بعد شهران، بصلاة الجمعة، بجامعهم القريب، الناس يتهافتون لسماع حلو كلامه، صوته العذب بالقرآن يجذبهم، ينسيهم آلامهم، ويعينهم بحياتهم ومشكلاتهم. كل جمعة يختار إحدى مشكلات أهل الحي، التي يرددونها على مسامعه. هو ليس طبيباً نفسياً لهم، ولكنه يجعل من كلام الله عز وجل طبيباً لجروحهم، يوجههم بكلماته الرحيمة، لتنفيذ حكم الله بمشكلاتهم. هم ضحايا مجتمع اخترع التقليد، وجعله شعاراً لأيامه، يقلدون كل شيء، بلا خبرة، بلا فهم.
واليوم اختار موضوع خطبته، يوجه فحواه لها هي، لعلها تشعر بقلبه وتقبل أسفه. هو مقتنع أن ما فعله هو الصح، وهي لم تعاتبه، ولكن علمه من الخالة ماجدة حزنها، وخيبتها به. لقد فكر بها وبأهلها، لذلك بحث عن أخيها، حتى وجده وطمأنه عنها، وأنها بأمان معهم. لا تربطه به أي صلة غير ذلك الهاتف الذي يجري بينهم كل يومين. رفض كل تدخل من أخيها وطمأنه عنها، هي أمانة ألقاها الله بطريقه ومسؤول عنها. ليس من العدل بحق أهلها، أن تبتعد هكذا
وتجلب لهم العار. لقد فكر بهم وبها. أخوها متفهم، شرح له حالتها ووافقه على ما فعله ويفعله معها. هي تستحق الأفضل، يريدها ملكه متوجة، لا هاربة، ضائعة، لا أهل لها. لو كانت بلا أهل لأصبحت أهله كلهم وأصبح بالمثل لها، لا ينقصها شيء. ولكنه لا يريد أن يغضب الله بها.
واليوم سيلقي كل كلمة لها، سيرميها بها، حتى تشعر بأنها كنزه الثمين، ولا تقلل من قدر نفسها أبداً. هي ملكته المتوجة، وما فات لا يعنيه بشيء. يريد أن تقترب المسافات بينهم، لا أن تتباعد هكذا. كل يوم ترمقه بنظرة معاتبة وهي ذاهبة لمعهدها، وهي ترمي غلاف الشيكولاتة التي يجلبها لها. ما يطمئن قلبه أنها تلتهما كلها، كما تخبره برسائلها له. ولكن نظرتها المعاتبة، تلك النظرة تؤلمه.
وصل أخيراً، واستغفر الله، وبدأ الخطبة كعادته، باسم الله. دخل مباشرة بموضوعها، وأنصت الجميع له. "كلنا خاطئون.. كلنا مذنبون.. في رواية أحدهم.. كلنا نستحق فرصة أخرى." ارتعش جسدها وهي تجلس باهتمام، تستمع لنبرته ببحة، التي تصل للقلب سريعاً، تؤثر بها وتبعث بقلبها الأمن والأمل. صوته الآتي من منبر الجامع القريب، مردداً تلك العبارة بقوة. ارتعدت وهي تستشعر أن خطبته التي يلقيها اليوم موجهة لها هي.
هي تحبه، تعشقه، ولكنها تشعر أنها موشومة بالعار، لا تستحق شخصاً كقاسم. عتابها عليه أنه بحث عن أخيها وطمأنه، مازال قائماً. لقد علمت من عابد أن قاسم رفض أن يأتي لها ليراها، ويظهر أمامها. وعابد احترم رغبته، وشجعها بطريقها الجديد. عابد أخبرها أنه يثق به، لن يظهر بحياتها إلا حينما تتصل به وتخبره أنها تحتاجه. هي ممتنة لقاسم، بأنه طمأن عابد، وأخذ تلك الخطوة عنها. كل يوم تشعر بأنها لا شيء بدونه، كل ما حولها هنا له بصمة فيه.
علمت ما حدث لوالدتها وأخيها، ولم تحزن عليهم أبداً. تفهم عابد لموقفها وعدم تقريعه لها أسعد قلبها. اقتربت ماجدة، تلك السيدة الأربعينية الجميلة التي رحبت بها ببيتها، واحتضنتها بحب. فارتمت بأحضانها تبكي بندم. تركتها تخرج ما بقلبها، لعلها تهدأ وتستكين. إلى أن هدأت أخيراً. "بقيتي أحسن." هزت رأسها بالإيجاب. فابتسمت ماجدة لها بحب. "كل حاجة هتبقى تمام صدقيني." تمتمت بالدعاء خلفها. "يا رب."
انتهت الخطبة، وجلست بشرود بتلك الشرفة التي تطل على الشارع. ومن بين شرودها رفعت عينها وصدمت بعيناه الشاردة بها.
انتهى من خطبته التي يلقيها كل جمعة بالمسجد القريب وخرج لعمله. فتح ورشته ووقف يصارع رغبته بالنظر لشرفتها. كل كلمة أخرجها اليوم وجهها لها. هي لم تكذب عليه، أخبرته منذ فتحت عيناها ذلك اليوم بعد أيام. خبرته بالنفوس جعلته يدرك كم هي صافية بداخلها، جميلة كجمالها العربي ببشرتها القمحية وعيونها البنية التي تلمع كالعسل الصافي بضوء الشمس. وقعت فريسة سهلة لشيطان الإنس، ولكنه لن يكون جلادها. يكفي ما تشعر به. احترم صراحتها وحزنها. هو ليس ذلك المتدين المتزمت ليجلدها ويعاقبها. لقد أصر أن يوجه كلماته تلك اليوم بخطبته لها وهو يعلم أنها تستمع.
"كلنا خاطئون.. وقلبه يسامح." استغفر الله بقلبه، ولم يستطع. يريد لمحها وسيستغفر طيلة اليوم. رفع بصره لعله يلمحها. فاصطدمت عيناه الخجلة، مما يفعله بعينيها الشاردة الحزينة. ابتسم لها وبقلبه كبرت بذرة الحب بداخله لها. وبادلته أخرى حزينة نادمة وكأنها تخبره: "ليتني رأيتك قبلًا... وياليتني لم أفعل ما فعلت." تناسى ذلك واستفاق أخيراً لهيئتها. أين النقاب؟ انطلقت شرارات عينيه، وأخرج هاتفه، كتب على عجل لها. "أين النقاب؟
أخرجت الهاتف الذي أهداه لها، وفتحتها على رسالته، وجحظت عيناها، ومدت يدها بتلقائية لوجهها، وشهقت ودخلت للداخل. لمحها تهرول للداخل، وبعد دقائق وصلته رسالتها. "نسيته، حقك عليا." حك رأسه بحزن، وكتب لها. "هطلبك من أخوكي، أتجوزيني يا أمل. عدتك خلصت، مفيش أعذار." صدمت من محتوى رسالته، وحطت بيدها على فمها بصدمة. أخذت وقتاً كثيراً لتهدأ وكتبت له.
"كلي أخطاء، تملؤني الخطيئة. ليس من العدل أن يقترن اسمك الذي يتغنى به الجميع باسمي." وأخيراً وصلته رسالتها. ابتسم وكتب لها. "جاوبتك اليوم، وسأجيبك دائماً. كلنا مذنبون، من منا بلا خطيئة. أقبل بك، فلا تزايدين على نفسك، ولا تقللي من قدرك." أدمعت عيناها وهي تقرأ أحرف رسالته لها. وكتبت له برعشة بيدها. "خائفة." رد عليها، وسألها. "مما؟ أجابته.
"أن يأتي عليك يوم، وتعيرني بما كنت يوماً. أن ترميني بكلمات قاتلة، وتفتح جروحي بعدما التأمت قليلاً." ابتسم بحزن وأجابها. "جروحك الملتأمة حديثاً، تخصني. معاً سأعمل على أن نمحيها، حتى تصبح لا أثر لها. فهل توافقين بي؟ هل تقبلين بقلبي، ليكون خاصتك؟ علت شهقاتها، ودموعها أغرقت محياها، ورددت. "الحمد لله. الحمد لله يا رب." وأجابته. "موافقة، وكل يقين أن بك ستلتأم جروحي. وهل أستطيع أن أرفض من أهدت على يديه الروح؟
حك لحيته وابتسم بسعادة، مردداً. "اللهم اجمع بيننا في خير." ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ شهران كاملان، منذ صدر قرار الإعدام بحق والدتها، وتم تنفيذه وهي ببيت جدها. منذ تفاجأت ذلك اليوم بوقفته ببدلته الميري أمامها، آتياً لتنفيذ حكم القبض على والدتها، وجحظت عيناها بصدمة، وهي ترفض مقابلته. لا ترد على هاتفها، وحينما يذهب لها، ترفض مقابلته. حظهم عاسر، وهو تعيس بهواها. اقترب فهد منه، بسخرية لحاله.
"مالك يا حظابط؟ جز راضي على أسنانه، ورمقه بغيظ. "مالي، ما أنا كويس أهو." "أوعى حل عنيفهد." بتنهيدة. "بقولك إيه، بطل قرك ده. ما الحال من بعضه يا خويا. سلمى مش راضية تسامحني، وعمتي نادية مقومها في دماغها الـ إيه مفيش جواز إلا لما سلمى تخلص ثانوية عامة."
نفخ راضي سيجارته بغيظ، بتلك البرجولة بآخر أراضيهم حيث كانوا يجتمعون صغاراً، وفرقتهم الدنيا كباراً، ولكن بكل مناسبة يأتون ويجتمعون بها. مجموعة من شباب البلدة بأعمار متقاربة، أكبرهم هو عز الدين وكيان وراضي، يليهم فهد، وآخرون. فرقتهم الدنيا هنا وهنا. "بقولك إيه يا راضي." التفت راضي لكيان الجالس بقرب عز الدين البائس، الذي يرسم بيديه على الأرض اسمها (ڤيرولين) . تنهد ونقل بصره لكيان، باستفسار.
"راضي، تفتكر سعدية وسويلم راحوا فين؟ من ساعة تشريح الجثة ما ظهر وهما اختفوا. مخبيش عليك، أنا خايف ومتوتر، أنت عارف إنهم كتلة شر ماشية على الأرض." راضي بشرود. "هيظهروا متقلقش، خصوصاً بعد ما المعبد اللي كانوا بينقبوا عنه جدك قرر يسلمه لهيئة الآثار." خرج عز الدين أخيراً من شروده، بلهجته الضائعة، بعضاً من المصرية على بعضاً من الألمانية. نفخ فهد. "الله يخليك يا عز، حدد موقفك. يا ألماني، يا مصري."
رمقه عز بحدة. "يا أخي وأنا أعمل لكم إيه، ما أنا بقالي سنين بكلم ألماني. سيبني آخد عاللغة واحدة واحدة." كيان. "سيبك منه يا عز، قول كنت بتقول إيه." أومأ وأكمل. "عاوز أقول إن المعبد ده هيبقى مش سهل فتحه، لازم حد عليم، ولازم انتو تبعدوا من المكان." كيان. "إحنا فعلاً هننتقل للدوار الجديد في آخر البلد. هو بقى تمام."
عز الدين. "تمام، كدا. سويلم وسعدية، كدا هيطمنوا أكتر، وهيحاولوا بكل الطرق إنهم يوصلوا للمعبد وياخدوا الزئبق الأحمر." فهد. "اشمعنا، وإيه الزئبق الأحمر ده يا عز؟
عز الدين بهدوء. "هقولك ليه. الزئبق الأحمر ده، مادة سحرية، تقدر تسخر بيها والعياذ بالله الجن. ومن اللي انتو بتقولوه، واللي سعدية قالته لسحر وسجلته الكاميرات، إن سعدية جندت اللي معاها لسلوي، عشان كده هي دلوقتي واقعة تحت لعنتهم. فلازم الزئبق الأحمر عشان تعرف تجندهم ليها. فهمتوا." "سعدية كدا كدا، هتظهر، ومش بعيد تكون في مكان قريب مننا ومش واخدين بالنا."
كيان. "برافو عليك يا عز، طول عمرك بتبهرني بدماغك، أنت المفروض يا ابني نعمل لك تمثال." راضي. "سويلم وراه راس كبيرة أوي، وهي اللي بتحركه، بس مين، الله أعلم. ده اللي مش قادرين نوصله." فهد. "على كلامكم ده، إحنا لسه في خطر." راضي. "للأسف إحنا فعلاً في خطر. وخصوصاً كيان وفريدة، وعيلة عمتك نادية. سعدية، حطهم في دماغها، وبينهم عداء قديم." ردد كيان بخوف. "ربنا يستر يا صاحبي."
انتبه كيان لعز الدين الشارد بوجع، ولنقشه المستمر باسمها. تنهد وربت على كتفه. "وحشتك..؟ أغمض عينيه بوجع. "أوي." "متقلقش، فريدة شفتها، وبتقول كويسة." نظر له بضياع، وسأله بوجع. "بجد كويسة؟ كيان. "متقلقش، كله هيبقى تمام." ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "يا ماما، يا ماما." ردت نادية عليها. "مالك يا سلمى في إيه؟ سلمى بتافف. "عجبك كده، فهد مجاش وأنا عاوزة أروح أشتري حاجة، وبكلمه بيقولي مش فاضي."
ابتسمت نادية على جنان ابنتها وأخذتها من يدها وأجلستها بجانبها. "سلمى.. انتي بتحبي فهد فعلاً..؟ رفعت سلمى حاجبها لوالدتها بغيظ، وأشارت بيدها على وجهها. "شايفة إيه؟ آه بتزفت بحبه." نادية. "طب لما انتي بتحبيه، رافضة إنكم ترجعوا تعيشوا مع بعض ليه وليه بدالي هنا؟
سلمى بحزن. "خايفة يا ماما، خايفة أعيش وأستقر والحياة تبقى بمبي، وفي لحظة أخسر كل حاجة. أنا نفسي نخلص من العقارب اللي حوالينا دول، وساعتها أنا اللي هجري وأقوله بحبك." نادية. "وافترضي من مسكوش وفضلوا هربانين، هتفضلي موقفة حياتك يا سلمى؟ أنا وافقتك بس على جنانك على ما تخلص امتحانات الثانوية، لأن فهد متيور وأنا عارفة إنه هيعطلك. بعد كده، مالكيش مكان هنا، مكانك في حضن جوزك. فاهمة."
ابتسمت بسعادة، وقبلتها بلهفة. "فاهمة، يا أحلى ماما." جرت وعبثت بشعر تلك الشاردة الحزينة، وخرجت لها لسانها وجرت مسرعة. تردد بغيظ لسمر. "سمر يا أتمه، خليكي قاعدالنا كده."
ضحكت نادية على نقارهم معا، وابتسمت سمر بهدوء وأدارت وجهها للطريق الظاهر أمامها من الشباك. لمحته آتياً بصحبة كيان وعز الدين وفهد، يتسامرون كعادتهم القديمة ويركلون الحصاوي أمامهم. رفع عينيه، فوقعت على عيناها الشاردة الحزينة. همس بشفتيه لها، همسة فهمتها ودخلت لقلبها. "بحبك.. وحشتيني."
كتمت بسمتها وشوقها له. أربعة بجلابيب يصعب التفريق أن هؤلاء مهندسين ورجال أعمال وظباط. ابتسمت بنفسها وسخرت من حالها، وهل استطاعت التفريق بين راضي جبل الجليد وراضي التي تفاجأت به تلك الليلة وهو آتياً للقبض على والدتها. أدارت وجهها، فحطت على خالتها نادية، الجالسة بجانبها. ارتمت سريعاً بأحضانها. تنهدت نادية. "لحد امتى يا قلب خالتك، هااا."
بكت بغلب. "بحبه يا خالته، أنا مش زعلانة إنه قبض على أمي. أمي وأختي يستاهلوا اللي جرالهم. أنا زعلانة من نفسي إني كنت فريسة سهلة للكل يضحك عليا، حتى راضي ضحك عليا، واستغل طيبتي، وخاف يقولي إنه ظابط."
نادية. "متعذبيش نفسك يا سمر، كلنا ما كناش نعرف إن راضي اتخلى عن دور الصعيدي، وكمل تعليمه. مفيش غير كيان وجدك وفهد اللي كانوا يعرفوا، وأنتي كنتي بعيدة عنه. مضيعيش عمرك يا سمر، انسي يا قلب خالتك وعيشي حياتك، اسمعيله، حسسيه إنك باقية عليه."
مدت يدها تربت على بطنها، فرحيه باللي جاي. "إنتوا تستاهلوا تعيشوا مع بعض. آه لو تعرفي بتمنى لمحة من عينين عمك مراد، لحظة واحدة تجمعنا كلنا على ترابيزة واحدة، ونفرح فيها سوا بولادنا وجمعتهم. مضيعيش عمرك يا سمر، راضي قبلك قبل كده، زي ما أنتي وهو عارف أمك إيه، وأختك إيه. فاقبليه وارفعي راسك بفخر ليه. وشاوري وقولي، ده جوزي." عبست بفمها بطفولية. "لا يتأدب الأول. يا خالته."
ضربتها على رأسها بخفة. "مفيش فايدة فيكي. قومي يا أختي لمي حاجتك عشان هننقل الدوار الجديد الليلة. الحكومة هتستلم الدوار ده بكرة." "مجنونة. والله. ده راضي ليه الجنة." ضربت الأرض بقدمها. "اف منكم. أدارت رأسها وجدته مازال واقفاً ينظر لها. همست بدموع. "راضي." وكأنه استمع لندائها، فصرخ عليها. "عيون راضي." لمعت عيناها بالدموع ودخلت مسرعة. ــــــــــــــــــــــــ
نظر لها باستغراب لما تفعله، تدور وتدور خلف نفسها وبيدها ذلك الكتاب اللعين، يقسم أنها لا تفقه به شيئاً. ظالم من أدخلها ثانوية عامة. ابتسم على جنانها، وسألها. "مالك يا ياسمين، عمالة راحة جاية كده ليه؟ نطرت الكتاب خلفها، واقتربت منه، تهمس بوداع. "بودي." رفع حاجبه لها بمكر. "مادام فيها بودي والكلام ده، يبقى نصيبه. عملتي إيه يا مرات بودي." حملت حاسوبه من على قدميه وأبعدته عنه. "إيه ده بقى؟
نظرت له بعداء، وكأنه أخذ إحدى ممتلكاتها، وقالت. "مكاني." سألها بسخط. "مكان مين، يا أختي؟ أشارت بيدها على قدميه. "ده مكاني. أنكر قول مش مكاني. من يوم ما فتحت الشركة دي، واللاب ده واكل حقي، وساكتة. فاض بيا، اف." قهقه عليها، وهمس لها. "يا شيخة، الكلام ده بجد. ده أنا هفلس بسببك. هو انتي بتهننيني على شغل ولا على قاعدة." أكلت شفتيها بأسنانها غيظاً. "اف بقي، أنا عاوزاك ليا لوحدي. مليش فيه."
حرر شفتيها بإصبعه، وهمس لها. "طيب ما أنا ليكي لوحدك، من يوم ما عرفتك، وأنتي قاعدة ومتربعة في قلبي لوحدك. ليه الطمع ليه؟ ها. أوليه تبوظي منظر شفايفك كده. قلت لك ميت مرة ملكيش دعوة بممتلكاتي يا ياسمين، وارحمي أمي. أنا مبقتش عارف أركز في حاجة خالص، غير فيكي." اقتربت بمكر وقبلت لحيته قبلات تعلم مدي تأثيرها عليه. همس بضعف. "ياسمينة، أنتي مجرمة."
وبجرأة اعتادها منها، جرأة علمها لها، وتعلمتها وأتقنتها. كانت هي البادئة بكل شيء، هي البادئة. همس لها. "ياسمينة." فأجابته بإجابتها التي تشعره بالفخر لترديدها كلماته. "كتلميذة نجيبة. عيون ياسمينة." تاه بها وتاهت به. بعد ساعة بأحضانه، مازالت متوترة. لاحظ توترها، ومد يده وأخذ لوح الشيكولاتة الموجود بجانبه، فتحه بهدوء وأطعمها منه، تشاركا به كالعادة حتى أنهماها معاً. همس بجانب فمها، وهو يمسح الباقي بشفتيه.
"شبيك، لبيك، عابد سامعك وملك إيديك." وضعت إصبعها تحت أسنانها تعض عليهم بتوتر. وهمست. "عابد." ابتسم، وخبأ ضحكاته المجلجلة عليها. هو يعلم ما تود قوله، لقد رآه بالمرحاض. يعلم أنها خائفة منه، لقد حذرها، وهي كالعادة، أطاحت بتحذيراته ورمتها عرض الحائط. تمتم. "ممممم، قولى يا قلب عابد، عاوزة تقولي إيه." أخذت نفساً عميقاً، وابتسمت بخوف. "عابد أظاهر كده، والله أعلم، وربنا يكذب ظني، إني يعني.. إني يعني.."
رفع حاجبه لها. "علقِتِ يا ياسمين." "انتي إيه يا قلب عابد؟ "إني حامل." سكت وسكتت وهي تنتظر أي رد فعل. يكبت ضحكاته عليها. الغبية تحسبه لا يريد أطفالاً منها، ولكنها كان يريدها تنهي امتحاناتها أولاً. والآن ماذا سيريد أكثر؟ يشعر بأن الدنيا لا تسعه من الفرحة، ولكن ليربيها أولاً. نظف حنجرته، وسألها. "هسألك سؤال وحيد." ردت بخوف. "إيه هو؟ "كنت بتاخدي الحبوب اللي جبتهالك يازفتة؟ هزت رأسها بالرفض. "لا."
جز على أسنانه، كان يعلم. "ليه؟ "عشان خفت أتخن وأفشل، شكل ما قريت البنات عالجروب. ماهي كتبه، فرميتها." جحظت عيناه من إجابتها الصريحة. "نعم. بنات وجروب. إيه ده؟ "ده جروب نسائي يا بودي، بنتبادل فيه الخبرات، متخدش في بالك أنت."
جز على أسنانه. "مخدش في بالي، إيه ياهبلة أنتِ، هو في حد بياخد خبرات من النت والجروبات، ولا في ست بتنصح ست أساساً بضمير. مش كفاية الأكلات اللي هريتي معدتنا بيها، واللي إيه من عالنت. منك لله يا ياسمين." عبست. "اف بقي يا عابد، اهو اللي حصل." زفر بتعب منها. "مجنونة والله، يا قلب عابد ينفع كده، هتروحي امتحاناتك إزاي دلوقتي؟
شهور الحمل الأولى عايزة دماغ مصحصح، وأنا أقول دماغك راحت فين، أشرح وأهري في نفسي، وأنتي ولا أنتي هنا." عبست. "اف، الله بقي يا عابد، ما أنا بصراحة عاوزة أنام على طول. أنا بحس إن في سحابة بتسحبني للنوم، وأنا بصراحة ضعيفة وبستسلم ليها." قهقه عليها، وأخذها بأحضانه، قبل رأسها. "خديها، كل شيء طالته شفتيه، وتمتم بعتب. عجبك كده، ينفع كده. أربيكي ولا أربي عيالك؟ حاوطت عنقه. "لا مليش دعوة بعيالي، ربيني أنا."
ضحك عليها. "أنتي فعلاً يا ياسمين عاوزة تربية، عشان مش بتسمعي الكلام." ابتسمت وهمست بأذنه. "على فكرة أنا روحت مع ديما عملت سونار، طلعوا توأم." ابتلع ريقه، ونظر لها بسعادة ممزوجة بالخوف عليها، والقلق من مسؤولية جديدة عليه. وهمس بعدم تصديق. "بجد.. بتكلمي جد يا ياسمينة."
مدت يدها وسحبتها ووضعتها على بطنها. "هنا في روحين، حتة منك. عارف نفسي ياخدوا رجولتك وجدعنتك، شعرك السايح وقلبك الطيب، حنيتك، بشرتك، شفايفك، إيديك. عاوزاهم أنت. أنا بحبك أوي يا بودي." ابتلع ريقه، وبلع غصته. أخذها بحضنه بيده اليسرى ومد يده اليمنى يتحسس بطنها المسطحة بها امتلاء قليلاً بحنان. "وأنا بعشقك يا قلب بودي." همست له بحب. "مبسوط." "طاير من الفرح، مش مبسوط بس."
ابتسمت وقربت فمها من أذنه بتلك الأغنية التي تعشق غنائها له. همست له بأذنه بتلك الأغنية التي تغنيها له دائماً، يصحي على كلماتها، وترتمي بأحضانه بسعادة وتشجعه بها له دائماً. "أنا أنا كلي ملكك أنا كل حاجة حبيبي فيه بتناديك أنا أنا مش بحبك الحب كلمة قليلة بالنسبة ليك فرحة جت لعندي بعد عمر من التعب في السعادة اللي بعيشها يا حبيبي انت السبب ضحكتك عقلك جنونك والحنان اللي في عيونك أوصف إيه وأحكيلك إيه معاك بضحك وبفرح
مبقتش خايفة إزاي هخاف، وأنا بين إيديك ساعات بخيالي بسرح قبل ما بحلم كل حاجة ألقيها فيك والسنين هتفوت وتمشي منك أنت أنا مش همل بعدك يا حبيبي عمري شوقي ليك لا في يوم هيقل بقى فرحك وقت حزنك في التعب تلاقيني حضنك كل يوم من عمري ليك." انتهت، وهمست له. "بحبك." "وأنا بعشقك يا أحلى نصيب، أنتي أحلى حاجة حصلتلي في حياتي يا ياسمينة، بحبك يا مجنونة أنتِ." ــــــــــــــــــــــــــــــ
بالمشفى التي تعمل بها كطبيبة أطفال، بسوهاج. دخل يتسحب على أطراف قدميه، واختطفها بيديه. صرخت. "عاااااخص عليك يا كيان، خضتني." رفع حاجبه لها. "خضتني يا كيان، بقي في واحدة تستقبل جوزها كده؟ عموماً، وحشتيني يا قلب كيان أنتِ. إيه مخلصتيش؟ عاوزين نروح." "لا خلصت يا قلبي، ده آخر كشف، بس هنروح نطمن عالبيبي قبل ما نمشي." "ايوا بقي، أوعى كده عاوز أمسي على حبيبة باباه."
هبط لبطنها وقبلها. "إزيك يا قلب بابا، أنا زعلان منك، عشان أنتِ فرقتيني بسرعة عن ماما، وأنا ملحقتش أشبع منها." ضربته على رأسه بخجل. "سافل والله." اقتنص قبلة منها، وهمس. "عيون السافل أنتِ." ـــــــــــــــــــــــــــ "إيه اللي بتجوليه دا، يا بتاعة الودع. عدنان لا يمكن يخوني. ابعدي من أهنه."
لملمت ودعها، بعدما ألقت بأذنها السموم، وفي عقلها. "ليلة سعيدة عليك يا عدنان، عشان تبجي تفضلها على، إني عشت رحاله بين الجبايل، من وين ما تروح أروح وراك، وبرديك مافيش في جلبك إلا ساجدة. وحياتي لخليها تفوتك وتجي تسترجاني إني." نظرت لها بخبث. "بشوجك يا ساجدة، إني جلتلك الودع إيش بيجول، جوزك بيخونك مع مالكة الغزية، ولو مش مصدجة الودع، اليوم روحي شوفي بعيونك بفرح بن الهوارة، فوتك بعافية."
تركتها ورحلت تبتسم بخبث. "هانت جوي يا عدنان." اقتربت عزيزة منها، زوجة وهدان. "اوعاكي تصدقيها، بتخربي بيتك، وبتهدميه يا ساجدة. الودع ده بدعة وضرابة الودع، بت مش سالمة، شكلها هتجرجرك لنصيبه." ساجدة بحيرة. "خايفة يا عزيزة."
ضربتها عزيزة على رأسها. "انتي غبية يا بت، خايف من إيش. عدنان، اللي ما همه حدا، واتغزل بيكي بوسط الجبيلة والجبائل، بيخونك، والله إنك بجرة. وأني بنفسي هروح للراوي وأشكيله. البت دي وراها نصيبة ولازم نخلصوا منها." ساجدة. "لاه، خلص، إني مهروحش. إني مصدجة عدنان، بس لازم أحكيله اللي صار."
عزيزة. "عفارم عليكي يا ساجدة، يلا همي روحي اعملي الوكل لجوزك، زمنيته راجع هلكان. جوزك ما بيستحق البطران، بكفياه اللي بيشوفه على إيد وهدان." ساجدة بابتسامة. "مانتي اللي مش مسيطرة يا عزيزة، جُلنا هتلميه، صار أعند من الأول." عزيزة. "فوتيني يا ساجدة، الله لا يسيئك، متفكريني ببوكي، بيعند كيف البغال. كان يوم مطين يوم ما اتجوزته." ضحكت عليها، وتركتها ورحلت. تتمتم. "ربنا يهديك يا بوي. ويعمي عينك عن ابن الخال."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ طرق الباب بهدوء. قلبها يرقص طرباً لرؤيته. استندت على الباب حتى فتح لها. هنا بالعماره التي يسكنون بها، عابد وياسمين بالأعلى، وهو أسفلهم، وهي أسفل منه هي ووالدتها وأختها. فتح لها بهدوء. وجدها هي. ابتسم بسعادة لها وهمست بخجل. "أزيك النهارده يا أحمد." همس بهدوء وفرحة. "تمام، ازيك انتي يا دينا؟
(دينا شقيقة ديما الصغرى، بكلية آداب. عشقت أحمد منذ التقطه ذلك اليوم بعد عودته من المشفى. تعلم قصته كاملة ولأنها تدرس علم النفس تعذره. أحبته، وعشق فاضح. الجميع يعلم به) "أنا كويس، معلش مش هينفع أقولك اتفضلي." ابتسمت بهدوء، ومدت يدها له بطبق من الكيك الذي يحبه. "تفضل أنا عملاه مخصوص عشان أنت بتحبه."
ابتسم لها ومد يده وأخذه منها. "تعبتي نفسك يا دينا، مع إن بصراحة أنا بعشقه من إيدك. وياسمين الحمد لله فاشلة مبتعرفش تعمل حاجة." قهقهت عليه. "فعلاً ياسمين اللي قالتلي أعملهولك. هي بصراحة حاولت، وكانت هتحرق البيت. فعابد حلف ماهو معمول في البيت تاني." ضحك وهو يتناول إحدى القطع، ويمضغها باستمتاع وسعادة. "تسلم إيدك يا دينا. الكيك تحفة." "بالهنا والشفا يا أحمد. عن إذنك بقى." نظر لها وهي تهبط بحب، وبفكرة ستستدير الآن. "١٢٣."
استدارت له. وهمست. "أحمد، أوعى تنسى علاجك." ابتسم بحنان لها. "مش هنسى يا دينا." مدت إصبعها بتحذير له. "أوعدني." ضحك ولمعت عيناها. "أوعدك يا دينا." دخلت فالتقطتها أختها، تقلدها. "أوعدني يا أحمد." نطقت والدتها. "تماشي أختها. "أوعدك يا دينا." ضربت الأرض بقدميها، وتمتمت بغيظ. "اف منكم. قلت لكم متتسنطوش عليا." رفعت يدها للأعلى. "يا رب قرب البعيد بقي. ويشفيك يا أحمد يارب." ديما بسعادة. "احنا واقعين، واقعين."
دينا. "أووووي أوووي. بحبه يا ديما، قوليله بحبه." ديما بحب. "أحمد إنسان جميل من جوه، ربنا يسعدكم يا دينا. مبسوطة إنه لقي الحب الحقيقي. بس نخف هااا، مبنعرفش ننام بالليل من تكتكت التليفون والرسايل." رفعت يدها للأعلى بلهفة. "ياااااارب، ريحني منهم بقي، وجوزني احمد." قذفتها أمها بأحدي المعالق. "واقعة. يا بت اتقلي، قرفتينااااااه. اف منكم، حرام عليكم بجد." ــــــــــــــــــــــــــــــ
"يا بعيد، بدعي من قلبي، تفضل هنا جنبي. تقرب المسافات وتنتهي المتاهات. العمر بيعدي، أفضل هنا جنبي. العمر زي القطر، بيفوت ويجري. قرب، الوقت بيعدي، بناديك ما تسمعني. يا بعيد، قرب بشوق ضمني، انسى اللي فات حسني. أنا وانت روحنا في بعض. قرب ننسى اللي فات والبعد. نصرخ نقول للدنيا، يا حبيبي أنا وانت لبعض."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!