تحميل رواية «رحماء بينهم» PDF
بقلم علياء شعبان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هل جربت ذلك الشعور يومًا؛ حينما يجعلك الله سببًا في إحياء حياة شخص رأيت موته بأم عينك؟! هل جربت أن تكون لحياتك معنى وأنت ترى تلك الروح التي أنت طوق نجاتها تحوم حولك من جديد!!! نقطة من بداية السطر. سبب لبداية حياة جديدة كادت أن تفنى. مشهد جعل كيانه يهتز بصدع حتى تعلم لأول مرة معنى غياب الأمان ووجود أرواح سيئة تشاركه في هذا العالم الذي انحصر دومًا في والده، دروس الدين المحببة إلى قلبه وممارسة هواية السباحة الأكثر شغفًا في حياته على الإطلاق. طفل صغير عاش في بلدة قروية بسيطة تبدأ حدودها مع بداية قنا...
رواية رحماء بينهم الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم علياء شعبان
جالت بعينيها تتفقد الغُرفة بتأنٍ واهتمامٍ بعدما رتبتها ترتيبًا جيدًا ووضعت بعض الورود المُجففة على السرير وقد كتبت باستخدامهم كلمة "أُحبك".
انتقلت بخطواتها مُسرعةً خارج الغرفة تتفقد ترتيب الشقة بأكملها وبالأخص الطاولة الصغيرة التي تتوسط الصالة. وضعت عليها بعض الشموع المعطرة وأدوات تناول الطعام دون أن تملأها.
في هذه اللحظة تنفست بقوة تُحاول تجرع خوفها الذي قد يفسد ما تنوي القيام به وقد ينزع الود القائم بينهما وقتها. فركت كفيها معًا وهي تُلقي نظرة عامة وراضية عن ترتيب المكان وتجهيزه قبل أن تعود إلى الغرفة مرة أخرى وتنظر إلى المنامة طويلًا في خجلٍ.
أغمضت عينيها قبل أن تقترب لالتقاطها ثم قالت بزفيرٍ مُسترخٍ:
- خُدي نفس عميق وخرجيه.. اهدي.. دا جوزك!
همَّت أن تلتقطها ولكن استوقفها طرقًا خفيفًا على باب الشقة. أسرعت نحو الباب فورًا وما أن فتحته حتى وجدت "مُهرة" تقول بحِرصٍ شديدٍ:
- الحلة سُخنة جدًا.
ابتعدت "وَميض" من أمامها سريعًا فهرولت الأخيرة نحو المطبخ إلى أن وضعت الطعام على الرخام الأسود قبل أن تلتفت إلى "وَميض" الواقفة أمامها ثم تقول بهدوءٍ:
- كدا الأكل كُله جاهز بفضل الله، هتعوزي حاجة تاني مني؟؟
أومأت "وَميض" سلبًا قبل أن تبتسم في ودٍ كبيرٍ وتقول:
- إن شاء الله أتعب لك يوم الفرح يا مُهرة وأشوفك أحلى عروسة في الدنيا.
تهللت أسارير وجه "مُهرة" التي اقتربت من الأخيرة وتعانقتا في ودٍ وسرورٍ. ابتعدت "مُهرة" على الفور قبل أن تقول بحسمٍ:
- طيب استأذن أنا بقى علشان سايبة أكل العمال على الناغ.
أومأت "وَميض" في تفهم فتحركت الأخيرة صوب باب الشقة ولكنها توقفت حينما تابعت "وَميض" بتساؤل مُهتمٍ:
- شيلتي من الأكل دا لبابا ونوح؟!!
مطت "مُهرة" شفتيها ثم أومأت سلبًا وهي تقول:
- لأ الحقيقة.
ابتسمت "وَميض" وأضافت بهدوءٍ:
- خلاص تمام.. أنا هاخد جزء من الأكل وهنزله في شقة بابا سليمان.. يبقى يتغدا هو ونوح سوى.
وَدعتها "مُهرة" بابتسامة هادئة قبل أن تنصرف إلى رأس عملها. اندفعت صوب المطبخ القائم بالمزرعة لتفقد نضوج الطعام القابع على نيران الموقد. قامت برفع الغطاء عن القدر ثم نظرت إلى الأرز الذي ينبعث منه حرارة عالية وبدا تقديريًا قد نضج.
مالت قليلًا تشتمه بنشوةٍ واستمتاعٍ ثم تقول بتفاخرٍ وثقةٍ:
- الله عليكِ يا بت يا مُهغة، الأكل نَفَس بغدو.
همَّت تُعيد الغطاء مكانه، فأوقفها يقول بتحذيرٍ وهو يوجه سبابته أمام وجهها:
- عندك.. الحلة دي لازم لها إشرافي الشخصي.
اندفع مُسرعًا صوبها، ضحكت ملء شدقيها وهي تجده يتناول الملعقة ثم يغرسها داخل القدر حتى تمتلئ ويتوجه بها إلى فمه وأول ما فعل حينما وصله مذاق الأرز أن صاح باستمتاعٍ شديدٍ:
- يا بختك يا دكتوغ نوح.. مراتك طباخة ماهرة.
تهللت أسارير وجهها بفرحةٍ وظلت تتابع استمتاعه بعينيها وهو يتناول الملعقة وراء الأخرى شاردةً بهيامٍ في ملامحه حتى استيقظت فجأة من هيامها به وهي تفتح عينيها على وسعهما وتقول بغيظٍ:
- يالهوتي.. خلصت الحلة يا مفتغي.. كفاية!!
أسرعت بوضع الغطاء وهي ترمقهُ بنظرات ساخطةٍ قبل أن يتابع هو بملامحٍ يتصنع فيها الحُزن:
- فدا كرش جوزك يا عاقة.. فدايا ولا مش فدايا؟؟
أومأت "مُهرة" وهي تبتسم ابتسامة عريضة:
- فداك يا كتكوتي.
جحظت عينا "نوح" وهو يقترب منها ثم يصيح ساخطًا:
- كتكوتك؟؟ شايفاني بصوصو هنا يا هانم؟؟
تنحنحت "مُهرة" في وجلٍ حينما بدأ يقترب بخطواته منها أكثر إلى أن أسرع بالقبض على كفها قائلًا بنبرة مُتلهفةٍ:
- ما تجيبي بوسة يا عضل!!.. عايز ارتوي.
حدقت فيه مصدومةً وهي تتراجع للخلف وتردد بكلمات مبعثرة بينما يتقدم منها خطوة كلمها تراجعت مثلها:
- طب ما تشغب من الحنفية؟؟
شدَّ على رسغها وهو يردد بملامحٍ كشرةٍ يكسوها المرح:
- دا أنا هشرب من دمك لو ما ادتنيش بوسة؟؟
انطلقت ضحكة خفيفة من بين شفتيها وهي تتراجع أكثر في محاولة للهرب منه ولكنها تفاجأت باصطدام ظهرها بالحائط؛ فظهرت على شفتيه ابتسامة ظافرةُ وهو يحاصر خاصرتها بذراعيه ثم يقول باستمتاعٍ ومراوغةٍ:
- لازم نُذيب الجليد يا دكتوغة علشان يوم الفرح نمرح ونُعربد بدون كسوفٍ.
انحسرت في الزاوية لا حول لها ولا قوة، أوجدت صعوبة في ابتلاع ريقها فأردفت بصوت خافتٍ يغمره الخجل:
- إحنا كدا مش هنذيب الجليد.. إحنا كدا هنخلف قبل الفغح.
ابتسم "نوح" ابتسامة شريرة قبل أن يرفع أحد حاجبيه ويقول بمكرٍ:
- طيب بصي أنا هغمض عيني وإنتِ بوسي.. عارف إنك بتدلعي ومكسوفة.. سُهنة.
التوى شدقها غيظًا ولكنها تظاهرت بالموافقة على كلامه، ابتسمت بهدوءٍ فمال هو نحو وجهها قليلًا مُغمض العينين ينتظر أن تمنحه قُبلة الحياة التي انتظرها بفارغ الصبر، اندمج ينتظر شعوره بشفتيها ولكنه وجد أنفه دخل داخل فوهة عميقة ذات أسنان حادة، حيث قبضت على أنفه تغرس أسنانها به وكأنها تقضم من شطيرة شهية ليصيح هو بألمٍ مُدوٍ:
- يا بنت العضاضة.. أأأأأخ!!!.
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ وهي تميل بليونةٍ ثم تمر هاربةً من أسفل ذراعه قبل أن ينقض عليها مُنتقمًا لألمٍ كاسحٍ احتل أنفه وهيَّج أعصابه، هرعت بضحكة مشاكسة خارج المطبخ تمامًا ثم وقفت أمام الباب تضحك بسعادة قبل أن يلمس بكفه أرنبة أنفه ثم يقول بابتسامة مغتاظة:
- متجوز مسعورة.. أنا الغلطان إني عايز أذيب الجليد.. خليه كدا يكش نفضل طول السنة في القطب الشمالي.
رفعت أحد حاجبيها ثم رددت بظفرٍ:
- دي بس هدية تذكاغية بسيطة علشان الشيطان الغجيم ميهوبش ناحية عقلك تاني.
نوح وهو يتأوه بألمٍ ثم يقول متبرمًا:
- دي مش هدية تذكارية.. دي عضة كلب.. أما ألحق أروح أخد حقنة.
تخصرت "مُهرة" أمامه وهي تقول بابتسامة ماكرة:
- طب ما أديها لك أنا؟!.. أنا دكتوغة بيطغية وأفهم في الحاجات دي كويس!!
انفرجت أسارير وجهه وهو يصيح غير مُصدقٍ:
- بالله؟؟ خلاص أنا موافق إنتِ اللي تديها لي.
مُهرة بابتسامة شريرة تتابع:
- بس هتكون حُقنة هوا؟؟
حدق فيها مصدومًا وارتخى فكيه السفلي وهو يقول:
- أه وتكوني من بعدها أرملة.. الأرملة الصعرانة راحت.. الأرملة الصعرانة جت.
انفجرت ضحكة عالية من بين شفتيها قبل أن تقول بنبرة خافتة مرتبكة:
- بحبك ها؟
اتسعت ضحكته ثم رماها بغمزة من عينيه وهو يقول هائمًا:
- بعشقك ها؟
تطلعت إلى صورتها المعكوسة في المرآة بعدما صففت شعرها بعنايةً ثم سدلته متروكًا على كتفيها وظهرها، كذلك ارتدت قميص النوم القصير الذي اختارته بدقةٍ كي يتناسب مع تفرد هذا اليوم وتميزه. بدأت تدور حول نفسها تتطلع إلى هيئتها بتمعُنٍ فأرادت كأية امرأة أن تُصبح مثالية في ليلة كهذه وأن تحوز على اعجاب زوجها وتسلُب لُبه منه.
ابتسمت في هذه اللحظة ابتسامة فاترة غلب عليها الخوف الشديد مهما حاولت دفعه عن قلبها يُعاندها ويعود، يُشعرها الخوف باستحالة عيش لحظة خاصة مع مَنْ تُحب بل ويضع أمام عينيها الكثير من العوائق والوساوس كي تتزحزح عن قرارها وتتنحى عنه.
أسرعت تهز رأسها بقوةٍ ترفض الانصات لصوت خوفها، فركت جبينها ببعض التوترٍ ثم أخرجت زفيرًا ساخنًا نتج عن رهبة مشاعرها المُتأججة. اتجهت صوب السرير والتقطت الروب الطويل ثم ارتدته فوق القميص وتركته مفتوحًا. لم تعُد قدماها تحملانها أكثر من ذلك فرمت بنفسها على طرف السرير ثم شرع تطقطق أصابعها بارتباكٍ شديدٍ؛ فبدا لها الانتظار أثقل عدوًا قد تتعرف عليه طيلة حياتها.
ظلت شاردةً تحاول توقع رد فعله عند رؤيتها، هل سيسعد وتبتهج أساريره أم أنه لم يعُد يرغب فيها بعدما رفضت هي قربه مرارًا!!.. لم تستطع توقع أي شيء فاستسلمت لفكرة الانتظار القريب.
وما هي إلا لحظات حتى سمعت صوت ولوج المفتاح بالقفل ثم صوته الرخيم ينادي بلهفةٍ طفلٍ يرغب في رؤية وجه والدته فور وصوله:
- وَميض!!
سرت رجفة قاسية في سائر جسدها وتجمد تمامًا حتى فقدت قدرتها على الحراكٍ وبقيت ساكنةً في مكانها؛ تسمع ندائه وتفقد قدرتها على النطق.
تحرك "تليد" صوب الطاولة المُنمقة بزينة من الورد والشموعٍ وابتسامة متسعة احتلت مُحياه ثم كرر ندائه بحماسٍ:
- أُترُّچ!!
لم تأتيه إجابة فتحرك صوب المطبخ يتفقد أثرها هناك ولكنه لا يجدها ولكن رائحة الطعام الشهية جعلته يندفع نحو القدر ثم يرفع غطائه مستكشفًا ما بداخله. اتسع ما بين حاجبيه مُرددًا بدهشةٍ:
- اوه.. دي عملت محشي بجد؟ يبقى هي دي المُفاجأة.
استدار عائدًا إلى الصالة قبل أن يقطب حاجبيه في حيرةٍ من أمرٍ اختفائها وبقاء المفاجأة في العلن هكذا؟؟ تحرك بخطوات وئيدة صوب غرفتهما التي بقى بابها مواربًا ثم دفعه برفقٍ قبل أن تبصرها عيناه جالسةً إلى طرفٍ الفراشٍ. حدق فيها بنظرات ثاقبة مندهشةً يُطالع هيئتها بتمعُنٍ وفقدان سيطرة على مشاعره. بدأ يغمض عينيه ويفتحها في استيعاب لِمَ يرى فرفعت "وَميض" بصرها تنظر إلى عينيه في استحياءٍ فوجدته مشدوهًا ينظر في انبهارٍ مُتفحصًا كُل ذرةٍ بها.
جاهدت متحكمةً في أعصابها؛ فانتفضت واقفةً في مكانها قبل أن تقترب صوبه وهي تقول بابتسامة ناعمة:
- عملت لك الأكل اللي بتحبه!!
ارتخى فكه السُفلي قليلًا مجرد أن وقفت وتحرك إليه فهفا عطرها إلى أنفه يضرب حواسه بقسوةٍ ثم بقى جامدًا يتطلع إليها فحسب. ابتلعت ريقها على مهلٍ قبل أن تقول بتلعثمٍ:
- تليد!!
رد من بين لهفة التطلع إليها:
- أوامر!!
تنحنحت في خجلٍ ثم أعادت جملتها مرة ثانية:
- بقول لك عملت لك الأكل اللي بتحبه ونفسك فيه!!
تليد وهو يردد بابتسامة عريضة:
- أكل أيه يا شيخة.. أنا نفسي دلوقتي راحت في حتة تانية خالص.
تخضبت وِجنتاها ثم سعلت حرجًا وأشاحت بنظراتها بعيدًا عن عينيه قبل أن تتنفس بقوة وثبات ثم تلتفت إليه من جديدٍ وهي تردد بمصارحة:
- تليد.. خلينا نبدأ من جديد.
والآن أتته الإجابة التي حامت بطنين مُزعج حول عقله منذ رؤيتها ترتدي قميصًا مكشوفًا وكأنما تدعوه على استحياءٍ إليها. تنحنح بهدوءٍ قبل أن يحاصر وجهها بكفيه ثم يوجه إليها سؤالًا مُباشرًا:
- إنتِ مُتأكدة ودي رغبتك فعلًا!!.. مفيش حاجة هتحصل لو إنتِ مش حابة ومش عايزة.. أنا معنديش مشكلة أستنى تحبيني العُمر كُله!!
اغرورقت عيناها بالدموع ثم أردفت بنبرة متهدجة توشك على البكاء:
- أنا بحبك وبكامل رغبتي عايزة أكون معاك.
كان وقع اعترافها على سمعه كعزفٍ ناعمٍ جذابٍ، كانت أنفاسه كبحرٍ جياشٍ ترتطم داخله الأمواج بلا هوادة. أسرع بمحاصرة خصريها ثم جذبها بقوة إلى ذراعيه فتعانقا عِناقًا حارًا أذهب وأذاب جليدَ الأيام العِجاف الماضية التي لم تزورها قطرة تروي ظمأ اشتياقه لها، دومًا كان يرغب فيها بشدة حتى أن داخله يحترق لقربها وبات يخشى عليها أن يطولها لهيب اشتياقه فيها.
أرخى ذراعيه قليلًا قبل أن يفقد سيطرته التامة على نفسه، بينما سلط نظراته بعُمقٍ داخل عينيها وقال:
- عينيكِ!
اتسعت حدقتها وهي تتساءل بوجنتين متوردتين وصوت هامسٍ:
- مالهم؟؟
أجابها بابتسامة دافئة:
- غرقان فيهم.. انقذيني ورُدي الدِين!!
اتسعت ابتسامتها بمرحٍ ثم أغلقت عينيها فورًا ورددت بمزحٍ لطيفٍ:
- أهو.. كله تحت السيطرة.
ضحك ملء شدقيه فيما أسرعت هي بالقبض على كفه ثم سحبته وراءها وهي تقول بحماسٍ كبيرٍ:
- تعالى شوف الأكل بقى.
سار خلفها بخطوات متراخية، كيف لها أن تُحرك البركان الخامل فيه ثم تتقاعس عن إخماده؟؟ رفع أحد حاجبيه قبل أن يردد بنبرة متبرمةٍ:
- ما نخلي الأكل بعدين يا برتقانة؟؟؟
التوى شدقها وهي ترد برفضٍ قاطعٍ:
- يرضيك تعبي يروح على الفاضي!!
أومأ نفيًا إلى أن وصلا داخل المطبخ، تركت كفه ثم بدأت تتحرك بمرونةٍ تجلب الأطباق وترص الخضروات الناضجة عليهم باهتمامٍ بالغٍ بينما هو في عالم آخر، فعيناه لا تكف عن النظر إلى تفاصيلها الدقيقة والتفرس بجسدها المُتناسق ولم يشعر بنفسه إلا وهو يصيح مُنفعلًا في لوعةٍ:
- وَتد يابا الحج وَتد!!
التفتت تنظر إليه في دهشةٍ فرماها بغمزة من عينيه جعلتها تشيح بوجهها عنه ثم تبادر في جمع طرفي الروب بخجلٍ من نظراته المحدقة فيها. اتسعت بسمته ما أن شعر بخجلها فاندفع نحوها ثم عانق خصريها من الخلف وثبت ذقنه على كتفها وردد بمشاعرٍ هائمةٍ:
- “وكُنتِ رغم بُعدك عني.. حميمة قلبي".
قام بطبع قُبلة ناعمة على عُنقها؛ فخفق قلبها بنشوةٍ حقيقيةٍ بينما استكمل يتغزل فيها بكلمات رقيقة تداعب مشاعرها:
- “إنتِ نبضي.. بذور أرضي.. عناق عُمري.. امرأة أحلامي.. هوان صبري وجميل قَدري".
انشرح صدرها من همسه بكلمات ساحرة دس فيها مشاعره الفياضة إليها. ابتعد بعد ذلك حينما وجدها قد انتهت من تجهيز الأطباق فتناول طبقًا في يده رغبةً في تقديم المساعدة لها. سارا معًا إلى الصالة وقاما بوضع الأطباق على الطاولة.
فرك "تليد" كفيه معًا في حماسٍ بينما التقطت "وَميض" القداحة وأشعلت الشموع. جلس على كرسيه وفعلت هي كذلك ثم تمتمت بنبرة خافتة تترقب رأيه في الطعام:
- بألف هنا وشفا.. أكيد هستنى رأيك؟؟
نظر للطعام بشهية مفتوحةٍ وبدا اليوم وكأنه أجمل يومًا سيعيشه طوال عمره على الإطلاق. سمى الله ثم شرع يتناول طعامه باستمتاعٍ شديدٍ ولم يخفى عليها رؤية التلذذ الظاهر على صفحة وجهه. ابتسمت برقةٍ وشرعت تتناول طعامها ومن حينٍ لآخر تترقب رد فعله بطرف عينيها ليتكلم هو بنبرة منبهرة داعمة:
- لا حقيقي الأكل طعمه سُكر يا مسكر.
تنحنحت في لينٍ قبل أن تقول بنبرة خافتة:
- على فكرة الأكل دا مش عاملاه لوحدي، خالة رابعة ومُهرة ساعدوني فيه بس أنا مشيت على الخطوات وطبقت بنفسي.
افتر ثغره عن ابتسامة عريضة وقال بهيامٍ:
- وأنا يكفيني اهتمامك بأي حاجة بحبها وإنك تقتطعِ من وقتك وتطبخي لي بإيدك.
مدَّ كفه يلمس كفها القابع على الطاولة، اضطرب قلبها وزادت ضرباته حتى كادت تتمرد عليها وتخرج من بين ضلوعها حينما وجدته يتابع محدقًا بتمعن داخل عينيها:
- أنا شاكر لأبويا جدًا لما قرر يبعدك عني.
توترت ملامحها من تدقيقه داخل عينيه ثم تساءلت بخجلٍ:
- معقول؟؟ بس إنتَ قولت لي قبل كدا إنك كُنت ناقم على فكرة بعادي عنك!!
أومأ مؤيدًا لحديثها، ثم تابع وهو يميل إلى الطاولة أكثر ثم يرفع ذراعه ماسحًا برفقٍ على خصلات شعرها:
- كُنت ناقم وأنا طفل مش فاهم حاجة.. بس لمَّا كِبرت عرفت إن أبويا عنده بُعد نظر خرافي للأمور.. كان خايف الظروف والأيام والناس يعتبروكِ أختي ويسنوا سكاكينهم عليا لو حبيتك أو اتجوزتك.
سكت هنيهة ثم تابع:
- بس هو شاف إني كُنت مُتيم بيكِ.
ترك لأصابعه حرية لمس خصلات شعرها الناعمة ثم تابع بهمسٍ هائمٍ:
- بشعرك.
انتقل بأصابعه يتحسس الغمزة التي تقبل أسفل عينيها وقال مكملًا بلين:
- بغمازة عينيكِ.
بدأ يحرك أنامله بحميمية على بشرتها الناعمة التي تشبه في ملمسها تلك اللمسة حينما كانت صغيرة، مازالت تحتفظ ببشرة ناعمة كالأطفالٍ تُذكره بطفولته المنقضية في الاهتمام بها. داعبت أنامله وِجنتها وهو يقول مُتأثرًا ذائبًا:
- كُنت مُتيم حتى بملمس بشرتك ولونك الخَمري.. أنا يمكن أه كُنت طفل ومشاعري فطرية خاصةً إني وحيد وأكيد مشاعري مش هتتاخد على محمل الجد بس أبويا شاف المستقبل بذكاء وحكمة.
افتر ثغرها عن ابتسامة سعيدة وهي تسأله بلهفةٍ:
- كُنت طفلة حلوة؟؟
تليد وهو يقرص وِجنتها برفقٍ ويضيف مؤكدًا بغزلٍ صريحٍ:
- كُنتِ أحلى حاجة شافتها عيني.. لمَّا خدوكِ مني كانت روحي بتروح وأنا بجري ورى العربية علشان أمنعهم.. وقتها وقعت على وشي والإزاز جرح حاجبي.
فترت ابتسامتها للحظةٍ حينما تذكرت سؤالها له حول هذه النُدبة وإن كان قاصدًا نزع بعض شعيرات حاجبه من المنتصف كي يبدو شابًا مُعاصرًا، تذكرت كذلك حديثه مع مُتصلٍ ما عبر برنامجه يسأله أيضًا عن هذه النُدبة فأخبره "تليد" بإيجازٍ شديدٍ:
- “كُنت بجري ورا أحلامي وملحقتهاش".
تجمعت الدموع في عينيها تأثرًا وندمًا ثم أردفت بنبرة خفيضةٍ يكسوها الحُزن والندم:
- أنا آسفة!!
لم يحتج أن تشرح له سبب اعتذارها فقد أصبحت الآن كتابًا مفتوحًا بالنسبة له واستطاع تخمين ما دار في عقلها سبب لها هذه اللمعة المضاءة في عينيها من فرط التأثُرٍ. نهض من مكانه فورًا قبل أن يتجه صوبها ثم يلتقط كفيها بين راحتيه ويدفعها برفقٍ أن تنهض وهو يقول بلهجة هادئة:
- “كُل كلمات الغزل مش هتليق بمقامك عندي حتى وإنتِ بتعيطي سحراني".
أسرعت تتشبث بعنقه ذائبةً في سحر شخصيته الذهبية الأسيرة؛ لديه من الرزانة والثبات ما يجعل الآخرين يهابونه قولًا وفعلًا؛ أما معها فيبدو لينًا مرنًا لا يخجل أن يُعبر ويشتاق في لوعةٍ. ضمها منتشي من استنشاق عبير خصلاتها قبل أن يهمس بالقُرب من أذنها بلهفةٍ عاشقٍ رفع رايات الرسوخ والثبات والمقاومة أمامها:
- جاهزة؟؟؟
أومأت ومازالت تحتضنه بولهٍ؛ فسرق إصرارها على قربه لُبه ليُرخي ذراعيه قليلًا عن خصريها ثم يبتعد خطوة وحيدة قبل أن يركز بعينيه داخل عينيها بمشاعرٍ مُلتهبة. حرك أصابعه إلى كتفيها ثم أنزل الروب عنهما وقبل أن يخطو خطوة أخرى نحو بداية مشاعر حُب مُلتهبة بينهما، أوقفه طرق غاضب على باب الشقة فتوقف فورًا ثم تابع بحاجبين مقطبين يقول:
- أيه دا في أيه؟؟ ادخلي إنتِ جوا!!
أومأت ثم هرولت داخل الغرفة بينما توجه هو صوب الباب يفتحه ليتفاجأ بوجه "سكون" الباكٍ وما أن أبصرته هي حتى تابعت بنبرة مخنوقةٍ تتهدج من شدةٍ البكاء:
- فين وَميض؟؟
قطب ما بين حاجبيه مُرددًا بريبة وشك:
- سكون إنتِ كويسة؟؟
أومأت سلبًا ثم انفجرت مرة أخرى في البكاء وما تزال واقفةً في مكانها قبل أن تستمع "وَميض" إلى سؤالها عنها فترتدي عباءة وتخرج أمامها فورًا. وقفت متوجسةً أمامها وقالت باستفهام وقلقٍ:
- أنا هنا يا سكون.. مالك؟؟
هرعت "سكون" إليها فورًا كأنما وجدت ملاذها الذي تختبئ داخله من أهوال أيامها التي تتكالب على قلبها تنهش فيه. ضمتها "سكون" بقوة فبادلتها "وَميض" العناق في اندهاشٍ وهنا تكلمت "سكون" بأنفاسٍ مُشتعلةٍ توشك أن تنفجر:
- وَميض، أنا عايزة أصارح أختي، مش عايزاها تعيش التجربة اللي أنا عايشاها، أنا مش بنت نبيلة السروجي.. أنا بنت واحدة تانية.
انفتح فم "وَميض" على وسعه قبل أن تردد بذهولٍ وهي تبعدها قليلًا ثم تنظر محدقةً في عينيها:
- أيه؟؟
سكون وهي ترد بانهيارٍ تامٍ:
- أنا بنت عثمان من واحدة تانية مش نبيلة وعندي أخت، عارفة هي مين؟؟؟
لمعت عيناها باندهاشٍ قبل أن تضيقهما في نظرة فضولية حثت الأخيرة على الاستكمال. همَّت "سكون" أن تتابع بينما صاح "تليد" يمنعها بقلقٍ:
- سكون!!
التفتت نحوه ثم رددت بإصرار وقهرٍ:
- تليد، هي لازم تعرف كُل حاجة؟؟ لازم تفهم إنها أختي.
جحظت عينا "وَميض" في نتوءٍ، هل قالت للتو بأنها شقيقتها؟؟ ممن جاءت صلة الدم؟؟ تقول من طرف الأم؟؟؟ أمها التي لا تعلم عنها شيئًا والتي كانت المسبب الرئيسي في حياة بلا نسب ولا هوية؟؟
افتر ثغر "وَميض" عن ابتسامة عريضة وردت بسخريةٍ حملت بوادر بكاءٍ بين طياتها:
- مين اللي أختك؟؟؟
ذرفت "سكون" الدموع بمرارةٍ وهي تقول بغِصَّة تسري في حلقها:
- إنتِ.. أنا وإنتِ أخوات لنفس الأم.
التفتت "وَميض" بعينيها إلى زوجها الذي دعك جبينه في توترٍ واضحٍ، يرجو الله في هذه اللحظة ألا تكون الصدمة قاسية عليها ولا تأخذ من روحها شيئًا!!
ابتسمت لا تستوعب ما تتفوه به الأخرى ولا تشعر سوى بالتيه وعدم التصديق حينما رددت تنظر داخل عيني زوجها:
- أمي؟؟؟ أمي اللي رمتني في ضلمة البحر وغرقتني؟؟ هي فين أمي دي أصلًا!!
أخذ "تليد" نفسًا عميقًا قبل أن يهرع إليها ثم يضمها إليه حينما شعر بتيهها وبوادر فقدان لاتزانها. أسرعت "سكون" بالقبض على كفيها قبل أن تقول بلينٍ وبكاءٍ تتفهم إنكارها لِمَ قالته:
- وَميض، علشان خاطري استوعبي اللي بقوله؟؟ أنا أختك وأُمنا عايشة وموجودة وإنتِ لازم تسمعيها!!.. أنا مش عايزاكِ تعيشي في أوجاع ماضيكِ أكتر من كدا!!
انسكبت دموعها على وِجنتيها وهي تقول بصوت مُتحشرجٍ:
- ومين هي أمي؟؟ ويا ترى جهزت سبب مُقنع تقوله؟؟ جهزت سبب يخليني أسامحها على جريمتها في حقي وحق أخويا اللي عُمري ما شوفته؟؟ جهزت سبب يبرد قلبي ويداوي جروحي لمَّا حسيت باليُتم وفقدان الهوية علشان اللي ربوني مش أبويا وأمي، جهزت أيه تقوله ليا يخليني أسامح جبروتها وهي بترمي طفلة رضيعة للموت زيّ اللي بيرمي حتة لحمة لأسود برية جعانة!!!
تليد وهو يضم رأسها إلى صدره ويقول برجاءٍ وخوف شديدين من تبعات ما تمر به من صدمةٍ:
- علشان خاطري.. اهدي!!
أسرعت "سكون" بمحاصرة وجهها وهي تردد باستجداءٍ:
- وَميض.. أنا مش عايزة أخسرك تاني أبدًا.. عايزة كُل اللي جاي بينا يكون واضح وصريح.. اسمعيها على الأقل؟؟؟؟
صرخت "وَميض" باكيةً بمرارة:
- هي مين؟؟
كانت "نجلا" تقف خلف حائط باب الشقة تستمع إلى بكاء ابنتها الذي أضنى قلبها وسكب عليه من مرارةٍ الندم واللوعةٍ. أغمضت عينيها وسرت مرارة قاسية تجتاح حقلها وهي تتراجع للوراء تهبط درجات السلم في تراجعٍ. لم تكُن قادرةً على الوقوف أمام ابنتها بعد ما اقترفته في حقها وباتت المواجهة مستحيلة؛ فلم تستطع ولا تجرؤ على النظر داخل عينيها، انسكبت دموع "نجلا" التي أدركت ما كانت تتوقعه؛ بأن "وَميض" لن تغفر الجُرم المرتكب في حقها طوال عُمرها ولن تتقبلها في حياتها ولو عاشت نجلا عُمرًا بأكمله تترجاها أن تغفر لها.
وكيف تقف مصلوبةً القامة أمام صغيرتها وبِمَ ستُجيبها؟؟ كيف ستجرؤ على النظر داخل عينيها وهي قاتلتها؟؟ بِمَ ستُعزيها في أيام لم تُكن معها فيها؟؟ لقد جاء إلى عقلها كيف نظرت إليها تلك الصغيرة ببراءة قبل أن تُقبل وِجنتاها ثم تُلقيها داخل غياهب حاضر يقتلها ويقسم ظهرها ويحني قامتها.
ابتلعت "نجلا" ريقها بالكاد وهي تتراجع هبوطًا وهنا وجدت "سكون" تقف أمامها ثم ترجوها بنظرات ثابتة أن تأخذ هذه الخطوة قبل فوات الأوان. كانت تنظر "وَميض" صوب شقيقتها بعينين زائغتين افتقدتا للرؤية الواضحة حتى أن قواها قد خارت تمامًا بينما قبض "تليد" الذي استسلم للمواجهة على خصريها يعينها على البقاء واقفةً قبل أن تتحرك "نجلا" بخطوات مترددة وأنفاس متصاعدةً تصعد الدرج مرة أخرى ثم تظهر من خلف الحائط وتقف بعينين باكيتين أمامها. حدقت "وَميض" فيها مصدومةً وكان وقع رؤيتها صاعقًا ليُغشى عليها في الحال.
رواية رحماء بينهم الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم علياء شعبان
كان اندفاعها سيلًا كاد أن يُبدد قواه؛ فحينما يراها تضطرب جميع حواسه وتتأجج أنفاسه وتتصاعد؛ فهي المرأة الوحيدة التي استطاعت أن تنتصر عليه ولم يكُن يتخيل أبدًا أن ثمة امرأة على وجه البسيطة يمكنها أن تخفس بقواه الأرض وتحني قامته خجلًا، اختنق حانقًا يتساءل كيف للماضي أن يعود ليُدمر ما عاش عُمرًا يبنيه، لم يتخيل أبدًا أن تلك الضعيفة الوضيعة ستظهر أمامه من جديد على هيئة كبرياء امرأة غاشمةٍ، لقد نال ما اشتهى منها ومرَّ ولم تعبر إلى ذاكرته مرة أخرى!!
خطت خطواتها الواثقة نحوه قبل أن تقف في المنتصف وبقيت "سكون" خلفها، حدقت "نجلا" فيه بنظرات نارية قبل أن تردد بنبرة ناقمةٍ:
- خلي عندك ضمير مرة واحدة وقول لها الحقيقة، بجاحتك مش هتغير معرفة بنتك بوساختك.. رُد عليها؟؟
رفعت سبابتها أمام عينيه ثم استكملت بملامح عدوانيةٍ ونبرة محذرة:
- لو فكرت تمد إيدك على بنتي تاني يا سروجي.. هدمرك في ظرف ساعة.. أنا معايا كُل حاجة ممكن تتخيل إنها تقضي عليك.. اوعي تكون فاكر إنِّي ساكتة عنك خوف؟ لأ.. سكت طول الوقت دا علشان أوصل لبنتي.. بس بعد الوصول.. بدأ العد التنازلي لأيامك.
اكفهر ملامح وجهه قبل أن يصيح مُنفعلًا بصوت رخيمٍ:
- والله وطلع لك صوت يا نجلا!!
نجلا وهي تضحك ملء شدقيها بتهكمٍ:
- وأعلى بكتير من صوتك اللي فاكر إنك بتخوفني بيه!
مطت شفتيها بامتعاضٍ ثم رددت بشفقةٍ مُصطنعةٍ:
- إنتَ ضعيف أوي يا عثمان، ضعيف بيستخبى ورا صوته.
تأججت النيران داخله وقدحت عيناه شرًا قبل أن يصيح بنبرة نارية:
- أنا هوريكِ الضعيف.
أنهى جملته ثم همَّ يرفع ذراعه عاليًا وقبل أن ينزل به على وجهها كان "ماكسيم" قد انتفض مُسرعًا نحوهما ثم وقف حائلًا بينهما وقبض بشراسةٍ وغضبٍ على رسغه ثم تكلم بلهجة عاتية تستشيط وعيدًا وغضبًا:
- أنا ممكن أحرقك في قلب بيتك لو قلبك جابك تاني وفكرت تلمس شعرة منها، كُل أعدائك لحُسن حظك ناس متربيين إنما أنا وِسخ وتربية شوارع وحواري.. لازم تخاف مني.
ابتلعت "سكون" غِصَّة مريرة في حلقها قبل أن تصيح بأنفاس مضطربة في اختناقٍ:
- رُد عليَّا يا بابا.. رُد وريحني!!
نفض ذراع الأخير قبل أن يصيح غاضبًا:
- أيوة بنتها يا سكون.
ابتسمت "نجلا" ابتسامة ظافرة وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وترمقه بنظرات ثاقبة بينما حدقت فيه "سكون" مصدومةً، لا تفهم سر هذه الصدمة؟؟ أم أنها ناتجة عن اعتراف والدها الذي وجدته مستحيلًا وظنت أنها ستبقى مُشتتةً للأبد، في هذه اللحظة التفتت إلى "نبيلة" ثم أردفت وهي تبتلع ريقها في بكاء:
- يعني إنتِ كُنتِ عارفة إنه خاطفني من حُضن أمي؟؟ ووافقتي؟؟ وافقتي تحرقي قلب أم على بنتها؟؟ المفروض إنك تحسي بمشاعرها لأنك أم زيها!!!
نجلا وهي تلتفت صوب "نبيلة" ثم تبغضها بنظرات حانقة وتقول بسخريةٍ:
- أشك.
أسرعت "سكون" تلتفت إلى "نجلا" وقبل أن تتكلم وجدت "عثمان" يصيح هادرًا من شدة الغضب:
- اطلعي برا يا نجلا إنتِ واللي معاكِ دا؟؟ ولو فاكرة إنه هيحميكِ مني تبقي غلبانة.. كل حلقة كسرتيها في سلسلة استقرار عيلتي هبكيكِ عليها دم.
ابتسمت ابتسامة مستخفة لم تصل إلى عينيها ورددت باستنكارٍ:
- استقرار عيلتك على حساب استباحة أعراض ومشاعر الناس؟؟.. لسه بِجح وفاكر إن مفيش أقوى منك بس خلاص عصر ظُلمك انتهى بولادة نجلا جديدة ودا وقتي يعني أنا اللي هبكيك دم على موت أبويا المقهور وطلاقي وخطف بنتي وفراق عيالي.. أنا عندي ما يكفي من أسباب علشان امحي اسم مجرم زيك من الوجود.
ابتسمت "سكون" بمرارة من بين بكائها وهي توجه إليه سؤالًا يحوم حول عقله طوال الوقت:
- مش فاهمة.. رفضت إزاي تعترف بيَّا وبعدين خطفتني؟؟ خوفت مثلًا على اسمك يتربط باسم خدامة؟؟؟
كانت الدموع تنسكب بغزارة من عيني "نبيلة" التي لن تستطع الكلام على الإطلاق وكل ما عليها أن تنظر إلى زوجها في دهشةٍ، كان "عثمان" يرمقها بنظرات ثاقبة بينما تكلمت "نجلا" وهي ترفع أحد حاجبيها وتردد بلهجة ثابتة:
- لأ.. بس معنديش مانع أقول لك أنا السبب الحقيقي.
التفتت بتروٍ نحو البقية تنظر إلى أعينهم الجاحظة في صدمةٍ وكأنهم ضيعوا طريق الكلام في هذه اللحظات، ثم عادت مرة أخرى تنظر إلى "عثمان" في صمتٍ بينما سألتها "سكون" متوجسةً:
- أيه السبب الحقيقي!!
تعمقت نظراتها داخل عينيه قبل أن تقول بصوت متروٍ بطيء:
- أقول يا عثمان؟؟
كان ينظر إليها بعينين حادتين ولكنها شعرت بارتباكه وتغير ملامحه التي أصبحت أقل حدةً ليقول بلهجة شديدة:
- نجلا بقول لك اطلعي برا!!
اِفتر ثغرها عن ابتسامة مستمتعة بتوتره قبل أن تقول بثباتٍ:
- جبان.
استمتعت "نجلا" كثيرًا وخف الغليل المتراكم في قلبها درجة واحدة فقط، أكد ببجاحة بأنها والدة "سكون" الحقيقية وبهذا يكون قد أكد على كُل ما ارتكبه من آثام نحوها، شعرت ببعض الارتياح من اعترافه وكذلك قَبول ابنتها لها بسرعة كبيرة فقد عرفت عن "سكون" اللين والرحمة؛ فلا تقبل أن تجور على حقوق الناس أو تتغافل عن الظُلم الواقع عليهم، شعرت بانتماء هذه الفتاة لها حينما عادت إلى حياة عثمان من جديد وأجرت أبحاث مُفصلة عن حياته وأعمار أبنائه وطباعهم ليتسلل الشك إلى قلبها بشأن هذه الفتاة التي عرفت عنها القوة والكبرياء!
- خلينا نمشي يا ماكسيم.
تشدقت بها "نجلا" في حزمٍ وهي ترمقه "عثمان" شزرًا قبل أن تستدير وتتجه صوب بوابة القصر فيما تبعها "ماكسيم" في ثباتٍ، الفتت "سكون" تنظر إلى "نبيلة" بعينين دامعتين قبل أن تتابع بصوت مخنوقٍ:
- إنتِ ليه مش بتتكلمي؟؟ إنتِ كُنت عارفة كل دا وموافقة عليه؟؟؟
هزَّت "نبيلة" رأسها إيجابًا دون أن تنطق، تجهمت معالم وجه الأخيرة بغضب كبيرٍ قبل أن تستدير ثم تهرع للحاق بـ "نجلا" ليصيح فيها "عثمان" بصوت جهوريٍ مُحذرٍ:
- سكون.. إنتِ رايحة فين؟!!
التفتت برأسها نحوه قبل أن تردف بتمرُدٍ وغضبٍ شديدٍ:
- رايحة ورا أمي!!
صرخ بحدةٍ يحذرها:
- لو خرجتي من باب القصر اوعي ترجعي له تاني لأني هعتبرك ميتة.
سكون بنظرات فاترة ترد:
- مش كفاية بُعد عنها لحد كدا؟؟ على العموم اتطمن واعتبرني ميتة.
هرعت مجرد أن أنهت كلامها، توجهت خلف "نجلا" وما أن خرجت من بوابة القصر الخارجية حتى وجدتها تستقر داخل سيارتها وتستعد للمغادرة فهرولت صوبها ثم وقفت أمام النافذة بعينين تلمعان بالدمعٍ، تبادلت "نجلا" نظرات عميقة ومؤثرة معها قبل أن تفتح زجاج النافذة ثم تقول بصوت مخنوقٍ:
- يمكن تكوني زعلانة على أبوكِ لأنك في النهاية بنته، بس بالنسبة لي هو ولا حاجة وعُمري ما هغفر له فراقك عني.. إنتِ كدا عرفتي الحقيقة كاملة والاختيار يرجع لك.
تكلمت "سكون" فورًا حالما افضت الأخيرة ما في جوفها؛ فقالت بنبرة مهزومة:
- أنا جاية معاكِ.
اهتز قلب "نجلا" فجأة، كيف لعبارة بسيطة أن تُحيي فيها كُل شيءٍ، صور بريق لامع في عينيها قبل أن تفتح باب السيارة لها في سعادة طغت على صفحة وجهها، استدارت ثم صعدت "سكون" بجوار والدتها بينما ظل "ماكسيم" واقفًا بسيارته خلف سيارة "نجلا" ينتظر رحيلها أولًا للاطمئنان على سلامتها.
انطلقت بالسيارة فورًا وداخلها يرقص فرحًا بينما خارجها بقى هادئًا مؤازرة لمشاعرٍ ابنتها المتأذية من ذلك الوغد، تنفست "سكون" بعُمقٍ قبل أن تلتفت بعينيها إلى والدتها ثم تقول بصوت خافتٍ:
- طبعًا إنتِ دلوقتي بتسألي نفسك إزاي بالسهولة دي تقبلت حقيقة إنك أُمي؟!!!
ابتسمت "نجلا" ابتسامة هادئة قبل أن ترد:
- لأ مش بسأل نفسي يا سكون عارفة ليه؟؟ لأن اللي مريت بيه يستحق إنك تتقبليني عليه ولأن شخصيتك ما هي إلا امتداد ليَّا؛ لا تحبي الظُلم ولا أكل حق الناس وطبعًا أنا متفهمة إن قبولك ليا عبارة عن سبب تنصريني بيه على أذى عثمان ليه وأسف منك على اللي عمله!!
سكتت هنيهة ثم أضافت بصوت مهزوزٍ:
- عارفة إني عُمري ما هتحب زيّ أي أُم طبيعية لأن الظروف والدنيا أجبرتني أخلف بس مع إنها لو ادتني فُرصة كُنت هبقى أُم يتحلف بيَّا، أُم والله كافحت كتير علشان تأكل عيالها وتبعد عنهم الجوع والموت.
ذرفت دمعة من جانب عينها بينما بقى وجهها ثابتًا لم يخشع متأثرًا بآلام لن ترحل عنها لطالما تمتلك ذاكرة من حديد، تنهدت "سكون" تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن تقول باختناقٍ يسيطر على حلقها:
- أنا أوقات كتير بكون مُمتنة لنفسي؛ نفسي اللي رافضة الظُلم والقهر؛ نفسي اللي لا يمكن تكون في مكان مش مرغوبة فيه أو تتشارك نَفَس واحد مع شخص ظالم.. علشان كدا كان غصب عني طول الوقت بحاول أرسم لبابا صورة حلوة لأني خوفت.. خوفت ما أقدرش أقف قصاده وأواجهه بعيوبه.. تغاضيت عن أخطائه في حق اخواتي علشان بس أفضل بحبه وصورته ما تتهزش في نظري.. قولت أهي عيوب بسيطة وإحنا في الآخر أولاده بس مطلعتش عيوب بسيطة أبدًا.
نجلا وهي تردد بملامح مكفهرة:
- عثمان أقذر مما تتخيلي ودي مش الجريمة الأولى له ولا حتى الفيديو اللي شوفتيه.. شايف أرواح الناس زي البهايم اللي بيدبحها في مصنعه.. سهلة وميتبكيش عليها.
أطرقت "سكون" برأسها قبل أن تردد باكيةً:
- بس مش قادرة أتخطى فكرة إنه أبويا.. مش قادرة أكرهه.. مش قادرة ما أخافش عليه.. نفسي يفهم إن الأذى بيترد والدنيا بتدور.. قلبي موجوع عليه لأنه في غفلة.
تنفست "نجلا" بقوة قبل أن تتابع بهدوءٍ وصوت متراخي:
- لو بتقولي لي الكلام دا علشان أتراجع عن قراري في إني أحبسه وأفضحه تبقي شريكة في جرايمه يا سكون.. لو سامحتي في سنين عُمرك اللي ضاعت وإنتِ مخدوعة في حضن واحدة مثلت دور أمك فأنا مش هسامح لأن أنا ملقيتش اللي يعوض أمومتي عنك ولا عن إخواتك.
في هذه اللحظة توقفت "نجلا" فجأة بالسيارة ثم ابتسمت ابتسامة بسيطة في وجه ابنتها وقالت بهدوءٍ ولين:
- أنا حكيت لك قصتي.. حاربت علشان أوصل لك.. كشفت لك كل الحقيقة.. شاركتك أوجاعي على أمل إنك تحسي بلهفتي عليكِ وعلى أمل أن الزمن يعوضني كُل السنين دي ويقر عيني بيكِ وبأختك وكُنت أتمنى لو يحيى كان عايش.. أنا راضية أعيش معاكم يوم واحد لو هموت بعده بس أعيشه وأسمع كلمة "أُمي" وعارفة إن دا شبه مُستحيل وأنا دلوقتي فاهمة تخبطك وهحترم رغبتك في وقوفك جنب أبوكِ بس من فضلك وإنتِ واقفة جنبه وبتدافعي عنه افتكري إن في روح خصيمه له ليوم الدين.. روح سرق منها كل حاجة.. سرق شرفها.. أيامها.. أحلامها.. سرق شبابها حتى عيالها سرق ومخلاش.. بكاها وسابها للمصير ينهش فيها والذكريات تاكل من روحها.
نظرت صوب الباب وقالت بغِصَّة مُرةٍ:
- تقدري تكوني جنب أبوكِ دلوقتي يا سكون لأن الجاي شديد عليه.
أجهشت "سكون" بالبكاء في هذه اللحظة وارتفع أنينها ثم التفتت تنظر إلى الأخيرة لبضع ثوانٍ قبل أن تندفع إليها ترتمي إلى حضنها وتتشبث بوِسطها بكلا ذراعيها، بادلتها "نجلا" العناق وهي تسحب نفسًا طويلًا مرتاحًا إلى صدرها فبدت كالتي ترتوي من بعد ظمأ، بدأت تمسح برفقٍ على خصلات شعرها وهي تردد باكيةً منهارةً:
- عارفة إني كُنت هسميكِ أشجان؟؟ تعبيرًا عن أحزاني ساعتها.
ابتسمت "سكون" برقةٍ من بين بكائها وهي تقول بصوت مضطرب خافت:
- لأ.. كدا الحمد لله إني اتخطفت.
انطلقت ضحكة منهزمة من فمٍ "نجلا" وكذلك "سكون" التي أغلقت عينيها تستمتع بقُربها ولا تنكر أن هذا الحُضن يختلف عن حُضن نبيلة، حتى المشاعر والأنفاس هنا مُختلفة؛ بها من الطمأنينة والشغف ما لم تشعر به من قبل بقُرب الأخيرة، تذكرت "سكون" تلك العبارة التي قالتها أثناء مواجهتها بالداخل، فتنهدت بقوة قبل أن تقول وما تزال مستقرةً بين ذراعي نجلا:
- بما إنك صارحتيني بكُل حاجة فأنتِ نسيتي تقولي لي سبب خطف بابا ليا بعد ما كان رافضني؟؟
رمقتها "نجلا" بطرف عينيها قبل أن تقول بابتسامة يغلفها الانبهار:
- صدقيني إحنا مش محتاجين "دي إن أيه" علشان أعرف إنك بنتي، الطبع يغلب أي تحليل والله.. عَنيدة وشوافة.
هكذا مرَّ شريط الساعة الأخيرة من توقد الأحداث أمام عينيها حينما ظهرت من خلف الحائط ووقفت بقامة راسخة أمام "وَميض" التي ركزت ببصرها عليها قبل أن تسقط بين ذراعي زوجها مُغشيةً عليها، ارتجفت أطراف "نجلا" ما أن رأت غياب وعيها وكذلك "سكون" التي جحظت عيناها في صدمةٍ بينما أسرع "تليد" بحملها فورًا قبل أن يتجه بها واضعًا إياها على الأريكة ثم هرول فورًا إلى غرفة نومهما ليعود وفي يده قنينة عِطره، تكلم بصوت مخنوق أجشٍ وهو يرفع رأس زوجته على ذراعه:
- المفروض كُنتِ تسأليني يا سكون قبل ما تقرري من دماغك، مش كُل الناس يقدروا يواجهوا الحقايق بنفس ثباتك، كان لازم ترجع لي!!
جلست "سكون" على رُكبتيها أمام الأريكة تتشبث بكف "وَميض" بينما فتح "تليد" غطاء القنينة وسكب منها القليل على باطن كفه ثم قربه من أنفها يجبرها على اشتمام الرائحة ليعود وعيها إليها ثم توجه ببصره إلى "نجلا" التي تفرك كفيها معًا في توترٍ وقال بصوت رخيمٍ:
- واضح إنك ما فهمتيش كلامي يا نجلا؟؟؟ قولت لك وَميض مش عندها أي بوادر مسامحة ليكِ ومش بالسهل عليها تظهري قدامها!!
عاد ببصره إلى زوجته مرة أخرى وبقلبٍ مُلتاعٍ بدأ يضرب وِجنتها برفقٍ وصوت مُرتابٍ:
- وَميض!!!
بدأت أهدابها تتحرك ببُطء فالتقط أنفاسها بمثابرةٍ ثم رفع رأسها إلى صدره وقال بلهجة لينة:
- سمعاني!!
بدأت تفتح عينيها تدريجيًا ثم نظرت صوب عينيه مُباشرةً في صمتٍ مُريبٍ بينما تكلمت عيناها بدلًا عن فمها فانسكبت دموع غزيرة من عينيها على ذراعه، التاع قلبه ألمًا وحُزنًا عليها فيما تكلمت "سكون" بنبرة ملتاعة آسفة:
- أنا آسفة.. أنا مكنتش عايزاها تتوجع.. كنت شايفة إن معرفتها بالحقيقة بدري أفضل من التمادي في الكذب.. مكنتش عايزاها تعيش اللي أنا حاسة بيه دلوقتي!!
ابتلعت "نجلا" غِصَّة مريرة في حلقها وهي تقترب منهم أكثر ثم تقول بصوت مُضطربٍ:
- وَميض.. حاولي تسمعيني يا بنتي حتى لو هتيجي على نفسك شوية!!
اتقدت أنفاس "وَميض" ما أن سمعت صوتها وأسرعت تدفن وجهها في صدره تخبره بهذه الطريقة رفضها التام الاستماع، أطرقت "نجلا" في خجلٍ قبل أن تتفهم رغبتها في الصمت:
- سامحيني يا بنتي!!
ابتعدت مُسرعةً من بين ذراعيه قبل أن تلتفت إلى "نجلا" ثم تصرخ في وجهها بانهيارٍ:
- أنا مش بنتك.. متقوليش يا بنتي.. أنا ماليش أُم .. عيشت طول عُمري فاكرة إن ليا أُم بس اتفاجئت إني اتولدت من رحم البحر.. لكن إنتِ معرفكيش ومش عايزة أعرفك.
انهارت "نجلا" تبكي بقهرٍ ينقطع له نياط القلوب عاجزةً منكسرةً أمام ابنتيها لتردف بانهزامٍ:
- بس إنتِ كدا بتكسريني يا وَميض.. إنتِ حتى مش قادرة ولا بتحاولي تسمعي أسبابي!!.. طيب على الأقل سامحيني!!
رمقتها "وَميض" بنظرات نارية قبل أن تصرخ بأعلى صوت لديها والذي على إثره جاء الجميع تقريبًا وعلى رأسهم الشيخ سليمان:
- لو بينك وبين الجنة ذنبي مش هسامحك ولا هقبل بيكِ في حياتي، غدرتي بيَّا فإزاي ببجاحة طالبة غفراني؟؟
التفتت مُسرعةً إلى زوجها ثم توسلت إليه بشهقات مرتفعة:
- خليها تمشي يا تليد.. مش عايزة أشوفها قدامي.. وجع الدنيا كُله في قلبي منها.. غدرت بيَّا.
أوشكت أن تفقد عقلها تمامًا، قامت بملامسة خديه ثم ترجته باستجداءٍ وانهيارٍ:
- إنتَ قولت لي إنها غدرت بيَّا.. غدرت بينا.. كان ليا أخ مش كدا؟؟ مات بسببها صح؟؟ مات وسابني وحيدة طول السنين دي، طب كانت سابتني في حُضنه ومشيت، كان هياخد باله مني وكُانت الدنيا هتعلمنا وهسند عليه ونكمل.. استكترت حياتنا علينا واستكترته عليا.. مين الأم اللي مهما كان دافعها ترمي عيالها في البحر؟؟ دي جبروت مش أُم.
ارتجف قلب "نجلا" من فرط الوجع الذي طالها من كلمات "وَميض"، أغمضت عينيها ووضعت كفيها على أذنيها في قهرٍ قبل أن تحاوط "سكون" وِجنتي شقيقتها يكفيها ثم تتابع باستجداءٍ:
- علشان خاطري يا وَميض اهدي؟؟ حقك عليا.. حقك عليا أنا!
نهضت واقفةً في مكانها ثم بدأت تُقبل رأس شقيقتها برفقٍ بينما صرخت "وَميض" بقهرٍ وهي تدفن وجهها في صدر زوجها الذي اشتعل غضبًا ولكنه تجرعه حتى لا تشتعل الأجواء أكثر من ذلك وهنا أبصرت "نجلا" الشيخ الذي يقف صامتًا بجوار الباب بعد أن أصبح لديه علمًا بخبايا الأمور وعلنها؛ فاستنتجت "نجلا" ذلك من صمته المهيب لتهرول مائلةً على كفه ثم تحاول تقبيله وهي تتوسل إليه قهرًا:
- علشان خاطري يا شيخ سليمان قول لها تسامحني؟ كلامها دابحني والله كلامها دابحني!!
تراجع الشيخ بضع خطوات قبل أن يتابع بصوت هادئ يحثها فيه على النهوض:
- استغفر الله.. قومي يا بنتي.. كُل أزمة بمشيئة الله محلولة.
كانتا "رابعة" و "مُهرة" تقفان بجوار الشيخ ولا تفهمان ما يجري أبدًا ورفض "نوح" الدخول خشيةً أن يكون ثمة ما لا يجب رؤيته ورغم قلقه الشديد على صديقه مما يجري معه نتيجة الصراخ الذي طال أذنيه إلا أنه قرر البقاء بالخارج، نظرت "رابعة" إلى المائدة بحسرةٍ فقد كانت "وَميض" في أوج سعادتها بقضاء عشاء متألقٍ مع زوجها ولكنها الآن في دنيا غير الدنيا لا تكف عن الصراخ والعويل وبقيت مُتشبثة بأحضان زوجها كأنما أُلقيت طمأنينة الدنيا أجمع بين ذراعيه، أخذت تهمس بحروف لا تُفهم وقد شعرت بالإعياء الشديد وهالة من السخونة تحيط عينيها فأغلقتها باستسلام.
نظر "تليد" إليهم جميعًا ثم قال بصوت رخيمٍ حادٍ:
- بعد إذنك يا بويا.. ممكن تطلب منهم يسيبوني مع مراتي لوحدنا؟؟؟
تنهدت "سكون" تنهيدة ممدودة بعُمقٍ ورغم أنها متأكدة بأنها فعلت الصواب إلا أنها شاعرةً الآن بالندم؛ فكان عليها أن ترجع إليه أولًا ولكن ما عرفته في السيارة عن والدها جعلها تفقد اتزانها تمامًا وتهرع إلى شقيقتها خوفًا عليها أن يمس قلبها تلك النيران التي التهمت روحها.
مالت على شقيقتها تُقبلها قُبلة أخيرة قبل أن تتابع بغِصَّة واختناقٍ:
- خلي بالك منها وصدقني دا كان لازم يحصل.
أنهت حديثها ثم اندفعت تخرج من الشقة وفي طريقها للخروج من المزرعة بأكملها؛ التفت "تليد" إلى "مُهرة" ثم تابع بأنفاسٍ مُشتعلةٍ:
- مُهرة بعد إذنك بلغي نوح يروح وراها فورًا ويتأكد إنها وصلت بالسلامة.
مُهرة وهي تومىء ثم تقول بقلقٍ:
- واضح فعلًا إنها مش كويسة!.
أسرعت "مُهرة" خارج الشقة تبلغ زوجها بالرسالة بينما التفت "سليمان" إلى "نجلا" وقال بلهجة لينة:
- تعالي يا بنتي نتكلم شوية!!
أومأت فورًا ثم التفتت تنظر في كسرةٍ إلى تلك الغائبة عن وعيها وبعدها تحركت هي ورابعة خلف الشيخ، فُرغت الشقة من الجميع فأراح "تليد" رأسها على الوسادة قبل أن يندفع غضبًا صوب الباب ثم يصفقه بقوة، رفع كفيه يقبض بهما على رأسه قبل أن يعود إلى زوجته التائهة مرة ثانية ليميل عليها قليلًا ثم يقول بلوعةٍ:
- وَميض.. أنا مش عايز منك غير شوية قوة.. بالله عليكِ ما توجعي قلبي أكتر من كدا!!
أيقظت كلماته وَعيها فأسرعت تجهش بالبكاء ثم بذراعيها ضمت ساقيها إلى صدرها تتقوس على نفسها هربًا مما تعيشه؛ لم يتحمل استسلامها وانهزامها بهذه الطريقة فأسرع يحتضنها بقوة وهو يقول بثباتٍ:
- مش إنتِ بتثقي فيَّا؟؟
أومأت من بين بكائها، بدأ يُبعد خصلاتها عن وجهها ثم يربت بحُنوٍ على وِجنتها ويقول:
- طيب قولي لي أيه الطريقة اللي بتخفف وجعك ونعملها؟؟
لم يجد منها ردًا فالتاع قلبه أكثر، وبارتيابٍ بدأ يمسح على خصلات شعرها ثم يتساءل بتوجسٍ:
- طيب حاسة بأيه؟؟ سمعاني كويس؟؟
أومأت مرة أخرى، تنهد تنهيدة ساخنة قبل أن يقف في مكانه ثم يحملها فورًا بين ذراعيه ويتجه بها إلى السرير، قام بالجلوس عليه ووضعها بين ساقيه لتستند برأسها على صدره ثم التقط المصحف وفتح دفتيه ثم وضعه أمامه خوفًا أن ينسى ما حفظه منه عن ظهر قلبٍ في موقفٍ صعبٍ كهذه اللحظة ثم بدأ يقرأ بعذوبة بعض آيات القرآن وهو يضع كفه على جبينها ثم يحركه من حين إلى آخر برفقٍ، بقى يقرأ على مسامعها لوقتٍ طويلٍ علها تجد راحتها بين هذه الحروف الثرية ويحارب القرآن أوجاعها بسيف قوته، ظلت صامتةً لفترة ثم وجدها تبكي بمرارة بينما رجفة جسدها أخذت في الهدوء إلى أن توقفت عن البكاء وسكنت تمامًا وغطت في سُباتٍ من التعب.
خشي خسارتها وأرعبه سكونها هذا، فأسرع يبتعد من خلفها حتى تمدد جسدها براحةٍ ثم مال مرتابًا يقترب من أنفها يتحسس من خلاله انتظام وتيرة نَفسها الذي يستجيب في لحظات الألم ببُطء وحينما تأكد من كونها بخير قبل جبينها وصار يتأملها بعينين أضناهما رؤية ضعفها وقد كانت قبل قليل شُعلة من الحماس والأمل.
هرولت "سكون" في الشوارع كالمجنونةٍ بينما بقيت عيناه عليها كما أوصاه صديقه، انهمرت دموعها بلا توقفٍ تسقط معها كُل الخيبات والهزائم التي تعرضت لها في فترة وجيزة، سارت هائمة على وجهها لا تدري لمن تلجأ ومن تشتكي أوجاعها التي لا تستطيع امرأة عجوز تحمُلها وأثقال لا يستطيع رجل عتيد حملها، هرولت صوب الجسر فارتعب "نوح" أن تفعل ما جاء إلى عقله، اندفع مهرولًا وقبل أن يصل إليها وجدها تحرر صرخة عميقة كان لوقع صداها على أذنيه رهبة كبيرة وعلم بذلك أن هذه الصغيرة ثارت حمم بركانها وفقدت السيطرة على كبت المزيد، تنهد بقوةٍ قبل أن يقول بثبات رغم تأثره:
- أنا مش عارف لحد دلوقتي أيه اللي بيحصل بس أنا مع إنك تصرخي.
التفتت مفزوعةً خلفها قبل أن تجهش باكيةً عند رؤيته ثم تقول بمرارةٍ:
- كُل حياتي عبارة عن كذبة.. مفيش فيها حقيقة واحدة غير إخواتي.
نوح وهو يبتسم برفقٍ ويقول:
- ود ا كفاية صدقيني.. خذلان الدنيا والأيام والناس يهون طول ما في إخوات يداووا.
سكون تبكي بمرارة:
- بس أنا كُنت عايزة حياة بسيطة.. أب وأم وأخوات.. ليه مش عارفة أعيش زيّ أي بنت في سني؟؟.. بس أنا بشكر ربنا.. بشكر ربنا إنهم إخواتي فعلًا وإلا كُنت اتجننت.. بس عارف.. أنا خايفة أوي.. خايفة أصحى في يوم اكتشف إن هم كمان مش إخواتي!!
حاول "نوح" الربت على قلبها بما استطاع قوله رغم عدم إحاطته علمًا بِمَ يجري، هدأت أنفاسها قليلًا قبل أن تقول بابتسامة فاترة:
- نوح أنا بشكرك إنك عايز تخففي عني بس من فضلك ارجع.. لو تليد خايف أعمل في نفسي حاجة فطمنه أنا أكبر من أي وجه.. محتاجة أكون لوحدي!!
أخبرته "نجلا" أن يأتي بسيارته ويُسرع خلفها مُجتهدًا في العثور عليها قبل أن يصيبها مكروه، انطلق "كاسب" بسيارته بجنونٍ يجوب الطرقات والشوارع بحثًا عنها وما أن أبصرها تقف بعيدًا وثمة رجل يقترب منها حتى خفق قلبه فزعًا وحمل غضبه مُهرولًا يعبر الطريق إليها دون أن ينظر على جانبيه حتى فقد استبد خوفه عليها منه وأفقده صوابه ليصرخ بصوت جهوريٍ:
- سكون!!!!!!
اندفع بكُل ما أوتي من قوةٍ نحو "نوح" وما أن قبض على كتفه من الخلف وهمَّ يرفع قبضته كي يلكمه ظنًا منه بأنه تعرض لها ولكنه توقف فورًا حينما أبصر "نوح" الذي نظر إليه في ذهولٍ قبل أن يتراجع "كاسب" على الفور وهو يردد بكلمات مُضطربة:
- كُنت فاكرك حد بيتعرض لها!
أومأ "نوح" الذي لمس صعوبة الأمر والذي بدا أوعر مما يتخيل ثم أسرع بالربت على كتف "كاسب" وقال بهدوءٍ:
- هي دلوقتي أمانة عندك.
ألقى كلماته ثم غادر على الفور في حين بقيت "سكون" تنظر إليه نظرات ثاقبة حادة بينما تكلم "كاسب" وهو يقترب أكثر منها:
- سكون.. أنا كُنت هعترف لك!!
صرخت في وجهه بقوةٍ ثم بدأت تضرب صدره بكلتا قبضتيها منهارةً:
- وليه ما أعترفتش؟؟ كُنت مستني أيه؟؟
ظلت تضربه بغليلٍ وقوةٍ بينما بقى راسخًا أمامها لا يتحرك، يراقب بكائها بانكسارٍ فلا تعرف هي كيف يحول بكائها أيامه إلى رماد خلفه البركان الذي فاض على جانبيه.. لا تعلم كيف ينهزم خائرًا أمام دمعها وهو الذي يموت قتيلًا على الانتصار في دروب حياته البائسة التي خلت من الروح والسعادة حتى جاءت هي.
لم يتحمل رؤية دموعها أكثر من ذلك فقبض على كفيها ثم أجبرها على الاستدارة وبقوة ضمها من الخلف وراح يُقبل جانب رأسها مُردفًا بحسرةٍ:
- مش عايز أشوف دموعك.
سكون وهي تتهدج من فرط البكاء:
- وأنا مش عايزة أشوفك تاني يا كاسب.. مش هتشوف دموعي تاني لأنك مش هتلمحني قَدرًا أصلًا.
همس بخفوتٍ بجانب أذنها وقال بعزيمة فتاكةٍ:
- هعاند القدر وهتكوني ليَّا.. هتكوني ليَّا حتى لو بتعاندي قلبي وقاصدة توجعيني.. هحارب علشانك.. أنا اللي طول عمري بحارب علشان أعيش وباخد حقي من عين الدنيا مش هعرف أحارب علشان تكوني نصيبي؟؟؟
قبل جانب رأسها مرة أخرى وهمس باشتياقٍ لها رغم قربها ولوعةٍ:
- أنا قتيل عليكِ.
ابتلعت غِصَّة مريرة في حلقها وقالت:
- كاسب.. سيبني عايزة أمشي؟؟
رد بلوعةٍ أكلت جدران قلبه وأذابت حمم مشاعره:
- خليكِ قريبة من قلبي.. داويني.. ما أنا مش هتساب مجنون.. عقلي وقلبي معاكِ.. أنا دلوقتي من غيرك فاضي.
صمت لوهلةٍ ثم أضاف بصوت مخنوقٍ:
- أنا ذنبي أيه؟؟ أيه اللي بتعاقبيني عليه؟؟
ارتفع صوت بكائها وهي تقول بقهرٍ:
- ذنبك إنك حبيتني يا كاسب.. أنا الحُزن اللي جوايا الوقت عُمره ما هيعالجه وخيبة الأمل اللي دوقتها على إيديكم كلكم مستحيل أنساها.. إزاي فرطت فيَّا يا كاسب.. إزاي بتقول حبيتني وكُنت بتبص في عني وإنتَ كذاب.. إنتَ دخلت حياتي علشان تدمرني وتدمره.. يعني لو مكُنتش حبيتني كُنت استحليت أذيتي وأنا ماليش ذنب في الليلة دي كلها غير إني بنت عثمان السروجي.. عثمان السروجي اللي بقى نُقطة سودا في حياتي.
صرخت بما استطاعت من قوة وهي تقول:
- مش مسامحاك يا كاسب ومش مسامحاكم كلكم.
في هذه اللحظة، قطع نحيبها صوت رنين هاتفها فالتقطته من جيب معطفها ثم نظرت إلى شاشته بيأسٍ قبل أن تُقرر الرد بينما بقى هو متشبثًا بها يدفن وجهه في عُنقها:
- أنا كويسة يا شروق.. أنا كويسة حبيبتي ما تقلقيش عليا؟؟
أجابت بنبرة تصنعت فيها الثبات والمتانة حينما سألتها شقيقتها بفزعٍ عن حالها، لم تقتنع "شروق" بجوابها فتابعت بنبرة باكية:
- طيب قولي لي إنتِ فين وأنا عِمران نيجي ناخدك؟؟
تنفست "سكون" بقوةٍ قبل أن ترد:
- شروق.. إنتِ هتوحشيني.. خلي بالك من نفسك.
زوت "شروق" ما بين عينيها وهي تلمح كلامًا يائسًا يحمل الوداع بين طياته فخفق قلبها بقوةٍ وهتفت:
- سكون؟؟ إنتِ ليه بتقولي كدا؟؟ علشان خاطري قولي إنتِ فين وهنتقابل ونتكلم!!
سكون وهي تحرر زفرة عميقة من داخل صدرها وتقول دون مواربة:
- شروق أنا محتاجة أسيب الدنيا دي كلها وأبعد.. صدقيني لو تعافيت هرجع.. بحبك أوي.
لم تنتظر رد الأخيرة وأسرعت بإنهاء المكالمة وإغلاق الهاتف نهائيًا؛ فالأمر ما عاد يحتمل الجدال أو المواجهة فقد نفدت أطنان الصبر والسلوان داخلها.
ذُهل "كاسب" من كلامها مع شقيقتها فترك عناقها ثم استدار يقف أمامها ويقول بلهجة سادرة:
- هنبعد سوى مش كدا؟؟
أومأت في ثباتٍ وهي تنظر مُباشرةً داخل عينيه:
- هبعد لوحدي يا كاسب ويمكن ما أرجعش، فُرصة نتداوى بالأيام من مشاعرنا المستحيلة لبعض.
كان يحدق فيها متجمدًا صامتًا قد ضل طريقه للكلام تمامًا وغرق متطلعًا بإمعان داخل عينيها ثم ردد بنبرة متحشرجة:
- أنا ممكن أديكِ فُرصة تكوني فيها مع نفسك يا سكون.. يمكن تعيدي حساباتك وتوصلي لأني ماليش ذنب.. أنا بس كان نفسي أكون جنبك وأساندك ونتخطى الأزمة دي سوى.. بس تمام؟؟ حابة تروحي فين وأنا هوصلك بنفسي بشرط أكون عارف كل تحركات والمكان اللي هتقعدي فيه وتليفونك يتفتح طول الوقت!!
لم يطاوعه قلبه أن يتركها وحدها ولكنها عنيدة لن ترضخ لكلامه ولن تأتي شدته معها بأية ثمار؛ فهي امرأة شديدة البأس صلبة، أومأت بعد لحظاتٍ من التفكير فالتقط كفيها وقبلهما في لوعةٍ تعبر عن اشتياقه المُسبق إليها.
ضمها "عِمران" إلى صدره بعد أن تشنجت فرائصها وانفجرت باكيةً من توديع شقيقتها لها، انهمرت دموعها بلا هوادة بينما ظل زوجها يمسح على ظهرها بمشاعرٍ مُتأذيةٍ وحتى الآن مازالت الصدمة تتملكه تمامًا، كيف فعل حماه ذلك؟؟ كيف يستبيح سرقة صغيرة من بين أحضان والدتها مُبررًا أُبوته لها ثم يضعها في أحضان أُخرى كي تمنحها الرعاية والأمومة بدلًا عن الأم الحقيقية لها؛ فمهما اشتعل وطيس الحرب بينهما وبلغ ذروته لا يجرؤ أحد على انتزاع روح خرجت من روح بالقوة!!
دعك عينيه بباطن كفه قبل أن يواسيها بكلمات خافتة:
- شروق لازم تكوني أهدا من كدا.. إنتِ عارفة إنها ما تقدرش تبعد عنكم ومجرد شوية وقت محتاجاهم وهترجع تاني!
شروق وهي تومىء برأسها سلبًا وترد بصوت مُتهدجٍ:
- لأ.. أنا عُمري ما شوفت سكون بالحالة دي من الضعف والاستسلام.. أختي في حاجة اتكسرت جواها!
صمتت تبتلع ريقها ثم تابعت:
- أنا خايفة عليها أوي.. خايفة عليها حتى من نفسها.
كان "عُمر" يستمع إلى حديثها مقهورًا وهو يضع رأسه بين كفيه من شدة الألم الذي اجتاح كل ذرة بجسده؛ بل رأسه بالتحديد، صمت ولم يتفاعل مع كلام شقيقته وفي نفسه بعض الطمأنينة على شقيقته حينما طلب مساعدة "كاسب" وتأكد من بقائه معها كيلا تؤذي نفسها.
“على الجانب الآخر”.
- لازم تلاقي حل يا عثمان.. أنا بنتي بتروح مني.. أنا خسرت سكون!!
صرخت بانهيارٍ وهي تقف أمامه ثم تهزه بقوةٍ بينما يقف أمامها صلبًا يشتعل داخله اشتعالًا ويزيده بسحب تبغ سيجارته إلى صدره وطرده بزفير هائجٍ إلى أن قال بحزمٍ:
- مش الكُل عرف الحقيقة؟؟ بردو مفيش حاجة هتتغير، بنتي ورفضت أربيها مع خدامة واختارت لها حياة أسرية مُرفهة وسعيدة وأنا حر فيها، هتزعل شوية بس هترجع تاني وكل حاجة هتعود لمجراها.
توقفت "نبيلة" عن هزه تنظر إلى ثباته في دهشةٍ قبل أن تقول بانفعالٍ ناقمٍ:
- إنتَ السبب في كُل اللي إحنا فيه دلوقتي لأنك مش بتشبع.
حدق فيها بنظرات قوية قبل أن يتفوه بتحذيرٍ من بين أسنانه المطبقة:
- اوعي تنسي إنك كُنت موافقة على كُل اللي حصل يا نبيلة.. اوعي في لحظة تنسي إني عملت كل دا علشانك!!
صرخت ببُغض وثورة:
- مكنتش أعرف إن الزمن هيدور ونقابلها تاني.. ظهرت لنا من أنهي داهية دي.. أرجوك يا عثمان اوعي تسمح لها تدمر حياتي وبيتي وعيلتي!!
عثمان وهو يتنهد تنهيدة ممدودة بعُمقٍ ويرد بوعيدٍ أثناء التفاته إلى النافذة:
- قبل ما تفكر تعمل دا هكون قضيت على الباقي منها.
أسرعت "نبيلة" تقبض على ذراعه ثم تحثه على الالتفات إليها وهي تقول بانهيارٍ:
- كلم سكون دلوقتي.. كلمها وقول لها ترجع.. مينفعش تكون موجودة مع الست دي في مكان واحد!!
أومأ بعد أن نفخ بقوةٍ يستسلم لرغبتها وصحة حديثها حول بقاء ابنته برفقة هذه المرأة التي وبالتأكيد لن تتوقف عند هذه النقطة بل ستأتي إليه بالمزيد فما رآه من قوة في عينيها جعلته يتوقع وتيرة أيامه القادمة جيدًا!.
بدأ يجمع المائدة التي بقيت على حالها من بعد هذه الفوضى وعيناه لا تفارق تفقدها من حين إلى آخر، التقط الأطباق وأعادهم إلى الحوض بعد أن أفرغ ما بهم داخل القدر ثم غطاه، عاد للمائدة وجمع كُل ما عليها ونظف المكان بأكمله وشعور الصمت والفراغ اللذين خلفتهما من لحظة نومها يأكلان لهفته عليها، أنهى ما يفعل قبل أن يتحرك مرة أخرى صوبها يتفقد وتيرة أنفاسها للمرة التي لم يحصر عددها، قرب أذنه من أنفها يطمأن لانتظام وتصاعد خفة نَفسها حتى بقى جامدًا يتأملها في صمتٍ ورغبة مُلحة داخله تطلب منه أن يوقظها ولكنه نفض هذه الفكرة عن رأسه وهو يهزها يمينًا ويسارًا قبل أن يخرج من الغرفة على الفور.
في هذه اللحظة، سمع رنين هاتفه فأسرع صوب الطاولة يلتقطه ليجده صديقه وما أن أجابه حتى طلب منه أن ينزل للأسفل للتحدث قليلًا مع والده، مشى "تليد" بخطوات حذرة وخرج من الشقة بعد أن وارب بابها دون أن يغلقه ثم هبط للطابق الأول حيث يعيش والده برفقة نوح.
- تعالى يا عِز الناس.. تعالى يابني!.
ربت الشيخ على طرف الأريكة بجانبه يحث ابنه على التقدم منه والجلوس إلى جواره، فعل "تليد" مُلقيًا بنفسه على الأريكة في إجهاد بينما تابع "نوح" بهدوءٍ:
- أنا هعمل شاي.
أومأ "سليمان" مُمتنًا قبل أن يلتفت إلى ابنه ثم يربت على ساقه قائلًا بمواساة:
- اوعى تحزن يابني.. إن شاء الله هتكون كويسة.. إنتَ لازم تمدها بالقوة وتدعمها.. انسى أي خلاف بينك وبين نجلا!
صمت لثوانٍ ثم أردف بمشاعرٍ مُتضررةٍ من فُرقة أُم وابنتها فتبدوان غريبتان عن بعضهما البعض؛ وكأنما لم تُولد من رحمها:
- حنن قلب مراتك على أُمها يابني.. اسعى في الخير واجمع قلب أم مكلومة ببنتها.. انتزع من قلبك ضغينة رؤيتك ليها وهي بترميها.. إنتَ لا عيشت ظروفها ولا مُعاناتها.. إحنا يابني مش جزارين بنسن سكاكيننا على رقاب وأفعال الناس إحنا أهل خير ودعوة.
ترك "تليد" تصنعه الصلابة جانبًا وهو يميل للأمام قليلًا ثم يضع وجهه بين كفيه مرددًا بإنهاكٍ:
- مش قادر أسامح في حقها زيّ ما هي بالظبط مش قادرة تسامح في حق نفسها.. أنا مش عارف أعمل أيه لو وَميض اكتشفت إني كُنت عارف؟؟ أكيد هتتوجع أكتر!
جاء "نوح" يحمل الصينية بين يديه ثم وضعها على الطاولة أمامهما قبل أن يلتقط من صديقه طرف الحديث وهو يقول في ثباتٍ:
- بس إنتَ سكتت علشان كُنت بتحاول تمهد لها الموضوع مش كدا؟؟؟
تليد وهو ينفخ باختناقٍ:
- وهم ما شاء الله دمروا كُل حاجة.. دمروا كُل اللي قعدت أبنيه جواها.. وأهي عبارة عن جسم نايم هربان بعقله ومشاعره من الواقع.. أنا متأذي وأنا شايفها كدا.
أومأ الشيخ بتفهم قبل أن يقول بلهجة لينة:
- وأنا مُقدر خوفك عليا وعلى سلامتها.. بس مهما عملت نجلا فهي أُمها.. لازم تسامح يابني.. النبي كان من صفاته المسامحة وربنا جل علاه يغفر ويسامح.. صفة التسامح موجودة في فِطرتنا التي فطرنا الله عليها.. الغريب بيسامح الغريب.. معقول البنت مش هتسامح أمها؟؟
تليد وهو يتنهد تنهيدة طويلة ثم يقول:
- بس صعب عليها تتقبلها بالسهولة دي.. تسامح واحدة راجعة بعد أكتر من عشرين سنة تطالب بحقها فيها كأُم؟؟
تنحنح "نوح" وقال بثباتٍ:
- تليد حاول تلغي غضبك منها.. حاول تدعمها بكلمات تزيل غضبها ناحية نجلا.. ساعدها تتقبلها والوقت مش مهم.. الأهم إن النتيجة تكون فعالة.
مسح "تليد" غُرة رأسه قبل أن يتنهد مرددًا باستسلام:
- هحاول.. خير إن شاء الله.
استقر بسيارته حيث الميناء كما طلبت منه أن يفعل بالضبط، وَدت أن تذهب وحدها في رحلة عبر البحر لاستنشاق بعض نسمات الهواء العليل التي قد تشفيها من سقمها وتُجدد روحها المُستهلكة، ورغم رغبته الجارفة في منعها قرر ألا يفعل وأن يمنحها بعض الخصوصية في ترتيب أولويات حياتها والعودة أقوى من السابق، كور "كاسب" قبضة يده في ارتباكٍ وبارتيابٍ حيث يُخبره قلبه بأن ثمة أمر غير مُريح خامدًا أسفل هذه الرحلة ولكنه حتى النهاية لا يريد سوى كسب ثقتها وحُبهما مرة أخرى وهذه الرغبة لن تأتي بفرض قوته وسيطرته.
بقيت ساكنةً في مكانها تنظر من خلال زجاج النافذة المُغلق بينما يصوب هو ناظريه بها يُمعن النظر فيها طويلًا يُحاول جاهدًا أن يُشبع قلبه من رؤية ملامحها الملائكية شبعًا يُعينه على قضاء هذين اليومين بدونها، فقد أخبرته أنها بحاجة إلى يومين فحسب ووافق هو على مضضٍ.
-أشوفك على خير.
استدارت بعينيها إليه، رأى ضياءً مُشعًا ينبعث من حدقتيها وبدا له رغبتها في البُكاء، أسرع بإحاطة رأسها بكفيه ثم قرب جبينها إليه حتى التصقت بجبينه قبل أن يسلط نظراته عليها ويقول بلهفةٍ وجزعٍ:
-يومين بس.. يومين بس يا سكون!!
سقطت دموعها فورًا ثم أومأت دون أن تنبس ببنت شفةٍ ليتركها تترجل من السيارة مُسرعةً صوب السفينة التي أوشكت على مغادرة الميناء، وما أن سارت خطوتين حتى التفتت تنظر إليه من جديد بدموعٍ ساخنة ونظرات يرى فيهما صورة لفراق دائمٍ!!!.. خفق قلبه بين ضلعيه بقوةٍ فأسرع مُترجلًا من السيارة يهرع خلفها ولكنها صعدت فورًا على متن السفينة التي تحركت عقب ذلك مُباشرة، مدَّ ذراعه يلمسها فلم تكُن المسافة بينهما كبيرة ففعلت هي أيضًا حتى تشابكت أصابعهما معًا قبل أن يفرقها امتداد المسافة وتوسعها، أحس بغِصَّة مريرة تنهال لكمًا في منتصف قلبه ولكنه ثابر وصبر وارتضى فراقها الصغير لتشكيل بداية جديدة لا فراق بعدها، ولكنه لا يعلم أن الفراق الصغير ما هو إلا بداية النهاية في احتضار حبهما.
التقطت "سكون" هاتفها من جيب سترتها ثم نظرت داخل عينيه مُباشرة قبل أن تمد ذراعها ثم تُفلت الهاتف من بين يدها ليسقط فورًا في المياه وسط نظراته المحدقة في صدمةٍ بها!!!
رواية رحماء بينهم الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم علياء شعبان
ارتقبت وِدكِ رغم الملامة..
أخبروني ألا أُهرول خلف السراب وألا أُسرف في الهوى..
ارتقبت عودتكِ لأيام فمتى؟؟
لم يبرح الميناء. انقضى على غيابها سبعة أيام، بل مرُّوا على قلبه وكأنهم سبع سنوات. سرقت كل ما بداخله معها وأبقته فراغًا تمر الرياح والأعاصير عبره بلا شفقةٍ أو مُقاومةٍ منه. جلس خائب الأمل كحالٍ كل يومٍ. تمر الوجوه أمامه وتأتي غيرها، ولا يُبصره وجهها حتى الآن. كيف فعلت هذا بقلبه؟ كيف تركت اشتعال النيران داخله يتصاعد رغم علمها بأن نجاته في قربها؟ أخبرته أنها رحلة بحرية قصيرة خارج البلد، وستُخاطبه بكل الوسائل الممكنة، وستعود إليه بطاقة جديدة ليكملا السير معًا.
لم تفي بوعدها له، ولم ييأس هو من انتظارها وترقُب رؤية وجهها بين الوجوه التي تروح وتأتي عليه. كان يذهب إلى البيت حينما يحل الليل وتشتد لُجَّته، ثم يأتي في النهار ويمكث مُنتظرًا وعدها. وأحيانًا كان يبيت في مكانه؛ لتمر الأيام هكذا مؤلمة وقاسية.
لاحظ العاملون بالمكان تواجده اليومي بالمكان، وكيف تستقر الدموع في عينيه ولا يحررها، وكيف يبقى صامتًا في لوعةٍ ظهرت جليةً في نظراته المتلهفة لكُل سفينةٍ تستقر في الميناء، وكيف يهرول باحثًا عنها بين المسافرين القادمون من كُل حدبٍ وصوبٍ.
إنهُ اليوم السابع. جلس "كاسب" على الدِكة الخشبية بحسدٍ خائرٍ تمامًا. وضع رأسه بين كفيه حينما أبصر مغادرة السفينة قبل قليل، ولم يُبصر مجيء لأية سفينة قادمة. تنهد تنهيدة مُستعرة لا ينطفأ لهيبها منذ أيامٍ رغم ما يتحلى به من رباطة جأش، قبل أن يجد كفًا يمتد ضاغطًا برفقٍ على كتفه. رفع "كاسب" بصره فوجد "عُمر" يقف بكرسيه أمامه، وصفحة وجهه لا تقل يأسًا ولا حُزنًا عن الأخير، الذي قال بصوتٍ مُتحشرجٍ مُنهكٍ:
- جيت ليه تاني يا عُمر؟؟ قولت لك أنا كويس!!
تنفس "عُمر" بقوةٍ قبل أن يتابع بصوتٍ مخنوقٍ:
- لأ إنتَ مش كويس يا كاسب وأنا لازم أكون جنبك!
عاد "كاسب" يطرق برأسه مرة أخرى قبل أن يقول الأخير بأنفاسٍ مُتقدةٍ من الفقد واللهفة:
- مشيت وأخدت معاها بهجتنا كُلنا، بس أنا متأكد إنها هترجع لنا قريب.. سكون مُستحيل تفارق حد بتحبه للأبد.. ممكن تاخد هُدنة بس مستحيل تفارق لأن روحنا ساكنة فيها.
رفع "كاسب" بصره إليه مرة ثانية، وقال بلهجةٍ تتأجج غضبًا:
- وأنا أيه كان ذنبي؟؟ كانت ممكن تهرب من الدنيا كلها فيا؟؟ كُنت هبقى لها الدوا والمُعين، كُنت هداويها بسرعة، بس هي شافت راحتها في البُعد، زيّ ما أكون بالنسبة لها شخصية خيالية في حلم وفاقت منه، والمفروض إني مكُنش موجود على أرض واقعها!!
سكت هنيهة ثم أضاف بقهرٍ:
- أنا عارف إنها هترجع علشانكم.. هتسامحكم كلكم.. بس مستحيل تسامحني لمجرد إنها تعاقبني.
مال "عُمر" إليه قليلًا ثم لصق جبهته بجبهة الأخير، وقال بعينين دامعتين:
- أوعدك لمَّا ترجع هقول لها إنكَ أعظم راجل بيحب في الدنيا، وإنها لازم ما تخسركش.. هانت اللقاء بيها قريب.
كاسب بزفيرٍ مختنقٍ:
- امتى؟؟ تعبت.
عُمر وهو يتدبر ابتسامة خافتة على شفتيه رغم حُزنه الشديد:
- قاوم مشاعرك شوية واستحمل، وأول ما ترجع عاتبها ولومها على كل لحظة ألم وفقد دوقتها لك، بس صدقني هي مستحيل تأذي حد عن قصد.. سكون كانت محتاجة تبعد وإلا هتنفجر.
تنهد "كاسب" تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن يردد مستقيم الظهر في ثباتٍ:
- هستناها ولو هستنى هنا العُمر كله، بس مش هتكون مع أو لحد غيري.. ولازم تسامحني ونتجوز ونخلف عيال حلوين وعِناديين زيها!!
اتسعت ابتسامة "عُمر" تأثرًا بأحلامٍ ينسجها عقل هذا العاشق الوله والمُبحر في أمنياته عنها ومعها. وهنا استكمل "كاسب" بكلماتٍ مُصرة وحاسمةٍ:
- ممكن أتنازل عن رغبتي فيها.. عن أحلامي وأمانيا معاها.. ممكن أتغاضى عن مشاعري الواقعة فيها.. عارف.. أنا موافق تبعد عني وأكون نقطة سودا في صفحة من ماضيها كمان.. موافق تكون مع واحد تاني ومش معايا.. بس لازم أشوف بعيني تضحيات منه أكتر من اللي أنا قدمتها لها.. غير كدا.. أنا أولى بيها وقتيل عليها.
عُمر متنفسًا بقوةٍ ومُجيبًا بدعمٍ:
- صدقني هي لا بتحب ولا عايزة غيرك، لأنها مُتأكدة إنك مُستحيل تتكرر في حياتها تاني.. اديها بس شوية وقت!!
دقق "كاسب" النظر داخل عيني "عُمر" ثم قال بلهجةٍ ثابتةٍ:
- اوعى يا عُمر يكون سبب ثباتك الانفعالي دا إن سكون بتتواصل معايا ومخبي عليَّا؟؟ عُمر أنا مش عايز أكتر من إني اتطمن عليها؟؟؟
أومأ الأخير مُسرعًا في نفي وقال:
- لأ خالص.. أنا زيّ زيك يا كاسب.. مستني أي خبر عنها بفارغ الصبر.
أومأ الأخير في ثباتٍ وشرد بعينيه يتفقد قدوم أية سفينة ربما تحمل أخبارًا عنها.
- إنتِ هتفضلي قاعدة في الأوضة وقافلة على نفسك؟؟ أنا لسه ما مُتش!!
صرخ "عثمان" فيها بملامحٍ مُتأججةٍ وهو يفتح الباب على مصراعيه ثم ينطلق صوبها مُندفعًا من شدة الغيظ. أشاحت "نبيلة" بوجهها بعيدًا عنه تنظر صوب النافذة ولا تنبس ببنت شفةٍ حتى وقف أمامها مُباشرة ثم أردف بلهجةٍ حادةٍ:
- نبيلة.. أنا بكلمك؟؟
أخرجت زفيرًا ساخنًا من بين فمها المزموم وقالت بحنقٍ:
- وأنا مش هتكلم يا عثمان لحد ما بنتي ترجع لحضني.. سكون بنتي أنا مش بنتها هي!!
مسح على غُرة رأسه بعصبيةٍ مفرطةٍ قبل أن يصيح مُحتدًا بالغضب:
- بقول لك سكون خارج حدود مصر دلوقتي في رحلة بحرية للبحر المتوسط والله أعلم هتروح بعد كدا لفين!!
نبيلة وهي تحدق فيه بعينين ناريتين:
- يعني أيه؟؟ مش هشوفها تاني؟؟ بنتي راحت مني؟؟ أنا سهرت وربيت وتعبت علشان يسندوني في عجزي وأنا عجوزة مش علشان يفارقوني!!
نهضت تقف على ركبتيها أعلى الفراش قبل أن تكيل له ضربًا يائسًا في منتصف صدره وتقول بانهيارٍ:
- أنا خايفة أكون وحيدة.. طول عُمري خوفي إني أكون وحيدة لمَّا أكبر زيّ الشبح بيراودني في نومي وحتي وأنا صاحية يا عثمان.. أنا خايفة من الوحدة أوي؟؟ علشان خاطري اتصرف وسيطر على الوضع؟؟؟
ارتفعت شهقاتها ثم أجهشت مُنهارةً خائرةً القوى:
- إنتِ اديتني أمل بيهم.. حلفت لي إني مش هكون في يوم وحيدة وإنتَ لازم توفي بوعدك يا عثمان.. اوعى تسمح بأكتر من اللي حصل لأني مش هقدر على أكتر من كدا.. مش هقدر أشوفهم بيروحوا مني واحد ورا التاني!!!
عثمان وهو يقبض على كفيها ويقول بوعدٍ وصلابةٍ:
- مفيش حد فيهم هيروح منك.. اللي حصل مع سكون هيتداوى مع الوقت ومفيش حد هياخد حد منك.. إنتِ الأحق بيهم.
نبيلة وهي تنظر بخوفٍ داخل عينيه وتقول:
- ولو ظهر شخص تاني ياخد حد فيهم مني؟؟ ولو انكشفت أسرارنا؟؟ أنا كدا هعيش وحيدة؟؟ كلهم هيروحوا مني!!
اعتلى الغضب صفحة وجهه وأخذ يهزها بقوةٍ ويصيح في وجهها:
- مفيش حاجة هتنكشف.. إنتِ أُمهم.. لملمي نفسك بسرعة يا نبيلة قبل ما ريحة خوفك توصل لهم.. مش لازم حد منهم يعرف إنك مش الأُم الحقيقية.
نبيلة وهي تذرف دموعًا تسيل بغزارةٍ:
- بس أنا اللي سهرت على راحتهم وربيت وكبرت وعلمت.. يعني ليا حق فيهم.. مش كدا يا عثمان؟؟
أومأ صامتًا وهو يجذبها إليه ثم يضغط على أنيابه غيظًا ويتوعد في نفسه بانتقامٍ ساحقٍ من نجلا التي قلبت موازين حياته وسرقت طمأنينة حياته مع زوجته وأولاده وأثارت الذعر في قلب زوجته التي خشيت طوال عُمرها أن تهرم وحيدة بلا ذرية تسندها. لقد تدمرت تمامًا حينما أخبرها الطبيب بأنها امرأة عاقر وفكرة إنجابها درب من المستحيل. تلقيها الخبر بإصرار على المحاولة وظلا يحاولان الإنجاب بشتى الطرق والوسائل، فكانت تتابع حالتها مع أكثر من طبيبٍ ثم خضعت لأكثر من عملية حقن مجهري وفشلت جميعها. سعيا لسنوات تعيسة حتى بات الأكل يتلاشى مع مرور السنين واضطربت حالة "نبيلة" النفسية وتدمر جسدها وصارت روحها مُتهالكة حتى كاد يفقدها ليُقرر في هذه اللحظة أن يقتل اليأس فيها ويأتي إليها بما تاقت إليه نفسها يومًا. وسعى فيما سعى ودمر حيوات من دمر بدمٍ باردٍ حتى ألقى بين ذراعيها ثلاثة أطفال من صُلبه وقال بانتصارٍ أحياها من بعد موتٍ: "مَنْ هُم مِن صُلبي أبنائكِ للأبد".
بَكَت وقتها من فرط الفرحة كأنه سرقها من قاع بحرٍ قبل أن تفقد قدرتها على التنفس. ألقاهم في حِجرها لإشباعٍ غريزة أمومتها التي تلهفت مرارًا وتألمت في جميع أُمسياتها من شدة الفقد. أرادها أن تتقابل وحلم الأمومة على طريقته الخاصة فتشبع ما تتوق إليه نفسها، ناسيًا أنه خَلفَ وراءه أرواحًا تعاني مفارقة أبنائها.. خَلفَ وراءه أمًا تتجرع مرارة الفقد والقسوة رغبةً في إشباع غريزة امرأة لم يكتب الله لها أن تعيش حلم رؤية ذرية رحمها قائمة أمام عينيها. اعتنت بهم "نبيلة" بكل ما تكنه من مشاعر جارفةٍ ولم تسأله كيف ومِن أين أتى بهم؟؟ فلا فرق عندها وكان الأهم بالنسبة لها أن تعيش حلمها. فبدأت مخاوفها تتلاشى برؤيتهم يكبرون أمام عينيها وأصواتهم تملأ المكان حولها وكلمة أمي تُرضي غريزتها وتُشبعها حتى صار الأمر عاديًا مع الأيام حينما ضمنت وجودهم في حياتها للأبد.
جمعت المائدة بهمَّة فاترة وملامح ذابلة فقدت رونها الذي أُعيد إليها قبل أيام حينما اعترفت بالحقيقة وتشاركتها مع ابنتها كاملة ولم تعد تحتفظ بها بين جنبات قلبها. ولكن سرعان ما غابت روحها عنها مرة أخرى حينما ذهبت "سكون" بعيدًا ورفضت "وَميض" الاعتراف بها أو تقبُلها حتى. ألقت بالأواني داخل الحوض وهي تزفر زفرة طويلة وحانقة، وشعور الوحدة ينغص أيامها بعدما تسلل إليه رائحة الأمل في اجتماع أبنائها.
تحركت متباطئة صوب غرفة المعيشة، وما أن دخلت وجلست على الأريكة حتى التقطت هاتفها وظلت تنظر بإمعان إلى الفيديو الذي اختارته كي تقوم بنشره عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. وقبل أن تضغط على زر النشر قامت بمشاهدته مرة أخيرة، وابتسامة مُتشفية تعتلي ثغرها قبل أن تنقر "نشر". حدقت في شريط تحميل الفيديو حتى اكتمل رفعه على الصفحة، وما هي إلا ثوانٍ حتى جاءها تفاعل رهيب ينهال على الفيديو من حيث لا تعلم. وبدأ الجميع يتشاركونه ما بين مصدوم وناقم. كان الفيديو يخص "عثمان السروجي" في مصنعه وحواره مع أحد العمال حول استخدام حيوان ميت وبيعه للمُستهلك في الخفاء.
بدأ الهجوم على الشركة في التصاعد، فرقص قلبها فرحًا حينما بدأ الجميع يتساءل عن ناشر الفيديو الذي يتخفى وراء حساب مُزيف. لم يكُن يهمها معرفة الجميع بها، بل يهمها أن تكون أول من يأتي إلى عقل "عثمان" حينما يسمع بهذه الكارثة. لحظات وبدأت ملايين الرسائل تُبعثُ إليها من قِبل الصحافة والإعلاميين وبعض رجال الشرطة يتساءلون حول صحة الفيديو، فكانت ترد بأن هناك المزيد في جُعبتها.
ألقت الهاتف جانبًا ثم بدأت تتنفس بقوةٍ ومشاعر انتقامها منه تتشبع رويدًا رويدًا. فقد أقسمت على جعله يتجرع من كأس سنواتها الضائعة المريرة يتجرع حتى يفقد ما بقى من اتزانه، فتبدأ في ركله بشراسة في مواضع قوته حتى تقضي عليه تمامًا.
قطع نشوة انتصارها في هذه اللحظة رنين هاتفها، فأسرعت تجيب بابتسامةٍ عريضةٍ:
- أيوة أنا.
جاءها صوتهُ يقول بلهجةٍ ثابتةٍ:
- ومن قبل ما اسألك.. عمومًا كُنت عارف إن إنتِ اللي نشرتي الفيديو يا نجلا.
نجلا بابتسامة ظافرةٍ:
- بس أيه رأيك في التفاعل؟؟ مش مصدقة إنه انتشر بالسرعة والسهولة دي ومن غير مجهود مني.
ماكسيم وتو يُجيبها بوفرةٍ طويلةٍ:
- عثمان لو عرف إنه إنتِ مش هيسكت.. هيحاول يأذيكِ بأي شكل.. دا خنزير.
تكلمت "نجلا" بقوةٍ جامحةٍ وتابعت بثباتٍ:
- أنا عايزاه يتأكد أن أنا اللي سربت الفيديو دا ويحاول يهددني أو ياخد خطوة خبيثة معايا علشان تكون دليل للعالم كله على وساخته ونهايته اللي قربت.
تنهد "ماكسيم" وتابع بصلابةٍ:
- يبقى إنتِ من النهاردة مش هينفع تكوني لوحدك يا نجلا.
نجلا بابتسامة هادئة ترد:
- شوف أيه اللي يريحك علشان تكون متطمن عليَّا وأنا معاك.
تابع "ماكسيم" بحسمٍ:
- هزود الحراسة على قصر حمدي وعلى بيتك التاني وهكون زيّ ضلك والمكان اللي هتروحيه رجلي هتسبقك عليه.
نجلا دون مجادلةٍ:
- عُلم ويُنفذ.. ها؟؟ حاجة تاني؟؟
ماكسيم بتنهيدةٍ قويةٍ:
- حاليًا لأ وربنا يستر.
- يا عُمر علشان خاطري لو سكون بتكلمك قول لي؟؟ أنا قلبي واكلني عليها؟؟ عايزة أعرف بس إنها كويسة وبخير؟؟
أردفت "شروق" باكيةً وهي تتحدث إلى أخيها عَبر الهاتف تترجاهُ أن يوافيها بأية معلومة قد يعرفها عنها وإن كانت على تواصل معه فعلًا ويخفي هذا؛ فهي لو استطاعت أن تنعزل عن العالم بأكمله لا تطيق الابتعاد عن عُمر ولو لثانيةٍ حتى أن ثباته الانفعالي في غيابها مُثيرًا للشكوك، فكان يجدر به الآن أن يجلس وَحيدًا يرثي رحيلها وهي التي تمده بالقوة كُل صُبحٍ جديدٍ.
تنهد "عُمر" تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن يقول بثباتٍ:
- شروق حبيبتي.. أنا ما أعرفش عن سكون حاجة بس صدقيني هي هترجع لنا بالسلامة وقريب جدًا.
نفخت بقوةٍ تطرد حُزنها الدفين من داخلها قبل أن تقول:
- مُتأكد يا عُمر؟؟ مُتأكد إن سكون كويسة وهترجع لنا بالسلامة.
جاءها صوتهُ يقول في صلابةٍ:
- خليكِ واثقة في كلام أخوكِ وحاولي تهدي يا شروق.. أيام وهتعدي فلازم نستحمل كل صعوباتها.
ابتلعت "شروق" غِصَّة مريرة في حلقها قبل أن تقول بصوتٍ مُتحشرجٍ:
- تمام.
أغلقت المكالمة معه قبل أن ترمي الهاتف من يدها ثم تضم ساقيها إلى صدرها وتضع رأسها بإنهاكِ على ركبتيها تئن في حُزنٍ وقهرٍ. وما هي إلا لحظات حتى دخل "عِمر" الغرفة يحمل بين يديه صينية الطعام ويقول بعتابٍ:
- معقول يا شروق.. لحد دلوقتي ما قُومتيش من مكانك ولا غسلتي وشك!!
أجابته بصوتٍ مُنهكٍ دون أن ترفع رأسها المحني:
- معنديش طاقة يا عِمران صدقني ومش جعانة خالص.
أومأ برأسه يمينًا ويسارًا في اعتراضٍ وهو يضع الصينية على الفراش ثم يتجه صوبها ويبدأ في مسك ذراعها وجذبها برفقٍ للنهوض عن الفراش. تنهدت بضيقٍ قبل أن تقول بانفعالٍ خفيفٍ:
- عِمران ما تضغطش عليا بعد إذنك.. أنا حقيقي مش قادرة غير إني أفضل في السرير.
زوى "عِمران" ما بين عينيه قبل أن يترك ذراعها ثم يجلس أمامها مُباشرة ويضع وجهها بين كفيه قائلًا في حُبٍ:
- شروق.. اللي بيحصل في بيت أهلك مش بإيدك ولا بإيدي.. حاولي تقاومي حُزنك على أختك.. سكون هترجع بس محتاجة تستعيد طاقتها وبعد إذنك افصلي ما بين الأمور!!
شروق وهي تجهش باكيةً منهارةً:
- بس أنا حلمت إنك خونتني وخلفت بنوتة من واحدة تانية؟؟ الواقع والأحلام الاتنين ضدي.
افتر ثغر "عِمران" عن ابتسامة هادئة قبل أن يقول بلينٍ:
- حبيبتي.. قولتي بنفسك إنه حلم.. ليه مُصرة تفرضيه علينا واقع؟؟!
شروق وهي تتنهد في محاولةٍ يائسةٍ لطرد انفعالاتها:
- آسفة.. بس الضغط المرة دي جاي لي من كل اتجاه.
عِمران وهو يجذبها إليه ويضمها باحتواءٍ:
- يبقى نفعل خاصية المقاومة ونتغلب عليه.
أومأت في صمتٍ قبل أن يراودها سؤال آخر:
- عِمران.. إنتَ هتفضل تحبني رغم كُل حاجة مش كدا؟؟ أنا حطيت ثقتي كلها قدامك وبنيت أحلامي عليك!
عِمران وهو يقبل مقدمة رأسها ويقول بتماسكٍ وهدوءٍ:
- ربنا ما يخيب أملي فيكِ ولا يخيب أملك فيَّا. ويمدنا بزاد ثقتنا في بعض دايمًا.
ارتشفت "سهير" من كوبٍ الشاي القابع بين يدها رشفة وراء الأخرى في حالة من الصمتٍ التامٍ حينما ذهبت لرؤية ابنتها التي تمتنع عن الرد عليهم وانقطعت أخبارها عنهما تمامًا؛ فقرر "علَّام" الذي التاع قلبه خوفًا عليها أن يذهب إلى المزرعة ويتفقد حالها وما الذي يجري معها حتى غابت أخبارها عنه لمدة أسبوع كامل.
كانت "وَميض" تستقر بين ذراعي "علَّام" في حالة من السكن والاسترخاء، بينما بقى هو شاردًا مصدومًا فيما سمع. هل "سكون" هي ابنة عثمان الذي رفض الاعتراف بها منذ سنوات طويلة؟ هي نفسها الفتاة التي جاءت من اعتداء عثمان عليها بالقوة، وكيف حدث هذا قَدرًا واُكتشف أن "وَميض" هي الأخرى ابنة نجلا الكُبرى؟ لقد كان يعلم أن "نجلا" لديها من زوجها السابق طفلة رضيعة وطفل، ولكنه لم يرهما من قبل. كاد أن يُجن من توالي الأحداث بهذه الطريقة وكشفها تباعًا، بل ويفصل بين الحقيقة والأخرى ليس سوى أيامٍ.
باتت ملامح "وَميض" ذابلة لا حياة بها، مشاعرها خاملة وتفتقد لشغف الحياة. وكلما جاءت مواجهتها مع "نجلا" إلى عقلها تبكي بمرارةٍ وحسرةٍ. في هذه اللحظة أطبقت "سهير" على أنيابها في غيظٍ، فقد تقبلت فكرة معرفة "وَميض" بأنها ليست والدتها الحقيقية، ولكنها الآن تستشيط غضبًا وُحرقةً لأن الأم الحقيقية ظهرت في الوسط. ورغم اعتراف "وَميض" بمدى رفضها لنجلا، إلا أن "سهير" ترتعب خوفًا من ابتعاد "وَميض" عنها والالتفات إلى حياة جديدة مع والدتها الحقيقية. كان "تليد" يتحدث إلى هاتفه بالشُرفة. تنحنحت "سهير" قبل أن تقول بغيظٍ مكتومٍ:
- اوعي تسامحيها يا وَميض اوعي.. الأم مش اللي بتخلف.. الأم اللي بتربي.. ودي واحدة جاحدة ومالهاش أمان.
قاطعها "تليد" وهو يقول متوجهًا بثباتٍ صوب زوجته:
- وإنتِ تعرفي أيه عن ظروفها يا مدام سهير؟؟ معلش يعني اللي إيده في المية مش زيّ اللي إيده في النار!!
تنحنحت "سهير" حرجًا قبل أن تضع الكوب بانزعاجٍ على الطاولة ثم ترد بغيظٍ:
- المفروض إنها ترميها في البحر وتسامحها، هو في ست ترمي عيالها مهما كان ظروفها؟؟
حدجها "تليد بنظرات ثاقبة قبل أن يقول بلهجةٍ حادةٍ:
- أمها يا مدام سهير.. أمها اللي خلفتها.. حقها عليها تسامحها.. مش كدا ولا أيه؟؟
التفت إلى "علَّام" وتساءل بثباتٍ:
- مش كدا ولا أيه يا عمي علَّام؟؟
أومأ الأخير متنهدًا بتماسكٍ وقال:
- كدا يابني.. عندك حق.
ربت "علَّام" على كتف ابنته قبل أن يتابع بهدوءٍ:
- نستأذن إحنا يا ابني.. خلي بالك منها وأنا هكلمها كل شوية اتطمن عليها.
أومأ "تليد" في هدوءٍ قبل أن يقبل جبين ابنته ثم ينهض من مكانه ثم يشير بيده لزوجته أن تنهض وتتحرك أمامه ففعلت على مضضٍ وداخلها يشتعل غيظًا وغضبًا. غادر علَّام وزوجته وأغلق "تليد" الباب خلفهما قبل أن يتحرك صوب زوجته ثم يجلس بجوارها ويقوم بجذبها بلينٍ إلى صدرها حينما أبصر دموعها تتساقط من عينيها ليقول بلهجةٍ ثابتةٍ:
- على فكرة إنتِ وَعدتيني إن مفيش عياط تاني، صح؟؟
أومأت إيجابًا وأسرعت تمحو عَبراتها وهي تقول بصوت خافتٍ مُتحشرجٍ:
- آسفة.. غصب عني.
تليد وهو يقبل جبينها ثم يقول ناهضًا في حسمٍ من مكانه:
- طيب أيه رأيك بقى إننا هندخل المطبخ ونعمل كيكة مع بعض.
تدبرت ابتسامة باهتة قبل أن يتجه "تليد" إلى الغرفة ثم يُحضر الكاميرا الخاصة به ويقوم بتثبيتها على عصاها أمام زوجته ثم فعَّلها وأستخدم تقنية التقاط الصورة المؤقت ليهرع إلى "وَميض" مرة ثانية ويقول بمرحٍ:
- تعالي ناخد صورة الأول.
أسرع بجذبها إلى أحضانه وقال مُسرعًا:
- نضحك بقى نضحك؟؟
تدبرت ابتسامة بسيطة فتذمر طالبّا إعادة الصورة وفعل ذلك ثم جذبها إليه مرة ثانية وطفق يقبل وِجنتها باستمتاعٍ فاتسعت ضحكتها أكثر وكانت هذه الصورة هي الأجمل في نظره على الإطلاق. نهض عن الأريكة مُمسكًا بكفها قبل أن يسير بها إلى المطبخ ثم يقول بحماسٍ:
- أنا نفسي في كيكة من إيد مراتي، ممكن؟؟
زمت "وَميض" شفتيها حُزنًا قبل أن تقول بأسفٍ:
- بس أنا مش بعرف أعملها؟!!
أحس بحُزن أكبر تسلل إلى نفسها نتيجة شعورها بتأنيب الضمير نحو عجزها عن تلبية رغبة لديه، فقام باحتواءٍ كفيها بقبضتيه ثم ضمها بقوةٍ إلى صدره وربت بحُبٍ على ظهرها بمشاعرٍ تجيش عشقًا لها وقال هائمًا:
- نعملها سوى.. عايز كيكة مصنوع بالحُب ومن إيد الحُب.
ابتسمت ابتسامة رقيقة واستكنت دون كلام بين ذراعيه لبعض الوقت قبل أن تتساءل في حُزنٍ وقلقٍ:
- تليد، هي سكون هترجع؟؟
تنهد بقوةٍ قبل أن يتابع مفتقدًا ابنة عمه المسكينة وملتاعًا من فرط القلق عليها:
- سكون في معية الله.. سألته سلامتها وأبويا كُل دقيقة يدعي ترجع لنا بالسلامة، وَحشتك؟!
عضت شفتها السُفلى قبل أن تُعبر دون مواربةٍ في اشتياقٍ:
- أوي.. مش عارفة إزاي ولا إمتى.. بس أنا سكون وَحشاني أوي!.
رفع رأسها قليلًا قبل أن يقبل جبينها ثم يقول بثباتٍ:
- هترجع.. هتعيشوا أيام حلوة سوى.. هتشبعي منها وهتشبع منك.
ابتعد عنها مُسرعًا قبل أن يتجه صوب الثلاجة ويتفقد ما بداخلها ثم يقول بحماسٍ كبيرٍ:
- عال أوي.. أعتقد كل مكونات الكيكة موجودة.
التقط هاتفه وقام بالبحث عن طريقة تحضير الكيك ثم جذبها إليه ليتشاركا معًا المعلومات ويبدأ وهي في التنفيذ.. كان يستمع إلى المكونات ويقوم بالتقاطها من الثلاجة وبعد ذلك أحضر قدر بلاستيكي ووضع الهاتف على الرخامة أمامه وقال متطلعًا إلى زوجته في سعادةٍ:
- اتفضلي يا ست البيت.. نفذي!
تقدمت "وَميض" صوب الرخامة ثم التقطت بيضة والتقط هو واحدة كذلك ليقرب البيضة التي تقبع بين يده من الأخرى التي تقبع بين يدها ثم يصدمان البيضتان معًا لتنكسرا.. ضغط "تليد" مسرعًا على البيضة فسقط ما بداخلها في القدر وتبقى القشر فاسترعى ذلك انتباهها فقالت في ذهول وتركيزٍ:
- إنتَ إزاي عملت كدا؟؟
تليد بابتسامة مُعتزًا بنفسه:
- لأ دا فن.
حاولت "وَميض" تقليده فسقطت القشرة بالقدر فزمت شفتيها متذمرةً ليضحك مستمتعًا بمرحٍ، ثم أسرعت تضع باقي المكونات وتبدأ في دمجهم معًا في اهتمامٍ ثم وضعت الدقيق عليهم وبدأت في مزجه مع باقي المكونات وما أن انتهت حتى ساعدها في وضع الخليط داخل الصينية ثم وضعها على الفور داخل الفرن وهو يقول مازحًا رافعًا يديه يدعو:
- يارب تنجح وإلا وَميض هتعيط وتغرقنا هنا!
كانت تجثو أمام الفرن على ركبتيها في ترقب فقام بالجلوس على ركبتيه مثلها ثم نظر حيث تنظر قبل أن يقول بضحكة مكتومة:
- إنتِ بتعملي أيه يا وَميض؟؟
وَميض ومازالت مسلطةً بصرها في منتصف الفرن:
- براقبها!
حدق فيها بعينين متسعتين وتساءل متوجسًا:
- بتراقبيها ليه؟؟ بتغش؟؟
انفلتت ضحكة عريضة من بين شفتيه قبل أن تلتفت إليه ثم تمط شفتيها وتقول بغيظٍ:
- أمال المفروض أعمل أيه؟؟
تليد وهو يقول بابتسامة عريضة:
- سيبي الناس في حالها يا شيخة.. المراقبة حرام.
نهض واقفًا في مكانه قبل أن يمد كفه لها فتتشبث به وتنهض أيضًا فيضمها بانسيابية بيت ذراعه ثم يقول بهدوءٍ:
- إحنا نشرب كوبايتين شاي لحد ما تخلص وبعدين نعمل كوبايتين شاي تاني نشربهم جنبها.
أسرع إلى الغلاية الكهربائية يجهز كوبين من الشاي ثم يمد يده لها بالكوب وبعد ذلك يلتقط كوبه ثم يستند إلى الرخامة ويقول بابتسامة هادئة:
- تعرفي إن حكاوي المطبخ دي مُريحة ولذيذة!!
وَميض وهي ترد بابتسامةٍ ناعمةٍ:
- بس كوباية الشاي مع شخص بنحبه أريح وألذ.
تقدمت أكثر منه ثم وقفت بجواره وأسندت ظهرها إلى الرخامة فقرر أن يترك كوبه قبل أن يحثها على ترك كوبها ليضع كفيه في وِسطها ثم يرفعها مُجلسًا إياها على الرخامة ثم يقول بمُداعبة:
- أنا كامل أوي بيكِ يا وَميض.. تعرفي دا؟!
تنهدت بعُمقٍ قبل أن تقول بخفوتٍ:
- لو أنا الجُزء اللي بيكملك فإنتَ المُحارب الباسل لأوجاعي.. أنا مُمتنة للأيام والقدر علشان جمعوني بيك.
أشار لها بكفه أن تقترب بوجهها منه؛ فمالت عليه قليلًا ليُقبل جبينها بعُمقٍ واستمتاعٍ. قام بالتقاط كوبه مرة أخرى قبل أن يسأل مهتمًا مترقبًا لجوابها:
- وَميض.. نجلا مش وِحشة.. الظروف قادرة تكسرك وتحطك تحت رجليها لو كُنت وحيد ومش لاقي اللي يقويك.. أحيان
رواية رحماء بينهم الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم علياء شعبان
"كُلما زادت شرارة اشتعال عشقي المُلتهب لها.. كُلما أتت بحفنة من التراب وألقتها على قلبي".
أخبروني تلك الليلة بأن العَجزَ صار حليفي للأبد وأن أيامي لن تفلح إلا بعون الجميع لي وأن ساقيَّ تم استبدالهما بشقيقتيَّ، كُنتُ المُتسبب الوحيد فيما تعرضتُ له لأنني أهوج نزق والطيش أسلوبي؛ هكذا قِيل لي عند سؤالي الجنوني "كيف فقدت قدرتي على السير؟" وأنا أُجاهد بلا قوة لتحريك قدميَّ.
أنا شابٌ قعيدٌ فقد قدرته على السير وفقد في هذه اللحظة كُل شيءٍ يدفعه للحياة؛ فتحول من طير رفراف لا تهدأ مساعيه وسعيه ومرحه إلى سجينٍ لازم كرسيًا لا يبرحه إلا وقت نومه، وكأن لفقدان ذاكرتي نفعًا يصطف في صالحهما؛ فمرحبًا باليأس ثم الخذلان لكُل الذين وضعنا جلَّ ثقتنا بهم وكانوا الأجدر بدعمنا ولكنهم لم يفعلوا وتركونا نعاني ويلات الألم وحدنا!
- صباح الفل يا سوسو؟؟
أردف "عُمر" بابتسامة مراوغة عريضة وهو يسير صوب "سهير" ثم يدغدغ خِصرها فانتفضت هي بضحكة وردت:
- صباح النور يا عُمر يابني.. خضيتني يا بني.
عُمر وهو يقترب أكثر منها ثم ينظر بشهية مفتوحةٍ إلى المائدة التي تعدها "سهير" ويقول مبتلعًا ريقه:
- عاملة فطار أيه بقى؟؟؟ أنا رجعت من الجيم امبارح كنت زي الغول اللي عايز ياكل الأخضر واليابس بس سيطرت على نفسي في الدقيقة الأخيرة.
كوَّرت "سهير" فمها وتساءلت متوجسةً:
- الدقيقة الأخيرة إزاي يعني؟؟؟
عُمر بضحكة متسعة:
- كنت قاطم حتة من ساندويتش برجر چامبو ولسه هكمل بس ربنا قدرني وسيبته على الرخامة هنا.. إلا هو فين بصحيح علشان أكمله.
مطت "سهير" شفتيها بامتعاضٍ وردت:
- رميته للقطط يا بني.. أنتَ هتاكل ساندويتش بايت مثلًا.. وبعدين أنا على حد علمي.. البرجر غلط مع الرياضة.. بالنهار بقى ولا بالليل مش هتفرق!
باغتها على فجأة يدغدغ خِصرها مرة أخرى وهو يقول ببسمة عابثة:
- بهزر معاكِ يسطى.. المهم وَميض فين؟؟ برن عليها علشان تيجي أذاكر لها شوية بس مش بترد!
تهللت أسارير وجهها حينما تذكر ابنتها وبدأت تلاحظ اهتمامه الشديد بالأخيرة ثم تلو شفتيها غيظًا من ابنتها التي لا تعتبره سوى شقيقٍ فحسب!
تنحنحت "سهير" وأردفت مرتجلةً من وحي رغبتها:
- تليفونها بعافية شوية وبيعلق وإنتَ عارف إني مش معايا أجيب لها غيره.. غير كدا هي سألت عليكِ امبارح بالليل وطول ما إحنا قاعدين بتتكلم عنك وبتجيب سيرتك بالخير.
أومأ "عمر" وتابع بابتسامة هادئة:
- عيني ليها.. بكرا يكون عندها تليفون جديد.
ابتسمت "سهير" له ابتسامة ممتنة قبل أن يبتعد خطوتين ثم يقول بتساؤل مُهتمٍ:
- أمال فين ست الحبايب؟؟؟
سهير وهي تلتفت إلى الطعام الذي بين يديها ثم ترد بهدوءٍ:
- مع عثمان بيه في المكتب وبقالهم نص ساعة.
أومأ "عُمر" ثم غادر مُسرعًا وصعد الدرج بخِفة ومرونة كبيرة، فكان يقفز من هنا وهناك ينثر بهجته في كُل مكانٍ، وصل باندفاعٍ إلى باب المكتب وقبل أن يطرقه تحولت بسمته الواسعة إلى ملامح متجهمة وسرت رجفة عنيفة في سائر جسده وجحظت عيناه في نتوء وصدمة حينما سمع صراخ والده في هذه اللحظة يقول مهتاجًا:
- قول لك مليون مرة يا نبيلة دول ولادي أنا وأنا المتحكم الوحيد في مستقبلهم واختياراتهم.. أنا أبوهم بس إنتِ مش أمهم.. ليه بتجبريني أجرحك بالحقيقة دي علشان بتدخلي في اللي ملكيش فيه؟؟؟
تهدجت نبرة صوتها وهي تصرخ فيه بحنقٍ:
- إنتَ بتعايرني علشان مش بخلف يا عثمان؟؟
عثمان وهو يهتف محتدًا بالغضب:
- لو عايز أعايرك كنت عايرتك من زمان يا نبيلة وقررت أتجوز عليكِ واحدة تانية أخلف منها وأجيبها تعيش معاكِ في القصر وخلاص بس إنتِ عارفة إني بحبك وقصة الحب اللي بينا مينفعش تنتهي علشان ما بتخلفيش وعارفة إن من أهم مميزاتك إنك بنت حسب ونسب ومكانتي الاجتماعية متسمحليش اتجوز واحدة أقل منك حسبًا ونسبًا.
شعر "عُمر" بدوار يجتاح رأسه بأكملها فسحب كفه عن مقبض الباب وتحرك مُبتعدًا مُتخبط الخطى يهبط الدرج مرة أخرى بينما يتمتم بتيه سيطر على أفكاره المبعثرة:
- إزاي؟؟؟
تجمدت أطرافه ولكنه أجبرها على السير فمشى بتثاقل ظهر جليًا في احتكاك قدميه بالأرض ولا تخرج من بين شفتيه سوى:
- إزاي؟؟ إزاي مش عيالها؟ أمال إحنا عيال مين؟؟
اتجه بخطوات مذبذبة صوب سيارته وما أن وصل إليها حتى صعد داخلها فورًا ثم فعلها لينطلق بها على الفور وهو يحك جبينه الذي أصابه ألمًا جارفًا كاد أن يفتك به، حرك ذراعه حركات عشوائية مبعثرة وهو يبحث عن شيء ما ليجده أخيرًا داخل درج السيارة وكأنما التقط روحه في اللحظة الأخيرة فترك المقود لثوانٍ ملتقطًا قداحته ثم أشعل بها السيجارة المستقرة بين شفتيه، رأى أن علاج ألمه يكمُن في هذه السيجارة الملفوفة وداخلها نوع من المُخدرٍ الفعال الذي يخدر مشاعره تمامًا ويبقيه يترنح بانسجامٍ ونشوةٍ، لقد اقترب من إتمام شهر كامل بلا مخدرات وكان هذا عهده لنفسه ولكنه ضعف في هذه اللحظة عن المقاومة وعاد إلى عادته السيئة مرة أخرى، كان "عثمان" يبغضه بشدة لعدم تحمله المسؤولية ورفضه استلام عمله بالمصنع والشركة وبقائه بلا فائدة يتناول الخمر والمخدرات، بدأت الرؤية تتشوش أمامه وأضحى الطريق غائمًا فأخذ يترنح بسيارته بين السيارات حتى خرجت إطارات السيارة عن مسارها وسارت صوب منحدرٍ عالٍ الارتفاع ليسقط بالسيارة في الحال، كان بقائه على قيد الحياة مُعجزة ولكنه تشبث وقاوم حتى نجح ولكنه نجاح يصاحبه عاهة دائمة ولو كان يعلم بها لما قاوم وتشبث حتى لا يكون عالة على أحدٍ وهو الذي كان يومًا ما يمتلك من القوة والكبرياء والمرح ما لا يمكنك نزعهم منه، وكان لُطفٌ الله بعبدٍ تاب توبة صادقة هي النجاة له فقبل شهر من الحادثة تحول تحولًا مبهرًا فقرر العمل كمدرب لإحدى الفرق الخاصة بكرة السلة وتوقف عن تناول كُلِّ شيءٍ في يؤخر تقدم خطواته وبدأ يستعيد قوامه الممشوق وبنيانه الراسخ.
سألت دمائه تجري من حوله وبأُعجوبة تم إسعافه ثم استعاد وَعيه وسط مُباركات ودموع الجميع إلا والده الذي سدد له طعنة مُميتة في منتصف قلبه حينما وقف مشحونًا يصيح مُنفعلًا:
- وإنتَ سليم كُنت ضدي ورافض تستلم مني المسؤولية وحشاش وكنت بقول مع الوقت كل دا هيتعالج بس راح أملي فيك راح بعد ما بقيت عاجز.
فتح "عُمر" عينيه على وِسعهما وهو ينظر إلى ساقيه ويجاهد بألم في تحريكهما ثم يصرخ غير مُصدقٍ في انهيارٍ:
- لأااااااااااااا.. رجلي!!!!
هرولت "سكون" إليه باكيةً لتحتضنه بقوة كي تؤازره في مصابه، كان قلبها يتصدع مع كل صرخة منه وتتدفق الدموع بغزارة من عينيها، فهرولت "شروق" إلى كفه تُقبل باطنه بمواساة وحُزن شديدين وبعد ذلك علموا بأنه فقد جزءًا من ذاكرته يخص اللحظات الأخيرة قبل الحادثة وبعض الأجزاء الأخرى من حياته، ربما أنكر ما سمع وقرر أن يركنه إلى قسم المخلفات بعقله حتى لا يتألم كلما تذكره.
"في الحاضر"
نفس المشهد يتكرر، انقلبت السيارة التي جاءت لنقله إلى البيت وصار عاليها سافلها، بينما بقى هو أسفل أنقاضها تسيل خيوط الدماء من كافة أنحاء جسمه وشريط ذكرياته تحديدًا الذي أنكرها وفقد قدرته على تذكرها يمر في لمح البصر أمام عينيه، بدأت أنفاسه تخفض تدريجيًا فبدا لا يُقاوم هذه المرة على الإطلاق، عادت ذاكرته إليه وعاد السؤال المصدوم من جديد يتردد على شفتيه الداميتين:
- إزاي؟؟
كان يغلق عينيه ويفتحها في استسلامٍ وصوته يئن ألمًا يتفاقم مع كل ثانية يعيشها أسفل هذه الأنقاض ولا يعلم تحديدًا إن كان هذا الألم منبعه الحادثة أم الذاكرة؟!
لحظات وبدأ يسمع أصوات من حوله ولكنه فقد الكثير من الدماء فغاب عن الوَعي فورًا.
نظر من مرآة السيارة بحرصٍ واهتمامٍ قبل أن يختار المكان المُناسب لصف سيارته، هدأ من سرعتها ثم أوقفها في نظامٍ بمكانها قبل أن يلتفت بملامحٍ مسرورةٍ إلى زوجته ويقول بحسمٍ:
- طلبتي نخرج نشم هوا.. إليكِ الكُرنيش يا ستي.. يعني الهوا كله وعم فرغلي وحُمص الشام.
تدبرت "وَميض" ابتسامة واهية لإبعاد انتباهه عن حالة الصدمة التي تعيشها.. صدمة يكسوها الغضب والغيظ.. تنحنحت في خفوتٍ وقالت:
- خلينا في العربية أحسن علشان محدش يضايقك من الناس ونفقد خصوصية اللحظة وتصوير ومدح ونقضي الليل كله كدا!!
اتسعت ضحكته قبل أن يرفع أحد حاجبيه ويقول بمكرٍ:
- دي غيرة تقريبًا!!
ذكرتها عِبارته بالصورة التي رفعها على صفحته قبل قليل، زوت ما بين عينيها قبل أن تلتفت بكُليتها إليه ثم تردد بحنقٍ:
- هو إنتَ مش شيخ؟؟
أومأ متوجسًا جديتها مترقبًا متابعة حديثها؛ فقالت من بين أسنانها المُطبقة:
- والناس اللي بتتابعك عارفة إنك شيخ!!!
أومأ مرة ثانية فاستكملت:
- والكل عارف إنك مش بس شيخ.. دا إنتَ شيخ ومتجوز كمان؟؟
صاح بانفعالٍ خفيفٍ:
- اخلصي.. خشي في الموضوع على طول.. مش هنقضيها إنتِ تسألي وأنا أهز دماغي!
التوى شدقها غيظًا وأردفت باختناقٍ:
- ليه بقى التعليقات السخيفة دي؟؟ يعني أيه شيخ يتقال له "إنتَ مُز؟؟؟".. يعني أيه يتقال لك من بنت "دا إنتَ عسل نحل" والتانية كاتبة لك "مثنى وثلاث ورباع وأنا جاهزة؟؟".. جاهزة لأيه الحربوئة؟؟ من كام يوم كانت كاتب لك كومنت بتقول لك "أحبك أخي في الله".. حبها بورص العاهة.
فتح فمه على وِسعه يستقبل كلماتها الساخطة في دهشة، بدت كبركانٍ ثارت حممه وكانت عيناها تشع غضبًا وُحرقةً، أسرع على الفور بالقبض على كفيها بكفيه ثم مال يقبلهما الواحد يليه الآخر وهو يقول بابتسامة عريضة:
- كل دا كتماه في نفسك؟؟ حقك عليا وعلى راسي.
أطرقت في حُزن فرفع بصره إليها من جديدٍ وقال:
- بس أنا عايز ألفت انتباهك لنقطة مهمة.. أنا مش بقرأ الكومنتات دايمًا لأني مش بكون فاضي.. واللي إنتِ قولتيه دا اتفاجأت بيه الصراحة.
وَميض بغيظٍ ترد:
- قولت لك اللي ماسكين الصفحة دول مش كفاءة، سيبني أنا أديرها؟؟
تليد بضحكة عالية بعض الشيء وهو يمسح على ذقنه:
- يبقى هتبلكِ نص متابعين الصفحة وتتخانقي مع النص التاني.. ودي بقى كانت العظة من عدم تولي المرأة مقاليد الأمور الهامة.. علشان مشاعرها تأتي في المركز الأول وشيطانها بيلعب في دماغها صَلَح.
رفعت أحد حاجبيها وسألته متوجسةً:
- أيه صَلَح دي؟؟
تليد مضيفًا بضحكة مازحة:
- دي لعبة كدا بنهري واحد ضرب بالقفا ويفوز لو قال مين اللي ضربه.. زي الشيطان بالظبط ما بيعمل في دماغكم.. بتدوه قفاكم يشعوطه ضربًا مُبرحًا على أمل الفوز والأسترونج عيوطة غيورة.
التوى شدقها حنقًا، لوَّحت بكفها في امتعاضٍ ثم أشاحت بوجهها تتطلع نحو النافذة المغلقة، قبل أن تتنهد تنهيدة ممدودة بعُمقٍ وتقول بنبرة متراخية حزينة:
- تليد إنتَ ناوي تسافر وتسيبني؟؟
كان يلف وشاحًا حول عنقه وفمه حتى لا يتعرف عليه أحدٌ مستعدًا للترجل من السيارة وشراء الحمص الساخن والحار، التفت إليه بعينين دافئتين وأردف بحسمٍ:
- مُستحيل.. أنا بيعت الدنيا كلها من زمان واشتريتك.. اشتريت وجودك جنبي ونومك في حُضني وريحة شعرك وضحكنا طول الليل.. امشي واسيب مني يا عبيطة!!
التفتت إليه بعينين تلمعان بشغفٍ وسعادةٍ قبل أن تسأله:
- أمال ليه ما ردتش عليهم بالرفض لحد دلوقتي؟؟؟
أومأ مُجيبًا بثباتٍ:
- كُنت مِركز معاكِ الفترة اللي فاتت ولكن وَعد بمُجرد ما نرجع البيت هبعت لهم ميل بالرفض.
تهللت أسارير وجهها متناسيةً غير ناسيةٍ ما أزعجها في المنزل قبل قليلٍ، اتسعت ضحكتها ففرح لذلك وقبل أن يترجل من السيارة قالت بهدوءٍ:
- أنا هفتح الشباك بقى علشان أشم الهوا!!
أومأ موافقًا ثم ترجل من السيارة متوجهًا إلى عربة الحُمص بينما نظرت هي أمامها وشردت في كيفية التعامل مع الصدمة التي تعرضت لها؟؟ إن كان وِسَام هو من فعل ذلك؟؟ فمن موله بهذا التسجيل الخاص جدًا؟؟ لم يكُن بينهما أشخاص غرباء ذلك اليوم ولا يوجد تفسيرًا منطقيًا واحدًا سوى أن "سهير" هي الممولة لهذه الحادثة، تنهدت "وَميض" بقوةٍ قبل أن تلتفت ناظرةً عبر النافذة من جديد لتُبصر رجلًا يصف سيارته بجوارها ثم يمعن النظر فيها بنظرات جريئة للغاية، امتقع وجهها قبل أن تقول بحنقٍ:
- في حاجة يا أستاذ؟!! أيه التتنيحة دي؟
الرجل وهو يرميها بغمزة من عينيه ويرد:
- مساء الجمال.. بشبع عيني من حلاوتك.
حدقت فيه بعينين متسعتين في ذهولٍ قبل أن تقرر النظر أمامها وتجاهله كي لا تحدث كارثة الآن، نفخت بغيظٍ حينما وجدت إصراره على التغزل الجريء بها فقال وهو يبلل شفته السفلى بطرف لسانه:
- ما تيجي تركبي معايا؟؟ هعجبك أكتر من اللي إنتِ جاية معاه؟؟
تجهمت ملامحها بانفعالٍ ناقمٍ ولكنها لم تلتفت إليه وظلت تنظر أمامها لتحجيم ومنع كارثة على وشك الاندلاع، لم يكف عن الكلام بل تمادى وهو يخرج بجسده من نافذة سيارته ثم يمد ذراعه نحوها مُحاولًا لمس جسدها، خرجت منها شهقةً خفيضةً وهي تبتعد قليلًا، كان "تليد" ينتظر دوره ثم جاءه اتصالًا عاجلًا فأجاب وما أن التفت للاطمئنان عليها حتى رأى ذلك الرجل يدنو من نافذته ثم يدخل بجسده إلى النافذة الخاصة بالسيارة، هرع مندفعًا إليها بغضبٍ مُتفاقمٍ قبل أن يضغط على جسد الرجل ثم يصيح آمرًا بصوتٍ جهوريٍ:
- اقفلي الإزاز عليه.
كانت "وَميض" متسمرةً في مكانها من شدة الصدمة، ابتلعت ريقها بالكاد ثم انتفض جسدها حينما وجدته يرمقها بنظرات نارية ويصيح بها بصوت رخيمٍ:
- بقول لك اقفلي الإزاز على جسمه.
أومأت في خوفٍ، رفع تليد جسد الرجل ليبقى مُعلقًا بنهاية النافذة بينما رفعت الأخيرة زجاج النافذة حتى التصق ببطن الرجل وأصبح عالقًا بالنافذة يقاوم للهرب، هرول "تليد" مستديرًا ثم ركب داخل السيارة وقام بسحبها حتى أصبحت خلفه وبقى هو مقابلًا لوجه الرجل الذي تلون جلد وجهه وهو يقاوم مقاومة ضارية للفرار وهنا أردف "تليد" بأنفاس مُشتعلة نارية:
- مالك قلبت مِعزة؟؟ ما كُنت راجل أوي من شوية ومعندكش مشكلة تلمس ست متخصكش!!!
كانت يد "تليد" تضغط على مقبض الزجاج حتى لا يهبط بحركات الرجل ويستطيع الهرب، تابع الرجل بنبرة حانقة مُهددة:
- أنا معايا رجالة لو جُم وشافوا اللي بتعمله معايا هيدبحوك ويدبحوها.
ضغط "تليد" على مقبض الزجاج أكثر ليشتد على بطنه قبل أن يقول بأنفاس ثائرة من بين أنيابه المطبقة:
- طيب خليك كدا لحد ما ييجوا ولا أقول لك.. تعالي أفسحك!!
ابتلعت "وَميض" ريقها بصعوبة بالغة قبل أن تهبط برفقٍ على كتفه وتقول خوفًا:
- خلاص يا تليد علشان خاطري؟؟ سيبه وخلينا نمشي من هنا؟؟؟
أومأ "تليد" سلبًا في إصرار وعينين حادتين ثم قال بصوتٍ أجشٍ:
- أبدًا والله ما يحصل.. الأول أفسحه.
ضغط "تليد" بقوةٍ على دواسة البنزين لتنطلق السيارة بسرعة رهيبة، شهقت "وَميض" شهقة مصدومة بينما ظل الرجل يصرخ في فزغٍ ليلتفت إليه "تليد" تارة وتارة إلى طريقه ثم يصيح بحدةٍ:
- أيه رأيك في الفُسحة؟!!
صرخ الرجل بنبرة مرتجفةٍ:
- هموت.. نزلني!.. نزلني يا باشا.. أبوس إيدك.. نزلني وهعتذر لها!!
أومأ "تليد" موافقًا قبل أن يرميه بنظرات ساخطة نارية ويقول:
- تمام.. هنزلك.. بس قول أنا مش راجل وعيل!!
صرخ الشاب مستجيبًا بانصياع لإنقاذ نفسه:
- أنا مش راجل وعيل.
ابتسم "تليد" ابتسامة صفراء قبل أن يمد كفه يخبط بقوة على صدغ الشاب ثم يضيف ببرودٍ:
- شاطر.. قول لأمك تربيك أكتر من كدا.. المجتمع شبعان عاهات.. ودي بقى علشان تلمس حاجة مش بتاعتك.
في هذه اللحظة أدار مقبض الزجاج بقوة أثناء اقتياد سيارته ليهبط عن جسد الأخير ثم بقوة دفع جبينه ليسقط من السيارة أثناء سيرها بعد أن هدأ سرعتها للدرجة التي تربيه ولا تؤذيه.
تنفست "وَميض" الصعداء وهي تضع كفها على قلبها الخافق بين ضلعيها بعُنفٍ بينما أسرع هو بإزالة الوشاح عن وجهه قبل أن ينفخ حانقًا وهو ينظر إليها بنظرات ساخطة ويقول بحدةٍ:
- إنتِ إزاي سبتيه لحد ما تمادى وحاول يلمسك من غير ما تصرخي أو تلفتي انتباهي!!
وَميض بنبرة مُختنقةٍ:
- مكنتش عايزاك تعمل مشكلة وبعدين إنتَ تعاملت بعنف مع الراجل وكنت هتموته، المفروض إنك شيخ يعني تتحكم في أعصابك أكتر من كدا؟؟
صاح "تليد" محتدًا بالغضب نحوها:
- أعصابكم إنتوا أعصاب طبيعية والشيوخ اتوزع عليهم أعصاب بلاستيك؟؟ الشيخ دا بني آدم عادي جدًا مش ملاك بأجنحة.. طبعًا بنغلط وبننفعل.. بتطلبي مني أكون هادي في موضوع يتنافى تمامًا مع فطرتنا؟؟ شوفته بيحاول يتعدى عليكِ؟؟ اخاصمه يعني وأقول له يا وِحش وأبان كلبوب علشان أنا شيخ!!!
كلماته كانت مُرضيةً لمشاعرها، انفجرت فجأة ضاحكةً مما يقول بينما رمقها بغيظٍ مكتومٍ ثم تابع بلهجة باتت أكثر هدوءً:
- ماشي اضحكي.. مش هنكد عليكِ أكتر من كدا.. بس حسابك عسير معايا.
وَميض بضحكة صفراء تقول:
- عسير قصب ولا برتقان؟؟؟
تليد بوجه متجهمٍ:
- عسير بطعم الدم اللي هشربه منك.. بلاش ألشات سخيفة علشان بتهدد الصحة الإنجابية لأي راجل.
حدقت فيه مصدومةً وتساءلت بفضولٍ كبيرٍ ظهر في ومضاء عينيها:
- إزاي؟؟
تليد وهو يضحك ضحكة خفيفة ثم يرد:
- تفاصيل خادشة للحياء مالناش دعوة بيها.
تنحنح بخشونةٍ قبل أن يرمقها بطرف عينيه ثم يقول بلهجة ماكرةٍ:
- على فكرة أنا ليا حاجة عندك وعايزها؟؟.
تساءلت مندهشة ببلاهة:
- حاجة أيه؟؟ إنتَ ما ادتنيش حاجة خالص أخليها معايا؟؟
كور قبضة يده ثم ضغط على شفته السفلى بغيظٍ مكتومٍ قبل أن يتابع بصيغة أخرى:
- قصدي في حاجة كانت لازم تكمل ووقفنا في النص؟؟ واخدة بالك إنتِ ولا أنا ربنا ابتلاني!!
حكت "وميض" جبينها بأطراف أناملها ثم مطت شفتيها ورددت ببلاهة:
- وكتاب الله ما خدت منك حاجة ولا وقفت بيها في حتة!!
أخرج زمجرة مُنفعلة من شِدةٍ الغيظ قبل أن يردد في حنقٍ:
- أيه وكتاب الله دي؟؟ وَميض بلاش كلام بالإشارة علشان إنتِ الـIQبتاعك ذهب بلا عودة.. وَميض عايز أخلف وكدا أنا على آخري!!
تخضبت وِجنتاها وأشاحت بنظراتها مُسرعةً للجهة الأخرى في خجلٍ دون أن تتفوه بكلمةٍ؛ فصاح متوجسًا في قلقٍ:
- أحب على ايدك الصمت دا مُخيف.. اوعي تقولي إننا هنعيد من الأول خالص!!!.. كدا عقبال ما تتهيئي للموضوع من تاني هكون أنا شاب اسم الله عليا في مقتبل العمر وربيع الخمسين.. أبوس إيدك انقذي موقفي الإنجابي بحتة عَيل ابثه شكواي منك يا شيخة.
وضعت كفها على فمها تضحك متوارية عن عينيه قبل أن تقول بخفوتٍ:
- إحنا فعلًا محتاجين بيبي يحكم في صداماتنا بالعدل ووعد عليا إن قلب مامته هييجي في صفي على طول.
تليد بضحكة مازحة من جانب فمه يقول:
- مُنتهى العدل ما شاء الله.
في هذه اللحظة توقف "تليد" بسيارته أمام بوابة المزرعة ليجد والده يهرول مسرعًا خارج البوابة، ترجلا من السيارة بينما هروب "تليد" إلى والده يلتقط كفه ثم يتساءل بتوجسٍ:
- رايح فين يا بويا؟؟
خفق قلب الشيخ "سليمان" وهو يردد بتوترٍ:
- عُمر عَمل حادثة يابني.. خُدني لعنده بسرعة.. بسم الله الحافظ.. احفظه يارب.. اسألك سلامتك يا كريم.
توتر "تليد" في فزغٍ قبل أن يلتفت بعينيه إليها ثم يقول بلهجة حاسمة:
- ادخلي إنتِ يا وَميض.
سار بخطوات مسرعة نحو السيارة بينما تابعت "وَميض" وهي تفرك كفيها معًا في قلقٍ:
- ابقى طمني!!
أومأ قبل أن يُدخل والده بالسيارة ثم يستدير ويستقر أمام عجلة القيادة وبعدها ينطلق بسرعة رهيبة إلى المستشفى.
بدأت تفرك كفيها بسرعة أكبر ونظراتها تتوزع بتبعثر من حولها في توجسٍ مما يدور في عقلها من رغبة جامحةٍ في الانتقام والمواجهة، ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تتحدث إلى نفسها بنبرة مترددةٍ خائفةٍ:
- لازم أروح له علشان أواجهه.. لازم يعرف أني عرفت القذارة اللي عملها.. ولازم أعرف جاب التسجيل من ماما سهير فعلًا ولا مِن مين؟!
نفخت بقوةٍ وهي تنبش مقدمة رأسها بطرف إصبعها في حيرةٍ قبل أن تقول في خوفٍ تخلل نبرة صوتها المرتجفة:
- بس تليد محرج عليا أتواصل معاه؟؟ بس دا حقي ولازم أخده منه.. ما هو أنا مش رايحة علشان اقضي معاه اليوم يعني أو نخرج كصُحاب زيّ زمان.. أنا رايحة علشان أبهدله وأفهم الليلة كُلها مشيت إزاي؟؟؟
تنفست الهواء داخلها بعُمقٍ قبل أن تحسم أمر الذهاب إليه ومطالبته بتفسير لِمَ يجري، لوحت لسيارة أجرة ثم استقرت داخلها بعد أن أملت السائق العنوان لينطلق إليه على الفور.
كانت تتابع الأخبار بمزاجٍ عالٍ وابتسامتها لا تُفارق ثغرها أبدًا، تقرأ ردود الأفعال والتي كلها تصطف في صالحها فيبدو أن "عثمان" السروجي لم يكُن محبوبًا من قِبل أحد سِوى زوجته الأنانية؛ هكذا تدعوها "نجلا" التي بغضتها دائمًا لأنها أرادت إرضاء نفسها وأُمومتها على حساب سيدات أُخريات ولم تنظر إلى حال قلوبهن بعد أن اكتشفت أنهن مجرد حاوية لزوجها.
- هتفضلي ماسكة التليفون كدا ومش هتاكلي؟!
أردف "ماكسيم" مرددًا في ضيقٍ وهو يناولها شطيرة فأخذتها منه وهب تقول بابتسامة ظفرٍ:
- أنا الأيام دي شبعانة ذاتيًا.. فرحتي باللي بيحصل مش مخلياني عايزة حاجة تاني.
افتر ثغر "ماكسيم" عن ابتسامة هادئة قبل أن يسأل بفضولٍ:
- ويا ترى بقى أيه خطتك الجاية، ما هو السعادة دي وراها تخطيط جُهنمي.
قضمت من الشطيرة ثم مضغتها بهدوءٍ قبل أن ترد بملامحٍ واثقةٍ وأكتاف عالية:
- لايف.. هعمل لايف.
قطب ما بين حاجبيه ثم ردد بحدةٍ وتوجسٍ:
- لايف ليه؟؟ مش قولنا محدش يعرف إنك ليكِ علاقة بحاجة؟؟
نجلا بابتسامة هادئة وهي تضع الشطيرة في صحنها وتستكمل:
- لازم نولع الأجواء أكتر من كدا وبعدين أنا مستعجلة أنزل بالكارت التاني.
رفع أحد حاجبيه وتساءل متوجسًا:
- أيه بقى الكارت التاني؟؟
رمقته بطرف عينيها وهي تقول بابتسامة ثابتة:
- هتشوف بنفسك دلوقتي لمَّا أبدا اللايف بس أكتب الكومنت دا.
وجده كتب على صفحته الرسمية بأن ما يحدث ما هي إلا حملة ممنهجة عليه للإيقاع به والتشهير بسمعته؛ فكتبت ترد عليه:
- “دي مش حملة ممنهجة.. دي أنا".
انتهت بعد أن أرادت لفت انتباهه لصفحتنا الشخصية ثم تنحنحت باستعداد قبل أن تعدل هيئتها من شعر وملابس ثم تضغط أيقونة البث المباشر لتبدأ مُدته، تنحنحت في هدوءٍ قبل أن تتكلم بثباتٍ:
- أنا نجلا.. باختصار واحدة من ضحايا عثمان السروجي واللي مش معروف عددهم.. وطالعة النهاردة علشان احكي لكم قصة عن ظُلم وطُغيان البني آدم دا ومعايا مُستندات وأوراق مهمة جدًا ومن موقعي هذا بقدم بلاغ للنائب العام ضد عثمان السروجي لضبطه وإحضاره وسؤاله عما نُسب إليه من اتهامات في حقي وحق ستات تانية كتير وأنا عندي ما يُثبت وجود ضحيتين تاني غيري!.
كان "ماكسيم" يتابع كلامها المباشر في صدمةٍ، بلاغ منها للنائب العام؟؟ يبدو أن نجلا ستمتص دمه كله وتبقيه رُفات، إذا وصل هذا البث لأعدادٍ كبيرة من الناس فسوف ينتهي ذلك الوعد للأبد.
قررت "نجلا" أن تضرب بقبضة من حديدٍ لاغتيال ما بقى من مناصرين ومؤازرين له، شرعت تحكي قصة خادمة تم استباحة عرضها دون إرادتها مرورًا بإنجابه ثلاثة أطفال من أُمهات مختلفة ونسبهم إلى زوجته التي لا تُنجب ومخاطبة الطب الشرعي بإجراء فحوصات للمدعوة "نبيلة السروجي" ومطابقتها مع ابنائها الثلاثة وأشارت إلى حملها منه وسرقة طفلتها منها وقدمت بلاغًا علنيًا تطالب فيه بإثبات نسب ابنتها إليها ثم أظهرت التحليل الذي أجرته وطالبت بالتأكد من صحته والإسراع في اتخاذ الإجراءات اللازمة مستغيثةً بالجهات الحكومية راغبةً في تحقيق العدالة لها ولِغيرها من ضحاياه.
التفتت تنظر إلى وجه "ماكسيم" الذي أطال النظر داخل هاتفه مصدومًا قبل أن يرفع بصره إليها فتوترت "نجلا" التي قررت إنهاء البث ثم تساءلت بقلقٍ كبيرٍ:
- في أيه يا ماكسيم؟؟
ماكسيم مجيبًا في ذهولٍ:
- عُمر عَمل حادثة؟؟
شهقت بقوةٍ قبل أن تهب من مكانها ثم تسأل بتوترٍ وهي تجري اتصالًا عاجلًا به:
- وكاسب؟؟ كاسب فين؟؟ ربنا يسترها عليه وعلى كاسب.
انتظرت حتى نهاية الجرس ولم تجد ردًا منه فنبشت مقدمة رأسها بطرف إصبعها ثم ردت بلهجة ثابتة:
- مش بيرد.. حاول تعرف لنا مكان المستشفى اللي موجود فيها!!
جلست إلى مائدة الطعام في سطح السفينة وجلس صديقها الجديد الذي تعرفت عليه على متن السفينة في المقعد المقابل لها، تنفست الهواء إلى رئتيها بعُمقٍ قبل أن تتناول شوكتها ثم تلتقط بها الطعام في صمتٍ فقطب هو ما بين حاجبيه وتساءل بحرصٍ:
- إنتِ كويسة يا سكون؟!
رفعت بصرها إليه ثم أومأت إيجًا وعلى محياها ابتسامة باهتة وقالت بعد تنهيدة طويلة:
- كويسة، بس قلقانة على عُمر.. كُنت بكلمه من شوية وفجأة ما ردش مع إنه شاف الرسالة.
أومأ الأخير متفهمًا وقال بلهجة ثابتة:
- أكيد انشغل في حاجة تانية ووقت ما يفضي هيرد عليكِ.
افتر ثغرها عن ابتسامة أوسع ثم تابعت بهدوءٍ:
- بما أني ما صدقت لقيت حد لا أعرفه ولا يعرفني علشان أحكي له كل حاجة حصلت في حياتي ويسمعني بكل الاهتمام دا؛ فلازم أقول لك إني مُمتنة ليك.
بادلها ابتسامة لينة ورد:
- أنا اللي مُمتن إنك وثقتي فيَّا وأتمنى علاقتنا تدوم بعد الرحلة ما تخلص.
أجابته بترحاب شديدٍ:
- دا شرف ليَّا بس..
سكتت هنيهة ثم أطرقت برأسها تنظر إلى طبقها وبعد ذلك أضافت بخفوتٍ:
- أنا محتاجة أفكر في عرضك أكتر ومن غير ضغط!!
مدَّ كفه يلتقط كفها المستقر على الطاولة وهو يقول بلهجة لينة ثابتة:
- وأنا مش هضغط عليكِ.. أتمنى تشوفي فيَّا بعد تفكير شريك الحياة المناسب.
تدبرت ابتسامة باهتة وهي تسحب كفها على الفور قبل أن تلتقط هاتفها وتقرر ارسال رسالة أخرى لشقيقها الذي ربما غاب عن باله الرد على رسالتها السابقة، كتبت بأناملٍ مُرتجفةٍ وارسلت الرسالة ثم ظلت تنظر بإمعان في انتظار قراءته لها.
جلس على ساقيه أمام غرفة العمليات، وضع رأسه بين كفيه منهارًا لا تقوى قدماه على حمله، أجهش ببكاء مريرٍ وكأن العالم أظلم للأبد في وجهه، كان يتابع تحركاته بربط هاتفه بهاتف "عمر" لمعرفة مكانه طوال الوقت بغرض الاطمئنان عليه والوصول إليه بسهولة، نظر إلى برنامج مراقبة الأخير على هاتفه فوجده موجودًا في مكان ناء وبقى فيه لوقت طويلٍ، استبد به القلق وأسرع بالسيارة إلى ذلك المكان ليجد السيارة مقلوبة بشكل مُريبٍ ومجموعة من الناس يضمدون جراح رجلين وحينما هرع إليه يصيح باسمه قاموا بإعطائه أشياء الجرحى التي وجدت بحوزتهم من هاتف وحافظة نقود وهوية وغيرهم، جاءت عربة الإسعاف وركب "كاسب" معهم حتى وصل بهم إلى المستشفى ليطلب الطبيب إدخالهم غرفة العمليات فورًا.
بدأ "كاسب" يضرب رأسه بكلا كفيه شاعرًا بالندم لعدم اصطحابه إلى البيت بنفسه وقلبه يشتعل بنيران الخوف من فقده بعد أن كَرس عُمره كله في البحث عنه، فهل من العدل أن يفقده قبل أن يجتمع به حتى؟؟، جاء "عثمان" وزوجته مُهرولين بقلوب هلِعة صوب غرفة العمليات وما أن رآه "عثمان" حتى هرع إليه يصيح محتدًا بالغضب:
- إنتَ بتعمل أيه هنا؟؟
نهض "كاسب" واقفًا في مكانه يقابل هجوم الأخير بعينين تقدحان بالشرر وما أن قبض "عثمان" على عنقه حتى فعل الأخير أيضًا، اشتدت قبضتي "كاسب" على عنقه بانتقامٍ ناري قبل أن يردد بصوت أجشٍ:
- ادعي إن عُمر يقوم بالسلامة وإلا قسمًا بالله هحرقك وإنتَ صاحي.. عليكِ تتمنى الموت يا عثمان بس مش هتنوله.
عثمان وهو يحدق فيه بنظرات نارية ويصيح:
- إنتَ أيه أصلًا اللي جايبك هنا؟؟ بتعمل أيه مع ابني، بتحرضه عليَّا؟؟
كاسب وهو يهدر بلهجة صارمة:
- أنا هنا في مكاني الصحيح.. أنا هنا علشان ليا فيه زيّ ما إنتَ ليك بالظبط!!.
في هذه اللحظة جاء الشيخ وابنه مهرولين إليهم لفض الاشتباك الذي تجمع على إثره من بالمستشفى جميعًا، تدخل "تليد" محاولًا إبعادهما بينما صاح "عثمان" مستنكرًا:
- إنتَ ليك في ابني أكتر مني!!
أومأ "كاسب" ثم أردف بابتسامة نارية:
- وردة الفيومي؟!!!.. الممرضة؟!! فاكرها!
زاغ بصر "عثمان" للحظات قبل أن ترتخي قبضته عن عنق الأخير وهو يستجمع ذكرياته مع هذا الاسم جيدًا ليباغته "كاسب" قائلًا بلهجة شديدة:
- أنا كاسب الفيومي.. خال عُمر!!!!!!!!!
رواية رحماء بينهم الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم علياء شعبان
"هي لم تفعل شيئًا سوى سَرقة أنفاسي حتى الموت ظنًا منها بأنها حينما تقتلع قلبي من بين ضلعيَّ هكذا ستنجح في اقتلاع مشاعري لها، أخبروني! كيف يفر الإنسان من امرأة تجري في عروقه مجرى الدمٍ؟!"
ارخى "عثمان" قبضته عن عنق الأخير قبل أن تتلاقى أعينهما بنظرات مليئة بالضغينة والكُره؛ كلُّ منهما يحمل للثاني مشاعر عدوانية وحانقة ولكن ما يحمله "كاسب" داخل قلبه تجاه هذا الحقير لم يُخلق في يومٍ وليلةٍ كما حدث مع "عثمان" بل هي تراكمات ومخططات وسهر ليالي من أجل الانتقام وعودة الحق إلى داره وإراحة روحٍ شقيقته التي وافتها المنية عقب ولادتها لصغيرها الذي لم تنعم بقضاءٍ وقت طويل معه، كان "كاسب" طفلًا بعمر العاشرة وقتها يعيش مع شقيقته الكُبرى والتي تعمل ممرضة بإحدى المستشفيات العامة.
كانت ترعاه وتحنو عليه وصار مسؤوليتها بَعد وفاة والديهما، عاشا معًا في حارة شعبية لا يوجد بها أقارب أو معارف عدا جيرانهما اللذين كانوا بمثابة عصب لهما.
العاشرة لا تجعلك غير قادرٍ على التذكر.. العاشرة كفيلة بأن تُذكرك بأغلب اللحظات والمواقف وكل تفصيلية بها ولكن الموجع منها تحديدًا خاصة إن كان هناك من يُخبركَ دائمًا بأن حقك قد سُلب وعليكَ استرداده يومًا، هكذا عاش الباقي من عُمره تُذكره صديقة شقيقته أنها مغدورة وقد سُرق شبابها وطفلها ولن تنعم روحها وتهنأ إلا بعودة حقها وإن تطلب ذلك دهرًا كاملًا.
يتذكر لحظة مجيء شقيقته التي دنت منه كي تطول قامته ثم وضعت كفيها على كتفيه وقالت بودٍ واشتياقٍ:
- كاسب، إنتَ راجل مش كدا؟؟
أومأ بثقة وهو يضع كفيه داخل جيبي بنطاله فابتسمت "وردة" ابتسامة دافئة وأكملت:
- طيب أنا دلوقتي هسيبك مع طنط بسمة الكام يوم دول بس هرجع لك تاني.
تجهمت ملامحه فجأة وتجمعت الدموع في عينيه وقال بحُزنٍ:
- ليه؟؟ إنتِ هتروحي فين؟؟؟
وردة وهي تداعب خده بطرف إصبعها:
- أنا اتجوزت.. الفترة دي هكون قاعدة مع عمو عثمان.. فترة صغيرة خالص وهاخدك تعيش معانا.. تمام؟؟
أومأ مرددًا بخفوت وديعٍ لطفلٍ يقاوم البكاء كي يظهر رجولةً زرعتها شقيقته به:
- تمام.
وقفت "وردة" في مكانها مرة أخرى وتحركت نحو "بسمة" ليدور بينهما حديث طويل نجم عنه بعض الشد والجذب في الحوار ولم يسمع وقتها سوى عبارة "بسمة" الحانقة وهي توبخ صديقتها:
- قولت لك خليه يكتب عليكِ رسمي.. العُرفي دا مش مضمون؟!!
نفخت "وردة" بقوةٍ وردت:
- هو وعدني يا بسمة إنه هيعمل كدا بس بعد أول عيل وبعدين أنا حبيته وإنتِ ما تخافيش لو جبت له العيل اللي بيتمناه من الدنيا هيتبت فيا بإيده وسنانه، أصله قال لي إن مراته مش بتخلف!!
بسمة وهي تحرك شفتيها يمينًا ويسارًا وتضرب كفًا على الآخر:
- دا ضحك على الدقون دا ياختي.. ربنا يخيب نظرتي فيه ويكون صادق.
مالت "وردة" عليها وقبلت وِجنتها ثم تابعت بحسمٍ وهي تتحرك صوب شقيقها ثم تقبل خده:
- خلي بالك منه يا بسمة وأي حاجة يحتاجها كلميني على طول وأنا ابعتها له.. اوعي تعوزيه حاجة يا بسبوسة؟
بسمة بابتسامة لينة وحنونة:
- عيب.. يلا إنتِ سكة السلامة وخلي بالك من نفسك.
شريط ذكرياته يهرول كمُهرة غاضبة أمام عينيه يلتقي مع أسوأ الذكريات التي يتذكرها جيدًا والتي ذكرته بها بسمة دائمًا حيث عادت شقيقته بعد غياب أشهر ببطن مُنتفخٍ وأخبرته بسعادة كبيرة أن طفلها قادمًا في الطريق وسيأتي كي يعتني به ويلعب معه ويستذكر له دروسه حينما يكبر ومرت ذكرى أخرى يوم أن أخذته شقيقته للمكوث في بيتها وأنهال عليها "عثمان" ضربًا مُبرحًا فحاول "كاسب" برجولةٍ طفلٍ لم يحتمل الأذى والقسوة اللاتين تتعرض لهما شقيقته أن يدافع عنها فهرع إلى "عثمان" يضربه بغلٍ وضغينةٍ بينما دفعه الأخير بوحشيةٍ فأسقطه على رأسه ومن بعدها أبعدته "وردة" عن المواجهة مع "عثمان" كي لا يقضي على طفولته بذكريات سيئة ولم تكن تعرف أن ذكريات شقيقها ومستقبله سيتمحوران جميعهم حول عثمان وكيفية الانتقام منه، جاء اليوم الذي ستستقبل فيه مولودها ورأت في عيني "عثمان" سعادة أنستها قسوته معها فقد نال التوتر منه وسار يتحرك في قلقٍ داخل ممر المستشفى في انتظار خروج طفله وحمله على يديه خاصةً بعد معرفته بأنه صبي.
انفتح باب غرفة العمليات وقام الطبيب بمناولته الرضيع لعلمه بأنه زوجها، تناوله "عثمان" بقلب يخفقٍ سعادةً وعينين تدمعان، انتقلت إلى غرفة عادية ثم أعطاها طفلها كي تضمه إلى صدرها، فرح "كاسب" فرحة عارمة لمجيء من يشاركه فراشه ويتخذه صديقًا ولكن فرحته لم تكتمل بعد يومين بالضبط حيث حمل "عثمان" الطفل بين ذراعيه وقال بحسمٍ وهو يتحدث إليها:
- هاخد الولد علشان أثبته.
مطت "وردة" شفتيها ثم تساءلت بامتعاضٍ:
- بس إحنا لسه ما اختارناش اسم مع بعض؟؟
أومأ "عثمان" إيماءة خفيفة وتابع بهدوءٍ:
- عايزة تسميه أيه؟؟
وردة وهي تلتفت إلى "كاسب" وتسأله بحُب:
- تحب تسميه أيه يا كاسب؟؟؟
كاسب وهو يصيح فرحًا:
- عُمر.
التفتت مرة أخرى إلى "عثمان" وتابعت بابتسامة عريضة:
- أيه رأيك في عمر يا عثمان؟!
أومأ وهو يقول بحسمٍ:
- تمام يبقى عمر.. مسافة السكة وراجع.
وردة بلهفةٍ شديدةٍ:
- خلي بالك منه يا عثمان!!!
عثمان وهو يرمقها بنظرة خاوية لم يظهر من خلالها أية تعابير:
- اتطمني.
وبعد هذه اللحظة انقطعت أخباره تمامًا وكأنه كالملح داخل كوب من الماء، ذاب أثره فلم يكن وقتها صاحب هذه المصانع والمزارع حتى تتمكن من الوصول إليه حتى كنيته لم يخبرها بها وحرص ألا يذكر اسم عائلة "السروجي" أمامها أبدًا استعدادًا لاختفائه المفاجئ بالطفل، حاولت "وردة" تقديم بلاغٍ بسرقته للطفل ولكن بلاغها قوبل بالرفض حينما صاح الضابط بها قائلًا باستنكارٍ:
- هكتب في المحضر أيه؟؟ أب خطف ابنه؟؟ هو في حاجة اسمها كدا؟؟ أب خطف ابنه دي لمَّا تكونوا متطلقين والطفل في حضانتك غير كدا اللي بتقوليه دا عبث.. غير كدا إنتِ حتى مش معاكِ العقد اللي يثبت إنك متجوزاه؟؟؟
وردة ببكاء مريرٍ:
- ما هو خد العقد علشان يثبت بيه ابننا؟!!
نبش الضابط مُقدمة رأسه ثم نفخ متابعًا في تروٍ:
- أه.. طيب أنا معاكِ للآخر.. عقد جوازكم مُثبت في المحكمة؟؟
وردة تجيبه بثقةٍ:
- أيوة طبعًا.
ضرب الضابط على سطح المكتب وقال بلهجة حاسمة:
- تمام اطلعي على المحكمة واطلبي استخراج صورة من عقد الجواز وارجعي لي تاني وساعتها نشوف نقدر نستفيد منها إزاي؟؟
أومأت تنصاع لأوامره فاتجهت إلى المحكمة وهناك طلبت استخراج صورة من عقد زواجها ولكنها اكتشفت أنه لا يوجد عقد زواج مُثبت بينها وبينه وكان يوهمها كل هذه المدة بأن العقد قد وُثق في المحكمة، قُطع دابر الأمل في الانتقام منه فساءت حالتها ولم تستطع مقاومة الظلم والوجع ففارقت الحياة بعد ولادتها بأسبوع، تربى "كاسب" ونشأ في منزل بسمة التي زرعت فيه دومًا شرارة الاصرار على الانتقام من قاتل شقيقتها وسارق طفلها، استطاعت أن تعثر عليه وبدأت تتابع أخباره عن بُعد وكَبر "كاسب" وكَبرت معه الرغبة في الثأر والحصول على ابن شقيقته وأثناء متابعتها لأخباره عرفت "بسمة" بشأن جريمته في حق الخادمة وكيف فعل بها مثلما فعل بصديقتها فتكاتفوا معًا من أجل النيل والانتقام وما أن كَبر "كاسب" وصار شابًا مشدود العود حتى قرر أن يتكاتف ويناصر "نجلا" التي اتخذته صديقًا وأخًا وكان معها في كل خطوةٍ حتى نجحت مساعيها في الاقتراب من عقر العدو والآن صار "كاسب" يقف أمامه بعينين ناريتين بعد أن صار عُمره سبع وثلاثين عامًا.
وقف "تليد" حائلًا بينهما حتى تمكن من تضخيم المسافة بينهما بينما تابع "كاسب" بصوت أجشٍ ناري وهو يلتفت إلى الشيخ سليمان:
- أخوك يا شيخ.. لعب بمشاعر وأرواح تلت ستات وخلف منهم وسرق العيال ورماهم في حِجر مراته، تلت عيال مش ذنبهم حاجة غير إنه أبوهم.. حكمه أيه في الدين يا شيخ سليمان؟؟
ثم التفت مرة أخرى نحو "تليد" وتساءل بانفعالٍ أكبرٍ:
- ولا قول لي يا تليد.. لو قتلته أخد فيها كام سنة سجن؟؟؟
اندفع نحوه مرة أخرى وبهياج وعلى غفلة من الأخير لكمه لكمة عنيفة قاسية وهو يصرخ هادرًا مغلولًا:
- حق أختي هاخده وأنا بخلص على آخر نفس فيك.. هاخده وأنا بشرب من دمك يا كلب.. حقها وحق أمهات العيال دي هيرجع لهم لمَّا أدبحك وأمثل بجثتك علشان تكون عبرة لكل وِسخ ابن حرام زيك.
فقد السيطرة على نفسه تمامًا صار يلكمه في أماكن متفرقة من جسده ويرد "عثمان" له اللكمات ولكنها أضعف بكثير من تلك التي سددها له في صِغرها فدارت الأيام وتمكن "كاسب" من التغلب عليه بعشرة أضعاف قوته في شبابه، بدأ "تليد" يدفعه وهو يهدر بلهجة شديدة:
- إحنا هنا في مستشفى.. كفاية انتوا الاتنين.. الحسابات دي ليها وقتها!.
جاءت "شروق" تهرول مع زوجها وما أن رأت والدها يتعرض للضرب حتى ظلت تبكي وتصرخ في فزعٍ، هرول "عِمران" يساعد "تليد" في إبعادهما عن بعض فجذب "تليد" كاسب وأبعده تمامًا لينظر "كاسب" إلى شروق التي تنهار خوفًا على أبيها ويقول بغيظٍ:
- خسارة دموعك عليه.. دا كلب.. بدل ما تعيطي اطلبي حق أمك منه.. ولا ما تعرفيش إن نبيلة مش أمك الحقيقية!!
تسمرت "شروق" في مكانها أمامه توقف تشنج وجهها في صدمة بينما انهمرت دموعها بغزارة وهي تنظر إليه بعينين تتساءلان في شدوهٍ وتيهٍ ليهرول "عمران" إلى زوجته التي ترتجف ثم يحتضنها بين ذراعيه لتتكلم هي بأنفاسٍ مضطربة يكسوها الانكسار والإنكار:
- هو بيقول كدا ليه؟؟؟
ضمها "عِمران" بقوةٍ إلى صدره قبل أن يلتفت "كاسب" إلى "عثمان" مرة أخرى ثم يبصق على وجهه قبل أن ينصرف كسيلٍ مُدمرٍ مبتعدًا عن المكان الذي يتواجد به الأخير وأثناء سيره هائج الخطى سمع صوتًا يصدح في جيبه فتذكر أن هاتف "عمر" بحوزته وعلى الفور أسرع باستخراجه لينظر إلى شاشته بعينين متسعتين حينما وجد اشعارًا لرسالة باسم صفحتها الشخصية، اضطرب قلبه بقوةٍ وكادت أن تنفجر نبضاته من بيت ضلعيه، أسرع بأطراف مرتجفة أن يحاول تخمين كلمة المرور كي يستطع التواصل معها، حاول عدة مرات وتفشل محاولته في كل مرةٍ حتى كتب تاريخ ميلادها وأصاب هذه المرة.
أسرع بفتح رسالتها ثم كتب على الفور:
- أنا كاسب.. عمر عمل حادثة وبين الحياة والموت.. لازم تيجي بسرعة يا سكون".
ظل ينظر إلى شاشة الهاتف حتى تأكد من رؤيتها للرسالة وبعد ذلك أغلق الهاتف تمامًا كي تُعاني تبعات البعد الذي فرضته عليهم جميعًا وأولهم (هو).
توجهت "نجلا" إلى قسم الشرطة بعد أن جمعت كل ما بحوزتها من أوراق تدين "عثمان" خاصةً حينما تراسل معها أحد ضباط الشرطة الذي وَعدها بالمساعدة ورغم أن مقر عمله في محافظة أخرى إلا أنه قرر أن يرافقها أثناء تحريرها محضرًا ضد عثمان وتدعيم سرعة الاستجابة لمحضرها عن طريق قوة علاقاته بزملاء وظيفته، قد تواصل معها حينما أنشأت ذلك البث المباشر وقدم مساعدتها وأنه صاحب نفوذ كبير وعلاقات وطيدة في الشرطة ولكنه في اللحظة الأخيرة لم يستطع الحضور فأوصى على الاستماع إليها والاستجابة لأقوالها.
جلست أمام ضابط الشرطة بالقسم ثم حررت المحضر وقدمت له الأوراق كي يطلع عليها ووجدت معالم الصدمة باديةً على وجهه قبل أن يلتفت إليها ويقول مصدومًا:
- اللي بتقوليه دا كارثة.. دي ممكن تتحول لقضية رأيّ عام.. الزواج من سيدات أو اغتصابهم بهدف الإنجاب ثم سرقة الأطفال لإرضاء غريزة زوجة لا تُنجب!!
أومأت "نجلا" ثم تابعت بتنهيدة عميقة:
- بالظبط.. ودا الورق اللي بيثبت إني أم واحدة من بناته وبطالب الطب الشرعي بإجراء تحاليل لنبيلة السروجي والأولاد للتأكد من إنها مش الأم الحقيقية وبطالب بردو بإجراء تحليل دي إن أيه بيني وبين سكون عثمان السروجي لإثبات نسبها ليا.. دا غير الفيديوهات الخاصة بما وراء الكواليس في مصنعه وحضرتك تقدر تتأكد والنيابة كمان تتأكد إن الفيديوهات دي صحيحة ومش مفبركة، أنا مش عايزة غير حقي وحق كل ست كسر قلبها ورماها ورا ضهره وكمل وحق سنين عمري اللي انحرمت فيها من بنتي!!
أومأ الضابط بتفهمٍ ثم أشار إلى إحدى الخانات بالورقةٍ وقال بحسمٍ:
- امضي هنا.. إنتِ متوصي عليكِ جامد من فوق.. فورًا هيكون في أمر بضبط وإحضار عثمان السروجي.
ابتسمت في هدوءٍ ثم زوت ما بين عينيها وتساءلت:
- أنا حقيقي وثقت في حضرة الظابط زميلك ومن غير حتى ما أعرف اسمه أو رتبته بس شكله واصل أوي ومفيش شك في نزاهة وأمانة الشرطة المصرية.
ابتسم بهدوءٍ وقال:
- تقدري تتفضلي دلوقتي.
تحركت فورًا بخطوات ثابتة خارج قسم الشرطة وفي هذه اللحظة بدت الحياة تبتسم لها من جديد بعد سنوات من الجفاء؛ فالسماء تبدو أكثر زُرقةً والهواء أكثر نقاءً يدخل إلى رئتيها ينعش كدمات أحدثها الزمن بها؛ فيبدو أن هذا الوقت هو وقت تحقيق مساعيها وسعادتها، سمعت أثناء شرودها صوت هاتفها يصدح فالتقطته ثم أجابت بابتسامة هادئة:
- الباشا.. بشكرك جدًا على وقفتك جنبي وإيمانك بقضيتي وثقتك في كل حرف قولته من غير أسباب أو مُبررات.
جاءها صوته الرخيم يقول بلهجة ثابتة:
- لازم أثق في كل حرف قولتيه طبعًا، لأني عارف إن عثمان السروجي بني آدم سَو وحقير وكنت مستني العجل يقع علشان أوجه سكيني على رقبته.
اتسعت دهشتها وهي تتساءل بفضولٍ:
- يااااااه.. دا إنت شكل في تار كبير بينك وبينه؟؟؟
أجابها بتنهيدة عميقة:
- أكبر مما تتخيلي يا مدام نجلا.
ابتسمت "نجلا" في هدوءٍ وردت:
- لأ.. دا إحنا كدا نقعد ونتكلم يا سيادة.....!
رد بإيجاز:
- سيادة النقيب يا فندم.. نتقابل قريب.. مع السلامة.
أغلق المكالمة فورًا فاحترمت أنه لا يرغب في الفصح عن هويته حتى هذه اللحظة ولكنها استنتجت مدى عداوته التي تضمر في نفسه تجاه ذلك الوغد الذي يتجاوز عدد أعدائه المائة بالمائة تقريبًا.
جاءت "رويدا" مهرولةً إلى المستشفى بصُحبة والديها، فلم يخبرها أحد بما تعرض إليه خطيبها بل عَلِمت بذلك عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي والتي تضج هذه الأيام بسيرة "عثمان السروجي" وأولاده، تفاجأت في البداية من الأخبار المتداولة من امرأة تزعم كونها ضحية لوالد خطيبها وسمعت كل ما تناولته "نجلا" من حقائق في صدمةٍ فحاولت الاتصال به ولكن كان هاتفه مُغلقًا طوال الوقت وبعدها انتشر خبر الحادثة التي تعرض لها وأغرق المواقع كلها، هرعت إليهم ثم صاحت بانهيارٍ وقلب مخلوعٍ:
- عُمر فين دلوقتي؟؟ ليه محدش بلغني إنه عمل حادثة؟؟
كانت تنظر إلى وجوههم بانزعاجٍ شديدٍ فأشاحت "نبيلة" بعيدًا وصاح "عثمان" محتدًا بالغضب:
- وإنتِ مين علشان نبلغك؟!
انهارت "رويدا" باكيةً وتساءلت مستنكرةً:
- أنا مين؟؟
توجه إليه "تليد" بعينين حادتين ثم أجابه بصوت حادٍ:
- خطيبته.. تبقى خطيبته.
أسرعت إليها "رابعة" ثم ضمتها بين ذراعيها لتبكي "رويدا" بكاءً شديدًا تنقطع له نياط القلوب، تنهد "تليد" تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن يتحرك مبتعدًا لمسافة قليلة ثم يستخرج هاتفه ويجري اتصالًا عاجلًا بصديقه كي يرسل "مُهرة" للاطمئنان على زوجته التي تُركت وحيدةً في المنزل ولا يوجد استجابة منها على اتصالاته.
(على الجانب الآخر من المزرعة)
سارت "مُهرة" بخطوات مُسرعةً تصعد الدرج إلى شقة "وَميض" للاطمئنان عليها والجلوس مؤنسات لبعضهما حتى عودة الجميع بعد الاطمئنان على "عمر"، دقت الباب بخفة وانتظرت للحظات ولم تجد استجابة فاشتد خبطها على الباب لربما هي نائمة ولكن لم تجد استجابة هذه المرة أيضًا، زمت "مُهرة" شفتيها بحيرةٍ قبل أن تهبط الدرج ثم تدخل إلى شقة الشيخ وتلتقط المفتاح الاحتياطي للشقة العلوية ثم تصعد الدرج من جديد وتقوم بفتح الباب وهي تنادي بحرصٍ ورفقٍ:
- وَمـيض!!!
بدأت تجوب الصالة بعينيها في ارتباكٍ وتكرر ندائها بصوت أعلى قبل أن تحسم أمرها بالتوجه إلى غرفة النوم ثم بدأت تطرق بابها برفقٍ ورددت:
- وَمـيض.. إنتِ نايمة؟
زفرت "مهرة" بيأس فقررت فتح الباب بهدوءٍ ثم نظرت في كل أنحاء الغرفة ولم تجدها، خرجت على الفور وأوصدت الباب خلفها ثم هرعت تهبط الدرج حتى وصلت إلى "نوح" الذي قابلها بسؤال سريع:
- أيه لقيتيها نايمة؟
أومأت سلبًا ثم تابعت بتوترٍ ونبرة سادرةٍ:
- لأ هي مش فوق أصلًا يا نوح.
أفزعته جملتها وهو يصيح بانفعالٍ خفيفٍ:
- يعني أيه مش فوق؟؟ أمال راحت فين؟؟
مطت شفتيها في حيرة وقلق ورددت:
- مش عاغفة.. ممكن تكون بتتمشى في أي مكان بالمزغعة؟؟
أومأ مؤيدًا حديثها وتفرقا يبحثان عنها في كل مكانٍ ولكنها اختفت تمامًا، عاود "نوح" الاتصال بصديقه وأخبره بعدم وجودها بأي مكان في المزرعة، التاع قلب "تليد" فزعًا وقلقًا عليها واستبدت الهواجس به فأسرع يحادث "علَّام" لربما شعرت بالخوف وحيدةً فقررت أن تذهب إلى بيته ولكن "علَّام" نفى قلقًا مجيئها إليه، بلغ الخوف مبلغه منه ليهرول مسرعًا خارج المستشفى بأكملها ثم يستقل سيارته ويتوجه بسرعة رهيبة إلى المزرعة.
- بقول لك بنتك كلمتني وبتقول لي إنها واقفة قدام باب شقتي؟؟ أكيد عرفت حاجة عن الريكورد؟؟ طريقة كلامها فيها حاجة مخيفة ومش طبيعية!
أردف "وِسَام" بتلك الكلمات المنفعلة وهو يتحدث إلى "سُهير" التي تخاطبه بصوت هامسٍ في زاوية بعيدة عن زوجها، أطبقت أسنانها معًا بغيظٍ قبل أن تقول بحدةٍ:
- طيب لو فعلًا عرفت إنتَ هتعمل أيه؟؟
صاح "وِسَام" مستنكرًا إزاحة المصيبة عنها:
- قصدك إحنا هنعمل أيه؟؟ ولا نسيتي إنك إنتِ اللي اديتيني التسجيل علشان تنقذيها منه؟؟
ابتلعت "سهير" ريقها بصعوبة بالغة ورددت في محاولة لتهدئته وإيجاد طريقه لاستقطاب ابنتها إلى صفهما مرة أخرى:
- اسمعني يا وِسَام.. إحنا اللي عملناه دا عملناه علشان ننقذها من واحد متطرف زيّ دا.. مش عارفة قدر إزاي يعمل لها غسيل مخ ويخليها تحبه.. اسمع يا وِسَام دي فرصة وجت لحد عندنا.. إحنا لازم نوعيها ونرجعها عن الأذى اللي بترتكبه في حق نفسها.
وِسَام بنبرة حانقة:
- ود
ا إزاي إن شاء الله؟!
سهير وهي تستعين ببعض الكلمات للتلاعب بها على أوتار مشاعره الواضحة تجاه الأخيرة:
- وِسَام إنتَ بالسهولة دي هتتخلى عن حُب حياتك؟؟ إنتَ لازم تنقذها من الأذى.. دي فرصة نفرقها عنه ونرحمها من اللي بتعمله في نفسها ونرجع نكسبها إحنا الاتنين من تاني.. هي ترجع لحضني وإنتَ يكون لك فرصة مستقبل معاها!!.
نفخ "وِسَام" بقوةٍ قبل أن يقول بحسمٍ:
- اقفلي دلوقتي علشان داخل على الشقة.
لم ينتظر ردها وأغلق على الفور، سار بخطوات مترددة حتى تجاوز بوابة العمارة وما أن صعد الدرج للدور الثاني حتى وجدها تقف أمام باب الشقة في انتظاره وما أن رآها حتى تدبر ابتسامة عريضة وقال:
- وَمـيض؟؟ فينك يا بنتي كل دا؟؟ ليكِ وَحشة والله!
رفعت "وَميض" أحد حاجبيها ثم تابعت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
- وِسَام.. إنتَ اللي سربت الفيديو ونشرته في كل مكان صح؟؟ ما تحاولش تنكر لأن كل حاجة انكشفت خلاص وتليد عرف عنوانك!!
ابتلع ريقه على مهلٍ قبل أن يولج المفتاح بالقفل ثم يمر داخل الشقة وهو يقول ببعض التوتر:
- وَمـيض.. ادخلي خلينا نتكلم جوا وأشرح لك.
اندفع داخل الشقة وسارت خلفه وهي تصيح بنبرة منفعلة:
- تشرح لي أيه يا وِسَام!!
أغلق الباب فورًا قبل أن ينبش مقدمة رأسه ثم يتابع بلهجة لينة:
- وَمـيض.. أنا كُنت بحاول أساعدك علشان كُنتِ مغصوبة على الجوازة.. خوفت عليكِ تعيشي حياة شاقة مع شخص مُتطرف زيّ دا؟!!
حدقت فيه بنظرات نارية وصاحت بحدة:
- أنا جوزي مش متطرف.. أنا جوزي أكتر إنسان سوي وعقلاني وبيتقي الله في الدنيا.
ضغط "وِسَام" على أسنانه بقوةٍ ضاريةٍ قبل أن ينظر داخل مُقلتيها بحدة ويقول:
- دلوقتي بقى حلو وبتدافعي عنه؟! عمومًا أنا كل اللي عملته كان بدافع حمايتك، تصدقي أو لأ براحتك.
أسرع مندفعًا في غيظٍ إلى المطبخ ثم أخرج علبة العصير من الثلاجة وأحضر كوبين وسكب فيهما العصير قبل أن تتردد كلمات "سهير" على أذنيه بصورة مُزعجة ليتجه إلى أحد أدراج المطبخ ثم يخرج منه شريطًا ويتناول قرصًا ويلقيه داخل الكوب الخاص بها ويبدأ في تذويبه بتوترٍ كبيرٍ حتى اختفى تمامًا، كانت تقف في الصالة بوجه متجهمٍ ومشاعر مضطربة ما بين غضبها منه وشعورها بصدق نيته تجاهها وقت تسريب التسجيل، أسرعت تتوجه خلفه إلى المطبخ ولكنها وجدته يخرج عليها ثم يمد يده لها بكوب العصير وهو يقول بلهجة ثابتة:
- اشربي العصير وهدي أعصابك علشان إنتِ لازم تعرفي مين اللي ساعدني في الوصول للتسجيل!!
حدقت فيه بعينين متسعتين وتساءلت متوجسةً رغم علمها بالإجابة:
- مين؟؟؟
أومأ بهدوءٍ وهو يتحرك من أمامها ثم يجلس على الأريكة ويقول بثباتٍ:
- هنفضل نتكلم وإحنا واقفين ولا أيه، اشربي يا ستي العصير وتعالي اقعدي هنا، من ساعة ما استقبلتيني على الباب وهاتك أسئلة.. عايز أبل ريقي!
تنهدت "وَميض" تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن تجلس على الأريكة ثم تتجرع ما في الكوب مرة واحدة وبعد ذلك وضعته على الطاولة بنفاد صبرٍ ورددت:
- مين يا وِسَام اللي اداك التسجيل؟؟ ماما سهير مش كدا؟؟؟
ظل محدقًا داخل عينيها للحظات قبل أن يومئ إيجابًا لتضحك هي ضحكة مصدومة وتقول باختناقٍ:
- أنا مش فاهمة، هي ليه مش قادرة تستوعب إني بحب جوزي؟؟ ليه مش قادرة تشوفنا مبسوطين مع بعض؟؟؟
امتعض وجهه من شدة الغيظ قبل أن يرمي الكوب الذي بيده بقوةٍ على الأرض ليتكسر إلى شظايا كثيرة فانتفض جسدها فزعًا وهي تجده ينظر إليها نظرات نارية ويقول:
- وأنا؟؟ أنا اللي دعمتك كل لحظة وحبيتك من قلبي.. حبيتك لدرجة إن حياتي وقفت من بعد جوازك؟؟ ليه مش عايزة تحسي بيَّا؟! حبيتيه ليه؟ أنا كان عندي أمل تكرهيه زيادة وتبعدي عنه وترجعي لي؟؟
انفتح فمها على وِسعه مصدومةً قبل أن تتشنج فرائصها وتقول بحدةٍ:
- أحبك أيه؟؟ إنتَ زيّ أخويا؟!
انتفض واقفًا في مكانه ثم صرخ وهو يميل بجسده مقتربًا منها:
- بس إنتِ مش أختي.. إنتِ من حقي أنا!!
أسرعت بوضع ذراعيها أمامها تدفعه بعيدًا عنها ثم تنهض فزعًا من مكانها وهي تصرخ مستنكرةً:
- وِسَام.. إنتَ شارب حاجة ولا أيه؟؟
انطلقت من بين شفتيه ضحكة صفراء وردد بنبرة مخنوقةٍ:
- لأ.. أنا واعي.. واعي كويس أوي.. إنتِ اللي كمان ثواني ومش هتكوني في وَعيك.
ابتلعت غِصَّة مريرة في حلقها واستبد الشك بها خاصةً بعد أن بدأت تشعر بالدوار يكتنف رأسها كله، وضعت كفها تضغط رأسها وهي تقول بمقاومة ودوار:
- إنتَ حطيت لي أيه في العصير؟؟؟؟
صاح وهو يقترب منها ثم يقبض بشراسة على ذراعها تاركًا لعينيه فرصة التمعن والتفحص إلى كافة أنحاء جسدها:
- مُخدر.. علشان كُل حاجة ترجع لمجراها!!
انسكبت دموعها وهي تحاول التملص منه بقوةٍ واهيةٍ بينما سحبها بقوةٍ عنيفةٍ من ذراعها وبدأ يجرها خلفه إلى غرفة نومه لتسقط منهارةً دائخةً بالأرض وقبل أن يدخل بها إلى الغرفة، سمع رنين هاتفها بصورة مُلحة، تركها مسرعًا إلى أن التقط الهاتف ثم رفع ذراعه وبأقصى قوة لديه قام بطرحه على الأرض حتى تكسر إلى قطعٍ كبيرةٍ!!!
رواية رحماء بينهم الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم علياء شعبان
"هل أن تضمن بقاء قلب يحبك يعني أن تستبيح العبث به.. أن تعيث فسادًا فتروع طمأنينته بعد أن كلفك مهمة إحيائه.. لقد أحدثت في أعماقه جرحًا غائرًا لا يداويه ما تبقى من عُمره القادم ولا يلتئم بإثبات براءة!!'.
أحدثت إطارات سيارته صريرًا عاليًا وهو يتوقف فجأة أمام بوابة المزرعة، ترجل من السيارة ثم صفق بابها على عجلة من أمرها ليندفع داخل المزرعة مُباشرة حتى التقى بصديقه الذي يقف مع زوجته يتحدثان بملامح متوترةٍ.
وما أن أبصره "نوح" حتى ترقب قدومه بينما تكلمت الأخيرة بنبرة قلقةٍ:
- مفيش أخبار؟!! مش موجودة في أي مكان؟!!
أومأ "نوح" سلبًا بأسف شديدٍ قبل أن يدور "تليد" حول نفسه ويجوب المزرعة بعينيه في نظرة شاملة مترقبة، نفخ بقوةٍ قبل أن يقول في حيرةٍ:
- إزاي طيب.. دي مش عند علَّام حتى شروق موجودة معانا في المستشفى.. هتكون راحت فين؟!
تنحنح "نوح" قليلًا قبل أن يربت على كتف صديقه ويقول بلهجة ثابتة يبث فيها بعض الكلمات المطمئنة:
- صلي على النبي واهدى.. وَميض مش عيلة صغيرة.. أكيد لمَّا فضلت لوحدها بالشقة حست بالخوف فراحت عند صديقة قديمة ولا حاجة!!
مسح "تليد" على وجهه وغرة رأسه قبل أن يصيح متشنجًا قلوقًا:
- طيب وتليفونها مقفول ليه؟! ليه مكلمتنيش وقالت إنها خايفة وأنا كنت جيت خدتها؟!
أجاب "نوح" بتنهيدة حارة يجد لها عذرًا:
- يمكن تليفونها فصل شحن يا تليد.. أهدى شوية.. إن شاء الله هتكلمك في أقرب وقت ويمكن نلاقيها واقفة قدامنا دلوقتي.
تنحنحت "مُهرة" في ارتباكٍ وحُزنٍ قبل أن تردد بصوت خافتٍ:
- هعمل لكم ليمون وجاية يا نوح.
أومأ مؤيدًا فكرتها فأسرعت نحو مطبخ المزرعة لتحضير المشروب من أجل تهدئة التوتر الغالب على الأحداث منذ حادثة ابن عمه مرورًا باختفاء زوجته.
بدأ "تليد" يروح ويأتي داخل مساحات المزرعة في توتر، يشعر بصعوبة بالغة في التنفس واشتداد في كافة أعصابه ولم يكف للحظة عن محاولة الاتصال بها وبقى لسانه لا يردد إلا أدعية لحفظها من كل مكروهٍ، لم يشعر براحة بل تزداد نفسه ذعرًا وكأنما خُلع قلبه من مكانه وصمة أحد ما يعتصره بين قبضته، تبادرت فكرة أن تكون قد ذهبت إلى نجلا إلى ذهنه ولكنه استنكر الأمر تمامًا واستبعده ورغم ذلك لم ييأس سؤال الأخيرة التي أجابته نافيةً بنبرة ملهوفةٍ قلقةٍ، لم تزيده إجابتها إلا اختناقًا.
في هذه اللحظة وجد هاتفه يرن فخفق قلبه بقوةٍ يتعشم أن تكون هي المتصل ولكن خاب أمله حينما أبصر اسم والده على شاشة الهاتف فأجب بنبرة مخنوقةٍ رغم ثباتها:
- أيوة يا حج؟!
جاءه صوت "سليمان" يتهلل فرحًا قائلًا:
- عُمر خرج من العمليات والخطر زال عنه ونقلوه لغرفة العناية.
ابتلع "تليد" غِصَّة مريرة في حلقه ورد بخفوتٍ:
- الحمد لله.
تساءل الشيخ متوجسًا نبرة صوت ابنه التي تبدو حزينة للغاية:
- مالك يا بني؟؟ فيك أيه؟؟
لم يرد الأخير اقلاقه فأردف تنهيدة ممدودة بعُمقٍ:
- الحمد لله كله بخير.. أنا بس كُنت قلقان عليه شوية.
قال سليمان بابتسامة هادئة:
- مفيش داعي تيجي بقى لأن محدش هيدخل له النهاردة.. بكرا بمشيئة الله.. أنا هفضل قاعد الليل كله في الاستراحة اقرأ له شوية قرآن لحد ما يفوق بالسلامة.
رد تليد بلهجة ثابتة:
- ماشي يا حبيبي.. ربنا يعينك.
أغلق المكالمة مع والده ليأتيه "نوح" بكوب العصير ثم يمده إليه وها يقول بنبرة حزينة تؤازر حالة صديق عمره:
- خُد أشرب الليمون دا.. أهدى.. إن شاء الله الوضع مش هيكون مستاهل كل خوفك دا.
التقط "تليد" الكوب منه ثم تابع بأنفاسٍ ساخنةٍ:
- فكرة إنها تبات برا بيتها ومن غير ما تقول لي وتليفونها يتقفل فجأة يستاهل يا نوح.. يستاهل الخوف والتوتر والقلق والغضب.. هي لو كويسة فعلًا ليه هتعمل فيَّا كدا وهي عارفة كويس إنها هتخلع قلبي عليها!!
سكت هنيهة ثم أضاف باختناقٍ أكبر:
- وَميض مش كويسة يا نوح.. أنا قلبي مقبوض وإنتَ عارف ومجرب احساسي لمَّا يكون قوي ناحية حاجة معينة!!
مال يضع الكوب على الأرض دون أن يرتشف شيئًا منه ثم استقام مرة أخرى قبل أن يدعك جبهته ويقول في تيهٍ:
- وبعدين يا نوح.. أنا هفضل واقف متقيد كدا؟! دلني!
نفخ "نوح" بانفعالٍ قبل أن يردد بضيقٍ وحيرةٍ:
- مش عارف.. أنا بقول نستنى شوية يمكن تليفونها يتفتح وجايز ترجع؟؟؟ لأن مفيش حل تالت أو كلم علَّام وسهير يمكن يدلوك على صاحبة ليها أو حاجة؟!!
أومأ "تليد" منصاعًا لحله الثالث، أجرى اتصالا سريعًا بعلَّام الذي أجابه بلهفةٍ حول عودتها إلى بيتها، نفي "تليد" عودتها ثم تساءل بلهفةٍ:
- وَميض كان ليها صاحبات في الشغل مثلًا أو المنطقة؟؟ قولوا لي على أي عنوان أروح له؟!!
نادى "علَّام" على زوجته ثم أعاد سؤال الأخير على مسامعها فبدأت تعتصر رأسها ثم رددت بنبرة متوترةٍ:
- في دينا.. كانت زميلتها في الشغل وعنوانها •••••
تكلم "علَّام" متلهفًا:
- ما تروحش من غيري يا تليد.. أنا جاي أدور عليها معاك.
أسرع "علَّام" بإغلاق المكالمة قبل أن يهرول مُسرعًا خارج الشقة للحاق بـ "تليد" والتكاتف معه من أجل الوصول إلى ابنته، ارتجفت أطراف "سهير" وهي تلتقط هاتفها ثم تتصل بوِسَام، كررت اتصالها به مِرارًا حتى أجابها بنبرة حادة فصاحت به في غيظٍ:
- إنتَ عملت في بنتي أيه؟؟ وليه مرجعتش لبيتها لحد دلوقتي؟؟
زم شفتيه وردد ببرودٍ:
- بنتك؟! أه نسيت أقول لك إني لمَّا وصلت البيت مالقيتهاش أصلًا.
خفت حدة نبرتها المتوترة قليلًا وصدقته في الحال وهي تتساءل متوجسةً:
- يعني إنتَ مشوفتهاش النهاردة أصلًا!!
أردف نافيًا بلهجة ثابتة:
- لأ.
أغلقت المكالمة ما أن وصلها رده، ابتلعت ريقها على مهلٍ قبل أن تتابع بنبرة قلقةٍ:
- هتكون راحت فين يعني؟!!
(على الجانب الآخر)..
أخذت تقاومه بقوةٍ واهيةٍ وهي تضرب صدره بقبضتيها لإبعاده عنها بينما حاوط خصرها بذراعيه ثم شد عليه حتى رفعها ثم وضعها على الفراش فصرخت باكيةً وهي تحاول الفرار بعيدًا عن هذا السرير بعد أن غرست أسنانها في جلد يده فصاحت بدموعٍ غزيرة تتوسل إليه:
- لأ يا وِسَام.. سيبني أمشي.. ابعد عني أبوس إيدك!!
أخذت تتلوى بقهرٍ بين ذراعيه حتى سقطت على الأرض مرة أخرى فقرر أن يتركها حتى تفقد وعيها تمامًا ويغشى عليها وما هي إلا لحظات حتى خارت قوتها تمامًا فحملها بين ذراعيه ووضعها بالفراش لتشتعل نشوة تستقر في أعماقه لقربها، بدأ يبتلع ريقه بلهفةٍ وعيناه تتجولان على تفاصيل جسدها المستور فلم يُشبع فضوله هذه الملابس فقرر أن يجدها منها ويحصل على ما رغب فيه واحتبس داخله لسنواتٍ، لقد أرادها زوجة له وعاش لحظاته يتخيلها مِلكًا له حتى جاء ذلك المتطرف من وجهة نظره وسرق أحلامه معها منه، تحرك يميل عليها وبدأ في فك أزرار سترتها بعد أن فقدت ما تبقى من وَعيها ويقظتها وما أن انتهى حتى بدأ ينزع السترة عن جسدها ليظهر أمامه كتفيها العاريين فيبتلع ريقه بشهوةٍ وتتسع حدقتيه راغبةً في المزيد فأسرع يمزق حمالات السترة الداخلية قبل أن تضرب رأسه يقظة سريعة فيتوقف عما يفعل وهو يطالع ملامحها الساكنة بعينين دامعتين يستنكر ما يفعل بها مستغلًا ضعفها وقلة حيلتها، تبادر إلى ذهنه كل اللحظات الطيبة التي قضياها معًا وكيف كانت تحبه وتدعمه كأخٍ وصديقٍ، ولكن هذه النهاية الطبيعية لفتاة رأت في مصادقة الرجال أمرًا عاديًا وشائعًا وكيف تتحول المشاعر من وِد أخوي إلى نيران عشق مُشتعل إما من الطرفين أو على الأقل طرف واحدٍ!!.. حُرم اتخاذ الفتيات أخدانًا لهن لأن القلب لا يميز تلك الكلمات المجردة من صداقة وأخوة.. فتجد نفسك بين يوم وليلةٍ غارفًا في الذنوب والمعاصي.. تنبهر بما أقسمت على عاديته يومًا!!
تراجع بأكف مرتعشة آملًا أن تصفح عنه وربما تحبه يومًا لأنه لم يمسها بسوءٍ أو يحظى بما لا ترغب في منحه إياه، فقرر أن يكتفي فقط بتفريقها عن زوجها ووقتها سيتوسل ويتودد إليها حتى تعود إليه مرة أخرى.
قام بنزع سترته العلوية حتى صار عاريًا تمامًا ثم جلس بجوارها وطفق يمزق حمالات سترتها حتى تتعرى كتفيها تمامًا ويظهر في الصورة عُريها من جميع ملابسها ثم غطى جسدها وجسده بملاءة وحرص على إظهار كتفيها العاريين فقط ثم بدأ يلتقط صورًا لهما معًا لإضمار النيران في قلب الأخير وإثارة جنونه فهو الشيخ الذي لا يقبل تدنيس شرفه الذي هو بمثابة قطعة قماش ناصعة البياض، يُدرك "وِسَام" أن رجولة "تليد" لن ترحمه ولن تقبلها على ذمته مرة ثانية، فلا فرصة لها إن مس الأمر شرفه.
“في صبيحة اليوم الموالي"
تحركت أهدابها المنتفخة بثُقل كبيرٍ وشعرت بسهام حادة مصوبة إلى رأسها من كثرة الصداع، بدأت تفتح عينيها تدريجيًا قبل أن تحدق بجحوظٍ وهي تنظر إلى سقف الغرفة وذكريات ما حدث بالأمس تقفز بوحشيةٍ إلى عقلها، شهقت مرتابة وهي تعتدل في نومتها جالسةً قبل أن تنظر بجنون على حالتها وشكل ملابسها الممزقة، مررت أصابعها المرتجفة على كتفيها العاريين في صدمةٍ كاسحةٍ قبل أن تنزل بعينيها على ملابسها السفلية وبالتحديد بنطالها فوجدته مُغلقًا ولا يوجد به آثار للمسات، أسرعت تبتلع ريقها بصعوبة ثم أجهش باكيةً بحُرقةٍ وخوفٍ قبل أن تتدلى مسرعةً بمشاعر مُشمئزةٍ عن الفراش ثم تجاهد رغم انتفاضها أن ترتدي ملابسها بأسرع ما يمكن وعيناها لا تتوقفان عن مراقبة الباب تنتظر هجومه عليها مرة أخرى في أية لحظة، انتهت من ارتداء جلبابها قبل أن تهرول كي تلتقط حقيبتها ثم تفكر مليًا في كيفية الفرار منه أو محاولة الوصول إلى زوجها ولكن عيناها وقعت على ورقة بجوار الحقيبة مكتوب بداخلها أنه لم يمسها بسوءٍ ولم يستطع قلبه أن يفعل وعليها أن تسامحه ونوه أنه غادر المدينة تمامًا ولكنه سيعود إليها قريبًا بعد أن تبدأ خطته في تفريقها عن زوجها.
حررت صرخة مضنية من أعماقها وهي تجثو على ركبتيها منهارةً بالأرض ثم طفقت تلطم وِجنتيها بمرارةٍ وحسرةٍ، ماذا ينوي أن يفعل لها؟! لماذا يستكثرون الفرحة عليها؟! هل زوجها استحق امرأة أكثر وَعيًا وتدينًا منها فيعاقبها الله بالفراق عنه؟! أم كُتب في قدرها ألا تهنأ وتظل أبد الدهر شقية؟؟ ماذا سيفعل بها الآن؟! ربما يطلقها أو يهجرها وفي الحالتين لن يتحمل قلبها الافتراق عنه، كيف يفترقان وقلبها عُقد بقلبه ونبضاتها تعيش بزاد قلبه!!!
تحاملت على ساعدها حتى نهضت من مكانها قبل أن تجر قدميها خارج الغرفة ثم خارج البناية بأكملها وقلبها يسألها بتيهٍ ما مصيرها وإياهُ من حبيبٍ خذلناهُ؟؟؟
نهشت اللهفة قلبه وهو يجلس على دِكته المعتادة بالميناء وداخله كل اليقين بأنها ستعود في أقرب لحظة بل وخلال هذا اليوم، كانت رغبته في رؤيتها أمام عينيه تتفاقم وتزداد، جلس يفرك كفيه معًا يراقب بترقبٍ أوجه كل العابرين في انتظار اقتناص عينيه لعينيها، كانت لحظات قاسية ومُدمرة لأعصابه ورغم ذلك يقينه لم يقل قدر إصبع عن رجوعها اليوم.
غادرت سفينة ضخمة الميناء، فزفر بأنفاسٍ ساخنةٍ مستسلمًا لانتظار القادمة التي ربما تكون حبيبته على متنها؛ فيُهرول إليها حتى تحاصرها ذراعيه ويبقيها على صدره إرضاءً لقلبه الثائر، يعاتبها بودٍ واشتياقٍ ويخبرها أن حبيبهما زال عنه الخطر وزال الخطر عن قلبه أيضًا فور رؤية عينيها!
أطرق يضع وجهه بين كفيه منكس الرأس في شرودٍ، قبل أن يستقر قارب خاص بالمرساة فينزل منه رجل بحِلة سوداء رسمية ثم يمد كفه لها فتتشبث به أثناء خروجها من القارب حتى صارا واقفين على اليابسة وهنا تابع الرجل بلُطفٍ:
- تحبي أكون معاكِ!!
فركت "سكون" كفيها معًا وهي تردد بكلمات مبعثرة أثناء تجول عينيها بالمكان:
- مفيش داعي..
توقف عن الكلام فجأة وتسمرت في مكانها مصدومةٍ وهي تمعن النظر في ملامح ذاك الرجل الجالس على بُعد أمتار منه، إنه كاسب؟! ابتلعت ريقها على مضضٍ قبل أن تتابع وهي تتحرك من أمام الرجل صوب الأخير:
- لحظة بعد إذنك.
سارت صوبه بقلبٍ هلعٍ يخفق بلا هوادة، فكانت تتقدم منه تارة وتتأخر أخرى في تردد مُهلِكٍ حتى رفع بصره ناظرًا أمامه ليتفاجأ بها تتحرك نحوه، هبَّ واقفًا في مكانه وصوت تهلل قلبه يضرب أعماقه قبل أن يندفع نحوها ثم يقبض على ذراعها ويجذبها إلى صدره قائلًا بزفير مضطربٍ:
- وَحشتيني!!
أغمضت عينيها بألمٍ مُدوٍ ينفجر بقلبها فسقطت دموعها فورًا وهي تقول بأنفاسٍ لاهثةٍ:
- عُمر!!
كان يشد من ضمته لها فيقبل رأسها تارة ويمسح على ظهرها أخرى مرددًا بتنهيدة حارة كالذي دبت فيه الروح مرة أخرى:
- عُمر كويس.. الحمد لله.. مبقاش في أي خطر على حياته وسمحوا لنا بزيارته النهاردة.
في هذه اللحظة وَجد قبضة تضغط على ذراعه وصوت حادٍ يقول:
- ابعد إيدك دي عنها.
رفع "كاسب" بصره نحو الصوت قبل أن يقطب ما بين حاجبيه في نفس اللحظة التي ابتعدت فيها عن ذراعيه ليكفهر وجهه بغضب كامنٍ وهو يقول:
- إنتَ مين أصلًا!!
ابتلعت ريقها على مهلٍ حينما وجدته يتوجه بنظراته المتسائلة إليها فردت بنبرة متلعثمةٍ:
- زين.. زميلي في الرحلة وبقينا أصدقاء حاليًا.
رد الأخير بسماجةٍ وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
- حاليًا دي معناها إني في انتظار قبولها عرض جوازي منها.
التفتت "سكون" ترمقهُ بنظرة معاتبة قبل أن يمد يده ثم يعانق كفها بكفه أمام نظرات "كاسب" الذاهلةً فيهما؛ تشنجت فرائصه ما أن أمسك الأخير كفها فأسرع يقبض بشراسة على رسغه ويقول بلهجة محتدةً بالغضب الشديد:
- شيل إيدك!.
استجدته بنظرات هادئة أن يفعل فتركها على الفور بينما قبض "كاسب" على ذراعها بغيظٍ مكتومٍ ثم سحبها أمامه إلى السيارة وما أن فتح بابها حتى صاح بلهجة نارية:
- ادخلي.
استدار للجهة الأخرى من السيارة حتى جلس أمام مقعد القيادة وصفق الباب خلفه بغضبٍ مُشتعلٍ، طفقت تأخذ نفسًا عميقًا داخله ثم تخرجه في شكل زفيرٍ متروٍ بطيء قبل أن تلتفت بجسدها كله نحوه ثم تقول باحتجاجٍ كبيرٍ:
- أيه اللي إنتَ عملته دا؟!! إنتَ مين في حياتي أصلًا علشان تجرني وراك زيّ الحيوانات وتتحكم فيَّا!!
قال كاسب وهو يبتسم ابتسامة ساخرة ويرد:
- أنا يادوب مُخلفات مزاجك.. مزاجك اللي بتفرضيه عليا وبيتحكم في شكل علاقتي بيكِ.. بسيطة.
ضيقت عينيها في حدةٍ وصاحت مختنقةٍ:
- مزاجي بردو.. يعني مش كذبك وخداعك؟؟ إنتَ مش متخيل عملت فيَّا أيه؟! إنتَ سرقت ثقتي في كل حد يدخل حياتي بعد كدا.. فجأة كاسب اتحول لراجل عصابات متآمر عايز ياخد حقه بالدراع مش بالقانون ثم اكتشف إنه يبقى خال أخويا؟!!
مسحت على خصلاتها قبل أن تصيح بحنقٍ:
- سهل عليا كُل دا؟ سهل عليا أرمي كل حب ومشاعر الدنيا قدامك فتجمعهم وتعمل منهم سلاح ضدي!!!.. بتخيل في كل لحظة لو أنا حبيتك بس إنتَ محبتنيش كُنت هتعمل فيا أيه؟! كنت هتدمرني وتتحول لقاتل أو مغتصب.. اوعى تكون فاكر إنك كنت هتبقى بالطيبة دي.. إنتَ واصل للمرحلة دي علشان الحب اللي متحكم فيك.
نفخ بهياجٍ وهو يضرب مقود السيارة ثم يهدر بصوت رخيمٍ:
- وليه بتتوقعي السيء؟!! ليه تفكري في حاجة محصلتش أصلًا!!
قالت سكون وهي تذرف الدموع وتقول بحُرقةٍ:
- علشان عقلي مش قادر يستوعب إن مشاعرك ناحيتي كانت مبنية على الاحتمالات؛ حبيتني أبقى في أمان.. محبتنيش تضيعني وتنتقم من حد بريء.. إنتَ مُتخيل إن ربنا علشان ينقذني من جحودك زرع حبي جواك علشان يعجزك ويوفقك عن اللي كُنت ناوي تعمله!!
صرخ كاسب في وجهها بعينين حمراوين من شدة الغضب والحزن:
- أه ربنا عجزني وفوقني في اللحظة الأخيرة وأه حبيتك والتوبة كانت بسببك.. ربنا تقبل توبتي تعاقبيني إنتِ!!
خفت حدة نبرته وهو يقول بلهجة مهزوزةٍ:
- سكون.. كفاية نوجع في قلوب بعض لحد كدا؟! سامحي وأوعدك إني أبذل ما في وسعي كله علشان ثقتك فيَّا ترجع تاني.
استدارت بجسدها للجهة الأخرى ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها تنظر عبر النافذة في صمتٍ وامتناعٍ رغبةً في اقتناص لحظة خاصة تفرغ فيها ما يتجول داخل روحها من طاقات مشحونة وسلبية.
ظل حاليًا منكس الرأس حتى الصبح أمام بوابة المزرعة عله يلمحها تأتي إليه من بعيدٍ قبل أن يفقد الباقي من ثباته واتزانه العقلي، التف كلًا من "نوح".. "نجلا" و "علَّام" حوله رغبةً في مواساته، التاع قلب "نجلا" بوجلٍ أن يصيب مكروه ابنتها فطلبت من "ماكسيم" أن يتحرى جيدًا ويحاول أن يصل إلى نتيجة، ترجتهُ ألا يعود إلا بخبر يُجبر قلوبهم جميعًا، أخذت نفسًا عميقًا وهي تتجول بخطوات مضطربة أمام بوابة المزرعة قبل أن يأتيها اتصالًا من "ماكسيم" فترد بلهفةٍ:
- في أي أخبار يا ماكسيم؟!!
أجابها بصوت ثابتٍ:
- لحد دلوقتي لأ.. بس أنا وصلت لاحتمال قوي عن مكانها.
أسرعت تسأله بفضولٍ:
- فين؟!!
أجاب ماكسيم دون إطالة:
- كان ليها صديق اسمه وِسَام.. وارد جدًا تكون عنده!!
توترت أطرافها وهي تردد مستنكرةً بعد أن أخفضت صوتها للغاية:
- هتروح تبات في بيت راجل غريب إزاي يعني؟! مستحيل.
قال ماكسيم بتنهيدة قوية:
- نجرب بردو مفيش ضرر.
هزت رأسها في ثباتٍ قبل أن تقول بحسمٍ:
- طيب ابعت لي العنوان في رسالة وأنا هاجي وراك.
أغلقت المكالمة معه على الفور ثم تحركت مسرعةً بخطوات قَلقة ليتحرك "علَّام " الذي لاحظ توترها خلفها قبل أن يسألها بتوجسٍ:
- عرفتي مكان وَميض؟!!
تبادر إلى ذهنه احتمالية معرفة "علَّام" منزل صديق ابنته فقالت بتنهيدة قوية ولهجة ثابتة وهي تحدق بقوةٍ داخل عينيه:
- تعرف عنوان وِسَام؟!!
أومأ فطلبت منه أن يتحرك معها في صمتٍ دون توضيحٍ أية معلومات عن وِجهتهما؛ ودعت "تليد" بكلمات واسية على أن تعود مرة ثانية في أقرب وقت قبل أن تنصرف ومعها علَّام مسرعين.
“على الجانب الآخر"..
شهقاتها المكتومة تتردد في صدرها بقوةٍ وهي تجلس داخل سيارة الأُجرة تلملم شتات نفسها وتحاول احتواء جسدها الذي يرتجف بصورة ملحوظة، كانت تنظر عبر النافذة والدموع تنسكب من عينيها ومرارة تسري كالعلقمٍ في حلقها، خائفة ومرتعبة من زوجها الذي بالتأكيد قد جن جنونه والتاع خوفًا على غيابها، كيف ستتواجه معه وبأي وجه؟ لقد حذرها مِرارًا من لفظ اسمه حتى فكيف سيفعل بها بعد أن يعلم بما حدث؟؟ سيقتلها ويقتل ذاك السافل دون تفكيرٍ، خرجت شهقة ضعيفة من بين شفتيها الرماديتين اللاتين غاب الدم عنهما من فرط الخوف والرهبة، قطب "السائق" ما بين حاجبيه قبل أن يردد في قلقٍ وهو ينظر عبر المرآة:
- إنتِ كويسة يا بنتي؟!
أومأت دون أن تنبس ببنت شفةٍ ثم أطرقت برأسها في ضعف وأخذت تجهش بأنفاسٍ مضطربةٍ ثم وضعت وجهها بين كفيها تتجهز لمواجهة زوجها بقلبٍ هلعٍ، كيف حاله الآن؟ هل تألم قلبه في غيابها؟ هل يبحث عنها بجنونٍ؟! والأهم ماذا سيفعل بها؟ وهل سيصدقها أم لن يغفر لها؟؟ بدأت شفتاها ترتجفان قهرًا ورُعبًا كلما نظرت عبر النافذة ووجدت أنها اقتربت من الوصول، أخذت تفرك كفيها معًا بقوةٍ وانفعالٍ وما هي إلا لحظات حتى أبصرت زوجها يجلس أمام بوابة المزرعة، تسارعت أنفاسها بانفعالٍ قاتلٍ واهتاج نبض قلبها بين ضلعيها لتتلعثم وتكابد معاناة في الكلام أثناء قولها:
- على جنب.
أوقف السائق السيارة أمام بوابة المزرعة مُباشرة لتترجل منها "وَميض" بخطوات مترددة ومتثاقلة فأبصرها "تليد" الذي انتفض واقفًا في مكانه ثم هرع بقلبٍ ملتاعٍ إليها وتبعه "نوح" الذي وقف يراقب الوضع بفضولٍ شديدٍ، أسرع "تليد" بالقبض على ذراعيها بكفيه قبل أن يحاصر مقلتيها بعينيه ثم يقول بأنفاسٍ مهتاجة وعينين متسعتين:
- كُنتِ فين يا وَميض من إمبارح؟؟
حدقت فيه بعينين تجمعت الدموع بهما، تسمرت في مكانها وتجمدت أطرافها وهي لا تجد ما تنطق به فصاح مكررًا سؤاله بجنونٍ:
- رُدي يا وَميض، كُنتِ بايتة فين طول الليل؟؟
ارتعشت أطرافها في انهيارٍ قبل أن تجهش باكيةً وهي تقول بنبرة مُتلعثمةٍ:
- مكنش قصدي يا تليد.. أنا ما أعرفش أيه اللي حصل.. أنا كان قصدي أرجع حقك.. كُنت عايزة أخد موقف وأوقفهم عند حدهم.. مكنش قصدي.. مكنش قصدي والله!
تبادل هو ونوح نظرات تساؤلية قبل أن يرخي ذراعيه عنها ثم يتساءل بشكٍ وريبةٍ:
- إنتِ بتقولي أيه؟ أنا مش فاهم حاجة، ارحميني وقولي كُنتِ فين؟! برج من نفوخي هيطير!
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة قبل أن تردد بشفاه مرتجفة وقطرات العرق تنسكب على جبينها:
- وِسَام.
تجمد في مكانه ينظر إليها بعينين مصدومتين في شدوهٍ فبدا غير مستوعبٍ ما تفوهت به للتو، انطلقت ضحكة مستنكرة من جانب شفتيه قبل أن يردد بأنفاسٍ ناريةٍ:
- وِسَام!!!!!
أومأت في ذعرٍ وبارتيابٍ فصاح بعينين يطق الشرر منهما وهدر:
- وروحتي عند وِسَام ليه يا وَميض؟؟
أتبع سؤاله بآخر يغمره الإنكار هادرًا مغلولًا:
- إنتَ أكيد ما نمتيش في بيته؟؟
انتفض جسدها من شدة الخوف حيث انفلتت أعصابه تمامًا وظهرت ثورة عاتية على قسمات وجهه وهو يقبض بشراسةٍ على ذراعها ويصيح بصوت جهوريٍ يرعد فيه بغضبٍ جامحٍ:
- انطقي.. إنتِ نمتي في بيته؟!!
وجد "نوح" أن الوضع تفاقم للغاية وأن حمم صديقه الغاضب اقتربت على أن تثور وتحرقها فأسرع يقبض على ذراع صاحبه قائلًا بتوترٍ:
- تليد.. خلينا نتكلم جوا.. الكلام في الشارع ميصحش!!
احتدت نظراته القاسية داخل عينيها فأسرعت تختبئ خلف "نوح" الذي وقف حائلًا بينهما وطلب منها بثباتٍ أن تذهب إلى الشقة وسيأتي زوجها خلفها ما أن يهدأ للحديث بشكلٍ لائقٍ، هرعت مُسرعةً إلى شقتها، همَّ أن يندفع كالسيل خلفها ولكن وقف "نوح" أمامه معترضًا طريقه ثم تابع بلهجة شديدة محذرةٍ:
- اسمع منها يا تليد قبل ما تحكم عليها.. يمكن مكانتش عنده وإنتَ ظالمها!!
ضغط "تليد" بقوةٍ ضاريةٍ على أسنانه قبل أن ينطلق خلفها وما أن فتح باب الشقة حتى وجدها تقف أمامه بجسدٍ ينتفض وجلًا، صفق الباب خلفهُ بقوة غاشمةٍ قبل أن يتابع بأنفاسٍ حارقة:
- وَميض.. رُدي عليَّا وريحي قلبي؟! إنتِ كُنتِ فين؟!
بدأ يفرك جبينه وهو يستكمل بأنفاسٍ مختنقةٍ:
- فهميني علشان خاطري.. اتكلمي.. أنا بموت؟! وأيه علاقة وِسَام بيكِ!!
تعثرت في كلامها وهي تضع كفيها على قلبها وتقول بتلعثمٍ:
- العنوان اللي جابه نوح يبقى عنوان وِسَام، أنا روحت علشان أتكلم معاه وأعرف مين اللي أدى له التسجيل!
صرخ صائحًا مزمجرًا وهو يقترب منها بعينين تقدحان بالشرر:
- ليه يا وَميض؟ ما عندكيش راجل يجيب لك حقك؟؟ ما كُنتش هعرف أخد حقي منه علشان تروحي له إنتِ؟!.
ضغط بقوةٍ على ذراعها يعنفها ثائرًا قبل أن يستكمل بريبةٍ:
- ود ا أيه علاقته ببياتك برا البيت؟! روحتي فين بعد ما خرجتي من عنده؟!!
ابتلعت غِصَّة مريرة في حلقها وهي تقول ببكاءٍ شديدٍ:
- ما روحتش.
اتسعت حدقتيه ببوادر صدمةٍ، كل ما فات كان ينكره إنكارًا شديدًا من شدة ثقته بها ليبتسم ابتسامة متوترة ثم يتساءل بتوجسٍ:
- قصدك أيه؟! كُنتِ نايمة في بيته؟!!
ارتفعت شهقاتها وهي تردد بانهيارٍ:
- حط لي مخدر في العصير.
افجعته كلماتها وآلمته إيلامًا شديدًا، خفق قلبه يئن ألمًا عنيفًا قبل أن يحدق فيها بعينين مصدومتين:
- حط أيه؟!!
صرخ مُهتاجًا يتساءل في صدمةٍ وهو يهزها هزًا شديدًا كاد أن يقتلع كتفيها عن جسدها:
- حط لك مخدر ليه؟؟ كان عايز منك أيه؟! أيه اللي حصل بينكم، اتكلمي بقى!!!
انسكبت دموعها بغزارة وهي تقول بصوت متقطعٍ:
- محصلش حاجة بينا.. محصلش والله العظيم.. هو قال لي إن محصلش حاجة بينا.
في هذه اللحظة صدح هاتفه بإشعار وراء الآخر ينبئه عن وصول عدة رسائل متتالية فتركها مندفعًا نحو الهاتف وما أن فتحه حتى وجد عدة رسائل مرفقة ببعض الصور التي تجمع زوجته مع وِسَام في فراش واحدٍ يتغطيان بغطاء تظهر منه أكتاف زوجته العارية بينما يحتضنها وِسَام بين ذراعيه أثناء نومها.
تشنجت فرائصه وجاشت مراجله وهو يحدق بقوةٍ في وجه زوجته النائمة يحاول تكذيب عينيه، يحاول إنكار ما يرى، يحاول إثبات أن هذه العارية المباحة ليست زوجته التي حافظ عليها وستر جسدها وصانها حتى من نفسه؟؟ هل هكذا تُجازيه على عشقه لها؟! هل استحق هذه الفاجعة كمكافأة على صونه لكرامتها قبل شرفها؟؟ حاول وجاهد أن ينفي رؤيته لها ولكنه تواجه في النهاية مع الحقيقة المرة التي نزعت قلبه بعنف وهو حي، كسرت صورتها المثالية داخله بلا رحمة حتى تطايرت شظاياها وأصابت روحه فأدمتها بجروحٍ عميقةٍ، ابتلع ريقه بصعوبةٍ بالغةٍ وهو يلتفت إليها قبل أن يقول بأنفاسٍ مُشتعلةٍ وعينين دامعتين:
- دي مش إنتِ صح؟!!
كانت تحدق فيه بنظرات متساءلة مرتابة قبل أن تمشي إليه بخطواتٍ مترددة ليوجه شاشة الهاتف أمام وجهها، شهقت شهقة مصدومة قبل أن تصرخ باكيةً:
- والله العظيم أنا ما أعرف أيه اللي حصل بعد ما شربت العصير.. صدقني يا تليد.. اللي في الصورة دا مش بإرادتي ولا في وعيي!!
قال تليد وهو ينفجر كاللغم في وجهها:
- يعني إنتِ؟!!
أومأت مذعورةً فانفجرت قذائف حممه عليها حينما سدد لها لطمة عنيفة جعلتها تصرخ بوجعٍ مُفجعٍ ولم يتحمل أكثر فقبض على عنقها وصرخ منفجرًا:
- إنتِ دمرتيني.. كسرتيني.. وَسختي شرفي.. دوستي بجزمة قديمة على رجولتي.. دا جزائي؟!
هدر بصوت هائجٍ:
- رُدي دا جزائي؟! ليه؟! عملت لك أيه؟! علشان تخلي كلب زيّ دا ياخد شرفي مني بكل برود ويحطني تحت ضرسه، وإنتِ رايحة له ما خوفتيش تخسريني بغبائك؟!
صارت تصرخ باكيةً وهي تضع ذراعيها على قبضته وتقول باستجداءٍ:
- مفيش حاجة حصلت يا تليد.. هو قال إنه ملمسنيش.. بيعمل كدا علشان يخرب بيتي ويبعدني عنك.
انطلقت ضحكة مصدومةً عالية من بين شفتيه وهو يصيح محتدًا بالغضب:
- والله؟! هيقلعك وينيمك على سريره ومش هيلمسك؟؟ أنا صبرت عليكِ وإنتِ مراتي علشان ما أخدش منك حاجة بالعافية وكُنت مستعد أصبر عليكِ عُمري كُله، وفي النهاية؟! حقي.. مِلكي.. شرفي كلهم راحوا لغيري.
كانت تشتد قبضته على عنقها دون أن يعي وكل ما همه في هذه اللحظة أن يصرخ ويثور، حدقت فيه بعينين متسعتين وبدأ الأكسجين ينسحب منها وهي تقول بأنفاسٍ خافتةٍ:
- هموت يا تليد!!
استفاق أخيرًا من سكرة غضبه القاتل الذي أوشك أن يقضي عليها فسحب قبضته عن عنقها فورًا قبل أن تردف هي بدموعٍ منهمرةٍ وقلبٍ مفطورٍ:
- حرام عليك.. ما تظلمنيش.. والله العظيم ما قرب مني.. وِسَام أجبن من كدا بكتير.
أسرعت تقترب منه ثم لمست خديه براحتيها وأردفت مرتابة تنتفض خوفًا منه:
- تقدر تتأكد.. والله أنا بريئة.. مكنتش أعرف إن كل دا هيحصل.. اتأكد يا تليد.. بس متظلمنيش وسامحني؟!!
في هذه اللحظة بدأ الباب يُطرق بقوةٍ وبدا "نوح" مرتابًا مذعورًا وهو يقول من خلف الباب:
- تليد.. افتح الباب.. خلينا نتكلم بعقل.
تكالب الوجع على قلبه ينهش فيه نهشًا فثار ثائره وجن جنونه ليبدأ في طرح كل شيءٍ حوله بالأرض، أقام الدنيا وأقعدها وعاث يدمر المكان وهو يصرخ هادرًا باكيًا:
- موجوع.
هرعت مسرعة صوب الباب ثم فتحته وهي تبكي مستغيثةً بالأخير الذي هرول إلى صاحبه وبدأ يقيد ذراعيه ثم يصيح بلهجة ثابتة:
- اهدى يا تليد.. اهدي بقى يا بني.. فهمني في أيه؟؟؟
صرخ "تليد" بقلب مخلوعٍ:
- موجوع يا نوح.. كسرتني.. حبيتها وكسرتني.. قدمت لها كل حاجة جوايا.. قدمت لي أيه؟! قدمت شرفي على طبق من دهب لواحد تاني!!
صُعق "نوح" من كلماته ليردف متوجسًا خيفة أن ما تبادر إلى ذهنه قد حدث خاصة بعد اعترافها أمامه أنها كانت بمنزل ذاك الخسيس:
- إزاي؟؟ مش فاهم؟!!
قال تليد وهو يلتقط الهاتف ثم يضعه أمام وجه الأخير ويهدر باختناقٍ:
- بسيطة يا سيدي.. مراتي.. مراتي نايمة في حضن واحد تاني وعلى سريره وبتقول لي محصلش بينا حاجة!!
انطلقت ضحكة ساخرة خرج معها ويلات صدمته وانكساره وهو يستكمل بانهزامٍ وعينين تفيضان بالدموع أمام صديقه المحدق في صدمةٍ:
- شربها مخدر.. قلعها.. نيمها في حضنه.. صورها.. بس رجعها لي صاغ سليم.. بتحاول تقنعني بدا يا نوح.
ألقى الهاتف بالأرض في عصبيةٍ مُفرطةٍ قبل أن يتوجه بنظرات نارية صوبها ويصيح:
- إنتِ فاهمة معنى الشرف غلط.. إنتِ بتطمنيني إنك سليمة؟! هو الشرف غِشاء بكارة بالنسبة لك؟! العِفة بالنسبة لك حتة جِلدة؟!.. إنتِ دبحتيني بسكين تِلم.. لا روحي عارفة تخرج ولا عارف أتجاوز الوجع.
قطب "نوح" ما بين حاجبيه يتساءل في نفسه حول هذه الجملة؟! ماذا تعني بالتأكد؟ هل مازالت عذراء ولم يلمسها صديقه حتى الآن؟!!
انهارت "وَميض" تجثو جالسةً على الأرض قبل أن تبكي مترجيةً الأخير أن يرحمها من نيران كلماته:
- كفاية بقى.. لو كُنت أعرف والله ما كُنت روحت.. صدقني بقى أنا مظلومة.. أقف جنبي.. ما تعملش كدا؟!!
همَّ أن يندفع نحوها بحمم تمور بسخونةٍ عاتية إلا أن "نوح" حاوط خصره ودفعه بقوةٍ يبعده عنها بينما صرخ "تليد" بانفعالٍ يتلظى نارًا:
- أنا مش عايز أبص حتى في وشك.. كسرتي أوامري وخرجتي عن طوعي ومشيتي بدماغك وأنا الست اللي ترمي كلامي ورا ضهرها متلزمنيش.
اندفع مُسرعًا صوب الباب فصاح "نوح" بارتباكٍ وقلقٍ:
- إنتَ رايح فين؟!!
قال تليد بصياح هادرٍ:
- المكان اللي المفروض أكون فيه دلوقتي.. يا أقتله يا يقتلني.
صرخت باكيةً وهي تنهض مهرولةً خلفه:
- هرب.. هرب والله.. هرب.. مش هتلاقيه يا تليد.
أسرعت إليه حينما استوقفه حديثها؛ فصاح "نوح" مؤكدًا على كلامها بثباتٍ:
- أكيد هرب.. هو مش بالغباء دا علشان يعمل عملته ويفضل في مكانه وهو عارف إنك هتوصل له.. ممكن تهدى وخلينا نفكر!!
تراجع عدة خطوات للخلف قبل أن يستدير مواجهًا لعينيها مُباشرة ثم يردد بجمودٍ وحدةٍ:
- مفيش مكان تاني بيروح عليه؟ ما إنتِ تعرفيه أكتر من معرفتك بجوزك.
تجرعت كلماته التي طعنتها بخنجر مسمومٍ ولكن يحق له أن يقول ما يشاء فهي التي أوصلته إلى هذه الحالة، أومأت سلبًا وهي تغمض عينيها فتنسكب الدموع بتدفقٍ على وِجنتيها قبل أن تردد بتوسلٍ شديدٍ:
- تليد.. استوعب بقى.. بقول لك ملمسنيش.. بيعمل كل دا علشان يفرق بينا.. تقدر تتأكد بنفسك إنها لعبة منه!!
زمجر بزئيرٍ عالٍ قبل أن يطبق أسنانه ثم يصيح ساخطًا:
- تاني بتقول لي اتأكد!!.. طيب يا وَميض هتأكد.
اندفع عائدًا داخل الشقة قبل أن يلتفت إلى "نوح" ويهتف به في لهجة شديدة:
- امشي يا نوح دلوقتي!!
حدق "نوح" فيه بنظرات مُحذرة بعد أن تأكد من ظنونه فاستنكر ما سيحدث بعد قليلٍ فصديقه ليس واعيًا على الإطلاق وهي لا تتوقف عن إثارة حنقه واستفزازه، تنحنح بتوترٍ قبل أن يردف بصوت خافتٍ:
- تليد.. اهدي وتعالى معايا نتكلم تحت في المزرعة.. انسى اللي بتقوله وَميض وتعالى معايا.. خاف عليها حتى؟! إنتَ مش متزن انفعاليًا دلوقتي!!
كز بقوةٍ على أنيابه قبل أن يكرر بلهجة صارمة وملامح متأججة من كثرة الاشتعال الذي نشب داخله:
- بعد إذنك يا نوح.. انزل.
ابتلع "نوح" ريقه على مضضٍ قبل أن ينصرف متوجسًا أذية صديقه لها، صفق "تليد" الباب بقوة قبل أن يلتفت إليها ثم يردد بصوت رخيمٍ وهو يندفع إليها قابضًا بعُنفٍ على ذراعها:
- تعالي.
خارت قوتها الواهية وتحاملت على قدميها بينما يجرها خلفه للغرفة، حاولت اخفاء خوفها من أن يكون "وِسَام" كاذبًا ولن تجدي محاولتها إثبات عفتها نفعًا، دفعها بقوةٍ ليرتطم جسدها بالفراش وبنبرة غليظة صرخ ساخرًا:
- بقى هو دا شكل اليوم اللي أنا استنيته عمري كله؟! بحاول فيه أثبت لنفسي إن شرفي لسه في مكانه؟!
اعتدلت جالسةً على الفراش قبل أن تتوسل إليه باكيةً تناشد اللين فيه:
- سامحني.. مكنش قصدي ادمر أحلامك.. أنا غبية بس إنتَ مش هتبعد عني، صح؟! أنا وَميض؟! حبيبتك؟!!
ابتسم بسخرية ورد:
- دا ضمانك لوجودي مش كدا؟! إني بحبك، إنك تغلطي وتتمادي وأغفر لك علشان ارضي قلبي وإنتِ معايا؟؟ بتستغلي مشاعري وإني مش هقدر أبعد عنك؟؟
مال عليها بجذعه العلوي ثم اقتنص مقلتيها بعينيه الحادتين وقال بانكسارٍ بدا جليًا في رعشة أنفاسه المضطربة:
- باين عليَّا إني بتنفس قربك؟! باين أوي عليَّا إني أضعف بني آدم على وجه الأرض بسبب كسرتك ليا؟!
لم يمنحها فرصة الرد وهو يصرخ مهتاجًا ويبدأ في تمزيق سترتها بغيظٍ مستعرٍ، بكت مذعورةً من تحوله ولكنها تركته يفرغ غضبه بالطريقة التي ترضيه والتي استحقتها، لقد دمرت تخيله بليلة زوجية سعيدة يتناثر من حولهما الورود وتفيض مشاعرهما المستعرة بلُطفٍ ومودةٍ، لقد أحدثت في أعماقه جرحًا غائرًا لا يداويه ما تبقى من عُمره القادم ولا يلتئم بإثبات براءة.. غاب عن السيطرة على نفسه تمامًا وتقدم فيما يفعل لا يعلم هل انتقام لقلبه المكلوم أم عقاب لها أو ربما رغبة جامحةٍ في بعض اللحظات معها حتى وإن كان قلبه ينهار أو يلتهمه صدأ خيبة الأمل!!
أوقف "كاسب" سيارته على الجانب الآخر من بوابة المستشفى الرئيسية ثم امتد بصره إلى البوابة قاطبًا حاجبيها حينما رأى ازدحامًا شديدًا أمام البوابة من قِبل عربات الشرطة وبعض الصحافيين بينما ابتلعت "سكون" ريقها على مهلٍ قبل أن تلتفت إليه وتتبادل نظرات تساؤلية معه ليترجل مندفعًا من سيارته وتفعل هي أيضًا قبل أن يستدير نحوها ثم يقبض على راحتها بين راحته مرددًا ببعض الشكٍ:
- عثمان السروجي وِقع.
كان ينظر صوب الحشد مُباشرةً قبل أن تلتفت إليه فورًا بعينين متسعتين في ذهولٍ تجمعت الدموع بهما لتردد بصوت مخنوقٍ:
- جايين ياخدوا بابا؟!!
قال كاسب وهو يتنفس بقوةٍ وراحةٍ لا مثيل لهما ويرد ضاغطًا بقوة على راحتها:
- تخمين وما تحاوليش تسيبي إيدي علشان مش هتخلصي من الصحافة.
لم يلبث أن أنهى جملته حتى وجد "عثمان" يخرج من بوابة المستشفى محاطًا بعدد كبيرٍ من رجال الشرطة وذراعيه مقيدان بالأصفاد وخلفه "نبيلة" التي تسير في حراسة أكثر من ضابطٍ بينما يحاول الصحافيين توجيه بعض الأسئلة لهما ولكن الوضع تم السيطرة عليه بحزمٍ، شهقت "سكون" شهقة مروعة قبل أن تهرع مفلتةً يده في محاولة يائسة للحاق بهما وهي تصرخ أثناء محاولاتها اجتياز الحشد المهول من الناس للوصول إلى والدها:
- باااااااااااباااااا.
انهمرت دموعها بانفعالات هائجةٍ وهي تحاول الوصول إليه ولكن رجال الشرطة منعوها من التقدم بعد أن أغلقوا أبواب السيارة وحجبوا رؤيتها لهما، هرول "كاسب" خلفها مرتعبًا أن يتعرض أحد لها حتى وصل إليها في النهاية فأسرع يقف خلفها ثم يحيطها بذراعيه مبقيًا إياها بالمنتصف لتنتبه الصحافة حول وجودها ويهجمون عليها لتوجيه أسئلتهم المُلِحة بينما صرخ "كاسب" بصوتٍ جهوريٍ حَنِق:
- ابعدوووووووا.
التفت ينظر إلى أحد الصحافيين الذي أصر على الاقتراب أكثر منها وصرخ منفجرًا بشراسةٍ:
- بقول لك ابعد.. فايق للكلام ولا أفوقك!!!
دفعه بعنفٍ شديدٍ قبل أن يسير بها حريصًا ألا تتأذى شعرة منها حتى تجاوزوا بوابة المستشفى وأُغلقت الأبواب خلفهما.
كان معتلي جسدها بضخامته، أراد أن يعاقبها على استفزازها له، أرادها أن تُدرك أن إثبات براءتها لا يعني له شيءٌ؛ فالاثنان واحد ولكن مشاعره المتأججة غضبًا تحولت إلى أخرى غابت إلى عالمٍ آخر محاولًا إخماد رغبته فيها ولهفته عليها ولكنه كلما غاص في عالمه الخاص معها كلما ازدادت رغبته فيها أكثر وكأنه لا يجد نهاية لضعفه الذي يحتله وهي بين يديه، أسرع بسحب نفسه من هذا العالم بسرعة قبل أن يغرق دون عودةٍ، انتهى من المهمة التي استفزته لفعلها وكانت بعض قطرات الدماء هي إثبات واضح لبراءتها وما أن رأى ذلك حتى ستر جسده ثم نهض مندفعًا بغضبٍ داخل الحمام، خُدشت رجولته تمامًا لحظة أن ذهبت إلى بيت رجل آخر فاستحل لمس جسدها وإطلاق العنان على تفاصيل جسدها ووضعها بفراشه، ماذا تعني عُذريتها بالنسبة له حينما يطعنه خسيس بصور تجمعه بزوجته وهي تنام عارية بين ذراعيه؟! لماذا لم تعي تحذيراته والعمل بها؟! هل طاعة الزوج تعد ضعفًا من المرأة في هذا الزمان؟! هل احترام رغباته يعد كبتًا لحريتها ورغباتها المعاكسة؟! لماذا لم تنصت له؟! لماذا سلمت عنقه لرجل آخر ينحر فيها بلا رحمة!!، لماذا تستنكر حدسه وتحذيراته؛ فالرجل يفرض تحكماته لا بغرض القسوة إنما بغرض السيطرة على الأمور واحتواء المواقف؛ فهو إن أخطاء مرة يُصيب ألف مرة.
لم يعد يتحمل البقاء صامدًا أكثر من ذلك فانهار باكيًا بلوعةٍ أضنت قلبه وخرجت صرخة عاتية من أعماقه ثم اندفع نحو المرآة وسدد لكمة عنيفة بها فانشق زجاجها، انتفضت مرتعشةً وهي تجمع ساقيها إلى صدرها بعد أن ارتدت ملابسها، لتجده وبعد لحظات يخرج عليها بكف يقطر الدم منه ثم يقول بلهجة حادة:
- اللي حصل من شوية مش هيغير حقيقة دبحك ليا، سامعة!!.. إنتِ من النهاردة بالنسبة لي ميتة.
شهقت بمرارة وضعفٍ كبيرين قبل أن تتحرك مسرعةً إليه ثم تقبض على كفه الذي ينزف وهي تقول برجاءٍ وتوسلٍ:
- لأ يا تليد.. بالله عليك!!
اتقدت عيناه شرًا وهو يدفعها بعيدًا عن طريقه بقوة ضارية؛ فكانت المرة الأولى التي لم يرق لسقوط دموعها ولم يتأثر، باتت عيناه أكثر قسوةً وغموضًا ثم صرخ بصوتٍ رخيمٍ:
- إنتِ طالق يا وَميض.
رواية رحماء بينهم الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم علياء شعبان
وقف بكُل ما يحمل من هزيمة وأثقال أسفل الدُشٍ فانصب الماء منه متناثرًا على جسده، رغب أن تجرف المياه أوجاعه معها وتسقط عن كاهله، اختلطت دمعاته بقطرات الماء بينما جسده بقى متسمرًا وعيناه تنظران في الفراغ من حوله، يشعر بالقهرٍ لنهاية لم يكُن يتوقعها لمشاعره التي نضجت قبل أوانها في صِغره وكانت هي السبب في أول نبضة قلب يشعر بها داخل صدره والآن هي السبب في إسكات هذه النبضات وازهاقها، يشعر بالقهر لوداعها وكان يرغب في بناء حياة سرمدية معها، خرجت زمجرة مذبوحة من داخله وهو يضع كفيه على وجهه متذكرًا ما نطق به قبل قليلٍ!!
رغم كل ما حدث وكل ما فعلته به، يخشى أن يكون قد قسى عليها شاعرًا بالذنب لمد يده عليها وخنقها، سرت رعشة مُتألمة في قلبه كلما تذكر أنه رغمًا عنه تطاول عليها بالضرب وكاد أن يخسر روحها الساذجة للأبد، تنهد تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن يزيح الماء عن وجهه ويستدير لإغلاق الدُش، سار خارج حيز رقعة الاستحمام ثم تحرك إلى المنشفة المعلقة والتقطها وبدأ يجفف شعره أولًا وداخله يسأله ألف مرةً نفس السؤال الذي تهرب من إجابته ولكنه في النهاية حسم الأمر في ذلك وقرر ألا يتراجع عن قراره لأنها من وضعت هذه النهاية لعلاقتهما وعليها أن تتحمل تبعات دلالها وعدم شعورها بالمسؤولية، عليها أن تتعلم أن ضمان الشخص لا يبيح استنزاف مشاعره؛ فإن طفح الكيلٍ تمزق الضمان.
طفق يجفف جسده قبل أن يلف المنشفة حول خصره، أسرع بفتح باب الحمام كي يخرج منه ليجدها واقفةً بملامحٍ بهتةٍ وأعين مُنتفخةٍ تترقب خروجه، رمقها بنظرة جامدة وقرر أن يتجاهلها متجاوزًا إياها ومُتجهًا صوب النافذة فهرعت خلفه وهي تردد باكيةً:
- تليد.. هو أنا كدا خلاص مش مراتك؟!
رد بصوت رخيمٍ موجزًا:
- أيوة.
انفجرت باكيةً بصورة أكبر وهي تقبض على ذراعه تستجديه أن ينظر إليها وأن يتوقف عن حرق روحها بتجاهله لها ورفض رؤيتها أمامه، عَلت شهقاتها وهي ترد بانكسارٍ:
- بص لي وإنتَ بتكلمني علشان خاطري؟؟ للدرجة دي مش طايق تبص في وشي!!
استدار بملامحٍ غاضبة ليقتنص عينيها بنظرات حادةٍ ناريةٍ قبل أن يردف بنبرة تعبق بمرارةٍ عميقةٍ:
- ندمان على كُل لحظة كُنت فيها مُتساهل معاكِ وفاكر إنك هتقدري دا وأه مش عايز أشوفك قدام عيني تاني، طرُقاتنا من اللحظة دي مُختلفة.
وقعت عيناه في هذه اللحظة على عنقها الذي بقى أثر قبضته عليه فارتجف قلبه بقوةٍ وأسرع يشيح بنظراته عنها وهو يلتقط بشكلٍ عشوائي سُترة وبنطالون وقطع داخليه ثم يعود بهم إلى الحمام ويقوم بارتدائهم وما أن انتهى حتى خرج وتوجه إلى الدولاب مرة أخرى وأخرج منه حقيبة سفره ثم وضعها بثباتٍ على السرير، فاتسعت حدقتيها وتنقلت بين وجهه والحقيبة قبل أن تبتلع ريقها بصعوبة بالغة وتسأل متوجسةً بنبرة متلعثمة:
- الشنطة دي ليه؟! إنتَ رايح فين؟!
لم يجبها وكأنها ذرة غبار لا يراها أو يسمع لها رِيحًا، بدأ يلتقط ملابسه ثم يضعها داخل الحقيبة مرة وراء الأخرى، ارتجفت أطرافها وغص قلبها بألم جارفٍ، وَجل قلبها ضياعه فأسرعت إليه ثم ضمته من الخلف وشدت ذراعيها على خصره وأراحت رأسها على كتفه وهي تجهش بأنفاسٍ مضطربةٍ وقد بَلغ وجعها من صمته القمم فتابعت بنبرة مهزومة:
- أنا غلطت بس إنتَ قلبك كبير وهتسامحني.. خليك جنبي.. أنا استبدلت الدنيا كلها بيك.. أنا ملقيتش راحتي غير وأنا جنبك.. ما تقفلش بيبان رحمتك في وشي.. ارحمني يا تليد.. أنا مش قادرة أستحمل كل الوجع دا.. متتغيرش عليَّا بعد ما اتعلقت بيك وحبيتك.
أسرع بفك ذراعيها عن خصره قبل أن يرد بلهجة صارمة:
- وجع حُب شهور أهون من خذلان حب سنين عُمر كامل.. لا يمكن أقبل العوض في كَسرِتي.
اندفع نحو الحقيبة ليغلق سحابها بحسمٍ قبل أن ترتعش نبرتها وهي تصرخ باختناقٍ:
- وأنا ما يهونش عليَّا كسرتك.. اديني فُرصة وكُل حاجة بتتصلح!!
انجز غلق سحاب الحقيبة ثم التفت إليه يرميها بنظرات حانقة قبل أن يندفع خارج الغرفة للحظات ثم يعود حاملًا بين يديه كوبًا من الزجاج وما أن وقف أمامها مُباشرةً حتى أفلته من بين يديه ليصطدم بالأرض ويتدمر إلى شظايا حادة، انتفضت فزعًا في صدمةٍ قبل أن يرفع بصره إليها ويقول محتدًا بالغضب:
- مش كل حاجة بتتصلح؟!.. صلحي الكوباية دي.. يلا!!
صرخ فيها هادرًا مغلولًا قبل أن يرميها بنظرات شزرة ثم يلتقط هاتفه ولحظات ويرفعه إلى أذنه وهو يقول بلهجة ثابتة:
- السلام عليكم.. معاك تليد السروجي.. بكلمك بخصوص عرض الإمارات.. أنا موافق.. نمشي في الإجراءات امتى؟!
جاءه صوت الرجل مُرحبًا بانبساط شديدٍ:
- أهلًا وسهلًا يا شيخ تليد.. كُنت في انتظار ردك.. لو فاضي ممكن نتقابل النهاردة ونمشي في الإجراءات!!
أومأ "تليد" مُضيفًا بثباتٍ:
- تمام بمجرد ما أكون فاضي.. هكلمك.
كانت تحدق فيه بعينين مصدومتين تتساقط الدموع منهما بغزارة وخيبة أملٍ، انقبض قلبها بألمٍ مُفجعٍ ينخر أنحاء جسدها بأكمله وقد أفقدتها الصدمة القدرة على الكلام وتركت التعبير لعينيها الحمراوين تستجديانه بلوعةٍ وذُلٍ.. تطلبان رحمته.. وتناشدان الرفق بقلبها الضعيف الذي يفقد قدرته تدريجيًا على التحمل لتردد بخفوتٍ وصوت يتقطع من كثرة البكاء:
- تليد.. ما تبعدش!!.
أشاح بنظراته عنها وأظهر قسوةً تجاهها أدمت قلبها قبل أن يُنزل الحقيبة على الأرض ثم يفتح جرارها ويجرها خلفه متجهًا للخارج، صرخت مُسرعةً بقلبٍ هَلِعٍ:
- تليد.. خليك.. ما تبعدش أنا مش هعرف أكمل من غيرك.
ابتلعت ريقها تلتقط بعضًا من أنفاسها المضطربة وهي تخاطبه بانكسارٍ:
- أنا محتاجة لك!!
خرج من باب الغرفة واختفى عن ناظريها لتلتقط وِشاح رأسها لتغطية شعرها ثم تهرع بانقباضٍ ولوعةٍ خلفه، هبط الدرج في ثبات أخمد في باطنه الكثير من الكسرة والاشتياق ورغبة البقاء معها ولكن هيهات أن تسمح له رجولته على البقاء ولو دقيقة واحدة بعد الآن؛ فهو كالأسيرٍ في سجون كبريائه وحاكم السِجن رجولته وسجانه غيرته؛ جميعهم رجال عاتون لا يسمحون بفك قيوده قط.
- تليد!!
جرت ساقيها المنهكين خلفه وظلت تناديه بصوت يتهدج بكاءً وهي تهبط الدرج وراءه، لم يسمح لقلبه أن يلتفت لها وقد صم أذنيه عن سماع توسلاتها مسرعًا باتجاه بوابة المزرعة، أبصرهُ "نوح" الجالس في زاوية من المزرعة يترقب ظهوره ليجده يندفع كالسيل المُدمر وتهرول هي خلفه في انكسارٍ، هرول إليه ليتعرض طريقه وهو يهتف مصدومًا بعد أن أدرك بلا ريبة خطة صديقه القادمة باصطحاب حقيبة سفره:
- إنتَ رايح فين يا تليد!!.. رايح فين وسايبنا وسايب مراتك؟؟
صرخ "تليد" بلهجة شديدة:
- ما بقيتش مراتي يا نوح.. أنا مسافر لأن المكان هنا بيأذيني وبيستنزف روحي.
وقفت في مكانها تتنقل بعينيها المتورمتين بينهما في لهفةٍ تنتظر إقناع "نوح" له بالبقاء ولكن يبدو أن العدول عن قراره لن يتحقق أبدًا، تشنجت فرائص "نوح" قبل أن يهتف مختنقًا مستنكرًا:
- هي أيه اللي ما بقيتش مراتك؟! تليد إنتَ مش في وَعيك نهائي ولو كنت رميت عليها يمين الطلاق فهو مالوش لازمة، اهدى وارجع لوَعيك وأقف جنب مراتك حتى لو غلطت!!
سكت هنيهة ثم أضاف وهو يقبض على الحقيبة ويتابع:
- عارف إني مش في مكانك علشان أحس اللي إنتَ حاسس بيه بالظبط بس تأكد إني حاسس بوجعك كأنه في قلبي، تليد مراتك ساذجة وإنتَ عارف إنها ما عملتش كدا وهي قاصدة؟!!!
نفض "تليد" كف الأخير بغضب عن الحقيبة قبل أن يستكمل حاسمًا قراره بلهجة شديدة:
- دا كلام سهل بالنسبة لك وبالنسبة لأي حد مداقش طعم الكسرة من شريك روحه.. لمَّا بسببها تمشي قدام الخسيس مطاطي بعد ما كان مستحيل كبريائك يتكسر أو تنحني لك قامة.
صاحت تبكي بمرارةٍ واستعطافٍ وهي تترجى مشاعره المدفونة خلف قناع قسوته:
- تليد.. أنا آسفة.. والله أنا آسفة.. أبوس إيدك خليك جنبي.. هموت من غيرك صدقني!!.
أومأ "نوح" متفهمًا ما أن لمح لمعة الانكسار في عينيه ثم ردد بلهجة ثابتة:
- طيب إنتَ ممكن تروح شقتك التانية تاخد فيها نَفسك واعصابك تهدى وتعيد حساباتك ويا سيدي خُد وَقتك.. بس بلاش سَفر وبُعد.. فين أحلامك معاها من يوم ما عرفتك؟!
تليد بحدة وهو يسير مندفعًا صوب البوابة:
- مفيش مدبوح بيحلم يا نوح.
صرخت باكيةً ما أن رأته يصل إلى البوابة بينما يقف "نوح" بلا حيلة ينظر إليه تارة وإليها أخرى وقبل أن يتجاوز "تليد" البوابة لم يستطع السيطرة على نفسه صامدًا أكثر من ذلك ليحن على قلبه ملتفتًا إليه مستمليًا بنظراته فيها ومنها قبل أن يغيب عن ناظريها تمامًا، انهارت تجثو على ركبتيها بالأرض وصوت نواحها يتصاعد متقطعًا يملأ فراغ المكان لتهرع إليها "مُهرة" التي تابعت المشهد من بعيدٍ ثم التقطتها بيت ذراعيها تدعو لها بمداواة أغوار قلبها لكي يتحمل الفراق الذي يبدو محتومًا لعلاقتهما.
طرق "ماكسيم" الباب بقوةٍ عدة مرات قبل أن يغضب مغتاظًا ويقرر استخدام قوة الدفع لينفتح الباب وأخيرًا على مصراعيه فكانت الإضاءة بالكامل مُغلقةً والسكون يعم المكان ورائحة التبغ تملأ المكان، دعكت "نجلا" أنفها الذي تحسس رائحة غدر وعدم ارتياحٍ لتضيق عينيها بتروٍ وتبدأ في أخذ جولة في جميع أركان الشقة بينما بقى "علَّام" واقفًا أمام باب الشقة لمراقبة أية أشياء غريبة من حركة وغيرها، تجول "ماكسيم" بحدسه القوي يتفحص بصقرية كل تفصيلة بالمكان، اقتربت "نجلا" من أحد الأبواب ثم وقفت أمامه لوهلةٍ قبل أن تدفع الباب بأطراف أناملها ثم تدقق النظر جيدًا بالغرفة، داهم صدرها وَخزة مفاجأة وهي تنظر بقلقٍ وريبةٍ إلى فراش فوضوي تمامًا، سقطت ملاءته عنه وشظايا مكسرة منثورة بالأرض وثياب منثورة بعشوائية حول الفراش، اندفعت داخل الغرفة بانفعالٍ ناقمٍ وأخذت تتفحصها جيدًا وصوت اصطكاك أسنانها معًا يرتفع من شدة الغيظٍ وأثناء تطلعها بأرجاء الغرفة وقعت عيناها على ورقة مُجعدةٍ بكفٍ غاضبٍ مرمية على الأرض، مالت والتقطتها ثم استقامت واقفةً مرة أخرى قبل أن تسرع في فتحها وتقرأ سطورها بعينين متسعتين من الصدمةٍ وهنا صرخت "نجلا" بانفعالٍ:
- ماكسيم!!
هرع إليها على الفور ليجدها تنظر بصدمةٍ إلى الورقة فأسرع بالتقاطها منها وقرأ ما بها وهو يردد بلهجة ثابتة:
- الورقة دي معناها أن وَميض رجعت البيت؟!
نجلا بأنفاسٍ ناريةٍ:
- بس كانت هنا زيّ ما توقعنا، القذر حاول يعتدي عليها.
أردف "ماكسيم" مُسرعًا:
- والحمد لله محصلش.. كلمي دلوقتي تليد واعرفي منه وَميض رجعت ولا لأ.
ابتلعت "نجلا" ريقها على مهلٍ حينما جاءت سيرته لتردد بزفرة حادة:
- تليد لو عِرف إنها كانت هنا والكلب دا حاول يعتدي عليها مش بعيد يقتلها!!
ماكسيم بحسمٍ:
- يبقى لازم نتحرك وتكوني معاها دلوقتي!
أومأت تؤيد قراره، أسرعت خارج الغرفة متجهةً صوب باب الشقة وسار الأخير خلفها ليجدوا "علَّام" يقف أمامهما مُتسمرًا يضع إصبعه على فمه يحثهما على الهدوء والصمت أناء تقدمهما منه وما أن خرج "ماكسيم" إليه حتى أشار له الأخير حيث يوجد خيال يظهر بوضوحٍ على الحائط منذ وقتٍ طويلٍ؛ فيبدو أن أحدهم بالطابق الثاني يراقب الوضع!!
أومأ "ماكسيم" وبدأ يصعد درجات السلم حثيث الخطى قبل أن يستدير بوجهه ثم يبصر وجه ذاك السافل الذي ذُعر ما أن تواجهت عينيه مع "ماكسيم" هرع متقهقرًا بعدة خطوات قبل أن يستدير ثم يهرول بأقصى سرعة لديه باتجاه سطح البناية ليهرول "ماكسيم" بسرعة رهيبة خلفه ولم يبذل جهدًا كبيرًا في الوصول إليه حيث قبض على ياقته وركب ساقه فأسقطه بالأرض وطفق يقول بنبرة نارية حانقة:
- دا إنتَ أيام أبوك سودا.. الخِلفة دي لازم تنقرض أو تموت حرقًا بالنار.. تعالى يا حيلتها.. تعالى.
صرخ "وِسَام" هادرًا في ذعرٍ بعد أن وصل "علَّام و نجلا" إليه:
- أنا ملمستهاش.. معملتش حاجة.
نجلا وهي تهتف حنقًا:
- الكلام دا تقوله في القسم.
صاح "وِسَام" خائفًا:
- لأ بلاش قسم.. عاقبوني زيّ ما تحبوا بس بلاش قسم!!
رفعت "نجلا" أحد حاجبيها ورددت بنبرة ماكرة وهي تشد غرة رأسه بغليلٍ:
- إنتَ مش أد انتقامي.. عارف التعبان بيعمل أيه لمَّا بتأذي عياله؟؟!!
أومأ إيجابًا فتابعت بحدة:
- افتح لي بطنه يا ماكسيم.. عايزة أكل كِبده!
أخرج "ماكسيم" مطواته وتظاهر باستعداده لطعن الأخير قبل أن يصرخ "وِسَام" مذعورًا يستجديه ألا يفعل ثم صاح بلهجة نارية:
- أنا هروح القسم بس مش هروح لوحدي، سهير هتكون معايا لأن هي اللي حرضتني على كل اللي حصل دا وهي اللي ادتني التسجيل بتاع تليد علشان أفضحه.
في ليلة برد فارسة، كيف تشعر إن سُكب عليكَ دلوًا من الماء البارد؟! هكذا شعر "علَّام" وهو يقف متسمرًا بعينين دامعتين أمامه يومىء برأسه في صدمةٍ كاسحةٍ بينما اشتعلت كلمات "نجلا" التي رددت بغيظٍ:
- سهير!!!
أسرعت بالتقاط هاتفها ثم بحثت عن رقمه وأجرت اتصالًا به، لم تجد ردًا منه فكررت اتصالها بإلحاح حتى أجابها بلهجة شديدة:
- نعم يا نجلا!!
أتاهُ صوتها تقول بلهجة ثابتة:
- لقينا وِسَام ودلوقتي هنطلع بيه على القسم، قولت أعرفك علشان تكون موجود، وَميض رجعت البيت؟
نفخ "تليد" بقوةٍ فبدا وكأنما أُعيدت إليه الحياة بهذه العبارات القصيرة ليهتف بحرارة وانفعالٍ متأججين:
- وراكم حالًا وأسرع مما تتخيلي.
أسرع بغلق المكالمة دون الإجابة على سؤالها، التفتت إلى "ماكسيم" ثم رددت بنبرة ثابتة:
- هتاخدوه إنتَ وعلَّام وتطلعوا على القسم وهناك تستنوا وصول تليد علشان يحرر محضر محاولة اعتداء على مراته وأنا لازم أعمل مشوار مهم وبعدها هحصلكم.
عقب القبض عليهما، تم تحويلها إلى مقر النيابة العامة للتحقيق معهما فيما شاع عنهما عبر مواقع التواصل الاجتماعي وما مدى صحة ما نُسب إليه من جرائم في حق النساء أو حق المواطن الذي يستقبل من مصنعه لحومًا مُحرمةً ترجع لحيوانات ميتة، كان "عثمان" مقيدًا بالأصفاد وبجواره زوجته التي انهارت باكيةً تخشى القضبان وضياع حياتها بأكملها وأولادها.
بلغ غضبه منها أشده ليلتفت إليها ثم تردف من بين أسنانه المطبقة:
- قولْت لك اخرسي بقى.. قبل الليل ما ييجي هتكون أحرار.. أما معايا ناس تقيلة مش هيسيبوني أبدًا.
نبيلة وهي تبكي بحسرةٍ:
- بس القضية اتحولت رأيّ عام واتفضحنا.. لسه عندك أمل نخرج من الورطة دي!!.. إحنا انتهينا يا عثمان!!.
بدأت تنظر من حولها ثم رددت بانهيارٍ:
- إحنا لوحدنا.. محدش فيهم فكر ييجي ورانا يا عثمان.. عارف ليه؟! علشان دي نهاية طبيعية لكُل اللي عملته وأنا كمان كُنت طماعة وأنانية.
رماها عثمان بنظرات نارية مُحذرةٍ قبل أن يردف بنبرة متأججة يغلفها الوعيد والحنق:
- اياكِ تنطقي بكلمة واحدة من الكلام دا في أوضة التحقيق.. اعقلي يا نبيلة.. انكري كل التهم اللي هتتوجه لك.. المحامي هيخرجنا منها.. بس إنتِ اعقلي!!
في هذه اللحظة جاء العسكري ثم صاح فيه أن يتقدم إلى غرفة التحقيقات دون تلكؤ ليقبض مسرعًا على ذراعه ثم يقوده أمامه داخل الغرفة ويصفق الباب في وجه "نبيلة" الذي ارتعب قلبها وَجلًا، أشار النائب له أن يجلس على الكرسي المقابل لمكتبه ففعل عثمان فورًا قبل أن يجلس الكاتب المختص بكتابة أقاويله وردوده أمامه مُباشرة بالكرسي المُقابل ليتابع النائب بملامحٍ جدية صارمةٍ:
- عامل قلق ليه يا عثمان يا سروجي الأيام دي!!!
تنحنح "عثمان" قبل أن يرد بثباتٍ:
- كلها اتهامات كاذبة يا باشا.
أومأ النائب ورد متوجهًا بالكلام إلى الكاتب:
- هنشوف دلوقتي.. ابدأ يا بني.
التفت بنظراته مرة أخرى إلى "عثمان" وقال حازمًا:
- ما قولك في التهم المنسوبة إليك من قبل محررة المحضر المدعي عليها "نجلا زهران" فيما يخص التعدي على ثلاث سيدات وسرقة أطفالهن وانساب الأطفال لزوجتك "نبيلة السروجي"؟! وقد أشارت أيضًا أن زوجتك لا تُنجب في الأصل؟! وأنك قُمت بسرقة طفلتها رغمًا عنها ومنحها لأمٍ غيرها!!!
أومأ "عثمان" دون تفكير ينفي ما نُسب إليه:
- الكلام دا كُله كِذب.
اتسع حاجبي النائب دهشة من ثقة الأخير قبل أن يلتقط مجموعة من الأوراق ثم يضعها أمامه ويقول بلهجة شديدة:
- فعلًا؟! طيب والأوراق والتحاليل والفيديوهات اللي بحوزة النيابة واللي تم التأكد من صحتها؟! بردو كِذب!!
بقى "عثمان" مُصرًا على رأيه ولم يتزحزح عنه، ظن أن الوسطة ستُنجيه وأن معارفه ثِقال جدًا ويمكنهم حل الأمر ببساطة ولكنه لم يتخيل أبدًا أن تكون "نجلا" مسنودة من قوةٍ تفوق أضعاف ما لديه من قوةٍ وأن الفرار من الحقيقة هذه المرة شبه مُحال!!
- أنا بطالب بوجود المحامي بتاعي معايا وقت التحقيق.
ابتسم النائب مستخفًا بإنكار الحقيقة التي تبدو جليةً على قسمات وجهه المتوتر:
- المحامي مجاش بس لو تحب ممكن نوكل لك محامي من عندنا مع إني أشك إن حد يقبل يدافع عن قضية خسرانة!!.. قضية الأدلة فيها سبقت المتهم للنيابة من غير تعب ولا مجهود!!
التفت حاسمًا قراره بلهجة شديدة وقال بصرامةٍ:
- خده يا عسكري ودخل لي نبيلة السروجي.
تحرك الأخير مُنصاعًا لتنفيذ الأوامر، قبض على ذراع "عثمان" ثم قاده خارج الغرفة ليتواجه مع "نبيلة" التي رماها بنظرة مُحذرة قبل دخولها.
أشار لها النائب أن تجلس بعد أن رأى ارتجاف جسدها بصورةٍ ملحوظةٍ فالتقط كوب الماء ومده إليها وهو يقول بثباتٍ:
- اشربي!!
التقطته منه وتجرعته مرة واحدة قبل أن تتركه بعد ذلك على الطاولة، تنحنح النائب بخشونةٍ قبل أن يحتد بنظراته داخل عينيها ويقول:
- مدام نبيلة.. عقوبتك مش هتكون كبيرة.. في حالة واحدة بس.. لو مأصرتيش على الإنكار.. القضية محسومة والأدلة أُثبت صحتها.. حاولي تخرجي من الموضوع بأقل الخساير.. اوعي تصدقي عثمان السروجي اللي بيحاول يخليكِ تنكري الحقيقة.. لأن المرة دي القضية والقائمين عليها أكبر مني ومنك وأعداء عثمان والمتأذين منه كتير أوي.
سكت هنيهة يتفرس صفحة وجهها جيدًا قبل أن يتابع بهدوءٍ:
- نبيلة السروجي.. ما قولك فيما نُسب إليكِ من تهمة التستر على جرائم زوجك وقبول نسب أطفال إلى اسمك وليسوا أولادك؟!!
تنحنح بثباتٍ محاولًا قراءة عينيها فور الجملة الذي سيرددها بعد ذلك لربما تخبره عيناها بالحقيقة الواضحة:
- "نبيلة السروجي لا تُنجب في الأصل ولم تخضع لعمليات ولادة من قبل وأُطالب بالتحري حول ذلك وإخضاعها للطب الشرعي؟".. دي التُهمة الموجهة ليكِ من المُدعي عليها نجلا زهران.
لمعت دموع الانكسارٍ في عينيها وبدت مُضطربة تحاول إشاحة وجهها عنه فتأكد من صحة الاتهام على الفور وهو يضغط على سؤاله قائلًا بحدةٍ:
- ما قولك؟!
أجهشت "نبيلة" ببكاءٍ مريرٍ قبل أن ترد بانهيارٍ:
- لا أنكر.
جثت "شروق" على رُكبتيها بالأرض بجوار فراش شقيقها الذي لم يفق حتى الآن، لا تعرف من أين تسد انسكاب حسرتها تحديدًا فكل جزءٍ بها ينهار وتنسكب آلامه، في لحظة وجدت نفسها تنتمي لامرأة لم تنجبها بعد أن سُلبت قسرًا من والدتها الحقيقية كما يشاع عن الموضوع، جلست "سكون" أمامها وضمتها إلى صدرها وهي تردد باكيةً بأنفاسٍ مضطربةٍ:
- خليكِ أقوى من كدا يا شروق.. إنتِ الأكبر والأعقل.. حاولي ترضي بقضاء الله.. نصيبنا إن تكون دي حياتنا.. حياة كلها غِش في غِش.. بس بصي على بؤرة الأمل في الموضوع.. إحنا إخوات ومن صُلب بعض.. ودي الحاجة اللي لا يمكن كنت استحمل شبهة فيها.. إحنا لبعض وهنداوي بعض ونكمل!
شهقت "شروق" تقول بمرارةٍ:
- قلبي موجوع عليهم.. رغم كل القسوة دي منهم.. قلبي مش مستحمل النهاية دي ليهم يا سكون.. ماما صعبانة عليَّا!!!
سكون وهي تذرف الدمع بآهات مكتومة متظاهرةً بالصلابةٍ:
- هي اللي رسمت النهاية دي لمَّا وافقت بكل أنانية تموت أرواح تانية علشان تحيي روحها يا شروق.
شروق بحسرةٍ تردد:
- وعُمر.. عُمر ليه مستسلم؟! مش عايز يفوق يا سكون!!
تألم قلب "رويدا" التي تجلس بجوار فراشه تمسح على كفه برفقٍ، أجهشت مُنهارةً فمدت "سكون" ذراعها ومررته في حُنوٍ على ظهر الأخيرة تواسيها في إضرام نيران عاتية بقلبها وهي أكثرهن حاجة لِمَنْ يواسي روحها ويمنح السلوى لقلبها الجذع الذي أضناه احتراق كل من تحبهم، كان يقف "عِمران" بجوار الباب يتابع ما يجري في اختناقٍ متأثرًا بآلام زوجته التي لا تعزيها أية كلمات مهما قال لها بينما بقى "كاسب" خارج الغرفة ينظر من خلف زجاج نافذتها إلى تلك التي تحتضن وتحتوي في تماسكٍ وصلابةٍ بينما تآكل داخلها وذاب منذ وقت طويلٍ، فكيف يعوضها وكيف يُنسيها هذه اللحظة التي ستظل أبد الدهر في ذهنها على شكل ذكرى مطعونة بسكين الخذلان.. تبين له في هذه اللحظة بالتحديد أنها ليست امرأة عادية كغيرها من بنات جنسها.. إن قلبه أحبَ مُقاتلة شرسة بارعة في تضميد جروحها وتخييط الغائر منها وتجميع أشلاء ضعفها ودفنه والرقص بسلامٍ على قبره.. امرأة أكثر من شجاعة.. لقد حالفه الحظ حينما سرق قلبها بمهارة.. فتلك المقاتلة كانت بحاجة إلى محارب مغوار ليُحبها؛ فهي لا تعطي ما بين ضلعيها بسهولة ولطالما أعطته جوهرة تقبع داخل صدرها فإذن هو ذلك المغوار المنشود لمقاتلة أوجاعها معها.
كان يقرأ "سليمان" بعض صفحات من القرآن بعينين دامعتين بعد أن حاول مرارًا دفعهم للذهاب خلف "عثمان وزوجته" ولكنه وجد رفضًا قاطعًا من الجميع فتنهد تنهيدة ممدودة بعُمقٍ وباشر في إكمال مهمته واللجوء إلى الله والدعاء لابن أخيه علها تكون ساعة استجابة خاصةً أن الطبيب أخبرهم أن قلبه يستجيب استجابة ضعيفة جدًا وهذا مؤشر خطر.
أغلق الشيخ "سليمان" دفتي مصحفه قبل أن يتجه إلى الشرفة ثم يجري اتصالًا بابنه ليأتيه صوت "تليد" يقول بضيقٍ:
- أيه يا بويا.. عُمر فاق؟!
ردد "سليمان" بصوت هادئ يغمره القلق:
- لسه يا بني.. إنتَ ليه مجيبتش مراتك وجيت؟! إنتَ كويس يا تليد؟؟
ابتلع "تليد" غِصَّة مريرة في حلقه قبل أن يتنفس بقوةٍ ثم يقول بلهجة ثابتة:
- مش كويس علشان إنتَ مش جنبي يا غالي.. أنا محتاج أتكلم معاك لوقت طويل بس بعد عُمر ما يقوم لنا بالسلامة.
أومأ الشيخ إيماءة خفيفة رغم شعوره بعدم الراحة من صوت ابنه الذي يغلب عليه حشرجة غريبة ولكنه ردد ببعض الحُزن:
- عمك خدوه يا بني.. مش ناوي تروح له إنتَ كمان!!
أسرع "تليد" مردفًا بثباتٍ وحدةٍ كلما جاءت سيرة ذاك الظالم المستبد ليتابع أثناء اقتياد سيارته باتجاه القسم:
- لو بلغوني إن عثمان السروجي هيتشنق دلوقتي ومحتاج دعمي مش هروح له.. إنتَ ما ربتنيش أقف في صف الظلم يا حج وبالتالي أنا مش هعمل دا.. كلُّ يلقى جزاء ما عملت يداه.. مش إنتَ اللي قايل لي كدا!!
تنهد "سليمان" باستسلام وأجابه:
- عندك حق يا بني.
وقفت بخطواتٍ ثابتة يغمرها الرسوخ أمام باب الشقة وبهدوء غريب يتنافى مع ما جاءت من أجله قامت بطرق الباب عدة طرقات يفصل لحظات بين الطرقة والأخرى إلى أن جاءت الأخيرة تهرول إلى الباب ثم فتحته ظنًا منها أن زوجها قد عاد يحمل اخبارًا عن "وَميض" ولكنها نظرت في دهشةٍ ما أن رأت "نجلا" تقف أمامها بملامحٍ جامدةٍ لتردد بلهجة حانقة:
- إنتِ جاية هنا ليه؟؟؟
رفعت "نجلا" أحد حاجبيها قبل أن تبتسم باستخفاف ثم تدفعها بقوةٍ كي تمر داخل الشقة ثم تصفق الباب خلفها، حدقت فيها "سهير" بنظرات ذاهلة بينما أجابت الأخيرة على سؤالها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بصبرٍ أوشك أن ينفد:
- جاية أخد حق بنتي منك.. يا أُمها.. يا عار على ماضيها ونقطة سودا في دفتر ذكرياتها!
اكفهر وجه "سهير" التي صرخت في حنقٍ:
- إنتِ اللي أكبر نقطة سودا في حياتها يا نجلا.. أنا اللي ربيت وسهرت وكبرت لكن إنتِ مين؟!
انطلقت ضحكة عالية من فم "نجلا" التي تابعت بسخريةٍ:
- وإنتِ بردو اللي ضربتيها بالسكين في ضهرها؟! وإنتِ بردو اللي حرضتي وِسَام عليها علشان يفرق بينها وبين جوزها وإنتِ بردو اللي سربتي التسجيل علشان تبعديها عن الراجل اللي عاش عمره كله يحبها.. اسفوخس على دي أمومة يا عيوني!!
بصقت "نجلا" بحركة مفاجئة على وجه الأخيرة التي صرخت مُحتدًا بالغضب والغيظ:
- اطلعي برا يا زبالة.. برا بيتي!!
همَّت أن تدفع "نجلا" التي رمقتها بنظرات نارية محذرةً قبل أن تتخصر بثقة أمامها ثم تقول بلهجة شديدة:
- هطلع برا بس لمَّا أخد حقي زيّ ما قولت لك.. صحيح نسيت أقول لك.. وِسَام دلوقتي ف بالاسم وزمانه اعترف عليكِ وفي طريقهم ليكِ يا عيوني.
صاحت "سهير" بغيظٍ:
- حق أيه؟! إنتِ ملكيش حقوق عندي واطلعي برا.
مطت "نجلا" شفتيها بامتعاضٍ خفيفٍ قبل أن تومىء سلبًا وترد:
- حق بنتي.. إنتِ شكلك كِبرتي وبقيتي بتنسي كتير.. أنا قولت أجي كدا أمسي عليكِ وأعرفك مقامك.. فكرت أيه اللي يساوي مقامك عندي وبصراحة ملقيتش غير كعب جزمتي لأن أكتر من كدا أبقى بعمل لك قيمة.
كانت "سهير" ترميها بنظرات ناقمة لتحميل "نجلا" نحو الأرض لثوانٍ قبل أن تلتقط حذاءها ذا الكعب العالي ثم تنهال به ضربًا مُبرحًا على رأس "سهير" التي صرخت صرخات عالية من شدة الألم وأثناء محاولاتها الفرار والاختباء من الأخيرة وقعت بالأرض يعد أن تعثرت قدماها لتحميل نجلا عليها فيصيب الكعب عيني الأخيرة لتصرخ هادرةً من شدة الوجع قبل أن تتنفس "نجلا" بقوةٍ عميقةٍ ثم تستقيم قامتها مرة أخرى وهي تلتقي الحذاء في وجه "سهير" وتقول باشمئزازٍ:
- هقرف ألبسه تاني بعد ما ضربتك بيه.
استدارت فور إنهاء كلامها تتحرك صوب الباب قبل أن تلتفت مرة أخرى وتقول بابتسامة ماكرة:
- قولي لهم في القسم نجلا اللي ضربتني علشان أخلي حبايبي اللي جوا.. يهروكِ بالقباقيب حتى الموت.. وضربهم قاسي مش حنين زيّي.
اندفعت نحو الباب تخرج منه بغضب أقل ثم صفقته خلفها بقوةٍ ضاريةٍ قبل أن تُقرر أولًا أن تتجه إلى محل لبيع الأحذية لشراء حذاء جديدٍ ليأتيها اتصالًا كانت تنتظره بشدةٍ:
- كُنت مستنية اتصالك يا سيادة النقيب.
جاءها صوته يقول بثباتٍ:
- أنا موجود في مقر النيابة العامة ولكن ما شوفتكيش أثناء التحقيق مع عثمان السروجي!!
أومأت "نجلا" وهي تغادر من بوابة البناية قبل أن تلتقط الفردة الأخرى من الحذاء وترميها بأول سلة قمامة تقابلها ثم سارت حافية القدمين إلى سيارتها وردت بتنهيدة قوية:
- بنتي كانت في ورطة وكُنت مُضطرة ما أحضرش علشان أحلها.
تساءل فورًا بنبرة فضوليةٍ:
- إنتِ عندك بنات؟!!!
زوت ما بين عينيها وهي تستقر داخل مقعد القيادة وتقول بضحكة هادئة مازحة في وِدٍ:
- أه، شكلك كدا بتدور على عروسة يا حضرة النقيب، كان نفسي تناسبني بس هم الاتنين مرتبطين.
ابتسم الأخير ابتسامة هادئة ورد:
- للأسف مش هينفع أناسبك حتى لو كانوا مش مرتبطين.
زمت شفتيها وهي تنطلق بالسيارة ثم تساءلت باستغرابٍ:
- ليه بس؟؟
تنحنح الأخير بخشونةٍ قبل أن يجذب طرف الحديث لموضوعٍ آخر فقال بلهجة ثابتة:
- نسيت أبلغك إن عثمان السروجي وقع خلاص ونبيلة اعترفت بكل حاجة.
تهللت أسارير وجهها وهي تصيح بفرحةٍ عارمةٍ:
- لاااااا.. أنا كدا لازم أجي النيابة لحد عندك وأشوفك وأشكرك.
تابع بابتسامة خفيفة يقبل عرضها:
- في انتظارك.
وقف خارج مكتب الضابط المسؤول عن استجواب الأخير مشتعلًا من شدة الغيظ والغضب ورغبة جامحة توسوس في عقله أن يدمر هذا الباب ويهجم عليه ناهيًا حياته إلا أن "ماكسيم" بين الفينة والأخرى يحذره من عواقب التصرف بجنونٍ ويدعمه "علَّام" ببعض الكلمات العابرة والمثابرة له كي يهدأ ولكن تليد بقى يصول ويجول في الممر يضرب قبضته المتكورة بكفٍ يدهٍ وكلما حاول تهدئة نفسه تستعر نار الانتقام في صدره من جديدٍ.
بقى هكذا لدقائق قبل أن يخرج العسكري ومعه "وِسَام" كي يبقيه بالحجز حتى ينتهي من التحقيق مع الجميع، لم يستطيع "تليد" كبح جماح ناره المستعرة في هيئة غضب أعمى فما أن أبصره حتى اندفع إليه بهجومٍ كاسحٍ فأسرع قابضًا بكل ما أوتي من قوةٍ على عنقه ثم سدد له ضربات مُميتة برأسه لتداهم أنفه الذي بدأ ينزف على الفور لتخرج منه صرخات مُستغيثةً، هرع "ماكسيم" إليه مُحاولًا ردعه وإيقافه عما يفعل ولكنه كلما اقترب أحدهم منه سدد له لكمة عنيفة فلم يكن يدري ماذا يفعل سوى الانتقام لقلبه ومن يجرؤ على ردعه عن نيل حقه يكن له حِصة من التعنيف، صرخ به العسكري مُحذرًا في غضبٍ من عقوبة ما يفعل، عمت الفوضى المكان فخرج الضابط مُسرعًا نحوه ليصرخ بقوةٍ في وجهه يأمره أن يسحب مخالبه عن عنق ووجه الأخير الذي غطى الدم ملامحه بأكملها، أسرع الضابط الذي أدرك أن الأخير خرج عن حيز وعيه بتكبيل ذراعيه بمعاونة بعض العساكر ليفرقوه عن الأخير بالكاد، أخذ صدره المُشتعل يعلو ويهبط في تشفٍ ويصطك أسنانه ببعضهم في غضب مُلتهبٍ وكأنه لم يشفي غليله بعد ويرغب في المزيد، حدق فيه الضابط بعينين حادتين ثم صاح وهو يدفعه بقوةٍ إلى مكتبه:
- تعالى معايا على المكتب.
لم يشأ أن يبرح عينيه الحادتين عن نظرات "وِسَام" المذعورة ولكنه في النهاية انصاع لأوامر الضابط وسار معه على مضضٍ ليصفق الضابط الباء خلفهما ثم يصيح وهو يتحرك صوب مكتبه:
- أيه اللي إنتَ عملته دا؟! إنتَ فاكر إنك علشان حد مشهور ومهم هنتغاضى عن همجيتك وتعديك على القانون!!
تليد وهو يرد محتدًا بالغضب أثناء وقوفه أمام الأخير:
- أنا مش فاكر حاجة.. أنا باخد حقي وإنتَ من حقك تاخد الإجراء المناسب ضدي.
الضابط وهو يصيح فيه من شدة الغيظ:
- إحنا هنا بنحاول نجيب لك حقك.
تليد وهو ينفخ بقوةٍ:
- أي عقوبة هتتنفذ عليه عمرها ما هتشفي غليلي منه.. حط نفسك مكاني يا حضرة الظابط؟؟ ولا اللي قولته في المحضر مش سبب كافي يبرر لي اللي عملته!!
تنهد الضابط بثباتٍ قبل أن تخف حدة نبرته ويقول بضيقٍ شديدٍ:
- عارف عقوبة اللي عملته أيه؟!! مش أقل من حبس انفرادي يومين.
تليد بلهجة شديدة:
- مفيش مشكلة.
لم يستغرب الضابط ثورته المِفرطة أبدًا ولم يستنكر كونه رجل دينٍ وكاد أن يقتل رجلاً قبل قليلٍ فحينما تمس المسألة شرف المرء لا يمكنه أن يرى أو يسمع أو يعقل حتى يسترده.
أخبر "ماكسيم" نجلا بما حدث فلجأت فورًا إلى جندها المجهول الذي أجرى اتصالًا المسؤول عن التحقيق في الأمر والتمس منه العذر مبررًا أن الأخير ليس في حالة طبيعية منذ الحادثة ليقرر الضابط تركه وشأنه.
دخلت مبنى النيابة العامة بخطوات راسخة ثم أجرت اتصالًا به ليرسل إليها شخصًا يصحبها إلى مكتبه، انفتح الباب ودخلت بتريثٍ وفضول لتبصر أمامها شابًا وسيمًا للغاية قدرت عمره نحو نهاية العشرينات أو غرة الثلاثين، استقبلها بابتسامة واسعة يملأها الودٍ قبل أن يشير لها أن تجلس، كان الانبهار البادي على وجهها مُثيرًا للضحك ولكنه اكتفى بابتسامة هادئة وقال:
- اتفضلي اقعدي.
زمت شفتيها ورددت بصراحة شديدةٍ:
- أنا كنت فاكرة إن حضرتك أكبر من كدا!!
سكتت هنيهة ثم تابعت بينما شبك هو أصابعه معًا منتظرًا استكمال حديثها مكتفيًا بالابتسام:
- بس باين عليك شاطر جدًا علشان توصل الرتبة دي بسرعة!!
أجابها بهدوءٍ ولم تفارق الابتسامة شفتيه:
- الحمد لله.
تنحنحت "نجلا" بهدوءٍ قبل أن تسأله بفضولٍ رهيبٍ:
- بس أنا بردو ما عرفتش اسمك؟!!!
قطع كلامها في هذه اللحظة صوت طرق خفيف على باب الغرفة ليسمح الأخير للطارق بالدخول في نبرة صارمةٍ ليدخل العسكري ثم يتابع بلهجة رسمية:
- يحيى بيه.. عايزينك في أوضة التحقيقات!
أومأ فانصرف الأخير لتلتفت نحوه مُسرعة تعتلي الدهشة والصدمة صفحة وجهها قبل أن تقول بخفوتٍ وريبةٍ:
- يحيى!!!
أومأ إيجابًا قبل أن يمد ذراعيه نحوها ثم يلتقط كفها بين راحته وسط اتساع عينيها الذاهلتين وهي تتابع كفها القابع بين قبضته ليتابع بلهفةٍ واشتياقٍ ظهرا في صوته المضطرب:
- أنا النقيب يحيى حافظ مدكور.. ابنك يا أمي؟!!!!!!
رواية رحماء بينهم الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم علياء شعبان
خفق قلبها هلعًا حينما أبصرتها تلتقط الفتى وترميه بالقناة ثم تتبع الفتاة به.
شهقت شهقة مصدومة وهي تضرب صدرها بكفها أثناء تبادلها نظرات مشدوهة مع ابنها المراهق الذي تسمر في مكانه تمامًا.
لتتابع والدته بعويلٍ خافتٍ:
"يا مِيلة بختك يا خويا على دي جوازة، مرات خالك اتجننت ورمت ضناها في القناة!!"
أسرعت تلطم وِجنتيها ومازالت واقفةً في مكانها.
فتتحرك عيناها على القناة تارة وعلى "نجلا" المجذوب عقلها تارة أخرى.
كانت تقف وابنها متوارية على الطرف الثاني من الجسر الذي يحتاج إلى دقائق طويلة من الجري للوصول إليها.
وما هي إلا لحظات حتى رأت "نجلا" تهرول مبتعدةً.
لتُقرر أن تعدو وابنها صوب الطرف الآخر من القناة لنجدة الصِغار تدعو أن تنقضي المسافة بسرعة حتى تلحق بهما.
نظرت حولها يمينًا ويسارًا علها تجد سيارة أو أية وسيلة مواصلات أخر تقلها للطرف الآخر من القناة في وقت قصير ولكنهما لم تجد.
فظل يعدو ابنها وتعدو خلفه حتى وَصلا إلى المكان الذي كانت تقف به "نجلا".
قفز الشاب في القناة دون ترددٍ يسبح في كل اتجاه باحثًا عنهما ليقرر أن يغطس إلى القاع عله يلمح طرف لهما.
مرَّت دقائق كثيرة حتى وجدت هي ابنها يخرج من الحافة الأخرى حاملًا ابن أخيه بين ذراعيه.
نيمه "خليل" على الأرض وبدأ يضغط صدره بقوةٍ أكثر من مرةٍ حتى لفظ "يحيى" ما شرب من ماء خارج فمه وقد أُعيدت إليه أنفاسه من جديدٍ.
صرخت الأم بأعلى صوت لها حتى يصله صوتها تتساءل متوجسةً:
"والبت يا خليل!!!"
أومأ متأسفًا في حُزن وصاح بصوت مرتفعٍ:
"مش موجودة."
عادت بالصغير إلى بيت أمه ولكنها لم تجد أثرًا لها.
لتُقرر التواصل مع أخيها وإخباره بما أصاب زوجته وأطفاله واختفاء صغيرته الرضيعة التي ابتلعتها القناة.
بكى نادمًا مكلومًا حينما أعماه الغضب عن رؤية ضعف زوجته وحاجة أطفاله إليه.
لام نفسه وحملها نتيجة ما وصلت إليه الأمور لأنه لو كان احتوى زوجته حينما توسلت إليه أن يصدقها وينكر تلك الشائعات عنها ما كانت وصلت الأحداث إلى هنا.
لقد توهم خيانتها وكان أصمًا لا يسمع إلا صوت كبريائه الذي ضيع كل شيءٍ من بين يديه.
بعدها بأيام شاع في البلدة خبر زج "نجلا" داخل إحدى مستشفيات الأمراض النفسية العقلية.
ليُقرر "حافظ" استدعاء ابنه إليه خارج البلد حتى يعيش معه نُصب أعينه متكفلًا بتعليمه وتلبية كافة احتياجاته على وعدٍ بالالتقاء "بنجلا" حينما تسترد اتزانها وتعود إلى وَعيها.
هكذا وَعد ابنه الذي لا يتوقف لسانه عن السؤال عن أمه ولا ينام إلا ويستيقظ على كابوسٍ إلقائها له في القناة.
اجتهد "حافظ" كثيرًا كي يؤهله نفسيًا ويدعم موقف "نجلا" أمام ابنها شعورًا منه بتحمل كافة مسؤولية ما جرى.
فكان يحكي له ما تعرضت له والدته من ظلم بائن وأوجاع أذهبت عقله وأنها تحبه حُبًا جمًا ولو كان عقلها برأسها لما فعلت به ذلك ولكنها كانت مغلوبةً على أمرها قد غاب عقلها وتدمرت نفسها.
ففعلت ما فعلت دون أن تعيه.
انتظر "حافظ" طويلًا استردادها عقلها وخروجها من تلك المصحة كي يتوسل إليها ويعتذر عما بدر منه.
ولكنها اختفت في لمحٍ البصرٍ فور خروجها ولم يعد هنالك أثر لها في البلدة أو أي مكان.
لم يستطع هذه المرة إنكار الرد على سؤال ابنه الذي يفتقد والدته ليُخبره باختفاء والدته المفاجئ دون أن تترك أثرًا خلفها يدلهم عليها.
بقى "يحيى" هكذا حتى شب، يطلب من والده البحث عنها ويرثي في ألمٍ كبيرٍ وفاة شقيقته الصُغرى واختفاء الشقيقة الأخرى التي ذهبت أمه ذلك اليوم لولادتها!!
هل ذهبت والدته دون عودةٍ؟!
هل أصبح الآن وحيدًا لا أشقاء له وكذلك يتيم الأم وهي على قيد الحياة.
حاول ولم يستسلم الوصول إلى أخبار عنها حتى صار رجلًا والتحق بالكلية التي رغب فيها بمساعدة والده وبعض من أصدقائه الثِقال.
فقد أصبح "حافظ" من أكبر وأثقل رجال الأعمال بالخارج ولكنه قرر العودة إلى بلده واستئناف أعماله بمصر والبقاء بجوار ابنه الذي التحق بكلية الشرطة وسعى متفانيًا لإثبات جدارته بهذه المهنة.
ومع كل نجاح وإصرار منه كان يرتفع رتبة أعلى ولكن نجاحه لم يثنيه عن تذكر والدته ورغبة البحث عنها حتى جاء أمامه قدرًا بثًا مُباشرًا لإحدى السيدات التي ما أن قالت اسمها حتى خفق قلبه بعُنف وبدأ ينظر إلى ملامحها بتمعن ويُقارنها بتلك الملامح الذابلة والبريئة.
ليهرع إلى والده في الحال ويسأله بمشاعرٍ مُضطربة إن كانت هذه أمه أم تشابه أسماء وتشابه ملامح؟!!
લيفاجئه "حافظ" بتأكيد ظنونه وهو يومىء برأسه إيجابًا ويردد:
"هي نجلا أمك."
انفتحت بوابة المستشفى الرئيسية ليخرج منها الأشقاء معًا.
سارت "سكون" للخارج وهي تدفع أمامها مقعد شقيقها الذي قضى أسبوعًا كاملًا يتعافى من الحادث وتبعات عودة ذاكرته أيضًا.
سارت "شروق" بجوارها بينما يمسك زوجها بكفها يتحركون صوب سيارة صديق سكون الذي ظهر فجأة ودون سابق إنذار إلى حياتهم.
خرج "زين" من سيارته ثم توجه إلى الباب الخلفي من السيارة يفتحه فورًا استعدادًا لوضعٍ "عُمر" داخلها.
وما أن وصل "عُمر" إليه حتى أردف بلهجة حادة:
"أنا مش هركب العربية دي."
تنهدت "سكون" تنهيدة ممدودة بعُمقٍ وبعد ذلك وَجدت سيارة "كاسب" تتوقف بجوار تلك السيارة في الحال ثم ترجل منها مُسرعًا صوب "عُمر" وبنبرة جامدة قال:
"يلا بينا يا عُمر!!"
أومأ "عُمر" ليجذب "كاسب" المقعد ثم يدفعه إلى سيارته.
فتح بابها ثم مال إلى عمر حتى حمله بين ذراعيه وأسرع بوضعه على المقعد المجاور لمقعد القيادة قبل أن يلتفت إلى "عمران" ويقول بثباتٍ:
"مش يلا بينا ولا أيه يا عِمران؟!"
توجه "عِمران" بنظراته إلى "كاسب" ثم انصاع مستجيبًا لدعوته فسحب زوجته معه متجهًا إلى السيارة.
لتلتفت "شروق" إلى شقيقتها وتقول بصوت خافتٍ:
"يلا يا سكون.. تعالي معانا في عربية كاسب!!"
أومأت "سكون" سلبًا وداخلها يشتعل من شدة الغضب والضيق لكن خارجها بقى هادئًا للغاية.
لتتفوه بكلمات ثابتة:
"جاية وراكم بعربية زين."
رماها "كاسب" بنظرات حانقة وعينان تقدحان بالشرر قبل أن يستقر داخل سيارته وينطلق بها على الفور إلى القصر.
كانت عينا "كاسب" غائرتين من قلة النوم وكثرة التفكير بها وهالة سوداء غيمت حول عينيه.
بدا وجهه مكفهرًا بشدة وكان ذلك ملحوظًا من قِبل الجميع.
وجعه كان مكشوفًا مهما حاول أن يداريه يظهر من زاوية ما.
كيف بهذه السهولة ورغم كافة محاولاته لاستردادها أن تبيع ما بينهما في لحظةٍ وتستبدله برجل آخر.
من أين جاء فجأة وكيف تسلمه مقاليد حياتها وتمنحه أملًا لبناء حياة معها وقلبها مِلكًا لرجل آخر!!
شعر "عُمر" بحُزنه الذي بدا جليًّا في سواقته المضطربة وغير المدروسة واندفاع سرعة سيارته التي تتناسب مع ما يشعر قلبه به.
لقد علم "عُمر" أن الأخير هو خاله وكان ذلك حينما استيقظ "عُمر" وأخبرهم بعودة ذاكرته إليه وأن معرفته بالحقيقة لم تكن قبل أيام بل قبل عامين.
وكانت هذه الحقيقة هي السبب الرئيسي في الحادث وفقدان قدرته على السير.
استيقظ بانهيارٍ كبيرٍ ومشاعر مُتخبطةٍ.
ليقرر "كاسب" وقتها أن يصارحه بحقيقة كينونته وأنه أكثر شخصًا سعى عمره كله للوصول إليه.
ثارت "سكون" من إصرار "كاسب" على فعل ذلك في أضعف أوقات شقيقها الصحية.
ولكنهم تفاجأوا بقبول ومرونة من "عُمر" تجاه هذه الحقيقة وكأنه كان يشعر بقلب "كاسب" وكان ينتظر اعترافه منذ زمن.
تعلق "عُمر" بعُنق "كاسب" الذي ضمه باشتياقٍ كبيرٍ يختلف مذاقه عن كل اللحظات المريرة السابقة.
مدَّ "عُمر" كفه يمسك بكف الأخير الممسك بعجلة القيادة يواسيه بمشاعرٍ رقيقةٍ ألا يحزن.
فيبتسم "كاسب" ابتسامة باهتة ويتابع سواقته في صمتٍ وهدوءٍ لتنقضي المسافة ويصف "كاسب" السيارة أمام بوابة القصر.
كانت "رويدا" تنتظره بلهفةٍ أمام البوابة.
وما أن وقفت السيارة حتى هرولت صوبه ورددت بصوت سعيدٍ:
"حمد لله على سلامتك يا عُمر."
قابل "عُمر" سعادتها بابتسامة عذبة.
قبل أن يخرج "كاسب" من سيارته ثم يهرع إلى الباب الذي يجلس "عمر" بجواره.
قامت "رويدا" بفتح الباب وأسرع "عِمران" بالتقاط الكرسي ثم وضعه بالأرض فورًا.
ليقوم "كاسب" بحمل الأخير ووضعه على المقعد.
بينما تابعت "رويدا" بقلبٍ يرفرف من فرط الحماس وهي تدفع المقعد أمامها لداخل القصر:
"ممكن تسيبوني أنا وخطيبي على انفراد!!"
افتر ثغر "كاسب" عن ضحكة عريضة وتابع:
"حقكم، اذيبوا الشوق بس براحة على قلبي المنحور لحد ما نشوف نهايته!"
قال عبارته الأخيرة وهو ينظر بعينين حادتين إلى السيارة التي توقفت توًا خلف سيارته.
ترجلت "سكون" بهدوءٍ وترجل هو بعدها قبل أن يتجه نحوها ثم يقول وهو يلتقط كفيها بين كفيه:
"أنا موجود طول الوقت جنبك.. لو احتاجتي حاجة تليفوني أربعة وعشرين ساعة مفتوح لك."
ضغط "كاسب" على أنيابه وهمَّ أن يندفع بعصبيةٍ كتمها طويلًا نحو الأخير.
إلا أن "عِمران" تشبث بخصره يحجم من انفعالاته ويحثه على التروي.
وما أن رأت "سكون" ذلك ولمحت الشرر المتقد من حدقتيه حتى رددت بتلعثمٍ وحسمٍ:
"أكيد يا زين.. لو احتاجت لك هكلمك.. من فضلك امشي دلوقتي!!"
سحبت كفيها بسرعةٍ حقنًا للدماء وتجنبًا لثورة الأخير الذي مازال ينظر إلى عينيها بنظرات مُحذرة وغاضبة.
أومأ "زين" ثم ركب سيارته وغادر فورًا.
لتلتفت "سكون" إليهم فتجده يصيح مُنفعلًا بلهجة نارية:
"أنا هصبر عليكِ كتير!!"
أخذت "سكون" نفسًا عميقًا قبل أن ترمقه بنظرات حانقة ثم تتجاوزه إلى داخل القصر دون أن تنبس ببنت شفةٍ.
فاندفع خلفها بغيظٍ أكبرٍ حتى قبض بشراسة على ذراعها وأدارها إليه مرددًا بلهجة نارية:
"سألتك سؤال من شوية قبل ما تعملي نفسك مش شايفاني وتدخلي؟! أنا صبري عليكِ ابتدا ينفد يا سكون."
أخذت "سكون" نفسًا عميقًا قبل أن ترمقه بنظرات حانقة ثم تتجاوزه إلى داخل القصر دون أن تنبس ببنت شفةٍ.
فاندفع خلفها بغيظٍ أكبرٍ حتى قبض بشراسة على ذراعها وأدارها إليه مرددًا بلهجة نارية:
"سألتك سؤال من شوية قبل ما تعملي نفسك مش شايفاني وتدخلي؟! أنا صبري عليكِ ابتدا ينفد يا سكون."
نزلت بعينيها إلى قبضته القاسية على ذراعها ورددت باختناقٍ:
"وأنا مش ذنبي إنك مش قادر تستوعب إن مفيش رجوع بيني وبينك تاني."
صاح محتدًا بالغضب:
"وأيه يمنع رجوعنا؟! بالعكس كل حاجة بقيت على نور ومبقاش في حقايق مستخبية، إنتِ ليه مُصرة تعقدي الوضع؟!!"
تدخل "عِمران" الذي قبض على ذراع "كاسب" وقال بلهجة لينة:
"كاسب.. تعالى خلينا نتكلم شوية!!!"
تنهد "كاسب" بثباتٍ قبل أن يرخي قبضته عن ذراعها ويتجه بعيدًا مع الأخير.
نظرت "شروق" إلى شقيقتها بعينين تتلألأن بالدموع ورددت بنبرة متحشرجة:
"ليه بتعملي كدا؟! ليه بتحاسبيه على أخطاء بابا؟! اوعي يا سكون تكوني بتحميله مسؤولية اللي وصلنا له دلوقتي، كاسب بيحبك ولو خسرتيه هتندمي عليه عمرك كله.. كفاية توجعي قلبك وقلبه وكفاية اللي إحنا فيه."
نظرت "شروق" حولها قبل أن تردد باختناقٍ:
"شوفتي إن القصور عُمرها ما بتشتري راحة البال؟! القصور اللي عاش عثمان السروجي يبنيها والفلوس اللي عاش يجمعها محاربتش وحدتنا وأوجاعنا."
"سكون!!"
التفتت الفتاتان إلى مصدر الصوت.
بينما لوَّحت لهما "نجلا" بابتسامة هادئة أثناء تقدمها منهما.
لتتكلم "شروق" نبرة خافتة يغمرها الحسرة:
"ولازم تحمدي ربنا على ظهور أمك الحقيقية.. نجلا تستاهل حبكم.. تسامحي وسامحي يا قلب أختك وادي لقلبك فرصة يعيش الحياة اللي هو عايزها."
تقدمت "نجلا" منهما ثم تابعت وهو تستقر بعينيها على ملامح ابنتها وتقول بهدوءٍ:
"مبسوطة إن عمر خرج بالسلامة ورجع لحضنكم."
همَّت "سكون" أن ترد ولكنه سبقها وهو يتقدم صوبهم ويقول بلهجة ثابتة:
"كويس إنك جيتي يا نجلا علشان عندي كلمتين مالهمش تالت."
زوت "نجلا" ما بين عينيها قبل أن يقف "كاسب" أمام "سكون" ثم يرميها بنظرات حادة ويتابع:
"نجلا.. أنا عايزك تعقلي بنتك علشان باين عليها ضايعة خالص.. اقعدي معاها ووعيها تبعد البغل اللي سايقاه معاها في كل حتة حقنًا للدماء.. لأن قسمًا بالله فاضل لصبري تَكة.. وبعد التَكة محدش يلومني في اللي هعمله."
صرخت فيه "سكون" بغضبٍ وتحدٍ:
"هتعمل أيه يعني؟!!"
أسرع بالقبض على ياقتها ثم دفعها بقوةٍ إلى "نجلا" التي التقطتها فورًا ثم ضمتها بين أحضانها.
ليتابع هو بغيظٍ منفجرٍ:
"أنا مش هقول هعمل أيه.. إنتِ بعينك هتشوفي."
رفع أحد حاجبيه ثم نظر داخل عيني "نجلا" واستكمل بنظرات نارية:
"وَعي بنتك.. ماشي!!"
أومأت "نجلا" إيجابًا فلانت ملامحه قليلًا قبل أن يتابع بلهجة ثابتة:
"أنا خلاص لقيت بيت وهعيش فيه أنا وعُمر."
كانت تدفن وجهها في صدر والدتها ولكنها ابتعدت مغتاظة فور تشدقه بعباراته التي استفزتها.
وهي تصيح بغيظٍ:
"إنتَ كمان عايز تاخد أخويا من حُضني وتبعده عني؟!!"
رمقها بنظرات جامدة قبل أن يردد بحنقٍ:
"عُمر مش عيل صغير.. اللي يختاره أنا معاه فيه.. بس عمر كاره القصر هنا."
قاطعهم مجيئه وهو يقول بلهجة حاسمة:
"أنا هكون موجود في نفس المكان اللي موجود فيه خالي وأتمنى إن نفس المكان دا تكوني موجودة فيه يا سكون، قلوبنا الموجوعة من حقها تفرح!!!"
توقفت السيارة أمام البناية التي يعيش بها الأخير.
نظرت بعينيها عاليًا حيث الطابق الذي يقطن فيه زوجها وكانت نوافذه مفتوحة والإضاءة تنبعث دليلًا على وجوده بالداخل.
ابتلعت ريقها في توترٍ بالغٍ وفركت كفيها بارتباكٍ.
وهي تنزل بعينيها إلى الجالس بجوارها تتوسل إليه بعينين تلمعان بالدموع.
قبل أن يتنهد "نوح" تنهيدة ممدودة بعُمقٍ ثم يتابع بلهجة ثابتة:
"وَميض إنتِ غلطتي وإنتِ عارفة دا كويس أوي وعارفة إن مفيش راجل هيغفر لأي واحدة في وضع زيّ دا لأن الموضوع حساس وأكبر مما تتخيلي بالنسبة لنا كرجالة."
أومأت عدة إيماءات متتالية توضح دعمها لكلامه.
قبل أن تتابع بأنفاسٍ مضطربةٍ ونبرة متلعثمة:
"عنيد.. عنيد ومش عارفة أوصل له علشان نتكلم يا نوح.. أسبوع بحاول أشوفه أو أكلمه وهو بيصدني وبيقفل في وشي كل الطرق اللي ممكن توصلني بيه!!"
رفع "نوح" نظراته إلى النافذة ثم ردد بهدوءٍ:
"حقه.. حقه يعبر عن حزنه ويطفي نار وجعه بالطريقة اللي تريحه وإنتِ لازم تستحملي تبعات أخطائك.. وَميض.. تليد مسافر بكرا.. وأنا علشان شايف وجعك في بُعده ووجعه في بُعدك فبقول لك دي فرصتك الوحيدة علشان يفضل جنبك وما يسافرش.. استغليها صح!!!"
وَميض بنبرة مترددة مخنوقة:
"ولو كسر خاطري.. ولو رفض يسمعني يا نوح وطردني؟!.. ولو أصر يسافر أنا هعمل أيه من غيره؟!"
نوح وهو يخفف من حدةٍ قلقها ويحفزها بكلمات داعمةً:
"الست الشاطرة هي اللي تحافظ على وجود جوزها جنبها وطوبة طوبة ترجع تبني بيتها لو الظروف هدته.. اوعي تسمحي للأيام والناس يهدوا بيتك ولا تسمحي لحبك يكون أسير للماضي."
صمت لوهلة ثم تنحنح بخشونةٍ قبل أن يردد مازحًا:
"أنا ليه حاسس إني بقيت شبه الأمهات.. ما تنزلي يا ستي تشوفي جوزك ولا هنقضيها لوك لوك وسهاري!!"
افتر ثغرها عن ابتسامة هادئة قبل أن تردف مُمتنةً:
"شُكرًا على وقفتك جنبي يا نوح."
أومأ في صمتٍ فترجلت من السيارة مُسرعةً إلى بوابة البناية قبل أن تشرع في صعود درجاتها بتردد كبيرٍ.
شعرت وكأن المسافة التي استغرقتها في الصعود تشبه رفة العين وأنها كانت بحاجة للقليل من اللحظات حتى تستجمع قواها للوقوف أمامه.
ولكنها تعاهدت داخل خبيئة نفسها أن تصبر على حُزنه وتتحمل طرق تعبيره عن غضبه حتى وأن أصاب قلبها أو جسدها بآلامٍ جسيمة وثقيلة.
لابد أن تتحمل كي تسترد حلاوة الشعور باستقرارها داخل قلبه ومِلكية نبضاته التي تنبض على قيد حبها.
وصلت أمام الباب فانتظرت للحظات تأخذ نفسًا عميقًا وتطرد مخاوفها بعيدًا عنها.
كورت قبضتها وطرقت بتروٍ على الباب.
فأخذ صدرها يعلو ويهبط بعُنفٍ حينما وصل إلى سمعها وقع خطوات حذاءه تقترب من الباب.
لحظات وانفتح الباب وظهر أمامها بملامحٍ ثابتةٍ فتجمد جسدها تمامًا.
بينما جالت عيناها على ملامحه بلهفةٍ وشغفٍ يعبران عن اشتياقهما لغياب هذا الوجه عنهما لمدة أسبوع كامل.
تجهمت ملامحه فور رؤيتها ثم ردد بلهجة شديدة:
"بتعملي أيه هنا؟!"
أظهرت في هذه اللحظة شجاعةً وإصرارًا لا مثيل لهما.
وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وتقول بعبوسٍ:
"جاية أشوف جوزي!!"
لم تمهله الرد على عبارتها.
حينما أنزلت ذراعيها ثم قبضت على كفيه ورددت بصوت متحشرج حزين:
"مش كفاية عليا عقاب لحد كدا يا تليد؟! أنا راضية بأي عقاب منك إلا البُعد، إنتَ صلحت فيَّا حاجات كتير أوي، حولتني لواحدة مكنتش أتخيل في يوم أوصل لها، إنتَ خليتني أسلمك قلبي وقناعاتي علشان تفلترهم وبين يوم وليلة تخلق مني شخصية جديدة، شخصية بتحبك وعندها إيمان بيك، تليد أنا سلمتك قلبي متكسرهوش ولا ترجعه ليا، أنا عايزاه يفضل معاك!!"
أخذ نفسًا طويلًا قبل أن يردد بثبات كبيرٍ:
"وَميض.. أنا مضيت عقد ومسافر بكرا.. قولت لك كسرة قلبك اللي حبني في شهور تتداوى أسرع من كسرة قلبي اللي عاش يحبك سنين عمري كله، لو في حد فينا هيتعذب من القرار دا يبقى أنا مش إنتِ.. كل واحد هيتوجع بنفس المدة اللي حب فيها التاني.. يعني كلها شهر أو اتنين وترجعي لحياتك بتاعة زمان وأكون أنا من ماضيكِ.. إنما أنا ربنا يعينني وتقدر السنين تشفيني منك."
تقدمت مندفعةً إليه قبل أن تتلفت حولها ثم ترد وهي تخترق المسافة الضئيلة وتتقدم داخل الشقة متجاوزةً بنيانه الراسخ.
وما أن دخلت هي استدارت نحوه وهي تقول بنبرة متراخية مهزومة:
"وليه تكون دي نهايتنا؟! ليه بتفرض عليَّا بُعد إجباري، هو إنتَ عُمرك ما غلطت ولقيت اللي يغفر لك ويسامحك يا تليد! إنتَ معصوم من الخطأ؟!"
استدار بوجهٍ صلبٍ بعد أن صفق الباب ليتواجه بجسده وعينيه معها.
وبابتسامة تبدو ساخرةً للغاية صرَّح:
"مفيش مخلوق على وجه الأرض معصوم من الخطأ، ولكن لمَّا يتوجه لك تحذيرات وإشارات كتير علشان متقعيش في الغلط دا وتقعي فيه يبقى إنتِ مسؤولة ولوحدك تمامًا عن نتايجه."
حدقت فيه بقوةٍ وتابعت بإصرارٍ وغيظٍ:
"بس أنا عرفتك بتسامح.. حبيتك علشان بتسامح.. اتجوزتك علشان إنتَ شخص بيسامح بطبعه.. ليه أنا بالذات مش عايز تسامحني؟!!"
صاح محتدًا بالغضب وهو ينظر إلى عينيها في حدةٍ:
"علشان محدش فيهم كان معاه اللي معاكِ ولا حد في كل اللي سامحتهم وجعني قدك.. إنتِ خدتي مني كل مشاعري وقوتي.. خدتي كل حاجة وحتى مسبتليش طاقة ألملم بيها شتات نفسي."
تحرك من جديد نحو باب الشقة ثم فتحه وهو يقول بلهجة آمرة حادةٍ:
"وَميض.. إحنا مفيش بينا حاجة دلوقتي ووجودك هنا مبقاش يصح ولا ينفع.. لو سمحتي عندي سفر بدري وعايز أنام!!"
تجمعت الدموع في عينيها قبل أن تزم شفتيها بامتعاضٍ وتطيل نظراتها المتمردة والعنيدة إليه.
لتندفع فجأة صوب الباب، ظن استسلامها للمغادرة.
ولكنه وجدها تنتشل الباب منه ثم تصفقه بقوةٍ وتردد بتحدٍ كبيرٍ:
"مش ماشية يا تليد.. إنتَ بتكذب عليَّا.. بابا سليمان قال لي إن الطلاق وقت الغضب لا يقع أحيانًا وحتى لو كان طلاق صحيح فإنتَ تقدر تردني حالًا بكلمة منك."
انهت كلامها ثم بدأت تتلفت حولها في غيظٍ وحُزنٍ كبيرين قبل أن تبرح مكانها ثم تهرع إلى غرفة النوم لتجد حقيبة السفر مُستقرةً على الفراش.
اندفعت إليها بهياجٍ ثم فتحت سحابها وطفقت تفرغ ما بها من مستلزماته وثيابه الخاصة.
ليتقدم "تليد منها ثم يتابع بصوت أجشٍ غاضبٍ:
"وقفي الهبل اللي بتعمليه دا دلوقتي!!.. اخلصي يا وَميض."
أومأت سلبًا وأصرت مُستمرةً على تفريغها بالكامل.
ليقوم "تليد" بالقبض على كفيها كي يدفعهما بعيدًا عن الحقيبة.
وهو يضيف بغيظٍ:
"قولت لك كفاية."
صرخت باكيةً في وجهه تنهار أعصابها تمامًا وترتجف أطرافها:
"إنتَ اللي كفاية يا تليد.. كفاية وجع فيَّا وكأنك بتنتقم لقلبك مني!!.. أنا موجعتكش وأنا قاصدة دا.. فبلاش تكسر ضهري وإنتَ قاصد!!!"
ضغط أسنانه بغيظٍ مكتومٍ أوشك أن يفجره في وجهها.
وهي يصيح بلهجة شديدة بعد أن قبض بشراسة على ذراعها:
"أنا أحلامي معاكِ خِلصت هنا.. استوعبي بسرعة دا لمصلحتك."
بدأ يهزها بقوةٍ وانفعالٍ متأججٍ ينبعث من حمم بركان قلبه النابض المستعر.
فانهمرت دموعها تنجرف كفرعيٍ نهر جار على خديها.
كانت تُطالع عينيه بنظرات مصدومة.
قبل أن يوجه سبابته إلى جانب رأسها فيخبط عليه عدة مرات ويقول بلهجة صارمة:
"استوعبي لأن قلبي لقلبك مبقاش سكن.. أنا رايح في طريق مفيش راجعة منه.. من اللحظة دي بحررك من قيودي وتطرفي الفكري.. بفك قيودك من سجن ارهابي زيّي.. حد يقول للحُرية لأ!"
أسرعت برد الباقي من كلماته لتبقى داخله.
وهي تضع أطراف أصابعها على شفتيه قبل أن تردد بنبرة تتقطع من شدة البكاء:
"بحبك.. بحبك والله العظيم.. قوة الحُب مش بالسنين صدقني.. اللي جوايا ليك محتاج معجزة علشان يخرج مني."
زمت شفتيها بضعفٍ تجلى في اضطراب صوتها المخنوق وعبراتها التي تتساقط بوفرةٍ.
فبدت كطفلةٍ بريئةٍ ارتكبت كارثةً مفجعةً ولكنها لا تُدرك ما فعلت فتنظر إليكَ بوداعةٍ ورغمًا عنك تغفر وتمرر من فرط الحُب والبراءة.
صرَّحت بلوعةٍ قبل أن تسرع بالارتماء بين ذراعيه ومُعانقته بشغف لا ينطفأ له.
تعلقت بعُنقه لا ترغب في الافتراق عنه وصاحت بترجٍ وارتجافٍ:
"احضني يا تليد.. احضني علشان من يوم ما غيبت عن عيني وهي مش بتنام.. احضني لو سمحت!!"
كان ذراعاه مرتخيين تمامًا لا يتفاعل مع إظهارها الحب له على الإطلاق.
فوجعه منها يحول بين شعوره بقلبها الذي ينبض مناديًا عليه.
شدَّت على عُنقه بلهفةٍ اخترقت ثنايا قلبه.
فقام على الفور بضم ذراعيه على جسدها وكانت هذه بداية شرارة إيقاظ قلبه الخامل الذي خفق بقوةٍ رهيبة بين ضلعيه وكأنه ينذره بقدوم سيدته ومالكته إليه مرة أخرى.
تتشبث بعنقه أكثر فيضم ذراعيه أكثر فأكثر.
بقيا هكذا للحظات قبل أن يهمس بنبرة خافتة من بين اضطراب قلبه واشتعال أنفاسه:
"وبعدين معاكِ؟!!"
همست فورًا وهي تدفن وجهها في عظمة عنقه:
"خليك!!"
تنهد تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن يشرد للحظات ثم يقبض على وجهها بين قبضتيه ويجبرها على الثبات أمامه والنظر داخل عينيه مُباشرة.
ابتلع ريقه على مهلٍ وهو يتفحص معالم وجهها الفاتن الذي تغنى بجاذبيته وشدا مرتلًا وترنم في حُسن إشراقه.
عيناها كنافذتين تطلان على فضاء مُبهرٍ وأكثر ما يلمع به هما حدقتيها.
أمعن التحديق فيها كوداعٍ أخيرٍ مُصرًا على أن تكون صورتها هي آخر ما يرى وذكريات هذه اللحظة هي أعمق وأقرب ذكرياته.
سُرق قلبه منه كلما دقق في إبداع الخالق لأنوثة وجهها.
ثمة ضيّ يشبه نقاء سماء الخامسة صباحًا وبراءة طفل يتعلم الحَبو حديثًا فيتشبث بكفيك لنجدته من السقوط.
كانت لحظات النظر داخل عينيها مهيبة بينما التطلع إلى شفتيها أكثر هيبةً كعشقٍ مغوار لسيفه الأصيل اللامع.
لم يستطع التحمل أكثر من ذلك وهو يجدها تتوسل إليه بنظرات تخطف قلبه وتقتلعه بلا رحمة ويروقه هذا للغاية.
تلقائيًا اشتعل جسده من قربها وتوهجت أنفاسه رغبةً فيها.
ليمُد يده إلى حجابها ويبدأ في فكه كالمسحورٍ ينساق خلف غمرة مشاعره العاتية التي اجتاحته دون سابق إنذار.
نزع الحجاب فانفرد شعرها مسترسلًا على كتفيها ليلتقط بعضًا من أطرافه بين أصابعه ثم يقربهم بهدوءٍ إلى أنفه كي تغمر رائحة شعرها أنفه فتزيد من سُكره وذهاب عقله الرصين الذي يصمد كجبل شاهقٍ أمام كل المغريات إلاها!!
انساق خلف غريزة اتصاله الجسدي بها يسترجع لحظاته الحميمية معها تلك الليلة.
فأعلن بداخله نيته الكاملة في ردها إلى ذمته وقبولها زوجة له حتى يُلبي رغبة قلبه المُلحة فيها.
فطفق يقبلها منجذبًا للمزيد معها ليذوبا معًا في عالمٍ يخصهما وحدهما كزوجٍ وزوجه.
دقت الساعة الرابعة فجرًا فكانت تنام هي على صدره منذ ساعات طويلة ولم يمل لحظة من بقائها هكذا بالقُرب من نبضات قلبه.
جافى النوم عينيه فبقى ساهرًا مستيقظًا يُفكر مَليًا في كل شيءٍ.
انهارت صلابته مجرد استنشاق عبير شعرها ليجد نفسه بين لحظة والأخرى قد ردها إلى عصمته وأقام علاقة ودودة معها؟!
لقد سلبت لُبه وجعلته يخنع بكامل إرادته للحظات خاصة معها.
ماذا سيفعل الآن فلَم يتبقى سوى ساعة واحدة على اقلاع الطائرة وما زال ينام في فراشه وتتوسد حبيبته صدره.
يشعر برغبة جامحة في البقاء ولكن حُزنه منها يخبره أنها تحتاج إلى المزيد من الدروس الحياتية حتى تُقدر وتُدرك قيمة الأشياء الثمينة التي وهبها الله لها.
عليها أن تُعاقب بحرمان قلبها من قربه حتى تتفنن بعد ذلك في كيفية الحفاظ على كل جميلٍ يمر عبر حياتها القادمة.
سيغادر مُجبرًا رغم تمرد قلبه على السفر وحاجته لتنفس قربها.
ولكن جُرحه منها لم ينضب بعد ولا يعرف متى سيغيب عن ذاكرته صوت ارتطام قلبه أسفل قدميّ ذلك الحقير الذي مر وعبر على شظاياه بانتصار وكل ذلك بفضلها.
تنهد باختناقٍ فالحياة بينهما صارت مُحالة.
والآن سيبتعد ليتواجه مع حقيقتين؛ إما تخمد نيران قلبه الغاضب تجاهها فيهدأ ويشتاق أو يبقى الألم مصاحبًا أبد الدهر لعلاقته بها فيستمر مفارقًا!!
حك جبينه الذي أُصيب بألم شديدٍ من قلة النوم وفرط التفكير.
حسم الأمر باللحاق بالطائرة فبدأ يسحب جسده بهدوءٍ من أسفل رأسها ثم توجه للحمام حريصًا على أخذ دُشًا سريعًا قبل أن يعيد الأشياء مرة أخرى إلى الحقيبة.
أغلقها بهدوءٍ حرصًا منه على ألا يوقظها.
ارتدى بذلته الرسمية قبل أن يجر حقيبته صوب الباب.
ولكنه توقف لوهلة ثم استدار يمعن النظر في ملامحها الساكنة ليجد نفسه يندفع نحوها بلهفةٍ ثم يميل على جبينها يقبله بعشقٍ لا يجد نهاية له.
لمعت دموعه في عينيه ولكنه تماسك بصلابةٍ قبل أن يدون رسالة في ورقة ويضعها بجوارها:
"كُنت عايز أديكِ حُريتك بس إنتِ أصريتي تفضلي على ذمة تليد السروجي حتى في غيابه، أنا مش أناني بس إنتِ اللي أجبرتيني أردك لعصمتي ومستعد في أي لحظة تحبي تنفصلي فيها عني ألبي لك رغبتك، قلبي زعلان أنه بيودعك، أيوة بحبك وفراقك مش هين بس للأسف وجعي منك الحب مش نافعه، الحب مش بيداويه".
ترك الورقة بجوار رأسها وغادر على الفور للحاق بالطائرة دون تراجع عن قرارٍ اتخذه بعقلانيةٍ واقتناعٍ.
وصل في النهاية إلى المطار وصعد على متن الطائرة لتحلق به حيث يرغب أن تكون غُربته عن أحبابه.
صدر حُكم المحكمة بعد عدة جلسات بسجن "وِسَام" لمدة ثلاث سنوات لمحاولة تعديه على امرأة متزوجة وتصوير جريمته كدليل حاسمٍ ضده.
ونالت "سهير" جزاءها نتيجة تحريضه على فعل شنيعٍ وتسريبها تسجيلًا مضللًا لتشويه سمعة رجل معروف وقد حُكم عليها بالسجن لمدة عام كامل.
وبعد عدة مشاورات في قضية "عثمان السروجي" وزوجته فقد حُكم على "نبيلة" السروجي بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات بتهمة التستر على جرائم زوجها وتزوير في أوراق رسمية نتيجة نسب أطفالًا لم تُنجبهم باسمها.
بينما حظى "عثمان السروجي" على عقابٍ استحقه بقوةٍ كردٍ قويٍ على ما فعله طيلة حياته ليكون المؤبد هو النهاية له ليعيش ويفنى داخل أروقة السجن ولم تحميه ثرواته التي عاش يجمعها من نهاية ذليلة كهذه.
كانت ليلة النطق بالحكم سعيدة على البعض وقاسية على البعض الآخر.
أرادت "شروق" أن يخبرها والدها عن أمها ولكنه أقسم بعدم معرفته بمكانها وإن كانت لا تزال على قيد الحياة في الأصل.
بكت حُرقةً على تشتت العائلة ودمارها.
وبكت "سكون" بكاءً مريرًا على حياة تدمرت في لمح البصر ورجل أغرته الدنيا وظن أنه أكبر من العقاب وطغى دون حدود.
تجده الآن يقف ذليلًا خلف القضبان ينادي أسمائهم كي يسامحوه.
كان "عِمران" يحتضن زوجته بينما ضمت "نجلا" ابنتها بين ذراعيها تحنو عليها وتمسح على ظهرها برفقٍ وتهمس بالقرب من أذنها:
"كل يلقى جزاء ما عملت يداه.. وفري دموعك للغلابة اللي جه عليهم ودمر حياتهم يا بنتي."
شهقت بقوةٍ وهي تهب من نومتها جالسةً تتسارع أنفاسها بقوةٍ والعرق يتصبب عن جبينها.
ابتلعت ريقها على مهلٍ وبدأت تجوب الغرفة بعينيها.
قبل أن تجد الباب يُفتح وتطل "مُهرة" من خلفه وهي تقول بابتسامة ناعمة:
"صباح الفل يا وَميض.. يلا الفطاغ جاهز والشيخ سليمان مش غاضي ياكل إلا وإنتِ معاه."
تدبرت ابتسامة واهية لم تصل إلى عينيها.
ثم أومأت وهي تمسح برفقٍ على موضعٍ قلبها الذي آلمها بشدةٍ من هذا الكابوس.
أنزلت قدميها بهدوءٍ على الأرض ثم مالت تلتقط هاتفها قبل أن تضع كلمة المرور الخاصة بها وتهرول إلى المحادثة التي تجمعها به تتفقدها بخيبة أملٍ تغمرها في كل ليلة ترسل الرسائل إليه ولا يقرأها حتى.
كان حزنها منه وانطفاء تعابيرها يتجليان في صوتها الذي غابت الحيوية والحماس منه.
حاولت التواصل معه على مدار هذين الشهرين وحتى الآن لم يصلها رسالة واحدة منه حتى وكأنه لم يتذكر أنه ترك امرأة تحبه بجنون خلفه.
أخذت نفسًا عميقًا وأخرجت زفيرًا ثقيلًا يملأه القهر وهي تغلق شاشة الهاتف وترميه مرة ثانية على الفراش.
هبَّت واقفةً في مكانها ليضرب الدوار رأسها فجأة فتدور الأشياء من حولها وتتشوش الرؤية قليلًا.
ولكنها تسرع بالاستناد على التسريحة ثم تغلق عينيها للحظات حتى تستعيد اتزانها.
فهذه الحالة تتردد عليها كثيرًا منذ رحيله حتى باتت تتكيف معها وتتوقع حضورها كل صباحٍ.
فتحت عينيها وبدأت الرؤية تتضح أمامها فنظرت بتمعن إلى صورتها المعكوسة في المرآة تتفحص ملامحها الباهتة في إعياء يتخفى الحُزن والألم أسفله.
شعرت بوخزة تداهم قلبها وتجمعت الدموع في عينيها دون سابق إنذار.
وهي تفتح الدرج ثم تلتقط منه ورقة مطوية جيدًا.
أطبقت عليها بقوةٍ قبل أن تضرب صورتها بالمرآة برفقٍ.
ثم تبسط كفها قبل أن تفتح الورقة وتقرأ الذِكر المدون بداخلها.
توجهت بعد ذلك إلى الحمام فأخذت دُشًا وارتدت ملابسها وغطت شعرها.
ثم نزلت إلى الطابق الذي يعيش الشيخ به برفقة نوح.
بينما تقضي يومها كله معهم وعند النوم ترافقها كلًا من "مهرة" و "سكون" بالتناوب.
كان الباب مفتوحًا وما أن ظهرت أمام الشيخ حتى تابع بابتسامة ودودة:
"صباح الخيرات ووَميض الصبح المشرق يا بنتي."
افتر ثغرها عن ابتسامة عريضة وهي تمضي إليه ثم تميل مقبلةً ظاهر كفه وهي تردد بنبرة هادئة:
"صباح الخير يا حبيبي."
مسح على رأسها قبل أن يتساءل باهتمامٍ:
"نمتي كويس بعد ما رقيتك إمبارح؟!!!"
أومأت في هدوءٍ قبل أن يتابع وهو ينهض في مكانه:
"يلا تعالي.. الفطار جاهز في المجلس وأنا أصريت استناكِ."
تحرك للأمام خطوتين قبل أن يلتفت إليها ويقول ببشاشة وحنان بالغٍ:
"صحيح قبل ما أنسى.. التحلية بتاعة كل يوم في التلاجة.. جبتها لك الصبح وأنا راجع من الصلاة."
وَميض وهي تتابع بهدوءٍ لا يفارق ملامحها منذ غيابه:
"ربنا يبارك لي فيك يا بابا."
أشار بذراعه تجاه المطبخ وردد:
"يلا هاتيها وتعالي علشان تحلي بعد ما تفطري."
أومأت بتقديرٍ لحمايه الكبير بغرض بث السعادة إلى قلبها.
سارت في الممر المؤدي إلى المطبخ والذي يضم غرفة "نوح" أيضًا.
وأثناء مرورها من أمام الغرفة سمعته يصيح غاضبًا:
"أبوك مش هيرد عليك يا تليد.. ريح دماغك.. زيّ ما إنتَ بالظبط مش بترد على مراتك وسايبها هنا بتموت من غيرك."
خفق قلبها بعنف وكاد أن يخرج من بين ضلعيها وهي تستند بجسدها على الحائط المجاور للباب.
سكت "نوح" للحظات قبل أن يتابع بنفس الحدة:
"أيوة أنتَ غلطت.. مراتك لا بتاكل ولا بتشرب."
سكت هنيهة وأضاف بسخريةٍ:
"بكرا تنساك؟!! عدا شهرين يا تليد، ليه ما نسيتش؟!.. يا بني إنتَ بتحبها وقلبك هيموت عليها.. ليه العذاب دا كله.. العمر فيه أد أيه علشان تفضل مُصر على رأيك؟؟.. أرجع يا تليد واعقل وما تقوليش برنامج وزفت.. إحنا مقاطعين التليفزيون بسبب برنامجك لأنها كل ما بتشوفك بتنهار وحالتها بتسوء.. وبعدين لما هي مش فارقة لك كل يوم بتسأل عنها ليه؟?"
ساد صمته للحظات ثم استكمل بغيظٍ:
"أبوك مش عايز يرد عليك علشان تحس نفس احساسها وإنت مش بترد عليها.. إنتَ كنت صح لحد ما قررت تمشي وما تبصش وراك وقتها خسرت صاحبك وأبوك ومراتك."
أجهشت باكيةً وهي تضع كفيها على فمها.
ثم سمعت الشيخ يناديها مستعجلًا إياها.
أسرعت تكفكف دموعها ثم هرعت إليه مرة أخرى.
ليتساءل بقلقٍ:
"مالك يا وَميض.. وشك أصفر كدا ليه؟!"
أجابته مسرعة بنبرة متحشرجة:
"حاسة إني مرهقة شوية يا بابا.. يلا علشان مأخركش أكتر من كدا على الفطار."
مدَّ ذراعه إليها فتمسكت بكفه بابتسامة هادئة ليتحركا معًا خارج الشقة.
قبل أن يتنحنح الشيخ بخشونةٍ ويُضيف ببعض التردد:
" هقول لك على حاجة يا بنتي ومش عايزك تزعلي مني!!!"
أومأت "وَميض" في صمتٍ فاستكمل الشيخ بهدوءٍ ورصانةٍ:
"أمك يا بنتي نفسها تشوفك.. لمَّا عرفت إنك تعبانة قلقت عليكِ واستأذنت تيجي تشوفك مع أختك!!"
تنهدت "وَميض" بقوةٍ دون أن ببنت شفةٍ.
قبل أن يتابع هو بودٍ صادقٍ:
"سامحيها علشان اللي في قلبك يسامحك."
اغرورقت عيناها بالدموع وسارت معه حتى دخلت المجلس ليجدا الطعام في انتظارهما.
همَّ الجميع على البدء.
ولكنها ما أن غمست قطعة الخبز في الطبق حتى داهمها الغثيان لتترك اللقمة قم تنهض مسرعةً مبتعدةً عن الطبلية.
وسط نظرات الشيخ المصلبةً نحوها ونظرات "رابعة" المتوحشة.
والتي رددت بنبرة خافتة:
"مش عارفة ليه حاسة إن وَميض حامل يا شيخ، على المنظر دا بقالها أسبوع!!!"
نكس "سليمان" وجهه بالأرض قبل أن يتنهد بحزن ويقول:
"يارب تكون القطرة اللي ترجع الميه لمجاريها."
هرعت "مهرة" إليها وتبعتها "رابعة".
بينما حاولت "وَميض" تقيؤ ما في جوفها ولكنه فارغًا بالفعل.
وكانت نفسها اللحظة التي عبرت "سكون" بصحبة "نجلا" من بوابة المزرعة.
واللاتين ما أن رأتا ما يحدث حتى هرعتا إليها.
أسرعت "سكون" بضمها إلى صدرها وهي تقول بلهفةٍ:
"كلت أيه يا مهرة؟!!"
مهرة وهي تردف بقلقٍ:
"ولا أي حاجة.. دي من إمبارح مداقتش الأكل."
فركت "نجلا" جبينها بوجلٍ كبيرٍ قبل أن تفرد "سكون" ذراع "وَميض" حول عنقها ثم تسير بها إلى شقة الشيخ سليمان.
الذي تحرك خلفهن في قلقٍ.
بينما قررت "نجلا" مغادرة المزرعة لدقائق بعد أن استبد بها الشك حول احتمالية حمل ابنتها التي تتعرض منذ أسبوع لأعراض حمل مؤكد.
وضعتها "سكون" على الأريكة وطلبت منها أن تتسطح.
ثم ألقت "مهرة" غطاءً على جسدها وجلس الشيخ بجوار رأسها يقرأ لها بعض آيات القرآن.
حتى عادت "نجلا" من جديد ووضعت الاختبار المنزلي أمام وجوههم ورددت بحسمٍ:
"لازم تعمل الاختبار دا حالًا."
أسرعت "سكون" بالتقاطه منها ثم عاونتها على النهوض وتوجهت معها إلى الحمام.
طلبت منها "وَميض" الانتظار أمام الباب حتى تنتهي من أخذ العينة.
وما أن انتهت حتى دخلت "سكون" إليها أسرعت تسكب العينة داخل فتحة الاختبار.
وظلت تحدق بقوةٍ فيه تنتظر النتيجة بشغفٍ كبيرٍ.
فهذه النتيجة مسألة حياة أو موت بالنسبة لها.
فحياة شقيقتها الزوجية تتوقف على هذه النتيجة.
انفتح فمها على وسعه وصرخت صرخة عالية.
فأسرعت "وَميض" تنظر إلى الاختبار بقلبٍ خافقٍ.
وبسرعة كبيرة أصبحن جميعهن داخل الحمام يتحشرن بجوار بعضهن البعض في تكدسٍ وأعينهن تكاد تخترق الاختبار.
وهم يصرخن في نفس واحدٍ:
"حاااااااااااامل!!!"
رواية رحماء بينهم الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم علياء شعبان
انتشرت شهقاتهن العالية وغمغمتهن محدثات الكثير من الصخب بالمكان. بدأن يتقاذفن الاختبار المنزلي من يدٍ ليدٍ بأعين جاحظةٍ تفيض بالدمع ومشاعر تتخبط بين السعادة والدهشة. يجدن المُشكلة قد حُلت من جذورها في لحظة، ويبدو أن "وَميض" ستحظى بحياة زوجية سعيدة من بعد الآن حينما يعلم زوجها فيهرول عائدًا إليها دون تفكيرٍ.
تهللت أسارير وجوههن، بالأخص حينما صاحت "سكون" بابتسامة ماكرة:
- أخيرًا عرفنا هنرجعك إزاي يا أخ تليد!!
انسكبت دموع "وَميض" على خديها وقد لجمتها المفاجأة عن الكلام، بينما فتحت "نجلا" ذراعيها في سعادة لترتمي "سكون" بينهما وهي تصيح فرحًا:
- اوف، وَميض حامل!!
بدأن يعانقن بعضهن بسعادةٍ غامرةٍ وصوت صياحهن يملأ الشقة. خرج مُسرعًا من مكانه، ثم هدأت خطواته المتوجسة حينما أدرك انبعاث هذه الأصوات من الحمام، فسار حثيث الخطى صوبه قبل أن يفتح فمه على وِسعه حينما أبصر فريقًا من السيدات اكتظظن ملتصقات بجوار بعضهن داخل الحمام. ليصيح عاليًا في حنقٍ وهو يقف أمامهن مُباشرةً بينما هن مشغولات بعناق بعضهن:
- إنتوا بتهببوا أيه في الحمام!!!!
سكت صياحهن فجأة وتشخصت أبصارهن إليه في الحال، قبل أن يكرر في غيظٍ:
- خشروميت مَرة في الحمام؟! عاملين حفلة للخبث والخبائث!!
بدأن يلتفتن إلى بعضهن البعض، وأخيرًا أدركن أنهن يقفن في الحمام منذ وقت طويلٍ فعلًا. لتردد "رابعة" باستنكارٍ:
- صحيح، إحنا بنعمل أيه كلنا كدا جوا الحمام وإزاي ساعنا أصلًا!!
ضغط "نوح" على أسنانه وهو يشير لهن بكفيه ويردد غيظًا:
- اطلعوا لي.. اطلعي لي يا سكر مِنك ليها.. عايز تفسير منطقي للي أنا شوفته حالًا دا؟! هل دا حمام جماعي؟! ولا بارتي (حفلة) لألهم احفظنا!!!
التفت ينظر بطرف عينه إلى "رابعة" ويتابع بأسف:
- حتى إنتِ يا خالة رابعة كُنتِ معاهم في الحمام؟! عيب على سنك ووقارك!!
التوى شدق "رابعة" وهي ترمقه بنظرات حانقة وترد:
- في أيه يا نوح.. إنتَ مسكتنا متلبسين بالجرم المشهود.. إحنا كُنا بنعمل اختبار حمل لوَميض!!
انفتحت عينيه على وِسعهما وهو يتساءل متوجسًا:
- دا بجد؟! وفين هو الاختبار دا!!
أسرعت "مُهرة" تمد كفها إليه بالاختبار، ليلتقطه بلهفةٍ منها على الفورٍ. ثم ينظر إليه بإمعان، وكذلك وجهن أبصارهن نحو الاختبار أيضًا بعد أن التففن حوله. كان ينظر مشدوهًا، قبل أن تفصله كلمات زوجته التي تابعت بتلقائيةٍ:
- أحنا محتاجين دكتوغة نسا تأكد لنا الحمل.
رفع "نوح" بصره إليها بفمٍ مفتوحٍ، قبل أن يمد يده مُتشبثًا بطرف حجابها ويسحبه بغتة عن رأسها، ثم يُسرع بوضعه على رأسه وهو يقول بابتسامة مغلولة:
- كدا أنفع يا أخت مُهغة ياللي طلاقك هيكون الليلة دي؟!!
أسرعت "مهرة" بوضع كفها على فمها وهي تقول بتلعثمٍ:
- آسفة يا قلبي نسيت لوهلة والله إنك دكتوغ نسا!!
نوح بغيظٍ:
- نسيتي لوهلة.. إنتِ ما بتفتكريش أصلاً.. أنا بحذرك ذكاء الكلاب دا يوصل لجينات عيالي!
خرجت ضحكة مكتومة من فمٍ "سكون" التي تابعت:
- إحنا آسفين يا حضرة الدكتور.. ممكن بقى بعد إذنك تقول لنا دا حمل ولا لأ!!!
أسرع بنزع الحجاب عنه بامتعاضٍ، قبل أن يعاود تدقيق النظر بالاختبار فيقتربن معه أيضًا ويحدقن بالاختبار. ليصبح "نوح" متأففًا في غيظٍ:
- إنتوا بتبصوا على أيه؟! هتفضلوا مبحلقين كدا كتير زيّ المهاطيل!
نجلا وهي ترفع أحد حاجبيها وتقول:
- أيوة يعني دا حمل ولا أيه بالظبط!!!
نوح وهو يبتسم ابتسامة عريضة ويردد:
- دا لو حامل في تنين مُجنح الشَرطة التانية مش هتكون باينة أوي كدا.. دا اختبار واحدة على وِش ولادة.
زَمَّت "نجلا" شفتيها وتابعت بتوجسٍ:
- ود ا معناه أيه؟!!
التفت "نوح" إلى "وَميض" التي لا تتوقف دموعها عن الهطول في صمتٍ مُريبٍ، ثم تساءل مهتمًا للإجابة:
- وَميض.. حصل تأخير للزائرة الشهرية عندك؟!!
ابتلعت "وَميض" ريقها على مهلٍ قبل أن تتكلم بصوت خافتٍ:
- ماجتش الشهر اللي فات بس ميعادها الشهر دا لسه مجاش.
أومأ في تفهمٍ، قبل أن يجوب بنظراته بينهن ثم يقول بملامحٍ متهللةٍ:
- نِقدر نقول ألف مبارك يا سيدات الحمام والنهاردة إن شاء الله هاخدها أعمل لها تحليل دم وسونار كمان علشان نتأكد.
تهللت أسارير وجوههن، قبل أن تلتفت "سكون" إلى شقيقتها وتقول بسعادةٍ غامرةٍ:
- كدا بقى لازم نبلغ تليد ومتأكدة إنه هينزل بعد ما يسمع الخبر فورًا.
في تلك اللحظة، صاح "نوح" معترضًا في ثباتٍ:
- لأ.. محدش يبلغ تليد بالخبر دا نهائي.. إنتوا سامعين؟؟
نظرن إليه في استغرابٍ ودهشةٍ، قبل أن تتسع ضحكته الماكرة وهو يتجه جالسًا على الأريكة واضعًا قدمًا فوق الأخرى:
- هنلعب معاه شوية يا سيدات الحمام.
رابعة وهي تلوح بذراعها في تبرمٍ:
- يا خويا أيه سيدات الحمام اللي طلعت لنا فيها دي؟! بوريه منك يا نوح بوريه.. هتاخدها علينا ذِلة لسنة قُدام.
نوح وهو يصرح باحتجاجٍ مازحٍ:
- لسنة قُدام؟! دا حتى تقوم الساعة.. أنا خلاص اعتمدتها.
وَميض وهي تقول من بين بكائها:
- إزاي عايزني أخبي عليه حاجة زيّ دي؟!
زَمَّ "نوح" شفتيه مُتبرمًا، قبل أن ينفخ حانقًا ويقول:
- حد يسكت النواحة دي.. يا ستي مش بقول لك تخبي عليه.. أنا من الآخر عايز أوقع قلبه شوية.. مش عايز رجوعه يكون علشان البيبي.
أردفت "نجلا" بابتسامة ثابتة وهي تستكمل حديثه:
- عايز رجوعه يكون علشان بيحبها؛ فهتقرر تلعب معاه لعبة الغيرة!!
تدخلت "مُهرة" تقول وهي تضرب بكفها على رأسها:
- أه فيقوم هو مطغبق الدنيا على دماغنا ومطلقها الطلقة التانية؟!!!
نوح يصيح معترضًا في غيظٍ:
- ليه هي حِنة شيماء.. إنتِ طالق قبل الفطار وطالق بعد الغدا وطالق بين الوجبات.. هو كورس علاج هو!!!.. لازم يتعلم يمسك لسانه.. الكلمة دي مش بتتقال كل ما ننفعل!
مُهرة تزوي ما بين حاجبيها وتقول بصلابةٍ:
- أنا مش موافقة على اللعبة دي.
التفت إليها ثم رماها بنظرات ساخطة وهتف مغتاظًا:
- كلمة كمان وهطلقك!!!
انفرج فمها بدهشةٍ، قبل أن يستكمل مازحًا:
- بهزر يا دكتوغة قلبي يا شُراعة حياتي.
رفعت "رابعة" جانب شفتها العُليا وهي تسأله مستفسرةً في حيرةٍ:
- شُراعة حياتك!!
نوح مبتسمًا بمكرٍ:
- ظابطة زوايايَّ الانحرافية.
خرجت ضحكة مكتومة من فمٍ "مُهرة"، قبل أن تتابع "سكون" بفضول شديدٍ:
- إنتَ يا عم المُنحرف.. اخلص وقول لنا الخطة هتمشي إزاي؟!!
عَبَس وجهه فور إنهاء عبارتها، ثم تابع بثباتٍ وجديةٍ:
- وَميض مش هتبعت له رسايل تاني نهائي، مش هو بردو بيشوف رسايلك ومش بيرد عليها!!
أومأت "وَميض" إيجابًا، فابتسم بمكرٍ وأكمل:
- بعد اللي هنعمله.. هو اللي هيبعت رسايل وإنتِ اللي مش هتردي عليه.. بس في مشكلة بتواجهنا دلوقتي!!
سكون بإنصاتٍ ولهفةٍ:
- أيه هي؟؟؟
نوح وهو يتنهد تنهيدة عميقةٍ:
- عمي سليمان.. علشان الخطة تكون محبوكة لازم يشاركنا فيها وطبعًا صعب نضمه للفريق لأنه مش هيوافق على اللي بتعمله.
سكون بابتسامة ثقة:
- ولو خليته يوافق؟! رسينا إنتَ على الحوار كله وسيب موضوع عمي عليا!
أومأ "نوح" بحماسٍ، قبل أن يستطرد طرح خطته على مسامعهن. اندهشت "وَميض" من قدرته على حَبك خطة متينة لهذه الدرجة لاستدراج صديقه أملًا في عودته إلى حياته مرة أخرى، اتفقن في النهاية على تنفيذ الخطة بذكاء شديد يفوق ذكاء "تليد" الذي يستطيع شم رائحة الكذب عن بُعد، فأوصاهن "نوح" بالتحرز من الوقوع في ثغرات هائفة تُفشل خطتهم!
في هذه اللحظة، جاء الشيخ "سليمان" يمشي على استعجالٍ حينما غاب أثر الجميع بالخارج فظن حدوث أمرًا مُريبًا، ليبصرهم يجلسون في صالة شقته يتشاورون فيما بينهم، ويبدو أن "نوح" هو مَنْ يترأس الاجتماع؟؟.. تنحنح بخشونةٍ قبل أن تلتفت أبصار الجميع إليه، وتصيح "سكون" بنبرة سعيدة للغاية:
- عمي.. وَميض حامل!!
كان يسير صوبهم فاستوقفته جملة "سكون" التي اخترقت ثنايا قلبه فداوت حُزن أيامه السابقة وبعثت السرور على قلبه تأملًا للخير القادم. ترقرقت عيناه بالدموع، ثم تحرك سيرًا صوب "وَميض" وجلس بجوارها، قبل أن ينظر داخل عينيها الدامعتين ويقول بكلمات منشرحة:
- لو تعرفي إنتِ إزاي طبطبتي على قلبي وزودتي زاده من السعادة وبدلتي حُزنه لفرح.. مهما تخيلتي يا بنتي هيكون قُليل على اللي أنا حاسس بيه دلوقتي.
أسرعت "وَميض" بالارتماء بين ذراعيه، فربت على ظهرها واستكمل بصوت مُتحشرجٍ تخلله بوادر بكاء:
- ربنا رايد يصلح ذات بينكم يا بنتي ويزيح الفراق عنكم.. ربنا استجاب دعواتي وتقبل مناجاتي وأنا بدعيه بذرية من صُلبي وصُلب وحيدي قبل ما ياخد ربي أمانته.
وَميض وهي تردد من بين بكائها:
- بعيد الشر عنك يا بابا!!
رابعة بنبرة متأثرة حزينة:
- ربنا يبارك في عُمرك وتشيل أحفادك وأحفاد تليد كمان.
ابتسم "سليمان" ابتسامة طيبة وتابع:
- الموت عُمره ما كان شر.. الموت رحمة من رب العالمين.. بييجي للإنسان علشان يرحمه.. رحمة لمريض مش قادر يتحمل التعب.. رحمة لمُفسد في الدنيا بلغت ذنوبه عنان السماء.. رحمة لصالح زهد نعيم الدنيا وأراد أن يتذوق نعيم الله.. الموت في حقيقته رحمة وكُل بني آدم ذائقيه.. فاجعلنا اللهم من عِبادك الأوابين التوابين.
ابتسم ثم استكمل برضا كبيرٍ وهو يقبل ظاهر وباطن كفه:
- كان مطلبي وأمنيتي الأخيرة من رب القلوب إنه ينعم عليَّا برؤية ذرية لتليد، فاستجاب الحمد لله، ربنا يتم حملك على خير يا بنتي ويرزقكم طفل سليم مُعافى بار بيكم واجعله اللهم ممن يُعلي راية الإسلام ويطبقه.
وَميض وهي تبتسم بهدوءٍ وسكينةٍ:
- اللهم آمين.
أزاح بسرعة دمعة فرَّت من عينه، قبل أن تتابع "سكون" بابتسامة هادئة:
- عمي، إحنا محتاجين منك مُساعدة، وصدقني دي كِذبة بيضا علشان نجمع قلوب زوجين من تاني!!
أومأ "سليمان" وهو يتابع بلهجة ثابتة:
- طبعًا.. كُنت على يقين إن هذا التجمع مشكوك به.. بأي خُدعة جئتم هذه المرة؟!
ضحك "نوح" ضحكة عالية قبل أن يشير على نفسه ويقول بثقة كبيرةٍ:
- دي خدعتي وأنا اللي بحرضهم على الرزيلة.
حدق فيه "سليمان" مندهشًا، بينما أسرع "نوح" يردف بنبرة ضاحكةً:
- لأ مش الرزيلة اللي جت في دماغك، خلاص إحنا نمسح رزيلة قبل ما اتضرب ونمشيها خدعة.
سليمان يقول مازحًا:
- كويس إنك عارف إني كُنت هضربك يا مُشاكس.
أسرعت "سكون" نحوه ثم احتضنته بودٍ من الخلف وهي تقول برجاءٍ:
- علشان خاطري يا عمو، اسمع لنا المرة دي بس، إحنا عايزين تليد يرجع لنا بالسلامة ويرجع لمراته وطفله، وَميض اتعلمت الدرس وتابت عن التسرع وهو كمان لازم يتعلم التحكم في أعصابه والتسامح، إنتَ بقى اللي هتساعدنا في دا وصدقني دا سعي في الخير مش كِذب!!
تنهد "سليمان" تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن يسأل بفضولٍ:
- وأيه بقى خطتكم؟!!
نوح يتابع بحماسٍ:
- أهداف الخطة هي عودة تليد لمراته قبل رمضان مش لأجل مراته لأجل يعلق الزينة معايا.. أنا مش هعلق الزينة بتاعة المزرعة دي كلها لوحدي يكون في علمك!!
سكون بابتسامة حماسية:
- لسه باقي خمستاشر يوم على رمضان لو خطتنا أتت ثمارها هنلاقيه طابب علينا في خلال أسبوع أو أسبوعين بالكتير.
نوح وهو يشهق مصدومًا:
- أسبوعين يعني أول رمضان.. يعني أنا بردو اللي هعلق الزينة لوحدي.. يا مراري!
مُهرة بابتسامة رقيقة ترد:
- أنا مش هسيبك تعلقها لوحدك بردو!!
نوح بابتسامة مستمتعة يرد:
- شُراعة قلبي!!
مَطَّت "سكون" شفتيها وصاحت بغيظٍ:
- مبدئيًا كدا نوح ومراته يطلعوا برا حالًا علشان نفسي غَمت عليا.
نوح مُضيفًا بضحكة ماكرة:
- أختك تحمل وإنتِ اللي نِفسك تغم عليكِ.. مُنتهى الإخاء والترابط الأُسري.
ضحك الجميع بسعادةٍ، قبل أن يصل اتصال هام إلى "نجلا" التي استأذنت بهدوءٍ وتوجهت خارج الشقة للإجابة، وما أن جاءها صوته حتى تابعت بقلبٍ نابضٍ:
- صباح الفل يا عيون نجلا.. وَحشتني يا يحيى!!
أردف متجاوبًا مع لهفتها إليه بمثيلها:
- إنتِ كمان وحشاني يا أمي.. أنا خلصت المهمة اللي كانت ورايا وأخدت أسبوع أجازة كمان.. مش عايز أقضيه مع حد تاني غيرك إنتِ وأخواتي!!
تهلل قلبها بفرحةٍ عظيمةٍ، قبل أن تتابع بحماسٍ كبيرٍ:
- دا هيكون أحلى أسبوع في عُمري بس صعب اللي بتقوله دا يحصل.
قطب "يحيى" ما بين حاجبيه وتساءل متوجسًا:
- ليه؟!
تنهدت "نجلا" تنهيدة ممدودة بعُمقٍ، قبل أن تجيبه:
- علشان عندك أخت مش بتطيق تشوفني وقلبها مش قادر يسامحني.
يحيى يتساءل مرة أخرى في حيرةٍ:
- أكيد تُقصدي يُسر مش الصغنن!!
ابتسمت "نجلا" ابتسامة سعيدة وردت:
- قصدك وَميض.. أما بالنسبة للصغنن فهي صغنن أه بس نينجا، أنا وهي حبة فول وانقسمت.
يحيى يربط على قلبها بكلمات لينة:
- بُكرا تسامح يا أمي لأنك تستاهلي تدوقي السعادة بلمتنا في حُضنك، ربنا جاب لك حقك من الظالم وزرع حُبك في قلوبنا حتى لو ذكرياتنا معاكِ قُليلة بس إرادته إننا نتجمع تاني ويجبر كسرك وقلبك.
دمعت عيناها وهي تقول بصوت مهزوزٍ يتخلله بعض الضعف وقلة الحيلة:
- لو بس وَميض تسامحني وأسمع كلمة ماما منها؟! إنتَ عارف يعني أيه ترجع لحُضني إنتَ وأخواتك؟!.. أنا حاسة إني مالكة الدنيا كلها بين ايديا.. لأول مرة أحس إن ضهري مسنود.. رجوعك لحُضني قواني.. أنا مش لوحدي.. أنا عندي راجل يحميني وياخد حقي من عين الدنيا.
تكلم "يحيى" بوعدٍ وصلابةٍ:
- أوعدك إن مفيش حق ليكِ هيضيع طول ما أنا موجود، اسندي عليَّا وارمي حمولك، أنا عُمري بيكِ ما هميل.
أجهشت باكيةً، قبل أن تقول من بين دموعها:
- طيب أنا دلوقتي عايزة أشوفك قُدام عيني وأخدك في حُضني!!!
يحيى بابتسامة هادئة يسأل:
- طيب إنتِ فين وأنا أجي لك؟!!!
تابعت "نجلا" بسرورٍ:
- أنا في مزرعة الشيخ سليمان.. ثواني وهبعت لك اللوكيشن.
يحيى بهدوءٍ:
- تمام.. هقفل معاكِ ودقايق وهكون عندك.
نجلا بفرحةٍ عارمةٍ:
- توصل بالسلامة يا عيني.
تحرك كُلًا من "كاسب" و "عُمر" بين الغرف بسعادةٍ كبيرةٍ يتفقدون كُل زاوية ورُكن ببيتهما الجديد. سار "كاسب" يدفع كرس الأخير منبهران بكل غرفة يدخلانها، قبل أن يتابع "عُمر" بحماسٍ وإعجابٍ:
- لأ بص بقى.. الأوضة دي هتبقى أوضتي.
ضحك "كاسب" ملء شدقيه، قبل أن يقول:
- دي تالت أوضة ندخلها وتقول إنها بتاعتك.. استقر على واحدة مُحددة علشان أختار أنا كمان!!
ابتسم "عُمر" ابتسامة عريضة، قبل أن يقول بحسمٍ:
- خلاص.. أنا استقريت على دي.. هواها بحري وشباكها باصص على الزراعة مش الطريق والدوشة.
حك "كاسب" جانب رأسه بطرف إصبعه وهو يفكر في حيرةٍ:
- تمام.. ممكن أخد الأوضة اللي بتطل على الطريق.. أنا بحب الدوشة والونس.
عمر مُضيفًا بحماسٍ:
- كدا فاضل أوضة كمان والريسبشن.
كاسب وهو يومىء بثباتٍ، ثم يتابع بلهجة شديدة:
- لا التالتة دي هتبقى أوضة الفيران.
ضيق "عُمر" ما بين حاجبيه وأردف مستفسرًا في توجسٍ:
- اشرحها لي دي!!!
كاسب بابتسامة ماكرة:
- ودي محتاجة شرح.. الأوضة اللي هحبس فيها أختك أم راس تخين لحد ما تتعدل وتاخد قرار.. يا إما تشاركني أوضتي بما يرضي الله وعلى سنة الله ورسوله أو أعتبرها أسيرة حرب وأحبسها مع حبة فيران يعلموها الأدب وفي الآخر هتستسلم لي بردو.
تنحنح "عُمر" بقليل من التوترٍ، قبل أن يقول:
- نسيت أقول لك قرار سكون الجديد!.
رفع "كاسب" أحد حاجبيه، ثم أردف بثباتٍ:
- مبدئيًا كدا قراراتها دي تبلهم وتشرب ميتهم تلت مرات في اليوم.. بس أحب أسمع!!
حك "عُمر" جبينه، قبل أن يقول بنبرة سادرة يكسوها الحُزن:
- سكون قررت تقبل عرض الجواز من زين وهيروح لعمي سليمان علشان يطلب إيديها وبعد كتب الكتاب هتسافر معاه.
كور "كاسب" قبضة يده بقوةٍ، ثم نفخ بانفعالٍ ناقمٍ وردد:
- دي دماغها راحت منها خالص يا عُمر.. صبرًا.. أنا هفوقها من غيبوبتها دي بطريقتي علشان التكة اللي عندي خلصت دلوقتي حالًا.
عمر وهو يبتسم ابتسامة هادئة سعيدًا بهيام خاله بشقيقته غاضبًا من عِنادها ولكنه يرى تخبطها النفسي فيلتمس الأعذار لها:
- براحة عليها، زيّ ما بتحبها هي كمان بتحبك والعِند هيروح مع الوقت.
كاسب هاتفًا بغيظٍ:
- العِند عندها معشش في دماغها ما بيروحش.
أخذ نفسًا عميقًا لتهدئه نفسه، قبل أن يزفر باختناقٍ ويستكمل:
- بس أنا هكلم الشيخ سليمان يلاقي لي حل معاها!
توقف بسيارته أمام بوابة مزرعة السروجي كما وصفتها له "نجلا"، ترجل من السيارة بهدوءٍ قبل أن يغلق آخر زرار في بذلته العسكرية وهو يجوب المكان بعينيه. زفر باستعدادٍ متلهفٍ لرؤية شقيقاته الصِغار كما وعدته "نجلا" أن تفعل بعد عودته من مهمة تخص عمله وبعد استقرار الأوضاع لدي كلتا شقيقاته. صفق الباب بصلابةٍ، قبل أن يتناول هاتفه من جيب بنطاله ويتصل بها في الحال، ثم لحظات وسمع صوتها الدافئ يردد بانشراحٍ:
- إنتَ وِصلت؟!!
أجابها بصوت رخيمٍ ثابتٍ:
- قُدام باب المزرعة.
خفق قلبها بفرح كبير لتهرع مُسرعةً صوب البوابة، ثم تقول بلهجة ثابتة أثناء تحدثها إلى الحارس:
- افتح الباب بسرعة.
أومأ الحارس مُنصاعًا ومنفذًا لأوامرها، وقفت في مكانها تفرك كفيها بحماسٍ، بينما تحرك "يحيى" البوابة ما أن فُتحت له ثم تجاوزها للداخل ليُبصر "نجلا" تنتظر ظهوره بعينين تضويان بهجة. اتسعت ضحكته الجذابة للغاية وهو يسعى بخطواته نحوها، فتسعى بلهفةٍ إليه أيضًا حتى فرد ذراعيه أمامها، فهرولت ترتمي بينهما وهي تصيح باشتياقٍ جارفٍ:
- حمد لله على سلامتك يا يحيى باشا.
قام بعناقها بحبٍ كبيرٍ، ثم قبل جبينها وهو يتابع بثباتٍ:
- أنا باشا على أي حد إلا إنتِ يا ست الكُل.. أنا الواد يحيى ابنك.
نجلا وهي تضم حصريه أكثر وتردد بنبرة متأثرة يخالطها بوادر بكاء:
- قطع لِسان اللي يقول عليك واد.. إنتَ ابني حبيبي وتاج راسي.
أسرعت بتقبيل كتفه فور إنهاء كلامها، فالتقط "يحيى" كفها وقبله بودٍ ومحبةٍ قائلًا:
- تعرفي إنك وَحشتيني الأيام اللي فاتت دي أكتر من السنين اللي عدت.. أصل بمجرد ما شوفتك أول مرة في النيابة وأنا بقيت عايز كل يوم أشوفك.. أصحى على وِشك القمر دا ويا سلام بقى لو أكلت من إيدك.. واحشني حياة الابن وأمه دي.
عَبَسَت ملامحها قليلًا، ثم أردفت بنبرة حزينة:
- ليه هو حافظ مجابلكش أُم؟!
أومأ سلبًا، ثم رد:
- لأ.. أبويا ما اتجوزش تاني.. باكل من ايد دادة شوقية طول عمري.. ست زيّ الفل.. بتسيح لي الزبدة من صغري وتحطها لي في مج على إنها عصير وتديني شاليمو علشان أشفط لحد ما جابت لي انسداد في الشرايين.
انفجرت ضحكة "نجلا" من بين بكاءها، قبل أن تبتعد عنه بهدوءٍ، ثم تكفكف دموعها وابتسامة هادئة تظهر على شفتيها وهي تقول:
- لا بس الزبدة البلدي سرت ومرت ما شاء الله، زيّ القمر ربنا يحفظك.
يحيى وهو يبتسم بحنوٍ:
- قمر أيه وإنتِ موجودة.. بصي بقى.. أنا عايز أشوف البنات دلوقتي بجد؟؟
اتسعت ابتسامة عريضة على شفتيها، وهي تقول بتذكرٍ وابتهاجٍ:
- نسيت أقول لك إنك هتبقى خال!!!
حدق في عينيها بدهشةٍ، فتابعت بحماسٍ:
- وأنا هبقى تيتا.. أنا مش مستوعبة والله.. بس وَميض حامل.
تهللت أسارير وجهه، ثم تابع بحسمٍ:
- عايز أشوفها وأبارك لها بنفسي.. أنا مقدر الظروف اللي هم فيها.. بس أعتقد إن وجودي ممكن يفرحهم!!
أومأ "نجلا" إيماءات متتالية، قبل أن تتابع بحسمٍ وهي تتحرك من أمامه:
- لحظة وراجعة.
أومأ متفهمًا ارتباكها حول ظهوره فجأة في حياتهما وردود أفعالهما، جاب المزرعة بعينيه يتفحص معالمها المريحة وتفاصيلها الذكية التي تشبه بلدتهم القديمة، حتى شرد مسحورًا في بهاء المكان شاعرًا بالحنين إلى طفولته التي لا يتذكر منها سوى بكاء أمه ضعفًا ونهنهة شقيقته الصُغرى جوعًا والقناة التي شرب ماءها حتى كاد يفارق الحياة. حمد الله أنه كان واعيًا بآلام والدته وكفاحها لبقائهما على قيد الحياة، ورغم الذنب الفادح الذي اقترفه والده في حقهم إلا أنه عوضه كثيرًا عن هذه الأخطاء ودعم نفسه المشتتة وظل يتكلم عن والدته بالخير ويزرع حبها داخله حتى صار رجلًا لا تفارق ملامح والدته الشبابية خاطره ولا يتذكر لها سوى كفاحها من أجل بقائه ودفء كفيها الحانيين لحظة مداعبة كفه.
- سكون، ممكن تيجي معايا لحظة إنتِ ووَميض، موضوع ضروري!!
أردفت "نجلا" في توترٍ وهي تقف على عتبة باب الشقة ونبرتها تبدو مرتبكةً للغاية. نظرت "سكون" تجاه شقيقتها، ثم أعادت النظر إلى والدتها ورددت بقلقٍ:
- ماما إنتِ كويسة؟؟!
افتر ثغر "نجلا" عن ابتسامة عريضة من فرط الحماس، ثم أومأت إيجابًا وهي تردد بنبرة خافتةٍ:
- كويسة يا قلبي.. في حاجة مهما برا لازم تشوفوها!!
زَمَّت "وَميض" شفتيها باستغرابٍ، بينما هبت "سكون" واقفةً في مكانها، قبل أن تمد ذراعها نحو شقيقتها تحثها على التشبث بها لتضع "وَميض" كفها بين كف شقيقتها وتنهض على مضضٍ في استجابة فاترة لرغبة "نجلا" التي تهللت أسارير وجهها بقدومهما لتهرع مُسرعةً خارج الشقة قبل أن تلتفت إليهما مرة أخرى وتقول:
- في حاجة كانت نقصانا علشان نكون كاملين!
انتظرت خروجهما عبر ممر البيت إلى المزرعة، ثم بدأت تراقب نظراتهما المتحيرة من كلماتها التي لم تُفهم بالنسبة لهما، لتستكمل بتلعثمٍ وهي تفرك كفيها معًا:
- في شخص نفسه يشوفكم وإنتوا كمان كان نفسكم تشوفوه!!
ابتسمت "سكون" بهدوءٍ، قبل أن تردف بحيرةٍ:
- ماما، إحنا بجد مش فاهمين حاجة!!
ابتعدت من أمامهما بعد أن كانت تحجب رؤيتهما له، ثم توجهت بنظراتها نحو الواقف بعيدًا وهي تقول بصوت هائمٍ مُتحشرجٍ:
- عارفين مين دا؟!!
نبض قلبه بقوةٍ ما أن أبصرهما تقفان أمامه تبدوان سيدتين كبيرتين بملامحٍ أُنثوية فاتنة. متى كبرتا هكذا؟ لقد كان بالأمس يهدهد شقيقته ويربت على ظهرها كي تنام، وبالأمس أيضًا كانت تشكو أمه إليه وَهن الحمل وقسوته على جسدها الضعيف، بالأمس ذهبت أمه لإنجاب صغيرة له، عادت أمه من دون الصغيرة، فمتى كبرتا هكذا؟.. لاحت ابتسامة واسعة على شفتيه وهو يُعمق نظراته بهما.
لم تكُن "وَميض" تهتم كثيرًا حول ما تريد "نجلا" إخبارهما به، ولكنها ما أن رأته أمام عينيها وسمعت كلمات "نجلا" الموحية والمثيرة للشكوك حتى بدأت تحدق فيه بقوةٍ ورغمًا عنها تقودها قدماها نحوه، بينما سارت "سكون" بجوارها وهي تتساءل بريبةٍ:
- مين؟؟؟
عضت "نجلا" شفتيها من شدة التوتر شاعرةً بعدم القدرة على التفوه أو الإجابة على سؤال ابنتها، بينما رفع عنها "يحيى" عناء الرد وهو يقول بلهجة لينة:
- أنا يحيى.. أخوكم!!
توقفت "وَميض" عن السير إليه، وكذلك تسمرت "سكون" في مكانها تطالعانه بدهشة كبيرةٍ، قبل أن تردف "نجلا" منخرطةً في البكاء:
- يحيى طلع عايش يا سكون.. ربنا أراد يكمل فرحتي بيكم وما يسيبهاش ناقصة بغيابه.
اندفع "يحيى" صوبهما، قبل أن يتوجه بعينيه إلى شقيقته الأصغر منه، ثم يقف أمامها مُباشرةً مرددًا باشتياقٍ ولوعةٍ:
- يُسر!!
انهمرت دموعها دون سابق إنذار وهي تحدق فيه بعدم تصديق. ارتفعت شهقاتها المتهدجة، قبل أن يحاصر وجهها بكفيه ثم يقول بحُزن دفينٍ:
- العياط دا علشان وَحشتك زيّ ما وَحشتيني؟!!
أسرع على الفور بجذبها إلى أحضانه، فبقى ذراعيها مرتخيين في وَهن وصوت بكائها يعلو بحُرقة، وبعد لحظات بدأت تعي وجود شقيقها الذي افتقدته طيلة حياتها ماثلًا أمامها الآن وكأنما بعثه الله إليها حتى يسند ميل قامتها المنهكة. أسرعت بلهفة تشد على ظهره وتضمه إليها بقوةٍ، فتهللت أسارير وجهه فرحًا وهو يهمس بسعادةٍ بجوار أذنها:
- كل اللي فات من حياتي كان سعي مني علشان اللحظة دي.
التفت ببصره نحو "سكون" ثم تابع بابتسامة حانية:
- وَحشتيني يا صغنن!!
اغرورقت عينا "سكون" بالدموع وهي تبتسم في خفوتٍ وتأثرٍ، قبل أن يشير لها بكفه يحثها على الاقتراب منهما. بدت وكأنها تنتظر دعوته لها بشدة، فاندفعت ترتمي على ذراعه الآخر وهي تضم جسد شقيقتها بذراعها مشكلين حلقة دائرية متكاملة. انسكبت دموعهم جميعًا في اشتياقٍ وألمٍ فرضه الفراق عليهم دون رغبتهم. تمنوا لو عاشوا طفولتهم معًا وصِباهم وشبابهم دون أن يفرق الظلم شتاتهم فيكبرون أمام أعين بعض ويتآلفون بإخاء واتحاد. انهارت "نجلا" باكيةً وهي تحتضن ابنها من الخلف وتضع رأسها على ظهره لتشعر في هذه اللحظة بأنها لم تلقي برأسها على ظهره بل ألقت على عاتقه همومها بأكملها واثقةً بأنه أهل لذلك.
تنهد الشيخ سليمان باستسلامٍ أمام إصرارهم جميعًا وبالأخص "نوح" الذي يود أن يُعلم صديقه درسًا عامًا حول الصمود وقت الشدة وعدم الانسحاب كلما اشتد عليه الألم وانهارت حصونه. شعر "سليمان" أن ابنه استحق هذه المراوغة البسيطة جزاءً على وداعه له وذهابه دون رغبته وزوجته التي سهرت لياليها تبكي بحُرقة وتستجدي الجميع أن يتوسطون إليها عنده كي يرأف بحال قلبها المكلوم على فراقه؛ شعر أنه لا بأس ببعض المراوغة التي تجعل ابنه يهرع إلى بيته وسكنه مرة أخرى.
التقط "نوح" هاتف الشيخ سليمان ثم ضغط على أيقونة الاتصال صوتًا وصورةً بابنه من خلال أحد مواقع التواصل الاجتماعي، ثم حثه على الذهاب إلى غرفته كي يكون على طبيعته وراحته أثناء الكلام، ففعل الأخير منتظرًا رد ابنه وما هي إلا ثوانٍ حتى ظهرت صورة ابنه أمامه يقول باشتياقٍ وملامةٍ:
- بقى كدا يا بويا مش عايز ترد عليَّا!!
تجهم وجه "سليمان" عَبُوسًا، قبل أن يتابع بلهجة شديدة:
- وماكنش في نيتي الرد عليك يا وَلدي لولا إن جد في الأمور جديد.
قطب "تليد" ما بين حاجبيه ثم تساءل متلهفًا مرتابًا:
- وَميض كويسة؟!!
دخل الشيخ غرفته وصفق الباب خلفه، ثم تقدم للأمام حتى جلس على الأريكة، وبعد ذلك تنهد طويلًا قبل أن يستكمل بحزمٍ وجديةٍ:
- ومالك بتسأل عنها بقلق كدا ليه؟! مش إنتَ تجاوزتها ومشيت يا بني واختارت حياتك من غيرها!!
مسح "تليد" على جبينه، قبل أن يردد متوسلًا إلى والدته:
- بالله عليك يا بويا افهمني.. أنا اتكسرت بسببها ومش عارف أتجاوز الغضب اللي جوايا منها.
أومأ "سليمان" بهدوءٍ، ثم تابع بلهجة ثابتة:
- ارتاح واطمن يا بني لأنها هتعمل اللي إنتَ عايزه وتخرج من حياتك للأبد.
سرت رجفة شديدة في قلبه وهو يستمع إلى كلمات والده الغامضة، ابتلع ريقه على مهلٍ، قبل أن يسأل متوجسًا في لهفةٍ:
- مش فاهم؟؟ هتخرج من حياتي للأبد إزاي؟!!
تجهمت معالم وجه الشيخ وهو يرد بثباتٍ:
- وَميض طالبة الطلاق يا بني وأنا شجعتها على دا.. هو مش إنتَ قبل السفر بيوم قولت لي لو عازت تنفصل في أي لحظة أبلغك وتنفذ لها رغبتها.. في واحد جدع في حياتها.. جه كلمني علشان يفهم موقفها من زواجكم وقولت له إن الحياة ما بينكم مستحيلة وقريب هيحصل الطلاق واتفق معايا إن بعد شهور العدة هيعقد قرانه عليها.
داهم غاضب عارم صفحة وجهه بأكملها، وهو يرد بانفعالٍ مستعرٍ داخل صدره:
- جدع أيه اللي في حياتها؟ وشهور عِدة أيه دي؟! أنا مطلقتش وَميض أصلًا ومش عايز أطلقها، وبعدين إزاي تدخل راجل تاني حياتها وهي على ذمتي وإنتَ إزاي يا بويا وافقت بدا أصلًا!!
صاح "سليمان" محتدًا بالغضب في لهجة شديدة:
- البنت مش غلطانة ومالهاش كلام معاه أبدًا، شاب ابن حلال من طرف والدتها عرف بخلافكم فطلب كلمة مني وقرر ينتظر طلاقكم وشهور عدتها بدون التواصل معاها نهائيًا، أنا فهمته إنه لا يصح الكلام عن ست متزوجة أو حتى مطلقة بدون مرور شعور عِدتها وهو تفهم كلامي واحترمه وحاليًا مش بييجي إلا لزيارتي فقط.
ضغط "تليد" على أسنانه، قبل أن يصيح مُنفعلًا بصوت مخنوقٍ رخيمٍ:
- يا بويا إنتَ مُقتنع باللي بتقوله؟!!!
صاح "سليمان" مغتاظًا بلهجة شديدة:
- تليد إنتَ اللي قررت تمشي وتلغي دورك في حياتها وكمان بلغتني بتخليك عنها وقت ما تحب هي، هي تحت أمرك عايزها تقعد تبكي على الأطلال وهي في انتظارك والعُمر ياخد شبابها منها؟!.. أنا نفذت كلامك اللي إنتَ قولته بملء إرادتك ومراتك عايزة تطلق علشان تعيش حياتها اللي مش هتقف عليك.
سكت هنيهة، ثم انفعل بشكلٍ أكبرٍ يبدي ضيقًا حقيقيًا منه:
- مراتك بنت مُحترمة وأصيلة.. زمن الجواري ولى يا بني.. مش قررت بدون إرادتي وإرادتها إنك تبعد؟؟ أتمنى تنبسط في حياتك الجديدة وإحنا بعيد عنك.. هرجع أكلمك تاني في وجودها علشان النطق بالطلاق.. مع السلامة يابني.
كان "تليد" محدقًا إلى الشاشة في صدمةٍ وعينين حمراوين وقبل أن يتسنى له فُرصة الرد قام أباه بإغلاق المكالمة وترك مرجل غضبه يمور ويفور في قلبه وأنفاسه المضطربة في عدم استيعابٍ وتيه.
جاشت مراجلهُ واشتعل غضبه حتى بلغ قلبه حنجرته من شدة الضيق، بدأ يضرب جبينه بقبضة يده وفورًا التقط هاتفه وأجرى اتصالًا بصديقه على أحر من الجمر بالنسبة له. صاح "نوح" بظفرٍ وابتسامة ماكرة حينما ورده اتصال من الأخير، فهرع إلى غرفته ثم تظاهر بالثبات مجيبًا في برودٍ:
- أيوة يا تليد!!
جاءه صوت الأخير يهيج ثائرًا في اختناقٍ:
- أنا عايز أفهم أيه اللي بيحصل عندك بالظبط، يعني أيه مراتي تعرف واحد وهي لسه على ذمتي!
تنحنح "نوح" متظاهرًا بالتوترٍ، قبل أن يقول بثباتٍ أكبر يحث الأخير على الهدوء والتريث:
- اهدى بس علشان نعرف نتكلم.. الشاب يبقى قريب وَميض.. قريب نجلا يعني.. نجلا كانت اتكلمت معاه عن الخلاف اللي بينك وبين وَميض وإنكم في حكم المنفصلين وهو شاف وَميض وعجبته فكلما عمي سليمان ونجلا إن الانفصال لما يتم هيستنى شهور عِدتها تخلص ويكتب كتابه عليها.
قدح الشرر من عينيه وهو يصيح محتدًا بالغضب:
- إنتوا ناويين تجننوني؟!.. نوح.. هي هبت منك إنتَ كمان.. قسمًا بالله هنزل أطربق الدنيا على دماغكم واحد واحد.
ضيق "نوح" ما بين عينيه، قبل أن يردف بنبرة متعجبة متظاهرًا بالغيظٍ:
- يا بني مش دي كانت رغبتك؟! وإنتَ مسافر على أساس إنك مش راجع تاني وهي برا حياتك؟! طلقها وخليها تشوف حياتها وإنتَ شوف حياتك كمان وخلصت الحكاية على كدا.
تليد وهو يصيح منفجرًا في اختناقٍ:
- مش هطلق يا نوح.. مش هطلقها.
نوح وهو ينفخ متظاهرًا بالضيق:
- براحتك.. وَميض ناوية ترفع عليك قضية خُلع لو مطلقتهاش بالتفاهم وأنا شايف إنكم زيّ ما دخلتوا بالمعروف تخرجوا بيه!!!
سكت هنيهة، ثم استكمل يستفزه أكثر:
- بصراحة الشاب ميترفضش.. أعتقد إنه بسهولة هينسيها اسمك واليوم اللي عرفتك فيه.. خسارة يا تليد خسرتها.
تليد وهو يضغط على أسنانه مُضيفًا في حنقٍ:
- خسرتها إزاي يا حبيبي وهي لسه على ذمتي!!
نوح وهو يضيف بخفوتٍ:
- حاسس إن وَميض ميالة له وبدأت تحـ.....
أسرع تليد بمقاطعته وهو يردف بلهجة صارمةٍ:
- اخرس يا عم.. إنتوا عالم هربانة منكم وهتجننوني معاكم.
استطاع "نوح" بمعجزة أن يمنع انفجار ضحكة مكبوتة من بين شفتيه، فسعل مسيطرًا على الوضع ثم تنحنح بثباتٍ وقال:
- تليد.. قرر إن عايز أيه بالظبط وناوي على أيه؟! ولو عايز تكمل عندك متقفش قدام حريتها!!
بعد مرور أسبوع.
تمددت "وَميض" بجسدها على الأريكة القابعة بصالة شقتها في إعياءٍ أذبل ملامحها، بعد أن طلب منها "نوح" الراحة التامة ووصف لها بعض الأدوية التي تقوي حملها المهدد نتيجة لبنية جسدها الهذيل وبعض المضاعفات المناعية التي تتعرض لها. يحاول زوجها منذ أسبوعٍ التواصل معها، ولكنها تتجاهل اتصالاته ورسائله مرغمةً على هذا لتنفيذ خطة الأخير التي ستسرع من عودة زوجها إليها. لم يتوقف عن الاتصال بوالده وصديقه، وهي والجميع يتجاهلون عمدًا الرد عليه أو إعطائه أية تفاصيل عنها.
جلست "مُهرة" على طرف الأريكة بجوار الأخيرة، ثم نبشت كيس الأدوية للحظات، قبل أن تلتقط شريط من الأقراص ثم تتابع وهي تلتقط معه كوب الماء:
- الفوليك أسيد دا مينفعش يتنسي وإلا نوح يقتلني فيها.
اِفتر ثغر "وَميض" عن ابتسامة فاترة، وهي تفتح كفها فتتناول القرص منها ثم تلقيه في فمها وترتشف الماء من بعده. تحولت "مُهرة" ببصرها إلى الكيس تنبشه بأناملها مرة أخرى، قبل أن تتابع بابتسامة أوسع:
- البغونتوجيست دا بقى مينفعش يتنسي أوس اتنين علشان الكتكوت يثبت.
تناولت منها القرص الثاني وتجرعته بالماء، قبل أن تنفخ بإنهاك شديدٍ:
- أنا تعبت من البرشام والحُقن.
ضربت "مُهرة" جبينها وهي تتابع بتذكرٍ:
- صحيح دا في حُقنة الساعة 8 يعني كمان ساعة، ربنا يستر وما أنساش، بصي يا وَميض لازم تفهمي إن حملك صعب شوية وكمان النفسية مزودة الموضوع صعوبة ومأزماه، حاولي تكوني أحسن علشان جنينك!!
في هذه اللحظة، جاءت "سكون" تحمل صينية صغيرة بين يدها وهي تقول بهدوءٍ:
- الأكل وِصل علشان نغذي الكتكوت.
ابتسمت "وَميض" ابتسامة هادئة، قبل أن تتابع بشفاه مذمومة:
- ليه كلكم بتقولوا كتكوت ما يمكن كتكوتة!!
تحركت "مُهرة" على الفور وجلست "سكون" مكانها، والتي تابعت بابتسامة ودودةٍ:
- بنت أو ولد.. إحنا راضيين الأهم ييجي علشان يدي لحياتنا طعم ويلون الأبيض والأسود اللي إحنا عايشين فيه دا.
أمسكت "سكون" بالطبق جيدًا، ثم وضعت الملعقة داخله وملأتها بالشوربة وقربت الملعقة من فم شقيقتها مرددةً بهدوءٍ:
- صحيح يا مُهرة.. جوزك مستنيكِ تحت مع الشباب علشان نعلق الزينة والنهاردة إنتِ استراحة.. أنا وماما وشروق هنبات مع وَميض النهاردة.
رمقتها "وَميض" بضيق من طرف عينها، فتنهدت الأخيرة قبل أن تتابع بهدوءٍ وهي تضع الملعقة داخل الطبق وتداعب وِجنة شقيقتها:
- متكشريش بقى علشان خاطري؟! والله بتكون قلقانة عليكِ وعلى البيبي وطلبت تكون جنبك النهاردة.
تنهدت "وَميض" بإنهاكٍ، قبل أن تومىء موافقةً ثم بدأت تتناول طعامها في صمتٍ. هبَّت "مُهرة" من مكانها وقبل أن تغادر تساءلت مندهشة:
- إنتِ مش هتشاغكينا في تعليق الزينة يا سكون؟؟
سكون وهي تمط شفتيها بضيقٍ وترد:
- كان نفسي أوي بس كاسب موجود.
أومأت "مُهرة" وغادرت دون أن تُعلق، بينما تابعت "وَميض" بابتسامة هادئة:
- كاسب راجل وجدع.. إنتِ مش واخدة بالك من حُبنا كُلنا له؟!.. كفاية عُمر بيحبه.. دا كفيل يخليكِ تحبيه من غير تفكير.. إنتِ أصلًا ما تقدريش تكوني مع واحد غيره واللي بتعمليه مع زين دا مش عادل لأن عمره ما هيوصل في علاقته معاكِ لأكتر من علاقة ملهاش ملامح مشاعرها من طرف واحد.. ارحمي كاسب علشان خاطري.. صدقيني شخص زيّ كاسب لو فاض بيه فعلى قد ما حب على قد ما هيتخلى.. مستعدة تقفليه منك وتخسريه للأبد!.. لو مستعدة كملي في اللي إنتِ بتعمليه.
خفق قلبها بلوعةٍ من مجرد التفكير في غيابه تمامًا من حياتها، أشاحت بعينيها بعيدًا عن نظرات شقيقتها الثاقبة بها. في هذه اللحظة صدح رنين هاتفها برقم "زين" لتردف "وَميض" بثباتٍ:
- ودلوقتي تردي عليه وتنهي المهزلة دي، في قلب بيحبك أكتر منه، يلا شوفي هتعملي أيه وأنا هنام شوية.
أومأت "سكون" وهي تنهض من مكانها، ثم تلقي الغطاء على شقيقتها قبل أن تتجه صوب باب الشقة وهي ترد بهدوءٍ:
- أيوة يا زين.. إنتَ قدام باب المزرعة؟!!.. تمام ثواني وهكون عندك.
وأثناء هبوطها الدرج اصطدمت بجسد والدتها التي ضيقت عينيها وهي تقول بقلقٍ:
- في حاجة حصلت مع وَميض!!
أومأت "سكون" سلبًا وهي ترد بابتسامة مطمئنة هادئة:
- وَميض كويسة أوي.. أنا بس هعمل مكالمة وراجعة.
نجلا وهي تتنهد ثم تقول بحيرةٍ:
- تليد مش مبطل رن عليَّا ولمَّا رديت عليه بيتخانق معايا علشان فاكرني جايبة لها عريس وأنا روحت مطينة الدنيا وباعتة له صورتها مع يحيى بطلب من نوح، نوح دا هيخليه يلتهب ويهيج علينا كلنا.
انطلقت ضحكة عالية من فمٍ "سكون" قبل أن تتابع باستمتاعٍ:
- خليه يعرف إن الله حق.. أنا لحظة وجاية.
أومأت "نجلا" ثم تحركت تصعد الدرج بخطوات مترددة خوفًا أن تعكر صفو ابنتها إن رأتها؛ فالأجواء بينهما لم تصفى بعد، صعدت الدرج ثم وصلت إلى الشقة لتبصر "وَميض" نائمة على الأريكة. تنهدت تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن تسير بخطوات هادئة صوبها، وما أن اقتربت منها حتى مالت عليها وقبلت وِجنتها ثم جبينها برقةٍ وحنوٍ، قبل أن يقطع تأملها لابنتها صوت رنين هاتفها ليتضح أن المُتصل هو تليد؛ فأسرعت بالإجابة عليه وهي تقول بخفوتٍ:
- متصل علشان تكمل خناق ولا أيه يا تليد؟؟؟
جاءه صوته يقول بغيظٍ شديدٍ:
- يعني مش شايفة نفسك غلطانة؟!!.. أنا حجزت التذكرة وجاي مصر كمان يومين.. عايز أكلم مراتي لو بتشوفيها أو بتتواصلي معاها بلغيها إني عايز أكلمها.
ابتسمت "نجلا" ابتسامة مُتشفية، قبل أن تتابع ببرودٍ:
- أنا بردو اللي غلطانة.. إنتَ فاكرني هصقف لك لمَّا تكسر قلب بنتي وتعدي عليه وتمشي؟! ملهاش سند ولا ضهر يحميها؟!.. زعلها وتعبها هدوني وقسموا قلبي نصين.. إنتَ اللي اختارت يا تليد.
سكتت هنيهة وهي تستمع إلى زفرات حارقة تخرج من صدره، قبل أن تستكمل من جديد:
- على فكرة أنا واقفة دلوقتي قدام مراتك وهي نايمة حاليًا لمَّا تصحى هقول لها ترد عليك.
ضربته لهفةٍ عارمةٍ ما أن جاءت سيرتها وشعر بغيرة شديدةٍ من عدم تمكنه من رؤيتها هو أيضًا، فتنحنح بحرجٍ لم يردعه عن الإفصاح عما يختلج صدره:
- أنا عايز أشوفها.. هرن عليكِ فيديو.. ماشي؟؟
ابتسمت ابتسامة مكتومة في نفسها، قبل أن ترد موافقةً على مضضٍ:
- ماشي.. رن.
أسرع بإجراء مكالمة فيديو بها فأجابت، وهي تنظر إليه لتجده ينظر إليها بعينين حمراوين يكسوهما الحُزن، ودون أن تنبس ببنت شفةٍ وجهت الكاميرا باتجاه "وَميض" النائمة. دق قلبه دقات متتالية ومتسارعة كأنه يهرول في سباق وسط الخيول. أصابته وَخزة قاسية بمنتصف قلبه وهو يطالع ملامحها الحسناء باشتياقٍ ولوعةٍ، قبل أن يقول بنبرة مهزومةٍ أمام سكونها:
- هي ليه طول الوقت نايمة!!
أسرعت "نجلا" بتحويل الكاميرا إليه، قبل أن يستخدم ذكائه ويكتشف لعبتهم. تنحنحت "نجلا" بثباتٍ، قبل أن تتحرك خارج الشقة وهي تقول بحزمٍ:
- عندها شوية برد في معدتها!!
حاولت "نجلا" أن ترمي له طرف الخيط كي يتمسك به ويستنتج مما تعاني زوجته في الآونة الأخيرة حسبما يسمع عن أحوالها. أسرعت بغلق الباب خلفها، ثم استأذنته بإنهاء المكالمة. فتحت "وَميض" عينيها بسرعةٍ وهي تلتقط أنفاسها التي أوشكت أن تخنقها؛ لم تكن نائمة كل ذلك الوقت حتى أن صوته ألهب لهفتها وحاجتها إليه، وبسرعة وضعت يدها على قلبها تحجم من اضطرابه الهائج حيال سماع نبرة صوته فقط. إذن ماذا سيفعل ما أن يقف أمامها بعد يومين؟؟؟؟