ارتَمَت شريفة أسفل أقدام زوجها عبد الله تبكي بحرقة على ابنتها وما أصابها. هي ليست ابنتها بالفعل، ليست من دمها، ولكنها ابنة روحها، ربتها واكتفت بها عن الدنيا حينما استعوضت الرب حينما تأخر إنجابها. ذلك الرجل الذي يقف أمامها كان أحن عليها منها نفسها، ماذا حدث له؟ ولم فعل؟ صرخت به بحرقة: "شريفة... ليه يا عبد الله؟ ليه كدا؟ دانت روحك في فريدة يا عبد الله... ليه؟
دانت الدنيا بحالها كانت تيجي عليها وأنت تقف في ظهرها. ليه بعدتها عني وعنك وسبتها من غير ظهر؟ فرطت فيها ليه يا عبد الله؟ بنتي استحالة تعمل كدا... استحالة. حرام عليك يا عبد الله... حرااام... هات لي فريدة يا عبد الله، هاتها." انحنى الرجل الذي غزى الشيب رأسه وتهالكت قواه بجلبابه المهترئ من العمل بالأجرة هنا وهنا، ودموعه أغرقت وجهه. "عبد الله... قومي يا أم فريدة، قومي. أنا عارف بنتي إيه وربيتها إزاي." شريفة بصدمة وصراخ:
"عارف... ومع ذلك صدقتهم وطردتها من حضنك ومن بيتك؟ يا أما قلت لك بنتك مكنش ليها الجوازة دي، وأنت اللي قلت راجل وهيشيل عنها غدر الزمان ويقويها. كنت شايفها بتنطفي يوم بعد يوم وسبتها تغرق لوحدها. حرام عليك والله حرام." أغمض عينيه ودموعه أغرقت لحيته. "عبد الله...
عشان تقوي يا شريفة طردتها. عشان تعرف تاخد حقها من عينهم وترجع لحضن أهلها. طول ما لقاني صدر حنين ليها هتفضل في حضني وعمرها ما هترجع لأهلها. فريدة لازم تقوي يا شريفة... فريدة لازم تتعلم تاخد حقها." شريفة: "كان ممكن تاخد حقها وهي في حضن في بيتي." عبد الله بحدة: "افهمي بقى! فريدة طول ما هي معانا هتفضل المرة السو عينها عليها. لازم تبعد عن هنا... لازم."
تركها ودخل غرفته يبكي مرارة فراقها. صرخت شريفة بصوتها الذي ضعف من كثرة الصراخ تنادي ابنتها بحزن، تناجيها وكأنها تسمعها. *** بيت راجي بالبلدة نفسها، بعدما اصطحبهم راجي له، جالسون وكلهم بواديهم. إلى أن قطع عابد الصمت متسائلاً وعيناه عليها، يؤلمه قلبه عليها وكثيراً. لقد دخلت بيتهم وردة متفتحة وانتهى بها الحال هنا وهكذا. تنهد بعدما خطر على باله ما حدث بالماضي، لو لم يحدث لكانت أميرته هو، زوجته. ولكنها أقدار.
استدار لراجي الجالس بخزي. "عابد... ممكن بقى أفهم إيه الحكاية؟ وإزاي فريدة مش بنتهم؟ عايزك تحكي لي وتقولي الصراحة." راجي بتنهيدة، بعدما رمقه متسائلاً بعينيه أن يخبره، فأومأت بإيجاب لثقته بعابد. "هحكيلك يا ابني... من 25 عام...
كنت راجل غلبان على قد حالي وعاوز أكون نفسي وأتجوز ويبقالي بيت وعيال. لفيت بلاد كتير أدور على لقمة العيش هنا وهنا، لحد ماحد ابن حلال دلني على دوار الحاج راشد اليماني. راجل كبارة، كان راجل ولا كل الرجال، راجل حكيم وعادل...
من سوهاج. الراجل كان خيره كتير ومغرق الكبير والصغير. روحت ورحب بيا وعاملني زين، وارتحت قوي عندهم. ومن هنا بقى ابتدت الحكاية. الراجل ده كان متجوز بنت عمه فريدة وكان بيحبها حب كبير قوي يا ولدي، وخلف منها بنته نادية، اللي هي تبقى والدة فريدة. بس يشاء القدر تحمل تاني وتموت وهي بتولد ابنها الثاني ويموت ولدها الثاني معاها. حزن راشد كتير عليها. سنتين مرت. بس أياميها والد اليماني الكبير غصب عليه يتجوز بنت عمه التانية، سعدية. اتجوزها وخلف منها بنتها سحر وولده سويلم. بس كانت بنته نادية عنده غالية جوي عشان من ريحة مرته اللي لسه بيعشقها. بنت عمه اللي اتجوزها كانت مرة سو...
زرعت في قلب ولادها الاتنين الحقد والغل، لحد ما خلتهم كرهوا نادية وعدوها. ولأن نادية كانت كيف القمر زي أمها الله يرحمها، حبها ابن عمها مراد وعشقها. بس سحر كانت عينها على مراد. مراد كان حبيب عمه راشد وكان بيعده إنه يبقى كبير العيلة من بعده بعد ما ظهر الحقد على ابنه سويلم. ساعتها عرف إنه مينفعش يبقى كبير ناسه، هينشر الظلم والفساد. اتجوزت نادية من مراد وحملت في فريدة بعد عذاب كبير وسنين من اللف هنا وهنا، كان مراد طاير من
الفرحة. ومعاه كانت بتجيد نار سعدية وابنتها سحر كانت عايزة بنتها تتجوز مراد عشان تكون مرت الكبير. وجه يوم الولادة، ولدت نادية بنت كيف الجمر، سموها على اسم الغالية أم نادية، فريدة. فات أسبوع، والنجع كله بيدعي بالخير والبركة لراشد وحفيدته الغالية اللي جت بعد سنين وابن أخوه مراد. وفي ليلة كانت قاسية والمطر شديد جوي، فاكرها كيف النهارده. كنت قاعد بالغرفة اللي بناها ليا الشيخ راشد، مداري من المطر. لمحت ضل حد بيخرج بسرعة.
الفار لعب في قلبي، كانت الساعة داخلة على نص الليل. اتسحب وجريت وراه. لقيتها سعدية، وبإيدها لفة صغيرة لفاها. فضلت ماشية وأنا وراها، لحد ما وصلت لآخر النجع، حتة مقطوعة بينها وبين الجبل مفيش. لمحتها وهي بترميها بغل على الأرض. وقتها معرفتش أتصرف، وقفت مشلول، معرفتش أتصرف. وفجأة...
فلاش باك... سعدية وهي تستدير بحدة له: "فاكر إنك هتخوفني يا أخ؟ وأنت عم تتسحب كده ورايا؟ هخلص عليك هنا ولا كأني حاجة حصلت." راجي: "إيه ده؟ لا أحب على يدك يا ست سعدية، أنا مشوفتش حاجة. أؤمريني." تلألأت عينيها بخبث. "سعدية: يبقى تنفذ اللي هقولك عليه بالحرف." راجي: "أمرك يا ست سعدية. أمرك." سعدية وهي تلف حوله كالشيطانه: "أنت خابر بت مين دي؟ " وأشارت لقطعة القماش الملفوفة بها. راجي:
"أيوه خابر يا ست سعدية، دي فريدة بنت ست نادية." سعدية: "عفارم عليك. أنت خابر إني لو سبتها هنا هتموت وهترتاح، وهيِعرفوا إنها ماتت وهيِـحزنوا يومين وهيِـنسوا، والعجوزة دي هتخلف تاني وتالت وهيِـتهنوا. إنما لأ. أنا عايزها تعيش العمر كله محروم جلبها على بتها." راجي: "ليه كده يا ست سعدية؟ دي طفلة صغيرة، إيه ذنبها؟ سعدية بصراخ: "اخرس! أنت هتسمع اللي بقولك عليه. وإلا هخلص عليك هنا." راجي بخوف على عمره: "حاضر، هسمع يا ستنا."
سعدية: "أيوه كده. أنت تاخد البت دي وتشوف أفجر واحد في بلدكم وتديهاله... يربيها... يعلمها الشحاتة، يعلمها السرقة، أي شئ... راجي: "بس يا... سعدية مسرعة وهي تقرب المسدس من رأسه: "جولت إيه؟ راجي: "أمرك يا ست سعدية." سعدية: "عفارم عليك." باك. عابد بصدمة: "مش معقول." راجي وهو يبتلع ريقه وينظر لفريدة التي تستمع بصمت:
"كان عبد الله ابن عمي أول واحد جه في بالي. كانت مرته معوجة في الخلفه وحالته عدمانة، ولأني عارف إن شريفة وعبد الله مفيش في حنيتهم. جبتهالهم وبقت بنتهم رسمي. استخرجولها شهادة ميلاد باسمها ولأني عارف غلاوة اسم فريدة عندهم خليته يسيبها باسمها فريدة. كان عايش بالمحلة ولما حكيتله حكايتها صعبت عليه، وانتقلنا كلياتنا هنا المنصورة، وفضلت إني حلقة الوصل بيناتهم." عابد: "طب وليه؟ محاولتش تقول لجدها أو أبوها؟ راجي بسخرية:
"حاولت كتير، بس في كل مرة كانت بتهددني بأولادي، وخصوصاً بعد ما الحاج راشد أمر يبني لي الاستراحة واتجوزت من هناك وخلفت كمان. كانت طول الوقت بتهددني بيهم. ولما فريدة كبرت وحبت تدخل طب، الشجاعة خدتها وقالت: هروح لجدي وأحكيله. وقتها كان أبوها لسه موجود. بس يا فرحة ما تمت. كانت شريفة بعد سنين ربنا كرمها بأكرم وياسمين. أكرم وقتها كان بالاعدادية. فجأة عمل حادثة وكان هيموت.
لقيت بنتها سحر بتجولي: جول لعبد الله قريبك، دي قرصة ودن. المرة التانية لو فكر يبعت فريدة هيموت." عابد: "نعم؟ دي عصابة؟ طب وعرفت منين إن فريدة ناوية تروح لأهلها؟ راجي بخزي: "سمعتني يا ولدي وأنا بكلم فريدة بالتليفون وأوصفلها الطريق." راجي: "سامحيني يا بنتي، سامحيني. إني جبني وخوفي هو اللي وصلوكي لاهنه. حرمتك بيتك وعيشتك المريحة. بس لو مكنتش نفذت كانت سبتك للديابة أكلك. ودي وليّة معدومة الضمير والرحمة." عابد بإصرار:
"أنت لازم ترجعي لأهلك يا فريدة. أنا هروح لجدك بنفسي وأحكيله." فريدة بإصرار: "لا." عابد بصدمة: "لا ليه؟ ده حقك. أنتِ بتفكري إزاي؟ فريدة: "لا، وانتهينا. يوم ما أرجع لأهلي أرجع لهم بعاري ده. إزاي كان أبويا اللي مربيني وعارفني صدقهم؟ عايزهم هما الصعايدة يصدقوني؟ ده مش بعيد يقتلوني. عايزني أرجع لهم يا عابد، وكده... " وأشارت لنفسها هكذا. "لا والف لا. لو عايز تساعدني بجد...
عايزة ولادي وبس. ارجوك يا عابد. عايزة ولادي. أنا استكفيت من الدنيا بحالها. لا عايزة أهل ولا عيلة. عايزة ولادي وبس." عابد بتنهيدة ووجع على حالها: "حاضر يا فريدة، حاضر. أوعدك." *** ليلى...
ببيت أحمد. ومع دعوات بقلب مكلوم وقلوب تعبت من الظلم، ورب عادل أقسم بعزته وجلاله لنصرنك ولو بعد حين. كانت تجلس أمام حاسوبها مغلقة على حالها، تنفذ كلامه كالمسحورة، وكأنه رمى تعويذة ما عليها، فاصبحت طوع بنانه. فأصبحت تخلع ملابسها له قطعة وراء قطعة، منغمسه فيما حرمه الله. أمام ذئب كان تخصصه هي وفقط. سلط عليها... وكانت هي فريسة سهلة. أمل: "كالمسحورة... أنا بحبك أوي يا عصام. أنا كده بقيت مراتك صح؟ عصام بخبث:
"طبعاً يا قلبي، أمال الورقتين اللي كتبناهم دول إيه؟ طبعاً مراتي. بقولك إيه يا أمولة؟ هستناكي بكرة في... زي ما اتفقنا هااا؟ أمل بتردد: "طب هتيجي تتقدملي امتى؟ عصام: "يا حبيبتي، أنا بس شقتي اللي في مصر تجهز وأجي لأبوكي على طول. أنا بحبك أوي يا أمل." أمل: "بجد؟ وأنا بموت فيك." عصام: "طب إيه، مش يلا بقى؟ وحشتيني جدا." وغابا معاً بملذات الحرام. ***
بدوار راشد. تنزل الدرج بخيلاء كعادتهم وتجاورها أختها بعدما أتوا صباحاً تصطحبهم والدتهم كتلة الشر المتحركة. سعدية بسعادة: "يأهلا ياهلا بالغالين ولاد الغالية. حمد الله على سلامتكم." سلوي: "تيته وحشتيني جدا. والبلد كمان وحشتني." سعدية: "أهلاً بـ مرت الغالي، نورتي الدوار يا جلب ستك." سمر بمياعة: "الله وأنا يا تيته... موحشتكيش؟ سعدية: "وإنتِ يا جلب تيته. إنتِ." اقتربت سحر ابنتها وشريكتها.
"روحوا إنتوا يا بنات، وأنا هكلم مع تيته وأحصلكم." ذهبوا وتركاها. سحر بلهفة: "ها يا أمّه؟ إيه الأخبار؟ سعدية: "أخبار إيه يا بت؟ أنتِ جلتلك جبل سابق، إنسيها من دماغك. استحالة هتهوب ناحية الدوار ولا تفكر ترجع هنا واصل من آخر مرة." سحر بانتصار: "عفارم عليكي يا أمّه. خليها كده تموت بالبطيء على بنتها." سعدية: "اخرسي! إياكي تتحدتي في الموضوع ده تاني. جلتلك إنسيه. وبعدين...
ركزي شوية مع ولاد خيك. بنتك الخيبة لحد الآن معرفتشي تربط كيان بحتت عيل." سحر بغيظ: "اسكتي يا أمّه، متفكرنيش. دا لولا إني قعداله ليل مع نهار في البيت هناك مكنش بات معاها في أوضة واحدة. ولا في البيت من الأساسه. ولولا سويلم أخوي ضغط عليه مكنش اتجوزها. قلبه متعلق بالبت دي بتاعت البندر." سعدية ببغل:
"ياما جلت لسويلم متسبش ولدك لنادية ومراد يربوه. ادي النتيجة. طلعت دماغه كيف دماغهم. نسخة من اللي ما يتسمى اللي اتجوزته. أبوكي... جوي وجلبه مهيعشقش غير واحدة. بنتك لازم تربطه بحتت عيل." سحر بحسرة: "يا أمّه، ده مدخلشي عليها تقولي تخلف منه." خبطت سعدية على صدرها. "يا مرك يا سعدية... كيف ده يا مخبلة إنتِ؟ هبط الدرج، ناظراً لهم بتمعن، لا يطمئن لجمعتهم. اقتربت سحر مسرعة منه تقبل يده. سحر: "كيفك يا بوي؟ اتوحشتك جوي."
الحاج راشد: "أهلاً يا بنتي. أتمنى تكون المرة دي جاية وناوية تقعدي في بيتك وتحلي عن بتك وجوزها." سحر بغيظ: "يابوي مانت خابر إني هناك عشان سمر لسه في الجامعة، كيف راح سيبها مع الشباب لحالهم كده." راشد: "وأظن يا بنتي إن الأوان ترجعي بنتك خلاص، خلصت جامعة." سحر: "يابوي بس... راشد بحزم: "خلاص، هتلحدتو في الموضوع ده بعدين. يلا على الفطور." ***
على الفطور، بمجلس يشبه المجلس العربي، على الأرض، حيث يفضل الجد تناول الطعام به، لا يحبذ الجلوس على تلك الاختراع الذي يسمونه هم بالسفرة. رغم تجديدهم الدوار فأصبح يشبه القصور العريقة بأساسه المذهب، ونقوشاته العصرية التي لا تخلو من التميز. التف الجميع حول الطعام، أحدهم يجلس بحب وفخر، وأحدهم بتأفف وقرف. سحر بتأفف لأخيها الجالس بعمامته الصعيدية بعيون تقطر غلاً وكرهاً لأبناء أخته المريضة:
"أبوك هيخليه لاممنا على الأرض لامتى؟ أومال اخترعوا السفرة ليه؟ سويلم بخبث: "هانت يا بت أبوي. بقى رجل جوه ورجل بره. وأمسك أنا الكبير وهنغنغك يا بت. ونخلص من الحوش اللي حوالينا دول." سحر بغل: "يسمع من بوجك ربنا." نظرت له زوجته بتهكم لحاله، شبيه أخته. زينب زوجة سويلم وصديقة نادية الوحيدة، أخت مراد زوج نادية (رحمه الله)
. امرأة طيبة القلب تعشق نادية وأبنائها كأولادها. اقتربت من ابنة أخيها وابن أخيها الجالسين بخجل كعادتهم منذ مرضت والدتهم، تغرف لهم الطعام بحب. زينب: "كلوا يا جلب عمتكم... عشان هاخدكم وننزل مشوار بعد إذنك يا عمي." راشد بحب لهم: "إذنك معاكي يا بنتي. جولي للسواق ياخدكم وين ما بدكم." محمد: "هتجيب لي يا عمتي الفسبه اللي جلتلك عليها." الجد: "لا مفيش فسبه إلا بعد الإعدادية يا محمد. لسه صغير يا ولدي." محمد بحزن:
"أمرك يا جدي." كيان بضحك: "فسبه مرة واحدة يا محمد؟ وأنت اتعلمت فين تركبها على كده؟ محمد بسعادة: "من عماد صاحبي يا كيان." على صراخ سلوي بحقد به: "إنت يابهيم إنت! كيان كده حاف؟ اسمه أبيه كيان. أنت عارف بينك وبينه كام سنة؟ إيه الارف ده؟ كيان بصراخ: "سلوي! محمد وهو ينكمش بأخته بتوتر، التي نزلت دموعها بحزن على أخيها وكرههم الواضح لهم بلا سبب: "أنا آسف، مقصدش." سلمي بتحدي وبصوت مرتفع:
"متعتذرش يا محمد، أنت مغلطتش بشيء. وإن كان كلامنا بيزعجكم جوي كده، من اليوم مارح نتحدت مع حد منيكم." همت واقفة وأمسكت بيد أخيها وسحبته معها. "عن إذنك يا جدي، شبعنا." الجد بأمر: "اجعدي يا سلمي، كملي واكلك. أنتِ وخيك. لسه ما متتش عشان حد يتعدي عليكم بكلمة ماسخة. أنا هنا الكبير وبأقولكم محمد وسلمي خط أحمر. اللي يهينهم هيني. ومن هنا ورايح اللي يعلي صوته عليهم مطرود برا الدوار." كيان بحب:
"معلش يا محمد، أنت تجول كيف ما بدك. ولا تزعل نفسك. حجك عليا." ونظر لسلوي نظرة تعلمها جيداً. "كيان، اعتذري حالا." سلوي بخوف وحقد: "أسفة يا محمد." جلست سلمي بعدما اعتذرت لأخيها جبراً، تقلب طعامها بشرود. لمحته هي ينظر لها بشرود ونظرة مترددة، فاقتربت منه بمياعة. فهد: "حبيبي، مبتأكلش ليه؟ فهد: "هااا، مانا بأكل أهو." رفعت نظرها ووقعت على همسهم، فرمقتها سمر بتحدي، فبادلتها بأخرى ساخرة. كيان بهمس لها:
"أقسم بالله يا سلوي ما هعديهالك." سلوي بتوتر: "أنا كان قصدي... يعني... كيان بسخرية: "أه، مكنش قصدك، هتفضلي طول عمرك تغلطي وتقولي مكنش قصدي. يا شيخة، امتى أخلص منك بقى؟ *** راجي وهو يضع آخر طبق على السفرة: "يالا يا فريدة يا بنتي، لقمة كده على ما قسم. ما أكلتيش حاجة من امبارح." فريدة: "مليش نفس يا عم راجي." راجي وهو يجلس بجانبها بحب: "طب لو قلتلك عشان خاطر عمك راجي." التفت له ولمعت دموع عينيها على وشك النزول. وبخاطرها
سؤال واحد خطر ببالها: إن كان قلبها يحرقها على فراق أبنائها من يوم واحد، فكيف هي والدتها وقد شارفت على عامها الخامس والعشرين بعيداً عنها؟ كيف هي والدتها وأشقائها؟ هي لا تريد شيئاً سوى الاطمئنان عليهم. تعرف شكلهم. لربما التقتهم صدفة يوماً. فريدة بتردد: "عم راجي... راجي: "أيوه يا غالية." فريدة: "أمي عاملة إيه؟ وأخواتي؟ شكلهم إيه؟ معاك صور ليهم؟ هو أنا يعني ينفع أشوفهم؟ راجي ببساطة وسعادة لأول مرة تسأل عنهم:
"استنى كده." وأخرج هاتفه من جيبه. راجي: "بتعرفي في المدعوج ده؟ عليه صورهم. إني خليت الواد ابني يصورهم عليه، عشان ما أخليكي تشوفييهم. بيوم من الأيام. خدي كده." أخذت الهاتف منه وفتحته على معرض الصور. راجي: "أيوه يا بنتي، هي دي. أمك. صورتها أهي. وهي دي أختك المحروسة سلمي. كيف القمر. شكلك بالظبط. وده بقى محمد الصغير. وده يا ستي جدك." لم تستطع إكمال المشاهدة وأعطته الهاتف. ولو أكملت... فريدة بدموع:
"هي عاملة إيه يا عم راجي؟ احكي لي عنها." راجي: "هي مين يا بنتي؟ فريدة: "أمي." تنهد وحكى لها كل شيء وما تعانيه وما يعانوه وما حدث لوالدها. فريدة ببكاء: "كل ده؟ يارب بقي مكتوب عليا وعليهم الشقي والمرار العمر كله." راجي: "متقلقيش يا بنتي، الحاج راشد شايلهم بعينه. يالا بقى ريحي قلبي وقولي لك لقمة." فريدة بدموع وبكاء حاد: "آكل إزاي يا عم راضي وأنا مش عارفة ولادي جعانين ولا شبعانين؟ والله ما قادرة. يارب... ارحمني. يااارب."
*** أمل: "إيه القرف ده؟ ماكنتو سبتوها تاخدهم معاها. من صباحية ربنا زن زن، حاجة تقرف." الأم لسليم الباكي: "اخرس يا واد أنت." وكلسليم ببكاء: "أنا عايز ماما." الأم بغل: "أمك ماتت. انساها." أمل: "خدي البت دي يا أمّه، شكلها عملتها على روحها. إيه القرف ده؟ التفتت الأم وصرخت بالطفلة سيليا الصغيرة: "إيه القرف ده؟ إنتِ لسه بتعمليها على روحك؟ انكمشت الطفلة وكتمت بكاءها من شدة الخوف. الأم:
"أنا هربيكم من أول وجديد. سخني لي يا أمل المعلقة، عشان تحرم تعملها تاني." أمل بسعادة: "عيوني يا أمّه." سليم بخوف طفولي على أخته ودموع: "تيته خلاص مش هتعملها تاني. خلاص والنبي." وكأن الرحمة انعدمت من قلبها. واقتربت تنفذ ما عزمت عليه. ولكنها لم تحسب حساب لجري الطفلة ناحية الدرج خوفاً. إلى أن... *** فريدة بوجع بصدرها، لعابد الذي أتى يطمئن عليها:
"روح شوفهم يا عابد بالله عليك. حاسة إنهم بيصرخوا وأنت عارف محدش هينجدهم. محدش هيعرف عاوزين إيه. أرجوك يا عابد." عابد بإصرار: "فريدة بصي لي وانسى شوية وفوقي. إحنا في مركب واحدة دلوقتي. بصي لي ومش عايزك تضعفي. دلوقتي، أنتِ لازم تكملي سنة الامتياز اللي فضالك عشان تقدري ترفعي قضية وتكسبيها وتاخدي ولادك." فريدة: "هو أنا لسه هستنى المحاكم يا عابد؟ دي فيها سنين." عابد بعزم: "يبقى خلاص ما قدمناش غير حل واحد." فريدة بلهفة:
"إيه هو يا عابد؟ عابد: "هنخطفهم يا فريدة. هخطفهم وتهربي من هنا." فريدة: "إزاي؟ عابد: "متقلقيش، أنا مخطط لكل حاجة. عشان كده، مش عايزك ضعيفة. اللي جاي صعب، ولازمله قلب قوي. فهماني؟ فريدة: "فاهمة." وياليتها تعلم. وياليتها أصرت عليه الرحيل لرؤياهم. *** يا عيني لا تبكي ولا تنحبي رب العباد موجود لا تحزني عالم بحالنا وما صابنا عالم بشوقنا وجروحنا وكل اللي فات مكتوب كل اللي جاي موعود عائد أنا من الماضي والجودة بالموجود
راضي أنا يارب راضي أنا بحالي راضي أنا يارب وطعم المرار مرافقني دايما مرافقني كان حالي والله كان حالي قربني منهم يارب واجمعني بالغالــــــي
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!