شرد بتلك الليلة وما حدث بها.. التي كانت كفيلة بقلب حياتهم من سيء لأسوأ، وما فعله بها وما حدث بعدها.. فلاش باك.. بعد أربعة أشهر من زواجهم.. كان بالأسفل عند والدته كالعادة.. ولم يكن حالهم بجيد أبداً.. لقد انقشعت الغمة المزيفة التي كان يرتديها… لقد بدأت تسأم منه ومن شخصيته الضعيفة أمام والدته.. ولكنه كان يملك بعضاً من الرحمة مازالت باقية بقلبه.. وكانت هي لم تنطفئ شمعتها بعد..
دخل عليها بعدما سممت أذنه أمه من ناحيتها كالعادة.. فسمعها تتحدث بهدوء كالعادة.. مع صديقتها.. دخل عليها وجدها تسجل شيئاً ما بدفترها.. ومنتبهة له.. وجد صوته يخرج حاداً رغماً عنه… "بتكلمي مين يافريدة..؟ ارتعبت من صوته ووقع دفترها.. فأخذه يقرأ ما به فوجدها تدون جدول محاضرتها… أخذ الهاتف منها وأغلقه مسرعاً.. صارخاً بها.. "أحمد.. بتعملي إيه يافريدة.. هو انتي فاكرة نفسك هتكملي وتبقي راسك أعلى مني؟
لا فوقي.. أنا جايبك هنا خدامة ليا ولأمي.." وقع كلامه عليها جعل قلبها يقع بين قدميها وارتعشت يدها وشفتيها.. ولكن غصباً عنها.. نطق لسانها… "فريدة.. ليه يا أحمد؟ أنت وعدتني إنك هتخليني أكمل السنة اللي فاضلة… ووعدت بابا بكدا.." أحمد بحدة.. ومازالت كلمات والدته تتردد بأذنه..
"لازم تكسرها عشان تفضل طول عمرها تحت طوعك مذلولة ياواد.. أومال الجامعة إيه وكلام فارغ إيه.. ما إحنا أهو لا اتعلمنا ولا بنعرف نقرا ولا نكتب وعايشين وزي الفل.. وأهي أختك في الدبلوم.. وبكرة تتجوز وتبقي أحسن من الكل.. سيبك من الكلام ده مراتك حامل ومعدش ينفع تتنطط كل شوية في المواصلات.. تقعد تخدمك وتربي العيال.." أفاق على توسلها.. فريدة بدموع.. "بالله عليك يا أحمد سيبني دي آخر سنة.."
غصباً عنه وجد نفسه يردد كلام والدته.. بكت وعلمت أنها هي من سمت أذنيه.. ورغم توسلاتها له لم يراف بها.. أحمد.. "هي كلمة.. مفيش جامعة.. عاجبك على كده ماشي.. مش عاجبك الباب يفوت جمل.." اشتعلت عينها بروح القتال.. واختارت الرحيل.. فريدة.. "خلاص يبقى كل واحد يروح لحاله.. أنا عاوزة أكمل تعليمي دي هي سنة اللي فاضلة.."
وجدها بالفعل تلملم حاجياتها وبالفعل تنوي المغادرة.. اشتعل قلبه وتذكر من تركته لتعليمها الأعلى منه.. روان ابنة صديقة والدته الحاصلة على كلية آداب.. أما هو بالكاد أخذ الشهادة الفنية بالغصب.. مؤكد ستشمت به.. وجد نفسه يصرخ بها…. واندفع نحوها خاطفاً شنطة ثيابها.. أحمد.. "بتعملي إيه.. وريني سرقتي إيه.." وأخذ يبحث بين ثيابها.. عن شيء لا تعلمه.. فريدة.. بذهول.. "بتدور على إيه..؟ أحمد.. بسخرية..
"فين الدهب والموبايل.. طلعيهم.." فريدة.. بحزن.. "أنا مخدتش دهبك يا أحمد.. في الدرج.. مفيش غير الدبلة في إيدي والحلق في ودني.. بابا اللي جايبهولي.." اندفع للدرج يبحث عنه.. وجده بمكانه.. استدار لها قائلاً بحدة…
"اقلعي الدبلة هاتيها.. اللي زيك مش مقامه الدهب ولا العيشة المريحة زي ما أمي بتقول.. أظاهر إنك فكرتي نفسك بني آدمة لما لبستي الدهب ونمتي على المراتب الفايبر.. اللي زيك مكانه الأرض.. كان لازم أسمع كلام أمي من الأول.. حتى الهدوم اللي معباياها دي أمي اللي جايباها من فلوسي.. عاوزة تخرجي.. اخرجي بالهدوم اللي جايباها من بيت أبوكي الكحيان.. اللي بيكمل عشاه نوم.. ووريني هتكملي تعليمك بإيه.. يا شاطرة.. ولعلمك أول ما هتولدي هاخد ابني منك بالذوق بالعافية.. هعرف أخده.. يااا.. ياست الدكتورة.."
ابتلعت ريقها… بقهر وجمدت دموع عينيها… بمكانها رافضة النزول.. جردها من كل شيء حتى هاتفها… الذي أرسله لها أخيها من الخارج هدية لها… حين همت بأخذه…. انتشله منها قاذفاً إياه بالأرض فتحطم لأشلاء.. صرخت به فتهور ومد يده عليها لأول مرة ولم تكن الأخيرة.. صعد أخيه ووالده وعنفوه وأبعدوه عنها.. وأخرى شامته بها تنظر لها بغل.. والدته ومن غيرها..
اصطحبها عابد لمنزل والدها… ليلاً.. بثياب المنزل.. بعدما حرق لها ثيابها جميعاً أمام ناظريهم ولم يستطيعا الحديث.. ومات يومين عليها وبعدها جاء والده بها ليلاً ولكن كانت تغيرت النفوس وتغيرت الأحوال وما عاد يأخذها إلا غصباً ولا عادت تلك الوردة.. المتفتحة.. أصبحت أخرى بلا صوت.. بلا رد فعل.. الحية الميتة… باك.. رفع نظره وصوت بكائها الحاد من داخل الحمام واصل له بوضوح.. نزل الدرج هارباً من ذكرياته المخذية معها.. بحقها..
قابلته أخته.. أمل.. "إيه يا أحمد بقالي ساعة بدور عليك.. تعالي عاوزاك.." أحمد بزهق.. "في إيه يا أمل.. أنا نازل الشغل.." سحبته لشقة عابد المغلقة.. "تعالى بس.. ادخل.." دخل فوجدها تجلس بانتظاره.. خرجت أخته قائلة.. "يلا اتكلموا وأنا هراقبكم الطريق.." ابتلع ريقه… روان بجرأة… "وحشتني يا أحمد.. بقالك يومين مبتردش عالتليفون.. في إيه أنا زعلتك في حاجة..؟ أحمد بتوتر.. "مفيش يا روان بس كنت مشغول شوية في الشغل.." روان..
"طب إيه هفضل مستنياك كتير.. عملت إيه في موضوعنا يا أحمد؟ أنا جايلي عريس وماما وبابا مصممين عليه.." أحمد بلهفة.. "إزاي يعني هيغصبوكي عليه..؟ روان بخبث.. "زي ما غصبوني من قبل يا أحمد وانت وقفت تتفرج عليا.. أحمد… أنا اتقدمتلك يا روان وانتي رفضتي عشان فرق التعليم.." روان.. بكذب..
"محصلش يا أحمد.. ماما اضطرت تقول لمامتك كده لأنهم كانوا غصبوني فعلاً واتقرت فتحتي وبابا محبش يرجع في كلامه فجابها فيا.. بس أنا مقدرتش واطلقت بعدها بشهور.. بس انت كنت اتجوزت يا أحمد ونستني.." أحمد بلهفة… "أنا عمري مانسيتك يا روان.. أنا بحبك.." نطق الكلمة بآلية ولا يعلم لماذا لم يعد يشعر بها.. روان بخبث.. "خلاص نتجوز.." أحمد.. بصدمة.. "نتجوز.. طب وفريدة والولاد..؟ روان..
"طلقها وخد الولاد منها وأنا أوعدك ولادك يبقوا ولادي.. ومامتك مبتحبهاش ولا أختك وكله هيرحب بالفكره.." أحمد مبتلعاً ريقه بتوتر.. "بس فريدة متستاهلش كده.. أنا هتجوزك بس هسيبها على ذمتي وتربي الولاد.." روان بحدة.. "لا.. يا أنا لوحدي.. يا خلاص.." اقتربت منه.. بدلع تضغط على نقطة ضعفه.. "طب بذمتك أنا ولا هي.. انت إزاي طايقها بمنظرها ده.. وبعدين انت بتحبني أنا صح يا أحمد..؟ أحمد.. بضعف.. "صح يا روان… بحبك.." أمل من الخارج..
"أيوا بقي واخيرا هنخلص منك.. يا فريدة هانم.. يا روان يا جامدة.." ــــــــــــــــــــــــــــــــــ رفعت وجهها تنظر لمنظرها الباكي ولشعرها المنهك بالمرآة ولجسدها المتعب.. شارده بذلك اليوم حيث قالها بوجهها صريحة.. ومازالت وقعها يتردد بأذنيها.. "خادمة.. لا مكان لها إلا الأرض.." وآخر كان يقلب الدنيا لو يرى دمع عينيها.. أين هو الآن وأين تركها…
وضعت يدها على أذنها.. تردد اسمه بهمس.. تذكرت نفسها به.. حتى لا ينساه يوما وتنسى غدره بها.. "كيان.." رفعت يدها من على أذنيها بتصميم.. متذكرة كلمات والدتها.. تصبر نفسها بها.. فلاش باك. حينما قررت الرحيل لإكمال تعليمها بعدما جردها أحمد من كل شيء.. مر يومان عليها.. ناصرها والدها أولاً.. ولكن والدتها.. كان لها دوماً رأي آخر.. شريفه بحزن وهي تمسد على رأسها بحنية..
"أنتِ عارفة يا فريدة إنك نور عيني.. حبيتك أكتر من ولادي نفسهم.. ولا لأ..؟ فريدة بدموع.. "عارفة يا ماما… أنتي عندي بالدنيا بحالها.. بس بالله عليكي يا ماما متغصبنيش.. مترجعونيش ليهم دول معيشيني زي الخادمة.. بالله عليكي يا ماما.." بكت شريفه بحزن.. واحتضنتها تقبلها.. "خلاص لو مش عاوزة ترجعيله.. يبقى مقدمكش غير حل واحد ودا على عيني.. وانتي عارفاه كويس.." فريدة بخوف… "لا لا لا ياماما استحالة.. انسي.. متقوليهاش.."
شريفه.. بإصرار.. "روحي لأمك يا فريدة.. روحي لأهلك.. وأخوكي اهو سفرناهم.. محدش هيقدر يأذيه يا بنتي.. ورزقه على الله.." فريدة.. بخوف.. "لا ياماما لا.. مقدرش أخاطر بأخويا.. أنا مليش غيركو.. انتوا أهلي.. استحالة أقبل بكدا أبداً.. أنا اتجوزت عشان أخويا.. انتي ناسيه.. المرة الوحيدة اللي قلت فيها هروح لأهلي.. أخويا جاله إيه.. ولا الجواب اللي جالنا بعدها... إني لو حاولت أوصل لأهلي هيموتوه.. استحالة ياماما.." شريفه.. بحزن..
"يبقى خلاص يا فريدة.. مقدمكيش غير إنك ترجعي يا بنتي… ارجعي لجوزك.. وعيشي يا بنتي.. إحنا غلابة وقادر ربك يزيح الغمة ويرجع أخوكي بعد سنين وينشلنا من الفقر والجوع ده.. والحاجة للخلق يا بنتي.. ياريت بإيدي يا بنتي كنت خدتكم ومشيت لبعيد.. بس انتي عارفة الحال.. وأبوكي.. دوبك يوميته بتكفينا بالعافية.." ارتمت بأحضانها وشاركتهم أختها ياسمين…. أيضاً بالبكاء على حالهم.. وقد قررت ستتحمل ولها الأجر والثواب عند الله.. باك..
مسحت وجهها وخرجت تمني نفسها أن غداً أجمل.. ــــــــــــــــــــــــــــــــ بمكان آخر.. بمحافظة سوهاج..
يجلس واضعاً رأسه على نبوته بحزن.. هو كبير عائلته.. لطالما حكم بينهم بالعدل.. عادلاً هو.. بينهم جميعاً.. إلا هي.. حفيدته الغائبة منذ ولدت… ثمرة ابنته البكرية من زوجها وابن عمها الذي أخذ غدراً بثأر ليس لهم ذنباً فيه…. ناراً أشعلتها النساء ومازالت توابعها إلى الآن.. لقد أصيبت ابنته بعد فقد زوجها منذ سنوات باكتئاب حاد وأغلقت على نفسها وتركت باقي أبنائها وزهدت الدنيا.. لقد عانت كثيراً ابنته.. حينما فقدت ابنتها بعد ولادتها بأسبوع… اختطفتها يد الغدر والظلم.. ولم يعرفوا لها طريقاً… إلى الآن.. يعلم أن الخائن من بينهم ولكنه لم يتأكد منه بعد..
لقد كبر أحفاده.. وتكاثروا والحمدلله.. ولكن قلبه لم ولن يطمئن حتى يلقاها هي.. ثمرة ابنته الأولى.. وابن أخيه الذي رباه على يديه ووصيته له بأن يلقاها ويعيدها لأحضان والدتها.. ابنته وأبنائها وحالهم المشتت…. نزل الدرج بهيبته بذلك الجلباب الصعيدي.. فلمح جده.. متكئاً على عصاته.. شارداً كعادته.. تنحنح بهدوء.. وباحترام لجده.. كيان.. "السلام عليكم.. كيفك يا جدي..؟ الجد راشد بهدوء..
"بخير.. فضل ونعمة يا ولدي… طالت غيبتك المرة دي يا ولدي.. لعله خير.." كيان.. بغصة.. "معلش يا جدي الشغل بقى… ما انت خابر عاد.." الجد بضحكة مهمومة.. "لساتك فاكر لهجة بلدك اهو.. الحمدلله.." كيان.. "مهما ألف وأدور يا جدي.. بحن لأهلي.. وانت خابر.. في شيء هنا بيشدني.. المهم سيبك مني إني… جولي مالك مهموم اجده..؟ الجد.. بتنهيدة.. "جولي عملت إيه في اللي خبرتك بيه..؟ كيان بتنهيدة..
"للأسف يا جدي إحنا بندور على إبرة في كوم قش.. والمحقق اللي جولتك عليه ما قدرناش نعرف منه حاجة واصل.. وبعدين ليه منحطش احتمال تكون لاقدر الله ماتت ولا حاجة..؟ الجد بلهفة.. "لأ إن شاء الله … عايشة… وزينة.. وترجع لحضن أمها المحروجة دي… اوعي تيأس يا كيان يا ولدي.. لو جرالي حاجة بنت عمتك أمانة برجبتك… وعمتك وولادها أمانتك.. انت الكبير بعديا يا ولدي… أني عديتك قوي وصلب لليوم ده…" كيان بتنهيدة..
"بعد الشر يا جدي عليك.. متجلجش إن شاء الله هلاقيها.." الجد.. "طب إيه يا ولدي نفسي أشوفلك حتة عيل.. نفسي أفرح بيك يا كيان.. يا ولدي.." كيان بزوغان.. "إن شاء الله يا جدي.. كله بأوانه.." الجد.. "كيف ده.. متجوز من بت خالتك بجالكم سنتين ومدورتش على خلف ليه يا ولدي.. وبعدين ليه مبتجيش معاك أهنه..؟ كيان.. "يا جدي.. كله بأوانه إن شاء الله.. بالاذن.. إني بقي الخيل وحشني.. هطل عليهم.." ــــــــــــــــــــــــ
نزلت الدرج بهدوء.. وخجل.. فرمقها هو بنظرة سخرية.. فعلمت ما يفكر به منظرها وهيئتها.. سلمى.. فتاة بالصف الثاني الثانوي.. فتاة جميلة جداً.. ناعسة تداريها بنظارتها ولباسها المحتشم.. كالشوال كما يخبرها ذلك المهندس ابن خالها فهد….. المرشحة لزواجها منه..
هي ليست كباقي الفتيات.. والدتها المنغلقة على نفسها تعاني اكتئاباً حاداً منذ ثلاث سنوات.. منذ انتقلت من الطفولة للمراهقة ولم تكن بجانبها.. وحيدة هي وبجانبها أخيها الأصغر منها بالمرحلة الإعدادية.. رغم دلال الجد لهم.. إلا أنهم منعزلون تماماً.. يسخر منها باقي فتيات العائلة.. لقد سمعت بقصة أختها الغائبة… لكم تتمنى أن تعود يوماً وتوجهها تشكي لها وتصادقها.. علها تجد منها صدراً حنوناً ترتاح به..
يوماً.. ألقت السلام عليه فرمقها بلا مبالاة ولم يرد.. كعادته مكتفياً بهز رأسه.. لمحت جدها الجالس بعيداً... فتوجهت له.. الجد.. "أهلاً أهلاً بسلمى هانم.. حبيبة جدها.. تعالي يا جلب جدك.." سلمي بغصة.. "صباح الخير يا جدي.." الجد.. "يا صباح الهنا يا جلب جدك.. خيك فين لساته نايم..؟ سلمي.. "آه يا جدي.. ما إحنا أخدنا إجازة خلاص.." الجد بحزن لحالهم.. "ربنا يصلح حالكم يا بتي ويقرب البعيد.." سلمي. بمرارة… "يااارب.."
ـــــــــــــــــــــــ أوقف فرسه أخيراً بعيداً عند ذلك الكوخ.. بالقرب من سفح جبل بنهاية البلد.. متطرف لا يعلم به إلا هو وهي.. بناه خصيصاً ليناسب أحلامها الوردية كما وصفته يوما.. واصطحبها له.. في يوم كان الأخير لهم معاً… رغم رفضها وخوفها من التجربة.. حبيبته البريئة… المذعورة دائما كما كان يلقبها.. فلاش باك.. "حبيبتي الجبانة.. قلتلك ميت مرة.. اوعي تخافي وأنا معاكي.." فريدة.. بخجل.. "مش خايفة على فكرة.." كيان..
"طب بصي في عيني كده.." فريدة.. "اهووو.. واوعي بقى…." ضحك عليها وجري خلفها وهي تجري بسعادة حول الكوخ.. "استني يامجنونة.." فريدة بسعادة.. "الله جميل أوي يا كيان.." كيان وهو يمسك بها.. "عجبك ياعيون كيان..؟ فريدة بسعادة.. "اوي اوي.." باك.. تنهد.. رأسه يرفض أن يترك ذكرياتها.. وهبط.. دخل بقدم يملؤها الأمل أنها هنا.. تنتظره.. واه لو كانت هنا….
التفت هنا وهناك.. باحثاً عن شيء ربما نسته ذلك اليوم.. ولكن لم يبق شيء من رائحتها فيه.. فقط ذكرياته التي اشتعلت كاتون.. معها.. كيف التقيا وكيف افترقا…. جلس واضعاً يده على رأسه بحزن.. متذكراً ذلك اليوم القريب البعيد.. فلاش باك.. حسام.. "الساعة بقت خمسة المغرب يا كيان.. الشغل مش هيطير.. يالا نروح.. أنا تعبت.." كيان.. "انت طول عمرك كدا.. يالا ياسيدي.. أنا أساساً خلصت.."
اندفعا خارج الشركة التي يديرها هو وعائلته للاستيراد والتصدير.. وبمنتصف الطريق لمح سيارة ما تلاحقه…. وبلمح البصر كان هناك من أطلق النار عليه وهرب.. كياان. ممسكاً بذراعه… "آه.. الحقني يا حسام…." حسام.. وهو يتحكم بالسيارة صارخاً به…. "كيااان.." كانت خارجة تجري من جامعتها…. لقد تأخرت اليوم وحتماً ستغلق المدينة الجامعية ولن تدخل إلا بعد محاولات منها لهم.. كعادتهم.. ديما صديقتها… "استني يابت.. رايحة فين.. بتجري ليه كدا.."
فريدة.. "اتأخرت ياديما.. مش هيرضوا يدخلوني.." ديما.. "ماقلتلك تعالي اقعدي معانا في السكن يابنتي احسن من الذل ده.." ديما مغتربة كفريدة.. يدرسان معاً.. ولكن فريدة من المنصورة وديما من محافظة مرسى مطروح.. ولكنهم أكثر من الأشقاء.. تقابلا معاً بسنتهم الأولى بكلية طب القاهرة.. فريدة.. "خلاص نكلم بعدين في الموضوع ده.. خليني ألحق دلوقتي.. سلام.."
تركتها وجرت.. ولكن أثناء جريها لمحت سيارة تنحرف يميناً باتجاهها حتى كادت تصدمها.. فريدة بحدة.. "انت بهيم مش تفتح..؟ ولكنها رأت ما صدمها.. وبشهقة.. "هيييه.. إيه ده..؟ لمح حسام مئذرها الطبي على ذراعها….. فنزل مسرعاً صارخاً بها.. "انتي دكتورة مش كدا… ساعديه بسرعة.." فريدة بخوف.. "أنا لسه طالبة معرفش.. وديه المستشفى.. أحسن.." تمتم كيان بهمس.. "مستشفى لأ يا حسام.. هاتها.."
شهقت وكادت تفر منهم.. ولكن حسام أحكم حصاره عليها.. وأدخلها عنوة.. غاب هو عن الوعي واستمرت هي بصياحها.. أخذها حسام لبيت يملكونه قريباً من موقعهم.. وأمرها بأن تعالجه.. فريدة.. بتوتر.. "لازم مستشفى.. أرجوك.." حسام. بتنهيدة.. "اهدي يادكتورة وخدي نفس.. الضربة في كتفه.. انتي في سنة كام الأول..؟ فريدة.. "6 طب.." حسام.. "طب عال.. اهدي كده وافتكري اللي اتعلمتيه.. واوعدك أوديكي بنفسي ما كانت مخدتك بس انقذيه ارجوكي.."
فريدة بتوتر.. "طب وايه المشكلة بالمستشفى.. هناك رعاية أكتر من كده.." حسام.. بزهق.. "اخلصي انتي هتغي.." وبيد مرتعشة ولشدة ذكائها وعملها كممرضة بدوام جزئي لتكاليف دراستها المرهقة.. والتي لم يكن بمقدور والدها امدادها به.. أنهت عملها كمحترفة صغيرة.. وساعدها حسام بجميع ما طلبته.. بعد ساعات رفض فيها حسام أن تتركه حتى يستعيد وعيه.. بعدما أنهت عملها.. فريدة بدموع.. بعدما لمحت الساعة..
"أنا كده هبات في الشارع.. حرام عليك.. وغير ماهيتصلوا يعرفوا أهلي.. منك لله يا شيخ.." كان هو استعاد وعيه قليلاً وسمع ما قالته.. فتح عينيه فوجدها تجلس بحزن ويدها على خدها.. سرقت قلبه من أول نظرة من عينيها له.. بعدما لمحته يفتح عينيه واستفاق أخيراً.. فريدة بلهفة.. "هيييه.. انت صحيت.. حمدالله عالسلامة.." كالأطفال ابتسمت بسعادة لإنجازها.. حسام.. "كيان حمدالله عالسلامة.. تصدقي يا… ال انتي اسمك إيه…؟
نظرت له بغيظ.. ونطقت بغل.. "فريدة.." حسام.. بضحك لمنظرها المغتاظ.. "فريدة.. شكلك هيجي منك.. اهو تدريب عملي اهو.. أي خدمة.." ضربت الأرض بقدمها.. بفستانها المحتشم الرقيق.. وشعرها المنسدل الذي سبقها لفمها.. جميلة بعيون زيتونية وبشرة خمرية لا بيضاء ولا سمراء.. كملكة متوجة.. تتمايل بعصبية.. متمتمة بغيظ.. بكلمات لم يفهموها.. كيان بهمس.. بعدما اعتدل.. "تعالي يافريدة.. اقعدي.." ارتبكت لوقع اسمها من بين شفتيه.. ونطقت بضياع..
"هااا..؟ تجاهلها.. ونظر لحسام.. قائلاً.. "روح هات حاجة ناكلها وتعالى.." حسام.. "فعلاً أنا جعان جدا.. مش هتأخر عليكو…" وانطلق.. يجلب ما أمره به.. رفع نظره لها بتعب.. "ممكن تيجي هنا يافريدة..؟ لمح خوفها.. فابتسم.. محاولاً بس الطمأنينة بداخلها.. "بذمتك واحد بشكلي ومنظري ده.. يتخاف منه..؟ ابتسمت واقتربت بخجل وجلست بجانبه.. فعلاً عندك حق.. ابتسم لها وجلسا.. يتبادلا الحديث.. وأخبرته بما فعله حسام.. ولم خائفة….
كيان.. بهدوء.. "معاكي رقم المدينة.. لو معاكي خدي اكتبيه هنا.." فريدة.. بتردد.. "هااا ليه..؟ كيان.. "بس اعملي اللي بقولك عليه.. وهتعرفي.." أخذته من يده ودونت رقم المدينة.. ثواني وقد حلت مشكلتها بعدما علموا من هو وأنها قريبة له.. وهي تنظر له بصدمة.. فريدة.. ببساطة كدا.. ضحك وأخبرها.. "ببساطة كدا.." فريدة.. "انت ليه مبلغتش البوليس.. دي جريمة.." كيان بهدوء..
"متشغليش بالك الصغير بالحاجات دي.. أنا أعرف أجيب حقي كويس.. أوي.." تنهدت وسكتت.. وهو ينظر لها ولمحياها بانبهار وتملك جديد عليه…. وقلب راقص كالاطفال.. لاول مرة يدق هكذا وبعنف.. جاء حسام بالطعام وتناولوا طعامهم وشاركتهم على استحياء.. ووعدوها بإعادتها صباحاً… ومن هنا ابتدأت حكايته معها.. حكاية بدايتها كالحلم وانتهى سريعاً.. باك.. أغمض عينيه.. مردداً بشرود اسمها.. "فريدة.. فريدة.."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!