الفصل 3 | من 13 فصل

رواية رحماك الفصل الثالث 3 - بقلم اسما السيد

المشاهدات
17
كلمة
3,209
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

أخويا الكبير في حضن مراتي يا أبا فريدة. التفت باتجاه الصوت فوجدته هو. اقتربت بهدوء مهلك لقلبه. فتأوه بداخله من طلتها.

تلك الفتاة انتزعت قلبه ودهسته بقدميها وانتهى أمره. قلبه القاسي أصبح فتات منذ فتح عينيه تلك الليلة ورمقته بغابات الزيتون خاصتها. لا يعلم ماذا أصابه. لعنة باسمها حطت عليه. لم يكن اسمها يوماً يلفت انتباهه ولكن منذ التقاها واسمها يتردد بمكان يخفق قلبه مطالباً برؤياها هي. قلبه يريدها وعيناه تريد رؤياها دائماً. فريدة بهدوء: كيان، ازيك؟ بتعمل إيه هنا؟ لم يتوقع سؤالها وبماذا سيجيبها؟ حك رأسه بيده وكأنه أخيراً وجدها.

كيان بتوتر كالمراهقين، بعمره الثمانية والعشرون لم يمر بموقف كهذا من قبل: جيت عشان تغيريلي عالجرح وتشوفي حالتك بنفسك، ولا عندكم مفيش متابعة عالـ..ـحالة؟ فريدة بدهشة وببراءة: أغير لك هنا؟ طب إزاي؟ كيان: لا طبعاً، اتفضلي معايا لو مش عندك اعتراض. فريدة بتوتر: أتفضل فين؟ بص يا أستاذ، أنا مهمتي خلصت كدا. عندك المستشفى تقدر تغير هناك. عن إذنك بقى، فرصة سعيدة. وفرت من أمامه مسرعة.

كيان بمغزى وهو يذهب خلفها: جبانة. معندكيش ثقة في نفسك. التفتت له بحدة مشيرة بإصبعها على نفسها: ده أنا؟ لا طبعاً. مين قال كدا. كيان بتريث: لو مش جبانة مكنتيش اترددتي في عمل خير. مكنش هيزودك ولا هينقصك، بس كان هيريح ضميرك. فريدة باستغراب مرددة كلماته: هيريح ضميري إزاي بقى؟ كيان وهو يقترب منها هامساً بهدوء: يعني عايزة تفهميني إنك لما تروحي وتفتكري إنك رفضتي تساعديني وإنتي عارفة إني تعبان، ضميرك مش هيأنبك؟

فريدة بتردد: بس... دا مش قصدي. كيان: بس إيه؟ وإن يكن. عموماً يا ستي خلاص مش عايز منك حاجة. بس نصيحة، متبقيش جبانة. الحياة عايزة قلب جامد. مبتحبش الضعيف، بتموت الضعيف بالبطيء. يا فريدة. رمقها بنظرة عاشقة لم تخطئ بها يوماً واستدار راحلاً باتجاه سيارته. وقفت هي تردد كلماته بذهنها. هي بالفعل جبانة.

أدار محرك سيارته ورمقها بابتسامة وهم بالرحيل. ولكنها في لحظة وجدتها بجانبه. تجاوره بالسيارة. فتح عينيه بصدمة ممزوجة بسعادة لم يستطع إخفاءها. فريدة بتوتر وجرأة جديدة عليها منذ التقتهم تلك الليلة: هي تعلم أنه لن يؤذيها. لقد قضت ليلة كاملة معهم وعاملوها بحب كأختاً لهم. هاجي معاك بس بشرط. نظر لها ولم يتكلم. فأكملت: ترد لي جميلي اللي عملتهولك، وساعدتك في الليلة دي. كيان بدهشة: إزاي؟ فريدة بدون تردد،

فهي تحتاج لذلك وبشدة: تعلمني إزاي أبقى قلبي جامد كدا وما أخافش من حاجة. أنا فعلاً جبانة. كيان بسعادة بعدما استوعب حديثها ولمعة في عيونه: غمّز لها بسعادة قائلاً بجدية: موافق. فريدة بدهشة: بجد؟ كيان بلهجته الصعيدية: جد الجد كوم. فريدة بعيون مصدومة: صعيدي! كمان. كيان بفخر مبسطاً يده لها: ودا وعد صعيدي. هعلمك تاخدي حقك من عين الكل. مدت يدها توثق وعدها ببراءة: وعد صعيدي. علمني أرجوك.

كيان: هعلمك. ودا يبقى اسمه وعد كيان لأحلى فريدة. فريدة بسعادة مرددة وراءه: وعد كيان لفريدة. انتبهت من شرودها على ندائه باسمها. وفي قلبها اشتعلت تلك الروح التي دفنتها منذ سنوات. وبرأسها بدأت تتذكر قواعده واحدة تلو الأخرى.

أحمد بتوتر وهو ينظر لهيئتها التي رغم إرهاقها جميلة، مغرية. كانت تقف أمام المرآة تمشط شعرها شارده وترتدي قميصاً بيتياً قصيراً قديماً، لكن من ترتديه أضافت سحراً له. ليس بالقديم ولا بالجديد بمن يرتديه. ابتلع ريقه مدركاً أن ما يفكر فيه لن يأخذه منها إلا غصباً، فهي زاهدة به لا تريده. لمحته بالمرآة يبتلع ريقه، وقد فهمت ما يفكر به ولكنها تعلم أنه لن يجرؤ. التفتت له بهدوء. فريدة: خير يا أحمد. أحمد بتوتر: ها... مفيش.

التفت مرة أخرى غير مكترثة له. فأغمض عينيه يستعيد كلام روان التي أملت رأسه به. flash back أحمد: إنتي بتقولي إيه؟ إزاي؟ روان: زي ما بقولك كدا. إنت تخليها تروح عند أهلها يومين، كدا. وفي اليومين دول نكون جهزنا كل حاجة. ولما تيجي ناخد منها الولاد ونطردها. ولا إنت بقى مبتحبنيش؟ أحمد بضعف: لا إزاي، بحبك طبعاً. بس فريدة... روان بغيظ: فريدة، فريدة. هو أنا كل ما أكلمك تقولي فريدة؟ أوعى تكون بتحبها. ابتلع ريقه مفكراً. هل يحبها؟

ولماذا خائف من خسارتها هكذا؟ أحمد: إنتي فاكرة الموضوع سهل؟ أبويا وعابد مش هيسمحوا بأذى فريدة. ولا هيسمحولي بالجواز عليها أصلاً. ولا أهلك... نفسهم هيرضوا بـ... روان بتأكيد: متقلقش من أهلي. إحنا هنحط أهلك وأهلي قدام الأمر الواقع. هنتجوز ونيجي نحطهم قدام الأمر الواقع. ولو على أمك وأمي، فهم عارفين وهما اللي مخططين لكده. ما إنت عارف أمك مبتحبش فريدة. أحمد بتوتر: ربنا يستر.

روان بخبث: أنا همشي بقى، وإنت اطلع اعمل زي ما قلتلك وهكلمك بالليل. سلام. back نظر لها مودعاً. ربما من الأفضل أن يتركها. هو لا يستحقها. فتاة كالنسيم مثلها لا تستحق رجلاً مثله. شيطانه يعمي قلبه وعينه. تنهد هامساً باسمها. أحمد: فريدة. التفت له مرة أخرى. فردت بزهق: في إيه يا أحمد؟ عايز تقول إيه؟ بقالك ساعة واقف كدا. هات من الآخر. ملهاش لازمة تتردد، ومتقلقش أنا اتعودت.

بلع ريقه بحزن وسحبها من يدها بهدوء للفراش. جلس وأجلسها بجانبه. رفع يده بهدوء يبعد شعرها المستكين على عينيها يمنعه من رؤيتهما. يريد أن يراهما لربما المرة الأخيرة. ابتعدت بوجهها عنه بنفور. فأغمض عينيه بحزن. أحمد: عايزة أتكلم معاكي شوية. ممكن؟ فريدة بتنهيدة: اتفضل. وبتهكم أكملت: بس مش شايف إنها غريبة شوية؟ أول مرة من يوم ما اتجوزنا تكون حابب تتكلم بلسانك معايا وتلغي إيدك. ولا تكونش إيدك وجعتك؟

أحمد بتأنيب داخلي لنفسه: هو من أوصلها لذلك. وقد قرر. مصارحتها ضارباً بكلام روان عرض الحائط. لعلها تثور ويلمح بعينيها بعضاً من التمسك به. أحمد: فريدة، أنا هتجوز روان. رفعت نظرها له ببرود، وكان ما قاله لا يعنيها أو كانت تتوقعه. منذ عادت تلك الروان لحياته وهي تتوقع أن يأتيها يوماً ويخبرها بذلك. لم تستغرب أبداً. هي لا تشعر بالغيرة ولا بالوجع. لقد تبلدت مشاعرها. ابتسمت وصداه صوته يردد بأذنها. flash back

في ليلة ماطرة وبأخر بقعة بالمدينة في رحلة مجنونة من رحلاته ليعلمها قواعد التمرد والشجاعة. كيان: بصيلي كدا يا أحلى فريدة. فريدة بابتسامة وهي تنظر له باهتمام: أهوو. ضحك وأكمل بإصرار: متخافيش. اتمردي وقولي لا لكل اللي مش على كيفك. قولي لا. وأوعي تخافي أبداً. طول ما أنا جنبك عايزك تقولي لا في عين الكل. وبحب اقترب منها هامساً أمام وجهها: ولو الكل اتخلى عنك، فـ أنا لأ.

فريدة بتوتر من قربه: ياسلام. أفرض مكنتش جنبي وأنا عايزة أتمرد وأقول لا وخايفة من اللي قدامي، أعمل إيه؟ كيان بهمس وهو يقترب منها أكتر: ساعتها غمضي عينك وافتكري كيانك حبيبك وهو بيقولك قولي لا. وقفي بهدوء وبصي في عينهم. خلي عيونك تتكلم زي ماهي بتتكلم وبتبرجلني كدا. فريدة بهمس: طب وبعدين؟ كيان: بعدين تقومي واقفة كدا بكل جبروت وتمشي. الصمت يا فريدة قوة أكتر من الكلام. نفسه.

فريدة: بص أنا أصلاً مبعرفش أتكلم. حلو حل الصمت دا. خلاص هسكت. ضحك بسعادة على براءتها. مهما علمها لا تتعلم. كيان: خلاص اسكتي يا قلب كيان. بس اوعي تبيني للي قدامك إن سكوتك ضعف. ثوري واتمردي. متخافيش. إنتي قوية. ولو مش بيا، يبقى بنفسك. إنتي قوية يا أحلى فريدة في الدنيا. back أحمد: متسكتيش يافريدة. إنتي ليه دايما ساكتة؟ أنا بالنسبالك إيه يا فريدة؟ فريدة بتهكم وسخرية أجابته: ولا حاجة. أحمد بصدمة: ولا حاجة إزاي؟

رفعت عينيها ببرود ناظرة له وأكملت: فلتخرج ما بجوفها وتنتهي. إنت ولا حاجة يا أحمد بالنسبة لي. أقولك على حاجة كمان؟ إنت تستاهل روان وروان تستاهلك. إنتو شكل بعض أوي ولايقين على بعض. وببرود أكملت: مبروك. أحمد بدهشة: ببساطة كدا؟ فريدة: آه ببساطة كدا. روح اتجوز. ربنا يسعدك. إنت طريقك من البداية مكنش طريقي. سكة غلط ودخلتها. ومعلش الواحد مبيتعلمش ببلاش. أقولك حاجة؟ عارف كام مرة استنيت فيها تختارني وما اخترتنيش؟

طب عارف كام مرة احتجتك تدافع عني وكالعادة بتخذلني؟ كام مرة هنتني وقللت بيا؟ إنت بتتكسف مني يا أحمد؟ مع إن لو بصيت لنفسك إنت تكسف بلد. اشتعلت عينه وكتم غيظه وهي تعريه أمام نفسه. ولكنها قررت الكلام وانتهى الأمر. قررت البوح وليحدث ما يحدث. عارف كام مرة احتجتك وملقيتكش؟ كام مرة ولادك تعبوا واحتجتك معايا بالليل وانت قافل على نفسك وبتحب في ست روان بتاعتك؟ كام مرة سمعتك وانت نايم معاها في التليفون...

وبتأكيد أكملت: نايم معاها يا أحمد زي المتجوزين وبتهمس لها بكل وضاعة وقرف بحاجات قذرة. كام مرة أشوفك بتعرّي نفسك ومنسجم معاها؟ كام مرة سمعتك بتهيني معاها وبتتكلم وتعيب فيا؟ اتجوزها يا أحمد. بس خلي بالك الدنيا دوارة واللي بتعمله بكرة يقعد لك. وأتمنى يقعد لك. وهدعي ليل نهار أشوف فيك يوم. ألجمت لسانه وعلت صدمته وجحظت عينه وهي ترمقه بقرف واشمئزاز. ابتلع ريقه وخرج صوته مهزوزاً: إنتي السبب. إنتي اللي...

صرخت بأعلى صوتها به: إنتي إيه؟ أنا إيه؟ إنت اللي مقرف وقذر. أنا بقرف منك يا أخي. يا ريتني ما كنت شوفتك ولا عرفتك. واحد زيك وسخ قذر. بلاش تجيبها فيا. أنا بكرهك يا أخي. ما بكرهش حد في حياتي قد ما بكرهك. أتفو عليك. جبان وواطي. حقير. كف يده التي حطت على وجهها بغل وصراخ من أخرستها. أحمد: اخرسي. إنتي نسيتي نفسك.

ولم يعد يدري ماذا يقول. كعادته انطلق مارداً: أنا اشتريتك بفلوسي. مبتبصيش لنفسك في المراية. إنت مقامك الخدمة وبس. وهتجوز روان وإنتي هتعيشي تخدميها وبس. وابقي وريني مين هيقف جنبك. أبوكي اللي في كل مرة بتروحيله بيرجعك زي الـ... ليا. ولو عايزة تتطلقي يبقى تتنازلي عن الولاد ومع السلامة. فريدة بصراخ: آه يا خسيس. هتفضل طول عمرك خسيس. ولادي بعينك؟ كله إلا ولادي مش هسمحلك أبداً. هاخدهم من عينك. إنت تعرف إيه عنهم أصلاً؟

إنت ولا حاجة بالنسبة لهم. ازداد شجارهم وملأ المكان وازداد صراخهما مع ازدياد ضرباته لها. كان صاعداً للأعلى ليعطيها أولادها فاستمع للمشادة بينهم وما القاه على مسامعها حرفاً حرفاً. ازداد الصراخ واشتعلت النار بقلبه من أخيه. سيحطم فكه. وضع سليم أرضاً وبجانبه أخته. وارتفع صوته ينادي على أخيه. خبط الباب المرتفع لم يثنه عن ضربها. وأصبح كالمجنون. لم يجد حلاً إلا بكسر الباب. ولا أحد هنا غيره. لقد ذهبوا جميعاً.

عابد: افتح يا أحمد. افتح يا جبان. ارتفع صراخ الصغار. ولم يجد رداً. فاستجمع قوته وكسر الباب. دخل وجده يكيل لها الضربات وهي فقط تستقبله بلا حراك. أزاحه من عليها بغضب وفوجئ بهيئتها العارية. عابد: يا وسخ. بتضربها يا وسخ. قسماً بالله لو ما كنت أخويا لقتلتك دلوقتي. أحمد بغل منه: آه. الفارس الهمام. متقول بقى إن عينك منها. بتدافع عنها أوي وبحرقة. عينك من مراتي. بتحبها.

لكمة عابد بفكه: آه يا وسخ. يا ريتها ترضى بيا وأنا كنت أجيب لها الدنيا تحت رجليها. يا وسخ. إنت متستاهلش ضفرها. تبادلوا اللكمات وهي تبكي بقهر. لمحت صغارها الباكين قد اقتربوا منها ولم تستطع أن تضمهم بيدها لتطمئنهم. عابد وهو يزيحه بيده للخارج: غور من قدامي وإلا هخلص عليك. غور. إنت اللي زيك ميستاهلش غير واحدة زيك روان فعلاً. واحدة خرجت بيت روح. ربنا ياخدك.

فر من أمامه هارباً كالفأر متمتماً بأقذر الكلمات بحقه وحقها. استند بيده على باب الشقة ينهج بتعب. لمح عباءتها بأحد الجوانب. فجلبها لها وأعطاها إياها وما زال مستديراً يغض بصره عنها. عابد: خدي يا فريدة. استري نفسك. جذبته بيد مرتعشة ترتديها بتعب. خبط على باب المنزل القديم. جعله يتحدث بلهفة بعدما انتظره طيلة النهار. شريفه: شوفي مين يا أم فريدة. دا أكيد راجي. شريفه: حاضر يا عبد الله، قايمة أهو.

دخل راجي بعدما رحب بشريفه. راجي ابن عم عبد الله يعمل حارساً ببيت الحاج راشد منذ زمن حينما انتقل باحثاً عن لقمة العيش. وهو حلقة الوصل بين أهل فريدة وعبد الله ينقل له أخبارهم. بعد الترحيب به. عبد الله بلهفة: ها ياراجي إيه الأخبار؟ راجي بحزن: مطمنش يا عبد الله. الحاج قالب الدنيا على بنت بنته وأمها تعبانة أوي وحالتها صعبة. على عيني أشوف الست نادية كدا ومطمنهاش. منها لله اللي كانت السبب.

عبد الله بحزن: مش هيا بس اللي حالتها كرب. بنتها كمان. شايفة الذل ومش قادرة تتنفس. قولتلك قول للحاج راشد واطلب الحماية منه. راجي: ومين جالك؟ محاولتش. إني حاولت كتير أجوله، لكن المرة السو وجفالي بالمرصاد. وبيهددني بعيالي. دا حتى يوم ما جرت بعت فريدة لأمها من سنين معرفش منين عرفت وكانت هتموت ولدك فيها. عبد الله: يا إلهي للدرجادي الغل والغيرة عاملينها. راجي: طبعاً. الست نادية كيف البلسم ويتغار منها. ربنا قادر يشفيها.

عبد الله بتنهيدة: على عيني يابنتي. كل ما أقول هتفرج، أظاهر إن قدرك كدا. يابنتي. ربنا يقرب البعيد. راجي: يارب.

انتبهت لوقع أقدام آتية باتجاهها. كانت تجلس بالشرفة ناظرة للاشئ كعادتها. دخل باحثاً عنها بعينيه. عمته الحبيبة. تفهم عليه أكتر من والدته. يرتاح بجانبها ويفضي ما بصدره لها. لطالما كانت تسمعه وتحاوره. منذ تعبت ودخلت بحالة صمت وهو يأتي كل فترة يفضي بما في قلبه وتسمعه بصمت. وحدها عينيها التي تعبر عن تعاطفها معه. ولما يخبرها به يعلم أنها تفهمه وتشعر به. يدها التي تمسد على رأسه تجعله مستكيناً. يدها الحنونة تذكره بيد أخرى لطالما كان يخبر بأنها دواءه. وسط شروده لم ينتبه أنه جلس بالفعل أمامها كطفل صغير وأرجع رأسه للخلف. وبالفعل يدها الحنونة امتدت لتمسد رأسه بهدوء. لم يخطئ أبداً. هي تفهم وجعه.

كيان بلهجته الصعيدية التي دائماً ما كانت تؤنبه على تناسيه لهجته وتخبره دائماً أن يتحدث بها معها. ابتسم متذكراً حديثها يوماً وهو يتحدث معها كأهل المدينة. flash back كيان: واه يا كيان يا ولدي جلتلك ميت مرة كلمني صعيدي ياواد إنت. لهجتك الصعيدية بتوصل لجلبي طوالي. back تنهد يذكرها: خابرة يا عمتي. البنت اللي خبرتك عنها زمان. كانت يدها بتشبه يدك أكده بتاخدني لعالم تاني. لما كنت أشتاق لك. والدنيا تقفل في وشي. كنت

أجري أخطفها لبعيد وأقولها: امشي يدك على شعري، تعبان ونفسي أرتاح. يدها كانت كيف يدك يا عمتي. كيف السحر يا عمتي. ضحك مقلداً: إيه. خابر هتجولي إيه بسرك. هتجول دلوك. يدي برديك ياواد أخوي. ولا يدها. ابتسمت بزاوية فمها لحديثه ولم يلحظها هو، مسترسلاً بحديثه: هقولك عندك حق يا عمتي. يدها كيف السحر وعنيها كيف شجر الزيتون وضحكتها كانت بتنسيني همومي لو كانت حمل جبال.

ارتعشت يد عمته وأبعدتها من على رأسه شارداً بعينين تشبه وصفه. ولكنها باغتها بسحب يدها ووضعها على رأسه مرة أخرى قائلاً بصوت يملؤه الغصة: قلبها يؤلمه. هي ليست بخير. يشعر بها. واه من قلبه ومرارة الفراق. واه من ضعفه لذاكرتها. واه من حنين قلبه وقهرته عليها. واه وألف آه من قهر الرجال. همس بتعب: مبعديش يدك يا عمتي. عايز أرتاح. ريحيني يا عمتي. يمكن نار جلبي تهدي. تعبان جووي. جووي يا عمتي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...