها الذي ارتجف في رَّوعٍ. ظلت مُغلقةً بعينيها وشعرت برغبة شديدة في الفرار الآن حينما سمعت صوت الطبيبة يحثها على التقاط الورقة؛ ربما هي مُجرد ورقة وبالنسبة لها حياة. فتحت عينيها ببُطء ومدَّت كفها المرتجف تتناول الورقة منها على مضضٍ فشعرت الأخيرة بتوترها؛ فتابعت تقول بحِرصٍ تهوينًا عليها:- إنتِ عايزة النتيجة تكون أيه؟؟؟
ابتلعت "سكون" ريقها بصعوبة بالغة قبل أن تردد بنبرة مُتلعثمةٍ:- إيجابية، أنا عارفة إنها أمي وإنه تحليل مالوش لازمة من البداية بس كُنت مُجبرة عليه بسبب الظروف.
تنحنحت الطبيبة وهي تبتسم ابتسامة فاترة قبل أن تربت على ذراعها وتقول بهدوءٍ:- أحيانًا يبان لنا شر بس هو قمة الخير.
رمت عبارتها التي كانت بمثابة فتيل مشتعل بالنسبة للأخيرة ثم انصرفت. زوت "سكون" ما بين عينيها وخفق قلبها بهياجٍ بين ضلعيها وهي تراقب ذهاب الأخيرة بملامحٍ شاحبةٍ وأنفاس تتصارع وتتردد داخل صدرها. تحولت بنظراتها إلى المجلد القابع بين كفها تحدق في غلافه بتوجسٍ ولأول مرة تشعر بعجزٍ يُغلف تصرفها العنيد ويقيد جناحي صلابتها. تنفست بقوةٍ وابتلعت ريقها على مهلٍ تستعد لمواجهة الحقيقة. حسمت أمرها في النهاية وهي تفتح المجلد بسرعة كبيرة رهيبة ثم تختصر الوقت وهي تنظر إلى نهاية السطور تطلع على النتيجة الفاصلة فيما يجري في حياتها هذه الأيام.
تجمدت حدقتيها وتحجرت عيناها فور رصدها النتيجة كمن قُتل بسيفٍ الثقة مغدورًا. تشنجت صفحة وجهها كُليًا وارتجفت شفتاها وفرَّت دموعها الغزيرة بلا هوادة. عاشت عُمرًا بأكمله تتحمل امرأة سلبية هباءً؟! لقد كانت سلبية النتيجة رغم قسوتها أسهل عليها سلبية أُم لم تزرع في طريق أولادها سوى بذور الخنوع والخضوع. رفعت عينيها عن الورقة تنظر حولها في تيهٍ واضطرابٍ. ارتفع صوتها رغمًا عنها باكيةً وهي تسير بخطوات مبعثرة ومتعثرة وكأن الطريق أمامها مليء بشوك الحقيقة وأشباح الضلال الذي عاشت فيه لسنينٍ.
"على الجانب الآخر".
وقف بجوار سيارته أمام المختبر، يتطلع إلى بوابته تارة وأخرى إلى ساعته يستبين الوقت منها وتحوم تساؤلات كثيرة داخل عقله حول سبب وجودها بهذا المكان ولكنه في النهاية استطاع تخمين ما تفكر به "سكون". ربما جمعهما مشاعر صامتة ولكنها يقرأها عن ظهرٍ قلبٍ ويعي جيدًا عدم استسلامها ونبشها عن الحقيقة حتى الوصول إليها كاملة. بدأ يدك الأرض بباطن قدمه في توترٍ ينتظر خروجها الذي طال. ربما لا تريد رؤيته ولكن قلبها يرغب في قربه بشدة؛ فعليه أن يفرض وجوده عليها والإطاحة بيبس عنادها. لحظات ووجدها تخرج من الباب بملامح باكيةٍ منهارةٍ. اضطربت أنفاسه ودون تفكير قد يجعلها تغيب عن ناظريه قرر أن يهرول إليها فورًا. هبطت درجات السلم بهمة فاترة وخطوات مهزومة ليسرع "كاسب" بالوقوف أمامها مُباشرةً قبل أن يردد متوجسًا:- سكون، بتعملي أيه هنا؟؟
لم تنتفض أو تغضب من رؤيته بل بقيت هكذا على حالها يكسوها الذبول والشحوب وتنهمر دموعها بلا توقف. رفعت بصرها تنظر إليه بانكسارٍ ثم نزلت بعينيها إلى المجلد ولم تنبس ببنت شفةٍ. أدرك حاجتها إلى الصراخ ومعاصرة لحظة انهيار تموج داخل صدرها. أسرع بالتقاط المجلد ثم فتحه يقرأ ما بداخله قبل أن يرفع بصره إليها ويقول بلهجة ثابتة:- دا تحليل نبيلة السروجي مش كدا؟! كُنت مُتأكد إنك مش مُقتنعة بكُل حاجة اتقالت لك من نجلا وإنك علشان تصدقي لازم تتحري الأمر بنفسك.
أسرعت بوضع كفها على صدرها وبدأت تمسح عليه باختناقٍ وهي تقول بصوت مُتهدجٍ مُنهارٍ:- حياتي كلها عبارة عن كذبة!!.. إنتَ فاهم أنا حاسة بأيه دلوقتي؟؟؟
كاسب وهو يقبض على كفها ويقول بصوت مخنوقٍ:- أنا أكتر واحد عارف إنتِ حاسة بأيه دلوقتي؟
أسرعت بسحب كفها ثم صرخت في وجهه بغلٍ:- ويا ترى عارف إنك سبب من الأسباب اللي وجعاني دلوقتي.. ليه؟؟ ليه من البداية كذبت عليا.. دي أكتر لحظة أنا محتاجة فيها الجأ لك وللأسف بهرب منك.
كاسب وهو يضغط بكفيه على ذراعيها يجبرها على الثبات أمامه وهو يقول بانفعالٍ ناقمٍ:- مكنتش أعرف إني هحبك، كنت فاكر إني أكبر من إن ست تأثر فيا أو تاخد قلبي مني وأنا واقف أتفرج عليها.
امتقع وجهها وهي ترمقه بنظرات جامدة ثم ترد بحدةٍ:- انا دلوقتي برجع لك قلبك تاني وبقول لك ميلزمنيش، ومن اللحظة دي أنا برا حياتكم كلكم، اللعبة اللي كنتوا بتستغلوها كلكم الروح ردت فيها وقررت تمشي طريق يخلو من كل واحد فيكم.
رفعت كفها تقبض على كفه القابض على ذراعها ثم أكملت بصرامةٍ وهي تزيحه بقوةٍ:- لو مرَّت السنين وتقابلنا صُدفة ولقيتني نسيتك اوعى تفكرني بيك.. نسياني ليك في مصلحتك يا كاسب.
اغرورقت عيناه بالدموع وقال بأنفاسٍ ملتهبة في ترجي:- سكون، بلاش الكلام دا؟؟ اوعدك إني هقويكِ وهفضل جنبك لحد المِحنة دي ما تعدي ومش هيبقى في حزن ولا كذب بعدها، متخليش الضغط اللي إنتِ فيه والوجع يصور لك إن الفُراق هين علينا؟ مش هكون ببالغ لو قولت لك إني بتنفس قربك وطاقتي بقتبسها من طاقة عينيكِ.. متهِدِنِيش؟
سكون وهي ترجوه باكتئابٍ مكبوتٍ:- وأنا طاقتي اللي بتقتبسها خِلصت.. سكون ماتت يا كاسب.. تقبل الحقيقة دي بسرعة وقبل ما تتفرض عليك.
اندفعت من أمامه تتجاوزه ولكنه أوقفها قابضًا على ذراعها ثم ردد بأنفاس مخنوقةٍ تضرب أقاصي قلبه:- على الأقل وَدعيني أو عزيني على مشاعرنا اللي اندفنت من قبل ما تعيش أو حتى قدمي لي حاجة تصبر قلبي، إنتِ كُنتِ لعمى قلبي بصري وبصيرتي، قدمي لي خدمة وقولي لي إزاي أتجاوزك!!
لم تجد ما يمنح قلبه السلوى سوى الاندفاع صوبه وضمه إليها، خار آخر حجر من قوته ذائبًا في حضنها فشدد بذراعيه على خاصرتها وأحاطت هي بذراعيها عنقه ثم رددت من بين بكائها المرير بصوت هامسٍ:- بحبك.
بكى وكأنما اعتاد البكاء أمام نفسه؛ فهي نفسه التي يتجرد من كل شيءٍ أمامها. بدأ يقبل رأسها بلهفة ثم أردف يستجديها بهمسٍ باكٍ:- بلاش فراق الله يخليكِ وسامحيني؟؟
سكون وهي تبتعد عنه ثم تقول وهي تسحب كفها من بين كفه:- مش قادرة.
تركته فورًا تغادر المكان بأكمله بعد أن أشارت لسيارة أجرة واستقرت داخلها فغادرت السيارة وبقى قلبه بداخلها. وقف مُتسمرًا في مكانه يتابع رحيلها بعجزٍ مهينٍ لم يذق طعمه إلا في هذه اللحظة. أسرع بمحو قطرات الدموع بمقاومة وإصرار. ظنت أنها هكذا تودعه ولا تدري أن اعترافها قد بنا داخله ألف عزيمة لامتلاكها.
تمطت في الفراش بكسلٍ وخمولٍ يحتلان مفاصلها ثم ركلت الغطاء بقدميها وبدأت تفتح عينيها بالكاد وهو تنظر بجوارها فلم تجده. أدركت توًا أنه قد ذهب إلى العمل بعد مكالمة أمس التي استغرقت منه الكثير من الوقت فتحولت صفحة وجهها إلى عبوس وضيقٍ وهي تعتدل في نومتها جالسةٍ وقد تذكرت العرضين اللذين قُدما إليه بالأمس وشعورها بالفرحة حيال أحدهما والانزعاج حيال الأخير. جاءه بالأمس رغبة إحدى القنوات في عمل لقاء صحفي معه عبر التلفاز والعرض الآخر كان من قِبل شركة كويتية تعرض عليه برنامجًا من تقديمه بعقد لمدة عامٍ على وَعد بأن يقبل تجديد العقد إن حقق البرنامج نجاحًا كبيرًا. كانت تشعر بالحُزن كلما تذكرت إجابته عن سؤالها حول اصطحابه لها في السفر ورفضه حتى تستقر أوضاعه هناك وفي النهاية أخبرها ألا تسبق الأحداث وأن تنتظر حتى يتخذ قرارًا. تنهدت تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن تدمدم بضيقٍ:- يارب أنا مش كارهه له النجاح بس عايزاه يمشي ويسيبني.
فركت عينيها في استسلام وقررت أن تترك الأمر حتى عودته. تدلت بقدميها عن الفراش ثم بدأت تجوب الغرفة بعينيها حتى استقرتا على الدولاب مرة أخرى. ظهرت ابتسامة هادئة على مُحياها قبل أن تنهض وتتمشى نحو الدولاب ثم تجر بابه بتردد إلى أن وقعت عيناها على المنامات مرة أخرى فأخذت تمعن النظر فيهم وأطراف أناملها تباعد بينهم كي تستطع رؤية معالم كل واحد منهم بوضوحٍ وبعد تفكير شديدٍ وعناءٍ في اتخاذ قرار كهذا، قامت بالتقاط منامة جريئة للغاية باللون الأسود وصارت تتأملها بملامحٍ خجلانةٍ مستحية من ارتدائه. يراودها كل ليلةٍ رغبة جامحة في قربه ومنحه حياة زوجية طبيعية فقد استحق ذلك وبشدة ونجح ببراعة في سرقة قلبها حتى وأن لم تُبدٍ ذلك بوضوحٍ، فبالرغم من خوفها الرهيب من لحظة خاصة تجمعهما ولكنها تُريد أن تستعد لها بكُل قبول وحُب وأن تترك الباقي لقلبها وله.
خفق قلبها بقوة كلما قررت أن تكون هذه الليلة هي ليلة اجتماعهما ولكنها أقسمت بينها وبين نفسها ألا يكون هناك رجوع عن هذا القرار. قامت بتعليق المنامة على المشجب قبل أن تتجه إلى الحمام استعدادًا ليوم طويلٍ ستبدأه بالذهاب إلى الخالة رابعة كي تساعدها في صُنع وجبته المُفضلة من أجل سهرة عشاء خاصة بينهما.
انتهت وخرجت بعد عدة دقائق وهي تلف المنشفة حول شعرها وتشرع في تجفيفه جيدًا وأثناء ذلك وقعت عيناها على ورقة يطل طرفها من أسفل الوسادة؛ فاندفعت تلتقطها ثم تفتحها وتقرأ ما بها في سرورٍ:- صباح مُعطر بذكر الله.
قرأتها بخفوت ثم قرأت الذِكر المُلحق بالورقة بعد ذلك وكانت عيناها تُضيء ببريقٍ مُتأثرٍ وقلبها يفتقد رؤيته بشدة؛ لم تكُن تدري أنه صباحًا ملولًا خلا من شمس عينيه اللامعتين.
اسرعت بارتداء ملابسها ثم توجهت خارج الشقة وهبطت الدرج فأصبحت في قلب المزرعة. لم تميل إلى شقة الشيخ "سليمان" لأنها تعلم مكان تواجده في هذه الساعة، قررت أن تذهب إلى مجلسه أولًا كي يكون أول من ترى عينيها ويمكنها وقتها أن ترى زوجها الذي يشبه والده بصورة لا يمكنك ملاحظتها. اندفعت في طريقها إلى هناك وقبل أن تدخل المجلس وجدت "كاسب" يدخل من بوابة المزرعة ويتحرك باتجاه المجلس فحدقت فيه بدهشةٍ ثم تخصرت في ثباتٍ تنتظر اقترابه وما أن أصبح أمامها مُباشرةً حتى تساءلت في حدةٍ:- إنتَ أيه اللي جايبك هنا؟؟
كاسب وهو ينفج متجاوزًا لها:- وَميض، حقيقي معنديش طاقة للكلام والجدال وبمناسبة سؤالك، أنا واخد أذن من الشيخ سليمان لأني هستشيره في حاجة مهمة.
خبط على باب المجلس فأتاه صوت الشيخ يأذن له بالدخول. رفعت "وَميض" أحد حاجبيها قبل أن تمط شفتيها باستسلام بعدما رأت الغضب القائم في ملامحه. حسمت أمرها بالذهاب إلى رابعة حيث بيتها للتعاون معها في إنهاء وجبة العشاء قبل مجيء "تليد". خبطت على الباب ففتحت لها "مُهرة" بملامحٍ مُبتهجةٍ بينما تابعت "وَميض" بابتسامة ودودة:- مساء الخير يا عروستنا، ربنا يديم عليكِ البهجة اللي أنا شيفاها دلوقتي.
مُهرة وهي تتنحى جانبًا وتحثها على الدخول:- آمين يا قلبي.. ادخلي.. ماما جهزت كُل حاجة.
اندفعت "وَميض" للداخل وهي تقول باعتذار واضحٍ:- آسفة والله، معرفش نمت إزاي لحد دلوقتي!!!
مُهرة وهي تصحبها حيث المطبخ ثم تقول برقةٍ:- ولا يهمك يا بنتي.. ماما بتصحى بدري وبتحب تتسلى كدا مع نفسها.
- صباح الخير يا خالتي، بعتذر علشان بتقل عليكِ!!
رابعة وهي تردد بعتاب حانٍ:- إنتِ زيّ مُهرة والله عندي، وقت ما تعوزي أي حاجة في الدنيا.. اوعي تترددي تيجي لي وتقولي لي عليها.
أسرعت "وَميض" إليها تُقبل وِجنتها قبل أن تبتعد وتفرك كفيها بحماسٍ ثم تسأل:- المفروض نبدأ منين؟؟
رابعة وهي تتجه بعينيها إلى القدر ثم تقول بهمةٍ ونشاطٍ:- أنا سيبت لك الخلطة إنتِ اللي تعمليها بنفسك علشان قولتي لي إنك عايزة تعملي المحشي بنفسك أما الباقي جاهز والحمام باقي له يتحمر بالزبدة البلدي.
أومأت "وَميض" في سعادة وبدأت تستمع بإنصات إلى تعليمات "رابعة" وتفعل ما تُمليه عليها بحُب كبيرٍ حتى نجحت في النهاية من تجهيز الخلطة ثم ساعدتها كُلًا من "رابعة" و "مُهرة" في حشو الخضار وما أن انتهين حتى أسرعت "رابعة" في وضع القدر على النار كي ينضج فورًا. مسحت "وَميض" العرق الساقط على جبينها وهي تقول بصوت مرتاحٍ:- أخيرًا خلصنا، أنا بقى هرن عليه أشوفه قرب ولا لأ علشان ننظم وقتنا والأكل يلحق يستوي.
شجعتها "رابعة" على ذلك، ذهبت إلى الصالة ثم أجرت اتصالًا عاجلًا به وما أن وصلها صوته حتى خفق قلبها وعزفت بخجلٍ عن الكلام؛ فتكلم هو بصوت هادئ منشرح وصلها سعادته باتصالها من خلال نبرته:- طب كملي جميلك للآخر وسمعيني صوت القمر!
خرجت ابتسامة ناعمة من بين شفتيها وهي تقول بتوترٍ:- هتيجي إمتى؟؟
رفع "تليد" أحد حاجبيه قبل أن يتساءل بمراوغةٍ:- أيه؟؟ وحشتك؟؟
بللت شفتيها بطرف لسانها وهي تقول بنبرة مُتلعثمة متجاوزةً سؤاله الماكر:- عاملة لك مُفاجأة.. من فضلك بلغني جاي امتى؟؟
اندهش وهو يقول في حماسٍ:- مفاجأة ليا أنا؟؟ بمناسبة؟؟
وَميض وهي تلزم شفتيها بامتعاضٍ من مراوغته في الإجابة عليها:- بدون مُناسبة، تليد؟؟
أجابها فورًا ما أن شعر بالضيق المنبعث من صوتها:- لسه راكب عربيتي حالًا، قدامي ساعة بالظبط.
شهقت بخفةٍ قبل أن تقول بأنفاسٍ مُتسارعةٍ:- طيب تمام.. تمام.. سلام دلوقتي.
أغلقت فورًا دون أن تنتظر رده ثم هرولت تسأل "رابعة" حول الوقت الذي يستغرقه نضوج الطعام فوجدته مُناسبًا وسوف تلحق تجهيز المتبقي من المفاجأة. استأذنت بالذهاب إلى شقتها وأخبرتها "مُهرة" بأنها ستُرسل إليها الطعام ما أن ينضج. شكرتها "وَميض" بامتنانٍ وغادرت مُسرعةً.
- قولي يا شيخ سليمان، أعمل أيه معاها؟؟
أردف "كاسب" بصوتٍ مخنوقٍ بعدما قرر أن يعترف بكُل شيءٍ أمام الشيخ خاصةً لعلمه مدى حُبها الشديد له واعتباره أكبر نقاط قوتها ودعمها. أراد أن يُخبره بأن قلبه يحترق حُزنًا على ما وصلت إليه الأمور بينهما؛ فهي منذ رؤيته لها ويعلم بأنها لن تكون امرأة عابرة وسيكون خروجها سهلًا لا وقع له على القلب؛ بل يعلم أنه سيُصيح مجنونًا بها وستكون ذات قوة سحرية تخطف قلبه بلمح البصر وقلبه مُطمئنًا لذلك. ترددت أنفاسه المختنقة في صدره وهو يُخبر الشيخ بأكثر مما تعرفه هي حتى رأى حُزنًا دفينًا يلتبس روح الشيخ الذي كان يبتهج قبل قليلٍ. ابتلع "كاسب" ريقه بصعوبةٍ حينما لم يجد ردًا من الشيخ ثم قال بلهجة مضطربة:- عارف إن اللي سمعته دا صادم لأي حد يا شيخ سليمان، بس ليه سكون تعتبرني مُذنب بدرجة أبوها؟؟ ليه عقابي يكون نفس عقابه مع إني مش مجرم زيه؟؟
أطرق "سليمان" في حُزنٍ قبل أن يقول بصوت رخيمٍ غلبه الحُزن:- لأ حول ولا قوة إلا بالله.. لله الأمر من قبل ومن بعد.
بقى هكذا لثوانٍ قبل أن يرفع بصره صوب الأخير ويستكمل:- اوعى تلومها يا بني، لو الكلام اللي قولته دا صادم بالنسبة لنا بدرجة فهو صادم ليها الضِعف!!.
سقطت عبرات "كاسب" وهو يقول بوجعٍ مُقهرٍ:- بس أنا مأخدتهاش بذنب أبوها يا شيخ سليمان، رغم رغبتي في الانتقام منه.. حبيتها.. كُنت قادر أقول إنها بنته وأحلل لنفسي بحيوانية اللي حلله هو بس أنا لحد اللحظة دي قاومت كتير علشان أحافظ عليها وأفضل في نظرها نفس الشخص الثقة اللي حابه تشوفني عليه.
سليمان وهو يربت على كتفه ويقول بامتنانٍ:- احمد ربنا كل لحظةٍ إنك قاومت ورفضت تغضبه، لو فعلًا عايز تكسب "سكون" مرة تانية وتكون نصيبك.. دا هيحصل بتدابير ربنا ورحمته بقلبك.
كاسب وهو يبتلع غِصَّة مريرة في حلقه ويردد:- كلمها عني.. حنن قلبها عليا.. قول لها إني بحبها ونفسي تكون معايا للأبد.. خليها تسامحني ونتجوز ونبعد عن أي حاجة بتوجعها!!!
نظر إليه "سُليمان" بتعاطفٍ قبل أن يمسح على كتفه ويقول بتفهم:- اترك أمرك في معية الله، قادر يحققه.
نزلت من السيارة مُندفعةً داخل القصر كالسيلٍ المُدمرٍ، تلتهم خطواتها التهامًا حتى الباب الداخلي وما أن وصلت إليه حتى دفعته بقوةٍ فتاكةٍ ثم تحركت حتى وقفت في منتصف البهو وطفقت تصيح بلهجة حادة عالية:- يا عثمان بيـــــه؟؟؟ يا نبيلة هانـــــم؟؟
كانت تتحرك في البهو بخطوات ثائرة تنتظر ظهورهما أمامها ثم صاحت مرة أخرى بأنفاسٍ حارقةٍ:- ممكن أخد من وقتكم شوية؟؟؟ عثمان بيـــه؟؟ نبيلة هانـــم؟؟
هرول الجميع صوبها من عاملين وغيرهم؛ جاءت "نبيلة" مُسرعةً في رَّوعٍ وفتح "عثمان" باب مكتبه وطل من الطابق العلوي وكذلك خرجت "شروق" التي أتت لزيارتهم برفقة زوجها، كما هرول "عُمر" بكرسيه خارج غرفته وقابل وجهها الذي يشع شرًا ففهم على الفورٍ ما الذي حولها بهذه الطريقة.
ظلت ترمق والدها بنظرات ثاقبة حتى أسرع بهبوط الدرج وأصبح جميعهم يقفون أمامها في تساؤلٍ واندهاشٍ. شعر "عِمران" بضرورة صرف العمال إلى أعمالهم ففعل. وقف "عثمان" قبالتها بوجهٍ عابسٍ في حين رددت "شروق" بقلقٍ على شقيقتها وهي تقترب منها:- سكون، إنتِ كويسة؟؟
سكون وهي تصرخ باختناقٍ:- لأ... مش كويسة أبدًا.. مش كويسة بسبب الظالم دا.
أشارت باتجاه والدها الذي حدق فيها بنظرات نارية تشع غضبًا بينما تابعت "نبيلة" بصوت متوترٍ:- سكون، أيه اللي إنتِ بتقوليه دا؟؟ اوعي تنسي إنك واقفة قدام باباكِ!!
التفتت "سكون" إليها قبل أن ترميها بنظرات ساخطة وتصرخ:- استني إنتِ عليا، دورك جاي.
انفتح فم "نبيلة" على وسعه مصدومًا بينما تلعثم "عُمر" وهو يقترب من شقيقته ثم يهدئ من روعها قائلًا بلهجة لينة:- سكون، علشان خاطري اهدي؟؟؟
صاحت وهي تقترب أكثر من "عثمان" ثم تنظر داخل عينيه بجفاءٍ وتقول بلهجة صارمة:- مش ههدى يا عُمر قبل ما يعرفوا إني عرفت وساختهم.
كان يقف أمامها صامتًا وما أن تشدقت بكلمات مُتمادية حتى صفعها صفعة قوية أدمت وِجنتها ولكنها بقيت راسخةً لم تعبر عن وجعها ولم تئن حتى وهي تضحك ملء شدقيها وتقول باختناقٍ مكتومٍ:- اضرب واغتصب واقهر قلوب الناس واحرق كمان لو عايز.. ما إنتَ عثمان السروجي.. يعني تعمل اللي إنتَ عايزه!!
شهقت "شروق" مصدومةً مما تقوله شقيقتها وعلامات الاستفهام تحوم حول رأسها، بينما صاحت "نبيلة" فيها بصوت جادٍ:- كفاية جنان يا سكون، فهمينا في أيه؟؟؟
التفتت "سكون" بكل طاقتها المشحونة نحوها ثم أومأت وهي تقترب منها وتقول متجرعةً غيظها داخلها:- عايزة تعرفي في أيه؟؟ اتفضلي اعرفي.
ألقت الورقة في وجهها بلهجة شديدة، فأسرعت "نبيلة" بالتقاطها من بين ذهولها ثم شرعت تنظر إليها بتوجسٍ؛ تحجرت حدقتاها فورًا وداخلها ريبة قوية ولكنها تمالكت نفسها وهي تسأل بتلعثمٍ:- أأأيه دا؟؟
سكون وهي تردف بنبرة مُشتعلة:- تحليل دي إن أيه ليا أنا وإنتِ يا ماما.
سكتت هنيهة ثم أضافت بتهكمٍ:- ماما أيه بقى، ما طلع سلبي؟؟
التفتت "نبيلة" مُسرعةً بنظراتها صوب زوجها؛ فرأتهما وهما يتخالسان النظر إلى بعضهما البعض لتتابع "سكون" مرة أخرى بابتسامةٍ متهكمةٍ:- تحليلي أنا وإنتِ سلبي؟؟ مش عايزة تقولي لي حاجة؟؟
أوجدت "نبيلة" صعوبة في ابتلاع ريقها فأسرعت "سكون" تنظر ناحية والدها الذي بقى صامتًا دون حراكٍ حتى قال في النهاية بملامحٍ باردةٍ:- أنا عارف كويس أوي مين اللي لعب في دماغك، وأحب أقول لك إنها كذابة.. ضحكت عليكِ بالورقة دي علشان تضللك!!!
كانت "شروق" تستمع إليهم في ذهول وتشتُتٍ، فشعرت بأنها كانت أبعد ما يكون عن شقيقتها الفترة السابقة. ضغطت "سكون" على فكيها قبل أن تصيح بحنقٍ:- إنتَ اللي كذاب ومُضلل ونجلا صادقة، عارف ليه؟؟ لأنها لما وريتني تحليلي أنا وهي وكان إيجابي مصدقتهاش.. الورقة دي نجلا متعرفش عنها حاجة.. لأن أنا اللي أخدت العينة بنفسي وعملتها.
صمتت لثوانٍ قبل أن تردد بنبرة ناقمةٍ:- ارحم نفسك بقى وكفاية ظُلم وأذى، لسه بتدبح فيها وتسوء في سمعتها حتى بعد ما حقيقتك ظهرت، مكتفتش تذلها وتحرق روحها وتكون سبب في دخولها مستشفى المجانين؟؟؟
لم تتحمل "شروق" أكثر من ذلك فصرخت باكيةً منهارةً:- إنتِ بتقولي أيه يا سكون؟؟؟ أنا مش فاهمة حاجة؟
التفتت "سكون" إليها ثم رددت بابتسامة فاترة:- أنا هقول لك.
همَّت أن تتابع حديثها ولكنها وجدته يصرخ بصوت جهوري غاضب:- سكــــون!!!
التفتت إليه ثم رددت بصلابةٍ:- خلاص قول لها إنتَ.. قول لها إني بنت حرام.. قولها إني جيت نتيجة اغتصابك لخدامة بتخدم في قصرك ودمرت لها حياتها وحياة ولادها وكنت سبب في موت أبوها.. قولها يا بابا إني بنت الخدامة اللي ترجتك تعترف بيا وإنتَ رفضتني.. قولها يا بابا إني بنت حرام!!!
انفجرت باكيةً تتعالى شهقاتها بلا هوادة فأسرع "عُمر" بقلبٍ مفطورٍ إليها ثم ضم خصرها بقوةٍ بينما صرخت هي بقلبٍ مكلومٍ:- قول لي الحقيقة ولو مرة وحيدة في حياتك.. أكد لي إن نجلا تبقى أمي!!!
اجهشت ببكاء مريرٍ بينما بقى هو صامتًا فاستفزها تمامًا فصرخت من جديد:- نجلا هي أمي!!
- والله العظيم أنا أمك وإنتِ مش بنت حرام.. إنتِ ضحية زيّ بالظبط.
استوقفها صوت يأتي من بعيدٍ؛ تشخصت أبصارهم جميعًا إلى تلك الواقفة أمام الباب ودموعها تُغرق خديها. اندفعت بقوة غاشمةٍ نحو ابنتها ثم وقفت قبالة "عثمان" ونظرت داخل عينيه بتحدٍ وقالت بلهجة شديدة:- سألتك.. أنا أمها؟؟؟ جاوب!!!؟