تحميل رواية «رحماك» PDF
بقلم اسما السيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انتي ياهانم… انتي لسه نايمة… لدلوقت.. قومي ولا مستنية لما أمي تعمل كل حاجة… التفتت له، بقله حيلة وانتشلت يدها بهدوء من تحت رأس طفلها النائم بأحضانها أخيراً بعد بكاء طال لساعات. استقامت بضعف، قائلة له بهدوء: في إيه بس يا أحمد الساعة لسه خمسة ونص.. سيبني شوية بس وبعدين هنزل.. الولاد لسه نايمين. نظر لها بتلك النظرة المشمئزة التي ينظر لها بها منذ ولدت طفلتها سيليا. لقد ازداد وزنها قليلاً قليلاً فقط ولكنه يقرف منها ومن منظرها، كما يخبرها دائماً. حتى وجودها بجانبه ليلاً لم يعد يطيقه أبداً. انكشفت الغم...
رواية رحماك الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسما السيد
بالمزرعة.. مزرعة العشق والعاشقين.
بوليمة أشبه بولائم الأمراء. وبعدما أتم كتب الكتاب، وانطلقت الأعيرة النارية، وفاز الفارس بجائزة العشاق، جائزة باسمها هي، ساجدة.
"هَدان.. ما تفرحيش أكده، إني وياك والزمن طويل يا ابن خيتي."
"عدنان.. واه يا خال، ليش أكده؟ والله عاشج بتك. وتعب الجلب من الشوق والفراج."
"وهدان.. اكتم يا عدنان واتحشم. وإلا ما بعطيك ياها، جوضي عمرك كله بفراج."
"خلص.. يا وهدان، خلينا نفرح أومال."
فجأة استمعوا لصوتها الناعم، بحنجرتها الذهبية التي كتمتها مع مرارة أيامها وتناستها. ومن فرحتها بجمع العشاق، قررت مشاركتهم بها، تسعدهم كما أسعدوها واحتوت أوجاعها.
بهم صارت أقوى، أجمل، لحياتها هدفاً، ولأيامها حلماً تعيش عليه. ومعها هم، شاركوها الغناء بابلهم، وأحصنتهم الراقصة. ليلة ساحرة تختلف عن لياليهم الغناء. ليلة شهدت على ازدياد عشاقهم اثنين.
صاحت فريدة بصوتها الفريد، واقتربت محتضنة ساجدة السعيدة بحب، فرحة هي لفرحتها لزواجها أخيراً ممن عشقه قلبها.
"بأنشودة إسلامية استمعت لها صباحاً..
الله الله.. صلوا على رسول الله..
زي القمر بدر في سماه.. أنا قلبي شافهم من هنا سمي وصلي.. قولوا إن شاء الله.. باركلهم وأسعدهم أمين..
الليلة ليلة الطيبين.. تتمم عليهم نعمتك.. قولوا إن شاء الله..
لذات الدين.. عريسنا الزين.. ربه اللي هداه.. ادعوا للغالين بأحلى حياة..
ما شاء الله.. على سنة رسول الله.. هيبتدوا الليلة الحياة.. يارب ارزقهم بالفرحة.. كل الأيام..
الليلة دي كتبوا الكتاب.. أغلى ما لينا.. تصلوا على طه نبينا.. مين اللي هيعرف من الفرحة الليلة دي ينام..
لذات الدين.. عريسنا الذين.. ربه اللي هداه.. ادعوا للغالين بأحلى سنين وأحلى حياة.."
في سوهاج.. ينادي على حفيده فهد بلهفة.
"فهد.. يا فهد يا ولدي."
اقترب فهد مسرعاً.
"نعم يا جدي. في إيه؟ حاجة حصلت؟"
"أيوه يا ولدي.. اتصلي على أخيك كيان.. جوله يعاود وين ما كان.. ضروري يا ولدي."
اقتربت هي كالحية تتلصص على حديثهم.
"سعدية.. ياترى ملهوف أجده ليه على حفيدك يا غراب البين انت.. ميتى يجي اليوم اللي أخلص منك نهائي."
"نوهائي."
"سحر من وراها."
"مالك يا أماي؟ عم تتلصصي أجده على إيه؟"
استدارت لها بحدة.
"بعدي يدك عني.. جبر يلمك.. انتي وبناتك بساعة وحدة."
"سحر.. ليش أجده يا أماي؟"
"عشان خايبين كيف أمهم.. لازم إني اللي أمشي كل شي."
"سحر.. بشماتة.. لا ما تقلقيش يا أماي.. جريب جوي هيجيلك الحفيد اللي تستمنيه."
"صوح يا بت يا سحر.. أوعي تجولي إن الخلطة اللي عطيتهالك جابت نتيجة."
"سحر.. بغرور.. جابت بس.. دي جابت وجابت.. اللي بقى لنا سنين مستنينه حصل يا أماي."
"وكيان.. دخل على سلوى."
"سعدية.. بحدة.. وليش ما جلتلي يا غراب البين انتي؟"
"جولت استنى لحد ما نتأكد ياما إن البت حبلى.. دعواتك انتي بس لاجل ما يتم المراد."
"واه يا سحر لو تم.. هيبجي ناري بردت."
"بس ليه خايفة أكده يا أماي؟"
"عشان انتي بهيمة.. وما تفهميش شي واصل."
"سحر.. الله.. ما تفهميني يا أماي."
"بوك عم يخطط ليجوز كيان بفريدة بت نادية."
"بااااه.. وهو عرف طريقها منين؟"
"بغل.. ما أعرفاش.. حواليهم دايرة.. حتى الأسياد ما يعرفولهاش طريق."
"سحر بخضة.. كيف ده يا أماي.. ازاي ما يعرفوش؟"
"بشر.. تحويطة محاوطاها هي وأخواتها.. اللي عملهالهم ضليع.. عليم.. بس إني وراهم.. لما أعرفلهم طريق.. ساعتها هخلص عليهم بيدي."
"أيوه يا أماي.. خلصي عليهم خلينا نرتاح."
انقلب فرحهم لدمار.. وليلتهم الغناء لحزن وفراق.
بعد انتهائها من أنشودتها وصمتت هي.. على صوت الصياح والقتال، والسبب.. خطف الأبناء. تبكي وتبكي.. ويشاركها الجميع. يحبونها هم ويفدونها بروحهم.
دخل الراوي بهيبته، صائحاً بهم.
"فتونوا لحالنا."
تحرك الجميع وبقيت هي وأشقائها.
"ها يا جدي لقيتوهم؟ طمن قلبي يا جدي الله يخليك."
"امسحي دموعك يا فريدة.. ولادك بأمان."
"وين هما؟ إزاي عرفت؟ ومين خطفهم؟"
"المرسال.. يا بتي.. أظاهر إن آن الأوان."
"أوان إيه يا جدي؟"
"تعاودي لأهلك يا بنتي."
استجمعت أفكارها أخيراً ولمعت عيناها بشعلة الانتقام.
"الولاد مع جدك.. شرطة.. تعاودي.. انتي وخواتك ليهم.. يتلم الشمل.. وتاخدي ولادك بحضنك."
"هنعاود."
نظر لها بفخر لجرأتها وقوتها. وانتقل بنظره لأشقائها ووجد بهم مازرعه بهم منذ شهور.. القوة والصلابة.
"تمام يا بنتي.. يطلع النهار.. وتكونوا حضرتوا حالكم.. هشيع لجدك المرسال.. بس الأول.. خدوا دول."
"إيه دول يا جدي؟"
"حصنكم الحصين من الشر والشياطين.. حجابكم الحاجب.. عن الأذى والسحر بتوع سعدية.. انتوا هتخشوا جحر الشياطين.. ولازمكم تحويطة."
أمسكتها سلمى تنظر لها بيديها مستغربة.
"فيه إيه الحجاب دا يا جدي؟"
"دي آيات قرآنية.. بتحجب عين الشياطين والسحرة.. يأجل ما تكونوا فريسة سهلة ليهم.. وما أوصيكم الصلاة والقرآن.. واعرفوا إني في ظهركم وعيني عليكم.. أما انتي يا فريدة.. أنا واثق من جراراتك.. وإنك هتاخديها بحكمة.. مع ذلك.. إني حواليكي.. هدخل.. في الوقت المناسب.. واسمعي يا بنتي.. جدك راجل حكيم.. بيحكم بالعدل وله هيبة.. والكل بيعمله حساب.. كل اللي هيعمله من حبه وخوفه عليكم.. فهماني يا بنتي.. اسمعوا لكلام جدكم.. ومدوا يديكم وخدوا حقكم من عين التخين.. وإني في ظهركم."
صعد الجبل ليلاً يطمئن عليهم بنفسه ويملي عينيه من جمالهم. ألا يقولون إن أعز الولد ولد الولد؟ هذا ما يشعر به وهم يلعبون بسعادة مع الخيول والماعز. لم يخشوه.. يبدو أنهم شعروا بحبه، كما يشعر بأنهم نور عينيه الذي عاد له بعد عمر عاشه بالظلام. إن كانوا أبنائها هكذا.. فكيف هي؟
"نده عليه.. سليم.. تعي يا ولدي."
اقترب الطفل مسرعاً.
"أيوه يا جدي.. مش انت كمان جدي زي جدي الراوي؟"
"راشد بضحك.. جدك الراوي جوي جلبك.. جوي يا ولدي."
"سليم بفخر.. وبلهجة بدوية اعتادها منهم.. جوي جوي.. أومال.. نشج النار ومنخافش."
"يعني مخافش مني يا وحش؟"
"جدي الراوي.. حكالي عنيك وعن بطولاتك وعن حواديتك.. وجالي يوم ما تجابل جدك راشد.. ما تخافش منه.. وجاله الراوي.. صان الأمانة."
"راشد.. بفخر.. يسلم فمك يا غالي يا ابن الغالية."
اقتربت سيليا تتحسس لحيته الطويلة بدهشة. بجلبابها البدوي الصغير. فحملها على قدمه.
"اسمك إيه يا جميلة؟"
"سيليا.. بطفولة.. سيليا."
"راشد.. باستغراب.. واه.. سيريا."
"سليم.. سيليا يا جدي."
حاول نطقها مراراً وتكراراً، ويأس.
"باااه.. معرفش يا ولدي. هي سيريا حلوة أكده؟"
قضى نصف الليلة سعيداً معهم، وتركهم بأمانة وجده.. وهبط للبلدة.. إلى أن يحين اللقاء.
انتصف الليل وهي بانتظاره.. بفستانها.. ببيته البسيط. فقير هو وبعينيها أغنى الأغنياء. زاهدة بالمال وكان هو لها زاد. تنهدت.. برعشة خفيفة.. وهي تستمع لصهيل جواده التي تعرفه أذناها، وهل تخطئ به؟ تميز خطواته ورائحته الفواحة، ولو عن بعد.
فتح الباب ودخل هو. جسده المشتعل يتمنى لقياها هي. خطواته غصباً عنه أبطأت وهو يتطلع لمحياها الخجل.
"عدنان.. بهمس.. يا ويلك يا عدنان."
ناداها.
"ساجدة."
رفعت رأسها له بعيونها التي تخجله هو. عيون عابثة. عيون تتلاعب به. منذ أبصر عشقها.. وهي متلاعبه. أوقعته أسيراً لغمزاتها وضحكة محياها.
"ساجدة.."
"عدنان.."
أجابها قلبه.. "يا عيون عدنان.. ويا ويل عدنان يا ساحرة."
اقتربت خطواته وأصبح مقابلها. يسألها.. يطمئن قلبه.
"ساجدة.. ما حيلتي زاد ولا زاد.. فارس أنا رحال.. بتقبليني.. كيف ما أنا."
حطت بيدها تكتم باقي حديثه.. لتريح قلبه. صرخت بوجه القبيلة كلها.
"وجلت صدرك زادي وحنيتك زوادي.. ولسه عم تسأل يا عدنان."
ابتسم لحديثها واطمأن قلبه. مد يده يزيح حجابها. ازدادت لمعة عينيه بفرحة كطفل أعطته أمه للتو حلوى.
"شعرك كيف وهج النار.. يا ساجدة."
"ساجدة.. بخجل.. عدنان."
أكمل غير عابئ بخجلها.. خاطفاً شفتيها بشفتيه برقة. رفع رأسه ناظراً لعيناها المصدومة.. مكملاً غزله بها.
"وشفايفك كيف شهد الرمان."
"ساجدة.. بخجل.. استحى يا عدنان."
هبط لخصرها.. أزاح سترت فستانها.. وتأوه مقبلاً خصرها التي يحاوطه خلخال.. يصدر صوتاً مع ارتعاش خصرها من قبلاته.
"أنت باسمه."
"عدنان.. انتفض حاملاً.. إياها.. بشوق. كاتماً همساتها بشفتاه.. راجياً إياه الرحمة. هامساً بنشوة.. لها.. ارحمي عدنان.. يا جلب عدنان."
منتصف الليل.. بين ذراعيها.. هي.. تحتضنه كطفلها. تغيرت الأحوال. أصبحت نكبتها.. نكبته هو. يديها تعبث بشعره الحريري الذي ينسدل على وجهه. تدهدهه كطفلها هي. صباحاً احتضن آلامها.. والآن حان دورها. دموعه تنزل في خزي. همس بها.
"ياسمين."
قبلت رأسه.. وهمست.
"نعم يا عابد. أنا تعبان أوي يا ياسمين."
"حاسس إني ضهري انكسر. أنا مش مصدق.. أختي.. أنا تعمل كدا."
أغمضت عينيها بحزن عليه. منذ وصلته تلك الرسائل على هاتفه وهو بتلك الحالة. حزيناً.. ساهداً. هي تعلم من أرسله له انتقاماً.. ولكنها لن تخبره.. لن تزيد الأمر عليه. لقد منعته من الخروج وملاقاة أخته بصعوبة.. بعدما كان يقسم أنه سيقتلها. فتوسلته.. واستجاب لها كطفل صغير. ارتمي بأحضانها.. يحكي لها وتسمعه.
"ياسمين.. عابد.. اسمع ليها.. هي غلطت.. وللأسف ملقتش حد يوجهها. أنا واثقة فيك يا عابد.. عابد اللي قدر يحتويني ويفهم وجعي.. مش قاتل قاتله. عابد.. أختك محتاجالك.. تقف جنبها.. متقساش عليها."
رفع رأسه.. شارداً بها.
"هي.."
ابتسمت له وسألته.
"بتبصلي ليه كدا..؟"
تنهد وأجابها.
"بعد دا كله.. واللي عملوه في فريدة.. انتي اللي بتقولي كده."
ابتسمت بسخرية.
"اومال عايزني أقولك اقتلها؟ عارف فريدة.. كانت دايماً تقولي إن أمل صعبانة عليها أوي.. عارف ليه؟ عشان ملقتش حد يوجهها للصح والغلط.. يمكن لو فريدة مكنتش زاهدة في الحياة عندكم.. كانت قدرت تحتوي أمل وتنصحها.. بس في المجمل.. أمل ضحية يا عابد.. متختلفش عني وعن فريدة."
أغمض عينيه مستمتعاً بنبرة صوتها.. ببحتها المثيرة.. تلك المرأة تؤثر به.. وبجسده تعبث به فساداً.. مسيطرة هي عليه منذ التقاها. استطاعت امتصاص غضبه بهمسها وابتسامتها.. ويدها التي تعبث به فساداً.
تنهد مغمضاً عينيه.. لأول مرة يذكر اسمها أمامه ولم يؤثر به. لم تكن حباً إذن.. أيسميها ماذا؟ بالدوار.
"مساء.. يا كبير.. يا كبير.."
"الحج يا كبير.. ست سلمي وسي محمد رجعوا.. ومعاهم واحدة كيف الجمر."
ارتعشت يد الجالس بجانبه وأسقط الكوب من يديه. فلمحه الجد بطرف عينه.. وابتسم.. بسعادة.. وثقة.
"افتحوا البوابة ليهم."
"ده بجد يا جدي؟ رجعوا لوحدهم؟"
"جد الجد كومان."
"سلمى رجعت."
دخلت الدوار لأول مرة بحياتها. دارت بعينيها المكان.. وهي مازالت بسيارتها التي اشتراها لها الراوي من مالهم الخاص التي تركتها والدتهم لهم. ودار معها صراعها الداخلي. هنا رائحة والدها ووالدتها. تنهدت وقلبها يتأكلها على أبنائها.
لمحته قادماً بهيبة تشبه هيبة الراوي وأكثر. وبجانبه شاباً بجلباب صعيدي. همست سلمى بجانبها.
"فهد.. فريدة.. هو دا فهد."
أومأت سلمى بتوتر وهو يرمقها بنظرة مشتاقة. لم تخف عليها.. ولكنها استغربتها.
"انزلي يا فريدة."
نزل محمد وتبعته سلمى. واقتربا بلهفة.
"جدي."
"لا سلام بينا.. ولا كلام."
رفع يده مشيراً بيده لمن خلفه.. فأتو مهرولين. آمراً إياهم.
"اقفلوا البوابة.. وهاتوهُم."
انصدمت سلمى ومحمد، وصرخت فريدة به.
"فين ولادي.. أنا عايزة ولادي."
التفت لها.. بحسم.
"انتي جيتي هنا بمزاجك.. يبقى تنفذي اللي أقوله.. وإلا مالكيش ولد عندنا."
"يعني إيه؟ هتحبسنا هنا؟ متقدرش."
"زي ما جبتك هنا.. أقدر.. يا بت الغالية.. خدوهُم."
يومان مرا عليهما محتجزين إياهم. أملى شروطه عليهم.. وتركهم. أخرج محمد وحبسهم هم.
"هنعمل إيه يا فريدة؟ هنفضل محبوسين كدا؟"
"اشتاقت لهم.. قلبها يغلي عليهم.. لا يا سلمى هنوافق.. نادي على حد ينادي على جدك."
"موافقة تتجوزي حد متعرفيهوش؟"
"اومال يعني أسيب ولادي؟ أشوف ولادي بس وبعدين يحلها الحلال."
"بس أنا استحالة أتچوز فهد.. أنا بكرهه."
"عشان خاطري يا سلمى.. وافقي دلوقت وبعدين يحلها الحلال."
"أنا خايفة.. ده فهد بيكرهني أوي."
"نخرج بس من هنا.. وأخد ولادي وبعدين يحلها الحلال يا سلمى."
وافقتها سلمى وندهت عليهم تخبرهم بقرارهم.
"إيه اللي بتقوله ده يا جدي؟ انت عايزني أتچوز بالطريقة دي؟ انت نسيت أصلاً إني متجوز."
"هتعصاني يا كيان؟ بنت عمتك انت أولى بيها.. ولو مربطتش بيك هتعود للراوي.. إني تعبت من الفراج يا ولدي.. طاوعني الله لا يسيئك."
تلمعت عيناه بحزن. لثاني مرة سيخونها ويرتبط اسمه بأخرى.. سيصبح زوجاً لاثنتين وليست هي واحدة منهم. تلمعت عيناه بالدموع ومسحها مسرعاً بكف يده.. بعصبية. مغلوب هو على أمره.. كتب المحتجزة.. ليتزوجا.. وبعدها يحلها معها هي.. اهتدى تفكيره لذلك.. وأطاعه بصمت. لن يقدر على عصيانه.
"أمرك يا جدي."
التفت الجد.. للجالس بسعادة.. لم يستطع مداراتها فضحك عليه.
"واااه يا فهد.. كأنك سعيد مش مغصوب ياااك."
"هااا.. لا.. يا جدي ولا حاجة.. أمرك."
"طب يلا.. عايز ليلة من ألف ليلة وليلة.. اليوم فرح أحفاد راشد.. الليلة عيد."
"أمرك يا جدي."
تدور بالغرفة ذهاباً وإياباً، يتأكلها الغيظ. إلى أن دخل هو عليها. اندفعت عليه.
"كيان.. انت فعلاً هتعمل.. زي ما جدي بيقول.. هتجوز بنت نادية دي.. طب وأنا؟ هتجوز عليا."
نفض يدها.. بحدة.. متذكراً فعلتها وما حدث بينهم. تذكره بدناءته. وببرود أجابها.
"آه.. عندك مانع.. وبعدين مالك زعلانة ليه.. تكونيش بتحبيني ولا حاجة."
"انت عارف إن الحب مش في قاموسي.. بس أنا مبحبش حد يشاركني حاجة بتاعتي."
التف بغيظ منها.. ويده حطت على وجهها بحدة.. صارخاً بها.
"أنا مش بتاع حد.. فاهمه.. وأوعي تفكري إني بدخولي عليكي.. هيتغير حاجة."
"أاتجوز.. بس بردو هيفضل قلبك محروق عليها هي.. وبغل أكتر.. عارف أنا ببقى مبسوطة.. وأنا شايفة كدا حزين ومحروق قلبك.. وانت لا طايل سما ولا أرض.. ولو رجع بيا الزمن تاني كنت قتلتها قدامك وشفيت غليلي.. سنين عايش على ذكراها.. كأنها محور الكون.. وانت شهريار.. اتجوز غيرها.. المهم مش هيااا.. المهم أشوفك متعذب كدا."
دفعها بيده.. صارخاً بها.
"غوري.. انتي إيه شيطان.. شيطان.. أنا إزاي كنت معمي على عيني وعملتك اختي وحكيتلك.. غوري."
تقف بتلك الغرفة المظلمة.. تحاول وتحاول.. لا تستطيع. خارت قواها وارتعش جسدها.. وفشلت في إلقاء تعويذاتها عليهم.
"هقتلكم يا أولاد نادية.. هقتل نسلكم وسلسالكم."
استمعت للطبل والزمر.. معلناً بدء الاحتفال.. وضرب النار.. آتٍ من الخارج. وضعت يدها على أذنيها صارخة بشيطنة.
"أحضروا.. أحضروا."
ارتعش جسدها من فرط المحاولة.. وغابت عن الوعي.
مساء.. بعدما رفضت فريدة النزول للاحتفال.. وأجبرت سلمى على النزول.. تم كتب الكتاب.. ووقعت هي ولم تلحظ على ماذا وقعت. قلبها يؤلمها على أبنائها.. دموع عينيها غلبت عليها.. ستقتلهم جميعاً.. إن حدث لهم شيء.. حتى حينما أخذهم والدهم منها.. هناك لم يطول فراقهم هكذا لثلاثة أيام. بكت وبكت.. وسالت زينة عينيها.. التي وضعوها لها جبراً. لم تلحظ أن صوت المزمار الآتي من الأسفل أغلق منذ فترة. أفكارها الشاردة.. البعيدة.. بأبنائها فصلتها عمن حولها. هي هنا بغرفة أخرى.. يدعي زوجها.. وأين هم؟ لم تلحظ باب الغرفة الذي فتح وطل هو منه باحثاً بعينيها عمن أصبحت زوجته.. ابنة عمته التي أوصته عليها مراراً وتكراراً.
وجدها تجلس بجانب الفراش أرضاً ترتدي الأسود وشعرها الأسود.. كملابسها يغطيها.. تخفي رأسها بين قدميها. تنحنح.. فرفعت رأسها.. وياليتها ما رفعت. جحظت عيناها.. وكذلك فعل. ارتد بصدمة للخلف.. مبتلعاً حروف اسمها بجوفه. مرت دقائق ومعها اشتعلت حرب النظرات. أحدهما مشتاق.. وأخرى حاقدة كارهة. اقترب منها لا يصدق عينيه التي تبصرها.. هي.. هنا.. أمامه. دار بعينيه بجوانب الغرفة بصدمة. هي هنا بالفعل.. عيناها الجاحظة الغارقة بدموعها.. عيناها.. واه من عيناها.. هل يخطئها يوماً؟ هي.. فريدة.. فريدته هو.. ابتلع ريقه.. بصعوبة.. بفرحة يملؤها الغصة.. بعد تلك السنوات.. وذلك الفراق.. الطويل.. عمراً طويلاً.. طويلاً جدا.
تيبست قدماه وصدمته هي.. باندفاعها إليه.. تهزه.. بحدة.. تضربه بكل قوتها.. تستقوي على قلبه وتغرز به سبابتيه.. تصرخ به بأناتها وعذابها.
"فين ولادي.. ولادي يا كيان.. هقتلك يا كيان لو مرجعتليش ولادي."
جحظت عيناه بصدمة بعدما ربط الخيوط أخيراً ببعضها. هي.. فريدة تلك.. كفريدة هذه.. تلك التي التقطت سلاحها ببراعة من بين ثنايا ثيابها.. تهدده به.. حبيبته.. الغائبة.. وزوجته.. رفعت يديها وأصابت هدفها.. بمهارة.. مهارة شديدة.
يا غائبة.. يا عائدة.. يا عمراً راحلاً وعمراً آتياً.. يا وهج من نار عاد لاهباً. أقسى.. افتعلي بقلبي جرحاً دامياً.. إن كان قتلي.. بيديك يرضيك.. فأنا يا عمري راضية.. راضية.
رواية رحماك الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسما السيد
يقف ينظر لها بصدمة مما تفعله. لقد أتى ليصطحبها بعدما انتهى الاحتفال. دفعت يده بحده وصعدت مهرولة. لم تترك له مجالاً للحديث. والآن يقف ينظر لما تفعله بصدمة. أتلك سلمى الخجولة؟
خلعت برقع وجهها التي كانت تضعه بالأسفل، وأمام النسوة ألقته أرضاً. وتبعته بحجابها. والتفت صارخة به.
فرجع للخلف بصدمة.
سلمى بصراخ:
أوعي تفكر أنك كدا هتعمل راجل عليا وهسيبك تتمسخر وتقلل بيا. لا فوق. أنا اتجوزتك بس عشان خاطر فريدة ولادها يرجعولها. انت ولا شيء بالنسبة لي.
جز على أسنانه بغضب واقترب، مغلقاً الباب خلفه بسرعة. خلع عمامته وأخذ نفساً طويلاً يهدئ به نفسه. لن يخذل جده مرة أخرى. لقد وعده أن يكون صبوراً هيناً ليناً معها.
اغتاظت من سكوته ولا مبالاته. اقتربت بغيظ منه، ضاربة إياه بقبضة يدها على ظهره الذي يعطيه لها ببرود.
أنا بكرهك يا فهد، بكرهك.
إلا... هنا وكفى.
أستدار مسرعاً، مقلباً الأدوار، مختطفاً إياها بين ذراعيه. متحدثاً من بين أسنانه، تقتله باعترافها بكرهه.
صرخت به:
سلمى: ابعد عني يا فهد، مش طايقاك.
فهد بغصة:
مش طايقاني يا سلمى؟ بتكرهيني؟
سلمى بصراخ:
بكرهك، ابعد عني يا فهد، سيبني. انت آخر واحد كنت أفكر أتجوزه.
كتم صراخها بهمسه الضائع.
فهد:
وانتي كل اللي اتمنيته يا سلمى.
سلمى بغيظ:
كذاب. أنا مش هسمحلك تعملني خدامة لست سمر بتاعتك. مش هسمحلك.
فهد بصدمة من فكرها:
أهكذا تراه؟ خدامة؟ انتي مراتي يا سلمى، مرات فهد سويلم. انتي وبس. لا كان في قبلك ولا هيبقى في بعدك.
حاولت أفلات نفسها من قبضته ولم تستطع.
سلمى:
ابعد عني يا فهد، ابعد.
تركها بوجع وقلبه يتمزق من كلماتها التي تغرس في قلبه جروحاً دامية. أيلومها؟ هو من أوصلها لهنا، لتلك المرحلة. دارت حرب النظرات بينهم، نادم هو، وكارهة هي. قطعها عليهم فتح الباب بقوة. وطلت هي.
ارتعشت يداه وتيبست قدماه وهو ينظر لها. هي أمامه، وهنا زوجته وحبيبته. لم يتحدث هو وتركها لتخرج أناتها وعذاباتها من الدنيا به. إن لم يتحملها هو ويتحمل صراعاتها، فمن سيتحمل؟
يداها التي ارتفعت ممسكة بسلاحها، تصوب ناحية قلبه. يدها التي قبلها مراراً، يخبرها بقبلاته أنها كل دنياه. تريد قتله بها. إذن، فلتصوبي برصاصة الرحمة يا كل دنياي.
فريدة:
هقتلك يا كيان.
كيان بوجع:
لو هترتاحي يا قلب كيان، والحقد اللي شايفه في عيونك هيزول وييجي مكانه حنان الدنيا اللي كان في عيونك. اقتليني وأنا راضي.
فريدة بصياح:
سيبك من الأسطوانات اللي ضحكت عليا بيهم زمان. بطل كذب، بطل تتغنى بالحب. عشان كرهته وكرهت سيرته.
ابتلع غصته بحلقه ورفع كفه يحركها بعصبية على وجهه في محاولة بائسة منه لكبت دموع عينيه.
تنهد بوجع وهو يلمحها تعد العدة لتصيب هدفها. فتح ذراعيه لها، يرحب برصاصتها. هطلت دموعه ولم يعد يسيطر عليها. لا داعي لإخفائها بعد الآن. لطالما كان ضعيفاً بهواها. وهي تعلم. إذن، أخرج صوته أخيراً.
كيان:
اقتليني يا فريدة.
اقترب منها ممسكاً بيدها بحده، واضعاً سلاحها على صدره. وبوجع أكمل:
اقتليني يا فريدة. يمكن ترتاحي كده. يا قلب كيان، ونارك تبرد. يالا اقتليني.
ابتلع غصته، وأكمل راجياً:
اقتليني وريحي قلبي، يمكن يلاقي هناك الراحة.
صرخ بها مجدداً:
اقتليني.
أزاحته بيدها بغلظة وقوة. ارتد على أثرها للخلف ورفعت سلاحها وصوبت بقوة. وأصابته فأردته قتيلاً.
يقف مستنداً بجسده على غرفة المشفي. يجاوره أخيه. بخزي كلاهما لا يتحدثان، شاردان بفضيحتهما الكبرى. وحدها والدته النادبة من تصرخ بعلو صوتها. لم يعد يحتمل.
التفت صارخاً بها:
اسكتي بقي، كفاية صويت وقرف. فضحتنا. انتي السبب في كل ده.
صدمت أمه واصفر وجهها بخوف من نبرته. هي لا تخشى أحداً، حتى زوجها لم تخشاه يوماً. وحده هو من تخشاه وتخشي حدته. رجعت ومثلت البكاء.
الأم:
أنا يا عابد؟ أنا السبب في إيه يا ابني؟
عابد بقرف:
بطلي تمثيل شوية. الدور دا معدش لايق عليكي. أيوه انتي السبب. خليتك تبخي السم في ودن بنتك وادي النتيجة. بنتك كانت حامل وانتحرت. وفضيحتنا بقت على كل لسان.
وبقرف أكمل:
انتي إزاي مش مقدرة حجم المصيبة اللي إحنا فيها؟ بنتك الشباب بيشير فيديوهاتها. ولا كأنها ممثلة بورنو. انتي إيه يا شيخة؟ انتي إزاي كدا؟ ذنبه إيه أبويا في اللي جرى؟ مبسوطة دلوقتي؟ كان ممكن بدل ما تعلميها الشر وتغذيها بيه، تنتبهي ليها شوية. دا حتى كنتي بتمنعيها تكلمني. كأني عدوك مش ابنك. بلاش الشويتين دول يا أمي. انتي ميهمكيش حاجة غير الفلوس وإنك تبقي فوق الكل.
لمعت عينيها بغل ونظرت لابنها الآخر. نظر لها بكره جديد عليه وأدار وجهه. خرج الطبيب.
فجرى عليه بلهفة:
أحمد، بلهفة: بابا عامل إيه يا دكتور؟
نكس الطبيب رأسه بخزي متمتماً:
البقاء لله يا جماعة. مقدرناش ننقذه يا جماعة.
بالمزرعة.
عدنان:
يا عدنان، يا ويلك مني يا عدنان.
عدنان وهو يرتدي ملابسه بسرعة:
يا وجعه مطينة بوكي مش ناوي يجبها البر يا ساجدة؟ معرفش ألم عليكي.
ساجدة بضحك:
بااه يا عدنان. هم افتح لابوي لاحسن انت خابره.
اقترب هامساً لها:
فوتيه يدك. بوكي راح يضل قاعد الليل كله ومهعرفش أتلم عليكي يا جلب عدنان.
ساجدة بخجل:
اتلم يا عدنان وافتح.
اقترب أكثر محاوطاً إياها بذراعيه، ساحباً إياها لدوامته التي تعشقها هي. فاندفع هو بالباب ممسكاً به بالخلف من ثيابه.
وهدان:
يا ويلك يا عدنان. عم تبوس بتي يا فجران.
عدنان بصدمة:
بتك مرتي يا خالي والله مرتي.
وهدان:
غور جبر يلمك.
عدنان:
كسرت الباب يا خال. شكيتك للرب. يمهل ولا يهمل.
وهدان:
بيتك خربان. همي يا بتي اليوم تونسي بيت بوكي العمران.
عدنان بصدمة:
ساااجده. لوين رايحة؟
نظرت له بقله حيلة. فتمتم بغيظ:
منك لله يا خال.
دفعت الباب بحده ودخلت عليهم. كانت بالقاهرة ولم تستطع اللحاق به.
سمر بحدة:
اتجوزتها يا فهد؟ اتجوزت دي؟
نظرت باتجاهها، ولمحت طلتها المهلكة بتلك الفستان الذي يفصل تفاصيلها ببزخ جسدها المرسوم بإغراء، وعينيها المزينة، ويبدو أنها تخلت عن نظارتها الطبية بعدسات لاصقة. شعرها الذي يهفف خلفها ووقفتها الواثقة تنظر لها بسخرية وانتصار جعلتها تهتز داخلياً خوفاً منها.
اقتربت سلمى منها ببطء، تتفحصها هيئتها المتبرجة بسخرية.
سلمى:
مالها دي يا حلوة؟
مدت يدها وأمسكت بشعرها بقوة.
سمر بصراخ:
شعري يا غبية! انتي اتجننتي؟
سلمى بغل:
اتجننت فعلاً لما سمحتلك السنين اللي فاتت تطولي عليا يا حشرة. لو انتي فاكرة إني سلمى الضعيفة بتاعت زمان، فأنا بقولك أهو، إنسي.
نظرت له وهو يقف ينظر لها بصدمة وعين جاحظة. وبسخرية أكملت:
زعلانة عشانه أوي.
دفعتها بيدها تجاهه فارتمت بين ذراعيه.
سلمى:
خديه أهو. انتي وهو لايقين على بعض. ميشرفنيش أبقى مراته. أنا مفرطالك بيه. يالا بره انتوا الاتنين.
سيطر على صدمته وأزاح سمر بحده، صارخاً بها:
سلمى! انتي اتجننتي؟ بتسلميني لغيرك يا مجنونة؟
صوت ضرب الرصاص جعلهما ينتفضون ذعراً.
أغمض عينيه بسعادة يستقبل رصاصتها بصدره. فجأة دفعته بيدها بحده وأصابت هدفها، بعدما لمحته يقترب منه مسرعاً. صدمت من هيئته، كان ثعباناً أسود يشبه ظلام الليل.
صرخ بها بصدمة:
فريده! حاسبي يا فريدة.
ارتعشت يدها بعدما أصابت واحداً. وانتبه هو للآخر الذي يقترب منها مسرعاً، وكأنه مسلط عليها. حاوط خصرها مسرعاً وانتشلها بين ذراعيه. وخطف سلاحها وبسرعة البرق كان أرداه قتيلاً.
مرت دقيقة عليهم بحالة صدمة وذهول، إلى أن استشعر أين هي. قربها من أحضانه مستنشقاً عبيرها الذي افتقده. هامساً باسمها بلوعة.
كيان:
فريدة.
انتبهت لوضعها وغصباً عنها استسلمت لدفء أحضانه. هامسة بدموع:
عاوزة ولادي يا كيان، أرجوك.
كيان بابتسامة حزينة وغصة بحلقه:
وحشتيني يا قلب كيان، وحشتيني أوي.
انهمرت دموعها بصمت. ومرت ذكرياتها معه أمام عينيها. ابتعدت مسرعة عنه بعدما اقتحم الجد بلهفة الغرفة وخلفه الجميع.
الجد بلهفة:
انتوا مناح؟ ليش ضرب النار ده؟ دار بعينيه بالغرفة. في إيه يا ولدي؟ طمن جلبي.
كيان:
أبدا يا جدي. كنا بنموت ال...
والتف يبحث عنهم. لم يجد شيئاً.
كيان بذهول:
إيه دا؟ كانوا هنا.
فهد بعدما أتى مسرعاً وخلفه سلمى:
في إيه يا كيان؟ ومين دول اللي كانوا هنا؟
كيان بصدمة وهو ينظر لها:
كانوا هنا؟
فريدة وهي تنتبه لما يقوله. بحثت بعينيها ولم تجد شيئاً. حتى أثر الدماء لا يوجد شيء. تأكد حدثها. ونظرت لأختها التي اندفعت لها واحتضنتها بنظرة يعلمها جيداً.
دخلت هي وخلفها ابنتاها.
سلوي بسخرية:
في إيه هنا؟ ولا العروسة قتلت العريس؟
رفعت نظرها ووقعت عينيها بعينيها التي تنظر لها بسخرية. فصدمت وارتدت للخلف، مرددة بصدمة:
فريدة.
سمر من خلفها:
انتي تعرفيها؟
سويلم بحدة:
فضونا منها اللمة دي. ما دام مفيش حاجة اهنه. يالا يا مرة منك ليها انجعي من اهنه.
اقتربت زينب من فريدة غير مهتمة بصياح زوجها.
زينب بفرحة:
انتي فريدة بت نادية؟ تعالي في حضني يا غالية يا بت الغالين. أني عمتك اخت بوكي.
انتشلها سويلم بحده:
جولتك يالا بلا دلع ماسخ، بلا جلة حيا.
الجد بحدة:
شيل يدك عن مرتك يا سويلم لا أقطعهالك. أني لساتني عايش مموتش.
صاح بهم:
برا كلياتكم برا.
خرج الجميع وبقيا هما. نظر الجد لسلمي بحدة.
الجد:
ليش لساتك اهنه يا سلمى؟ وفايتة جوزك؟
سلمى بغيظ:
لا معلش يا جدي. لحد هنا والتمثيلية دي انتهت. جواز واتجوزنا، أظن آن الأوان ترجع سليم وسيليا.
الجد:
ومين جالك إنهم مرجعوش يا سلمى؟
فريدة بلهفة:
تقصد إيه؟ ولادي فين؟
الجد بحنية لم يستطع إخفاءها أكثر:
جربي يا فريدة. تعالي.
نظرت لأختها بتوتر. فأومأت سلمى لها. اقتربت فسحبها مقبلاً رأسها بحب.
الجد:
نورتي دارك يا بت الغالين. ولادك بالحفظ والصون.
فريدة بلهفة:
عاوزة أشوفهم، أرجوك.
الجد بابتسامة:
طب سندي جدك العجوز ده وتعالي وياي.
ابتسمت بسعادة وسارت بجانبه، بعدما رمقته بطرف عينيها ولمحت شروده. جرت خلفهم. فاستدار بحده لها.
الجد:
على غرفة جوزك يا سلمى.
ضربت الأرض بقدمها بغيظ وتأفف.
الجد:
جولت عاودي يا سلمى.
بالأسفل. بوكر الشياطين.
بعيون دامية وصوت مخنوق:
جتلتيه يا جادرة.
ألقت تعاويذها ولم تفلح. مرة، اثنتان. أنهت تحضيرها واقتربت تضرب رأسها بالحائط بشيطنة.
أنا وياكي والزمن طويل يا بت نادية. بس أوصل للي عملكم النحزيطة دي وأخلص عليكم.
وصاحت بشيطنة:
عااااااا.
انتهت الدفنة ووري جسد والده التراب. انتهى اليوم وبقي هو وأخيه وأمه الصامته الجامدة.
الأم:
هي الست المحروسة مراتك مجتش تاخد بخاطري ليه؟ ولا إحنا منشرفش.
عابد بسخرية:
إن جيت للحق، انتوا فعلاً متشرفوش.
روان بحدة:
الزم حدودك يا عابد واعرف بتكلم مين.
عابد وهو يستقيم:
لا وعلي إيه يا ست روان؟ أنا فتهالك بحالها. اشبعي بيها. اللي كان ليا هنا راح خلاص.
روان باستهازاء:
والورث ملكش فيه.
عابد بسخرية وهو يرمق أخاه بقرف:
فتهولك الله الغني. سلام.
روان:
في داهية.
وفرته.
أحمد:
إيه اللي عملتيه دا؟
روان:
عملت إيه؟ كوشتلك على الورث أهو.
الأم:
ورث إيه يا أم ورث؟ وانتي إيه دخلك انتي عشان تتكلمي عن الورث؟
اندفع أحمد بقرف من مجلسهم وحديثهم وصوتهم التي بات يبغضه. فاقتربت هي من هاتفه عابثة به.
روان:
تعالي تعالي قربي. متخافيش. هفرجك على حاجة إيه طازة.
الأم:
حاجة إيه؟
وجهت هاتفها لها. ثوانٍ وانصدمت مما ترى.
الأم:
إيه ده يا نصيبتي؟ يا نصيبتي.
روان بضحكة مستهزئة:
هااا. إيه رأيك؟ انتي وبنتك تبقوا فضيحة الموسم.
الأم بخوف ورعشة:
طلباتك؟
روان:
شاطرة يا طنط.
الأم:
عاوزة كام؟
روان:
النص.
جزت على أسنانها بغل:
يلهووي. دا كتير.
روان:
مليش فيه نص منك ومن أمل ومن عابد. كل اللي هيطلع لكم يبقالي فيه النص. وإلا بقي انتي عارفه.
قائلة:
أوامرك.
خلعت ثياب المشفي بعدما أتى عابد ليطمئن عليها. صمته يقتلها. عتاب عينيه يذبحها. لقد جلبت لهم العار. موت والدها غاضباً عليها يدمي قلبها. لقد فقدت الجنين وانزاح حمل من عليها بعدما حاولت الانتحار. ستذهب من هنا. لن تستطيع. غيرت ثيابها ببطء من وجع يدها التي قطعت شرايينها بها. الدوار مازال يداهمها. ولكن لتتحامل قليلاً وتخرج من هنا. هنا ماضيها الأسود. انتهت. ونظرت لسيغتها التي مازالت ترتديها وحمدت الله عليها. وعلى بعض الأموال التي تركها عابد بحوزتها. خرجت تمشي رويداً. والحمد لله لم يكن أحد بالطرق. زفرت براحة والهواء يلفح وجهها. طريقها طويل بائس. ولكن إلى أين ستذهب؟ لمعت الدموع بعينيها وانطلقت لمحطة القطار. انتصف الليل عليها هنا ولا أحد. بعدما استقر القطار بمكان لا تعلمه. لمحت بعض الشباب آتياً باتجاهها. ارتعشت بخوف من منظرهم. لمعت عيونهم بمكر كالثعالب أخافتها وعلمت فحواها. جرت وجرت. ومازال دوارها يعوق حركتها. لمحتهم خلفها. فبكت وانهمرت دموعها. صائحة بوجع:
يا رب. أنا غلطت كتير بس والله مش وحشة. أنجدني يا رب.
تسلل اليأس لقلبها. وبعقلها تأكدت أن هذا عقاب الرب. لتستسلم. ومن بين دوامتها امتدت يد خفية لتنتشلها. رفعت عينيها واصطدمت بعيون تشبه سواد الليل. ارتعش جسدها. وغامت عيناها. راحلة لطريق لا تعلمه.
أخيراً استمعت لخطواته الصاعدة وصوت قفل الباب يفتح. هي إذن يسكن قلبها ويهدأ من صوت مفتاحه. اقتربت بلهفة من الباب الذي فتح.
عابد:
عابد.
فتح ذراعيه لها بحب وحنان. هامساً بابتسامة:
قلب عابد.
ارتمت بداخل أحضانه بسعادة طفلة بثياب العيد. شددت من احتضانه وفعل هو. همست بأذنه.
ياسمين:
وحشتني أوي. أتأخرت عليا.
شدد من احتضانها وسار بها ناحية الأريكة. أجلسها على قدميه مجيباً على همسها.
عابد:
انتي وحشتيني أكتر.
رفعت وجهها بابتسامة ورفعت يدها تتحسس لحيته. تهمس له بحزن لحزنه.
ياسمين:
حزين؟
أغمض عينيه مستشعراً دفء يديها. مجيباً بإرادة منه.
عابد:
أوي. حزين أوي يا ياسمين.
انهمرت دموعها وأحكمت ذراعيها على رأسه وقربتها لأحضانها كما يحب هو. كما أخبرها تلك الليلة أن تأخذه بأحضانها هكذا. مقبلة رأسه وجبته. هامسة بحنان.
ياسمين:
سلامتك من الحزن يا قلب ياسمين.
نائمان بعمق بسرير الجد. اقتربت منهم وقبلتهم بحنان. اقترب الجد منها مطبطباً بيديه على ظهرها بحب.
الجد:
أظن أن الأوان يا بت الغالية تيجي في حضن جدك.
رفعت نظرها لها واندفعت محتضنة إياه بحب.
الجد بحب:
وحشتيني جووي يا جلب جدك. شبها الخالج الناضج. كني شيفها جدامي.
ضحكت ودموعها تغرق وجهها.
فريدة:
قول بقي إنك اشتقتلها.
ضحك بسعادة وجلس وأجلسها بجواره. يحكي لها وتحكيله. مرت ساعة، اثنتان. مر الوقت ولم يشعرا.
الجد:
يالا يا بتي روحي على أوضتك. وزي ما اتفجنا.
فريدة بتردد:
بس يا جدي.
الجد:
اعملي اللي جولتلك عليه يا فريدة. ريحي جلبي يا بتي.
وبغيره أكمل:
وشوفي جدك العجوز أجوي ولا الراوي.
ضحكت على غيرته من الراوي. واقتربت تحمل أطفالها.
الجد بلهفة:
لاه. لاه. من اهنه ورايح. مهيفرجونيش واصل. بعدي يدك عنيهم.
فريدة بغيظ:
ياسلام. دول ولادي. بقدرش يناموا بعيد عني. مش كفاية حرمهم مني بقالهم 3 أيام.
الجد بغيره:
بعدي يدك يا فريدة. ويالا انجعي من اهنه.
فريدة:
يا جدي، بس.
الجد:
جولت انجعي جبر يلمك.
وضربها بنبوته. فرت من أمامه مسرعة. ونظر هو لغنيمته النائمة.
الجد:
جال تاخدكو مني جال. انتوا حبايب جدو. انتوا.
غيرت ثيابها بأخرى مهلكة مثلها. ابتلع ريقه وهو يرمقها بشوق لقربها. رفعت نظرها له ورمقته بأخرى ساخرة. نفخت خدها وصاحت.
سلمى:
ممكن تقفل النور ده عشان ننام. ولا حرام.
فهد بغيظ:
متعليش حسك يا سلمى. عليا.
سلمى بغيظ:
عاوزة أنام. ممكن؟
فهد بلامبالاة:
متنامي. أنا حايشك.
وخفض نظره لحاسوبه، يعمل بصمت. وضعت الوسادة على رأسها بغيظ تستجدي النوم. ضحك عليها وأغلق حاسوبه واستقام مغلقاً الإضاءة. فرفعت صوتها بتنهيدة.
سلمى:
أخيراً.
أخرسها هو وهو يرمي بنفسه بجانبها على الفراش.
سلمى بصدمة:
إيه دا؟ انت هتنام جنبي؟ ولا إيه؟
حاوط خصرها بقوة، هامساً لها من بين أسنانه:
نامي وانتي ساكتة أحسن أخليكي مرتي فعلاً. ودلوقتي.
سلمى بغيظ:
انخمد.
فهد بضحك:
شاطرة.
دخلت تلك الغرفة التي تركتها على أمل أن يكون ذهب لتلك وترتاح منه. دخلت تبحث بعينيها عنه. فوجدته مازال هنا، جالساً مكانه على الفراش خافضاً رأسه للأسفل. ابتلعت ريقها وهيأت نفسها لآلاف الأسئلة. يبدو أنه قد أتى وقت الحساب. رفع نظره لها بعين دامية. لا يصدق عينيه. دار برأسه آلاف الأسئلة والأسئلة. وسؤال واحد بقي عالقاً. لماذا لم يرى بأنها متفاجئة؟ ماذا يحدث؟ ارتعش قلبه بشوق لها مجدداً وهو يراها أمامه. ولمحات من ماضٍ وعمر فات تلفح ذاكرته. تتعبه وتؤرقه. نظرة منه ونظرة منها. لم يستطع ليحتضنها الآن يشبع قلبه منها ويروي روحه. ولاحقاً سيسألها. وحتماً ستجيبه. تخطته بقدمها ودخلت لقلب الغرفة. هب مسرعاً يلبي نداء جسده الخائن. مد يده مديراً إياها له. صدمت وجحظت عيناها. وصاحت به:
فريدة:
كيـــــــــان. انت اتجننت.
غرسها بأحضانه هامساً بأذنها بحدة:
اخرسي يا فريدة. واحضنيني. اخرســــــي.
ارتعش جسدها وهو يعصرها بذراعيه. جسدها الخائن كجسده يحن إليه. همس بحنين بأذنها:
فريده، وحشتينــي. انتي هنا بجد. ياقلب كيان.
غامت عيناها وتوقفت عليه، وملكا لغيرها. هو خائن. لا شفقة ولا رحمة له. هو باع هواها وكان لغيرها. دفعته بحده، صائحة به:
خايــــــــــــن.
جحظت عيناه بصدمة. ليست هي من تقف بجبروت. ليست هي. قلبه يصرخ به. هي. وعقله يتساءل:
يا قلب حبيبتي أين ذهبت أنت؟ وأين ذهبت تلك الرحمة؟
يا من هواه وجعاً فوق وجعي. خائن أنت وللخائنين أنت علامة. تقترب مني وتغمرني. وبفكرك سأنسى أنا الإهانة. يا وجعاً فوق وجعي. أرحم قلبي العاشق لا يقبل بالذل والمهانة.