الفصل 25 | من 27 فصل

رواية رحماكي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم أسما السيد

المشاهدات
19
كلمة
6,681
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

بعد أيام. فريدة: ـ ها، نعم، قلت لك لا، مش هينفع، هي كويسة وخلصنا. نظر لها بغيظ، وزفر: ـ ما فيش فايدة فيكِ، قلت لك حطينا بعض بأوضة واحدة، ما عندكيش قلب أبداً. نظرت له بغيظ: ـ أنا ما عنديش قلب؟ طيب يا نحنوح أنا كنت هعمل فيك جميلة وأخليك في أوضة واحدة، بس غيرت رأيي، أصلاً جدك لو عرف هيطين عيشتك. محمد بصدمة: ـ ها؟

لا جدي لا، أنا هسكت أهو، آسف يا دكتورة فريدة، يا حبيبتي، انتي أختي حبيبتي، ودايقة الحب ومرارة، حني بقي علي أخوكي الغلبان ده، وانقليها هنا معايا. الجد بحده، بعدما دخل ولم يلاحظه أحد: ـ باه إيه اللي بيحصل أهنه ده، ومين دي اللي تجيبها؟ نسيت عاداتنا ياك يا محمد؟ محمد بهمس: ـ جدي، يا وقعة مهببة. الجد بحدة: ـ بتبرطم تجول إيه يا واكل ناسك إنت. محمد:

ـ أبداً يا جدي بقول دا إيه الخطوة العزيزة دي، جدي بنفسه هنا، يا مشالله، نورتنا يا جدي. الجد بضحكة مكبوتة: ـ نورك يا حبيب جدك. عموماً، إني أجده ولا أجده، طلبت من خيتك تشوف لنا موضوع إنكم تكملوا علاج بالدوار، واهى خيتك دكتورة وهترعاكو، بدل جعدة المستشفيات دي. إني ما أحبهاش. محمد بلهفة: ـ ينصر دينك يا جدي، هو ده الكلام. المهم بقي، هتجوزني سولاف، زي ما وعدتني قبل ما أدخل العمليات. الجد بشماتة:

ـ لع، إني كنت برفع من روحك النفساوية. محمد باستنكار: ـ نفساوية مرة واحدة، يعني إيه يا جدي؟ دا أنا أصوّر لك قتيل. ضحكت فريدة على أخيها وجدها. فنظرت له محمد بحدة: ـ اضحكي يا أختي، شمتانة فيا. الجد: ـ باه احترم حالك يا محمد، وبعدين مستعجل على الجواز أوي أكده ليه؟ مش أما تتخرج أحسن، دانت لساتك صغير. محمد بغيظ: ـ إني لسه هستنى دا كله، تكون الموزة طارت. الجد بضحك:

ـ لع مهتطرش، سولاف على اسمك، وانتوا لساتكم صغار، ودا وعد من جدك العجوز، خلص علامك، وإني أجوزهالك. محمد بانتصار: ـ هو ده الكلام. فريدة: ـ طيب يا ناصح، أما نشوف، ياكشي تخلص تعليم ومتتعبناش. محمد، وهو يرمقها بغيظ: ـ انبري يا أختي، مانتي عديتي. *** بقولك يا دينا، مش دا أحمد جارك؟ التفتت خلفها بلهفة، ووجدته يقف بانتظارها بشرود أمام الجامعة. صديقتها: ـ يخربيت كدا، إيه الواد المرسوم ده. التفتت لصديقتها بحدة:

ـ منار، عينك يا ماما، لا أقلعها لك، أحمد دا ملكية خاصة. منار بضحك: ـ هبلة والله، أنا أفرح لك يا غبية، بس الواد فعلاً عسول. تنهدت بحب ولمعت عيناها وهو يلتفت لها، يبتسم تلك الابتسامة المهلكة التي تجعل قلبها يخفق بشدة. نظرته الضائعة كطفل صغير، تجعلها تشعر أنها بأعلى السماء، تغيبها، وكأنها أمه، يضحكون عليها بالمنزل، ويخبروها أنها كأمها، وهل تمتلك هي طفلاً آخر غيره، يشرفها أن تلعب معه جميع أدوار حياته التي حُرم منها.

ابتسمت، وأطلقت قدميها للريح، باتجاهه. وفي عقلها، ترددي: قولوا اللي يقولوه، وإيه يعني؟ أخيراً هي أمامه. ابتسمت بسعادة: ـ أحمد، أنت هنا. أحمد بشرود: ـ آه يا دينا، حسيت إني وحيد، ما لقيتش غيرك، أنا ماليش غيرك يا دينا. ابتسمت له وأمسكت يده بسعادة: ـ تعالى. نظر ليدها وهي تسحبه: ـ هنروح فين يا مجنونة؟ ـ استني. نظرت له بلمعة مجنونة بعينيها: ـ معاك الموتوسيكل. هز رأسه بضحك: ـ مجنونة والله، أيوه معايا. صفقت بيدها، وسحبته:

ـ طب يالا بسرعة. أحمد بضحكة من القلب لا تطلع إلا في حضرتها: ـ يا مجنونة، استني هنروح فين. ـ يالا بس يا حمادة، وهقولك. ـ وجامعتك؟ ـ مش مهم، يعني هبقى دكتورة، يالا يا عم. صعد، وصعدت خلفه بسعادة، صارخة به: ـ يالا انطلق. *** بعد نصف ساعة، على الطريق الصحراوي. وهي تطلق يديها للريح، وتقف خلفه بسعادة: ـ طير يا أحمد، طير. أحمد: ـ اقعدي يا مجنونة، هتقعي. هزت رأسها بسعادة: ـ لا، أنا مبسوطة كدا. بقولك يا أحمد.

أحمد بضحك عليها، وجنون، وصوتهما العالي مسموع للمارين بجانبهما. ـ أحمد بصوت عالٍ: قولي يا دينا. دينا بغيظ: ألا أنت مش عايز تقول لي حاجة؟ أحمد ببلاهة: ـ حاجة زي إيه؟ دينا بضيق: يا أخي أي حاجة؟ أنت غبي أوي يا أحمد، ليه. فرد أحد المارين: الشباب، بضحك، يشاركهم جنانهم. ـ أي حاجة يا عم أحمد، افهم بقى. ضحك أحمد ورد عليه: ـ غشوني، معرفش. دينا بغيظ: ـ قولوا والنبي، ما تقول يا أحمد، بقي. أحمد وقد فهم أخيراً ما ترمي إليه:

ـ انزلي يا مجنونة، فضحتنا. دينا: ـ طب فضيحة بفضيحة، بقي أسمع. أجلجت حنجرتها، وصاحت بأغنية لعبد الحليم: قولي حاجة، أي حاجة. قول بحبك، قول كرهتك. قول وما يهمكش حاجة. قولي عايزك، قول بعتك. بس قولي أي حاجة. يا حبيبي، يا حبيبي. صمتت، وفي منتصف الطريق، أمام السيارات. وقف، ووقفت جميع السيارات حولهم. نزل هو، ونزلت خلفه بصدمة. رفع صوته: ـ باسمها. دينا. أومأت برأسها بسعادة وجنون، وردت: ـ عيون دينا. ضحك، وضحك الجميع على ردها.

الجميع هبط من سيارته ليشاركهم اللحظة. دينا: ـ أنتِ مجنونة، بس خليتي لحياتي أمل أعيش عشانه. سكت، وصاح الجميع بتشجيع له: ـ كمل، كمل. ـ هو دا. ابتسم وأكمل: ـ خليتي لحياتي طعم ولون. دينا: ـ أنا مش إنسان كامل، ولا قديس، مبيغلطش. ـ لا أنا غلطت، مقدرتش النعمة اللي كانت بين إيديا زمان، ورفستها. ـ أنا كنت فاسد، ضايع، بس على إيدك بقيت واحد تاني. ـ استحملتيني وقت مرضي، ووقفتي جنبي. ـ لو تايه ولا ضايع، ما بلاقيش غيرك جنبي.

نزلت دموع عينيها بصمت، وصمت الجميع في حضرت كلامه المؤثر هذا. دينا: ـ أنتِ حاجة حلوة أوي، حلت أيامي، عاملة زي شمعة، دخلت نورت عتمة حياتي. ـ فهمتيني، واحتويتي ضعفي. ـ أنا أهو، قدام الناس دي كلها، بعترف بذنوبي قبلك، أنا مش إنسان خيالي زي اللي بتتمناه كل بنت. ـ ومش سوبر مان هقدر أحقق لك كل اللي بتتمنيه. ـ ولا قديس مبغلطش، أنا أحمد، كلي ذنوب وخطايا، بس بحبك. ـ أنا أحمد الضايع، من غيرك، وملوش غيرك في الدنيا دي. ـ بعد ربنا.

تقبلي تشاركيني حياتي الجاية. جلس أرضاً، وأحنى إحدى ركبتيه، وأخرج من جيبه دبلتين، إحداهما ذهب، وأخرى فضية. ـ تقبلي تتجوزيني يا دينا؟ ـ أنا أحمد سليم، بكامل قواي العقلية، آه مريض وتعبان شوية، مش كتير يعني، بس على إيدك إن شاء الله هبقى أحسن. ـ اتجوزيني يا دينا. سكت قليلاً. وأكمل: ـ كوني لي أما، فأنا ضائع بلا أم. ـ كوني أختاً، فلا أخت بجانبي، ولا أب. ـ كوني صديقاً وقت ضيقي، وتحملي جنوني.

ـ كوني أنا، وتغلغلي بداخلي، كوني أنا، ولغيري إياكِ أن تكوني. ـ كوني فرصتي الأخيرة، فلا فرصة بعدك بعد اليوم. هل تقبلي بي رغم كل هذا، وإن ثقلت عليكي يوماً، فلا يهم. كوني زوجتي وتمسكي بي، لا تتركيني، وإن صرخت بكِ يوماً، اصرخي وقولي أني لكِ، ولغيري لن تهتمي. هل تقبلي بي زوجةً لآخر العمر. صمت وصفق له الجميع، وعالت أصواتهم: ـ وافقي، وافقي. صمتت، وفجأة ارتفع صوت شهقاتها الباكية.

استقام مسرعاً، واندفعت هي بقوتها تحوط عنقه بيدها. همس بأذنها: ـ دينا، بحبك، ما تعيطيش. صمت، وبكاء. همس بضحك عليها: ـ طب إيه، الناس بتبص علينا. ـ أوعي تقولي لا، اجبري بخاطري طيب، وقولي بحبك، وبعد كدا اسحبيها. ضربته بيدها على ظهره بقوة: ـ اخرس. ـ أنا موافقة يا غبي، وبحبك، كل ده وما فهمتش. دفعها بعيداً عنه، وقال: ـ بجد موافقة. أخذت العلبة من يده، وفتحتها، وأخذت دبلته، ومسكت يده، وألبستها له بحدة، ودموعها لا تتوقف.

صفق الجميع، وصاحوا: ـ هيييه، وافقت، وافقت. ضحكت من بين دموعها وهو يقف مصدوماً. ضربته بيدها: ـ خلص يا نحنوح، واقفة أنا مستنية أهو. أفاق أخيراً وألبسها الدبلة بيدها. علت التصفيقات الحارة خلفهم. وانتسلها من الأرض وزرعها بأحضانِهِ، صارخاً بها: ـ بحبك، بحبك يا مجنونة انتِ. أبعدته عنها، وتوسطت خصره: ـ لا، ماليش فيه. ـ غني لي. ضحك، وقال: ـ اسكتي يا مجنونة، ما بعرفش. وجهت نظرها لهم: ـ عجبكوا كدا، خلوه يغني لي. صاحوا:

ـ غني لها. فابتسم، وغنى: من أول يوم في لقانا خدني هواك، عشت معاك أحلى سنين عمري يا غالي بان على طول إيه جمانا لما العين جت في العين ولا حسيت باللي جرالي بينا نعيش، ده العمر ليلة ما تقوليش ننسى ليلة دي الأيام جنبك جميلة وعمري يا غالي لقيته معاك بينا نعيش، ده العمر ليلة ما تقوليش ننسى ليلة دي الأيام جنبك جميلة وعمري يا غالي لقيته معاك قرب لي كمان يا حبيبي سيبني أعيش، نفسي أعيش ليلة ما كانت على بالي

من الأول وأنا يا حبيبي بتمنالك، قبل لقاكي ما قبلتك في خيالي بينا نعيش، ده العمر ليلة ما تقوليش ننسى ليلة دي الأيام جنبك جميلة وعمري يا غالي لقيته معاك بينا نعيش، ده العمر ليلة ما تقوليش ننسى ليلة دي الأيام جنبك جميلة وعمري يا غالي لقيته معاك من أول يوم في لقانا خدني هواك، عشت معاك أحلى سنين عمري يا غالي. سكت، وفتح ذراعيه لها، ارتمت بداخلهم بسعادة: ـ بحبك يا أحمد، أنا قبلك بعيوبك، قبل ميزاتك.

ـ أنا بحبك جداً، ومش بشوف في حياتي غيرك. ـ وأنا بعشقك يا دينا، أنتِ عوض ربنا ليا، لأنه عارف إني مش وحش، والله ما وحش. ـ ششش، اسكت، إياك أسمعك تقول على نفسك كظ. ـ فاهم. ـ فاهم يا قلبي، فاهم. *** بمشفى السجن. ـ يا دكتور، الحق يا دكتور. ـ في إيه يا ابني، مالك. ـ يا دكتور المريض اللي بيتعالج من المخدرات، هرب من المستشفى. الطبيب بحدة: إزاي يهرب منكم يا بهايم؟ أنا منبه عليكوا، دي حالة خطر.

ـ يا دكتور، التمريض كان داخل يديله الدوا، غفله وضربه بالسكينة، روحه طلعت، الحقنا يا دكتور، قبل ما نروح كلنا فيها. الطبيب بحدة: اوعى، غور من وشي، إنت خايف على نفسك، مش خايف على المصايب اللي هتيجي من تحت راسه. *** بالمنصورة. ـ عصام، يخربيتك، إنت هربت إزاي. عصام بتعب وملامح شاحبة: ـ مش وقته يا أشرف، أنا عايز تصبيرة، هموت. أشرف: ـ تصبيرة، ماشي، بس كله بتمنه. عصام: ـ اخلص بس، ونتحاسب بعدين. بعد نصف ساعة. عصام بتوهان:

ـ أشرف، متعرفش راحت فين. أشرف بمكر الأفاعي: ـ هي مين. عصام وهو يرمي أمامه رزمة من الأموال. التقطها هو مسرعاً: ـ ياسمين، طريقها فين. أشرف وهو يتحسس الأموال: ـ طول عمرك لماح يا عصام. ـ أقولك أنا، أنا عرفت من واحد حبيبي، إنهم في القاهرة، فضوا كل حاجة هنا، بعد عملتك المهببة، ونزلوا مصر، عابد فتح شركة كبيرة هناك، وبيقولوا بقى راجل أعمال إيه. عصام بسخرية: ـ بجد. أشرف: ـ أيوه، أومال، ماهو طول عمره واقع واقف ابن الـ...

ـ مكتوب على وشه راجل أعمال من صغره. عصام بغيظ: ـ عايز العنوان بسرعة. أشرف بلهفة: ـ نص ساعة ويكون عندك يا كبير. ـ أنا في الخدمة. *** بالإسكندرية. دخلت البيت أخيراً بعدما ذهبت للمعهد القريب، التي بدأت بتعليم تصميم الملابس به.

جدتها، والدة والدتها، كانت تحيك الملابس بمهارة، علمتها كل شيء قبل وفاتها، كانت ذكية جداً بتعليم المهنة، كانت دوماً ما تطلب من والدتها أن تحترف بها وتتعلمها جيداً، وكالعادة والدتها سخرت منها ومن جدتها، كانت دوماً تلقي على مسامعها (عاوزة تشتغلي خياطة، وأبوكي تاجر كبير، بلا قرف، فقرية زي ستك، الله ينتلها مطرح ما راحت)

استغفرت ربها، ودخلت، اشتمت لرائحة الطعام والمكان من حولها يلمع، لقد تركته بلا تنظيف، آملة أن تأتي مسرعة لتنظفه قبل أن يعود من مشواره. ـ أيعقل، عاد قاسم وفعل ما فعل. أخذت نفساً، ودخلت، وجدته يقف أمام الحوض، يجلي الأواني بلا تملل ولا تذمر. همست بصدمة: ـ قاسم! أنت... بتعمل إيه؟ أدار وجهه لها ببساطة: ـ بغسل الأطباق. اقتربت منه وخلعت نقابها: ـ طب ليه أنا كنت هعمل أنا، ليه عملت كدا؟

رفع حاجبه لها، وابتسم، ووضع آخر كوب بيده، ومسح يديه وخلع المريول. اقترب منها، ورفعها بيده، وأجلسها على المنضدة خلفها، وقبلها بنعومة: ـ حمدلله على سلامتك. ـ عملتي، أخذتي إجازة. أومأت بالإيجاب: ـ أيوه، شهر بالعافية، مش كانوا راضين. حك لحيته قليلاً: ـ ماشي مش مهم، إحنا كدا كدا العمر 15 يوم بس. ـ أومال فين الخالة ماجدة، ما جبتيهاش معاكي ليه. ـ مرضيتش، قالت ورايا شغل. عبست وهي تنظر للمكان:

ـ أنا زعلانة منك يا قاسم، ليه عملت كدا؟ ابتسم ومد يده فك رباط شعرها، وسألها: ـ وليه يا أمل ما عملتش كدا؟ ـ ببساطة، عشان أنت راجل يا قلب أمل. ضحك عليها، وردد كلامها: ـ عشان أنا راجل يا قلب أمل، لا يا حبيبتي، مين قال إن مساعدة الراجل لمراته تقلل من قيمته، أمل يا حبيبتي. ـ سمعتي الحديث اللي بيقول... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حرمت النار على كل هين، لين، سهل) ـ صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. هزت رأسها بالرفض،

وقالت: ـ أول مرة أسمعه. ابتسم وهو يلعب بشعرها: ـ ربنا حرم النار على كل متواضع، إيده بإيد غيره، مبيكبرش على الفاضي. ـ سيبك من اللي فات واتعلمتيه، فيها إيه لما أساعد بحاجة أنا أقدر أعملها، يعني أشيلك مرة، وإنتي تشيليني مرات. ـ أمل، مش من الرجولة إني أشوفك طول النهار واقفة على رجلك، وأجي أنا أرمي قرفي وغلي وزهقي من اللي حواليا فيكي، فبدل ما تحبيني ألاقيكي بتلعني اليوم اللي اتجوزتيني فيه.

ـ أنا بحبك يا أمل، وما عنديش أدنى استعداد أشوف في عينيكي نظرة ندم أبداً. ـ أنا اتجوزتك عشان أسعدك وتبقي أميرتي، مش عشان أهينك وتكرهيني. ـ انتي أمانة، أخواتك أمنوني عليها، مش رجولة إني أكسرهم بيكي. ارتمت بأحضانِهِ بسعادة: ـ أنا كل يوم أسأل نفسي أنا عملت إيه حلو في حياتي، عشان ربنا يرزقني براجل زيك. ـ أنا بحبك أوي يا قاسم. قاسم بضحك: ـ أنتِ عملتي أجمل حاجة في الدنيا. نظرت باستغراب له، وقالت: ـ إيه بقي الحاجة دي.

قاسم وهو يحملها على ظهره كطفلة صغيرة: ـ خليتي قلب قاسم المقفول يتفتح ليكي، يا قلب قاسم. أمل بسعادة: ـ نزلني يا قاسم. قاسم وهو يهرول بها لأعلى: ـ لا، من انهارده، لازم أعيشك اللي اتحرمتي منه. أمل وهي تتمسك برقبته: ـ مش بتنسى حاجة أبداً، آه منك إنت يا شيخ قاسم. قاسم بقهقهة: ـ أبداً، أبداً، حبيبي نفسه يتشال، يبقى لازم أشيله. أمل بهمس وهو يميل بها على الفراش: ـ يا شيخ اعقل. قاسم بضحك وهو يخلع ثيابه مسرعاً:

ـ شيخ إيه بقى، ضيعتي المشيخة يا أمل. *** ـ هموت يا أما ي، مجدرش أتنفس أهنه. سعدية وهي تلهث من شدة الحر والظمأ: ـ نور بالكشاف ده، جبر يلمك. سويلم وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة: ـ فصل يا أمي، جولتلك بلاش، أدينا هنموت أهنه ولا حدش حاسس بينا. ـ من منك لله يا أمي، ضيعتينا، انتي وعفاريتك. ـ أهي المجبرة جفلت علينا. سعدية بغل: ـ اللي غيظني إنجفلت كيف، واحنا واخدين احتياطنا كيف. ـ إلا إذا. سويلم بخوف: ـ إذا إيه يا أمي.

فجأة فتح الباب، وبثواني قذف شيئاً عليهم. بهمس من كثرة الضرب والوجع: ـ اااه. سويلم: ـ باه دا بني آدم، إنت مين ياللي بتوجع إنت؟ حسام بضعف: ـ أنا حسام، انتوا اتكشفتوا، الكبير اللي حبسكم. صمت تام، ورعشة أصابتهم بمقتل. سويلم: ـ باه يا ويلي، الكبير يا أمي، هيقتلنا. الأم بجنون وكأن عقلها سحب منها: ـ بس حرجت جلبك برديك، بكفاية إنه انحرج جلبه على عشيقته وحبيبته. ـ جلتها، جلتها. سويلم:

ـ وجت جنانك ده، عودي لوعيك يا أمي، شوفيلنا حل للنصيبة دي. حسام بضعف: ـ مفيش حل، انتهينا، الكبير هيقتلنا كلنا، بس بالبطيء. انفتح الباب مرة أخرى، وقذف لهم زجاجة وبطارية ضعيفة جداً، بالكاد يرون ما تحتهم. فتح سويلم الزجاجة بلهفة ليروي عطشه، وصدم مما بها. سويلم: ـ يا جرفي، مايه من الترعة. قذفها بعيداً. بعد ساعة أخرى، كان يشرب بلهفة ما بها. ارتمى أرضاً بعدها، وهو يصرخ: ـ حرمت يا أبوي، حرمت، ارحمني يا أبوي.

ـ اقتلني وارحمني من نار جهنم دي. راضي للكبير، وهما يستمع لصوت سويلم من أسفل. ـ سلمى لينا، يا جدي، كفاية عليه أجده، مهما كان ولدك. ـ سيبه لينا واتصرف في الباقي، وأنا هتكفل بكل شيء. رفع الجد نظره لكيان الذي يستمع لصوت والده، غصباً عنه بحزن، وحطت عينه بعين كيان الحزينة، ولكنّه أبعدها مسرعاً. مرر عينه على فهد الذي يضع يده على أذنه حتى لا يستمع لصراخ والده. وابتسم قائلاً:

ـ جلبكو حن ليه يا ولاد سويلم، باااه، أومال هو ماله كان جلبه جاسي جوي عليا، وخطط ودبر وحرمني من كل حاجة حلوة بحياتي. ـ اللي جلبكو حزين عليه ده، شيطان رجيم، مايستهلش شفقة ولا رحمة. ـ الحمدلله إنكم ما ورثتوش جساوة جلبه، عشان أجده، إني هسلمه للبوليس. ـ يالا يا راضي خده، ما عيزش أسمع عنه حاجة واصل، بكفياه أجده. راضي: ـ كنت عارف إن قلبك طيب يا جدي. الجد بحزن:

ـ دا ولدي، مهما كان صلبى، ربيته حرباية وزرعت جساوة الجلب فيه، حاولت معاه كتير هو وخيته، بس للأسف، خدوا. ـ يا حرجة قلبي على ولادي، فاكرها سهلة إياك، على جلبي، وإني شيفهم بيروحوا للمشنقة واحد ورا التاني. ـ مهياش سهلة أبداً يا ولدي، كسروا ظهري، ولطخوا سمعتي اللي بنيتها بسنين، بس إني راجل تقي وعارف ربنا. ـ خدوا يا ولدي، خدوا من أهنه. نفذ راضي سريعاً، وسحب سويلم، وألقي القبض عليه. ركع سويلم أمام قدم أبيه وقبلها:

ـ سامحني يا أبوي، سامحني، إني غلطان. ـ سامحني يا أبوي. أغمض الجد عينيه بحسرة: ـ أسامحك على إيه ولا إيه يا ولدي. ـ على ظهري اللي كسرته، ولا على فضيحتي وكسرة هيبتي وسط الناس، ولا على قتل خيته، ولا بتك اللي كنت عاوز تجتلها. ـ طب إني هان عليك من زمان، إنت هان عليك ضناك، ليه أجده يا ولدي. ـ جوم، استعوضت ربنا فيكم، الله ينتقم منكم ومن أمكم.

ـ جوم، استنيتك كتير تتوب وترجع لربنا، وأجول إنها رودة، بكرة هيجي ويعترف بغلطه، بس مجيتش يا ولدي. ـ جوم، الله لا يرحمك لا دنيا ولا آخرة. رفعه راضي، واستدار هو لأولاده، ينظر لهم بنظرة استنجاد بهم. نظر له كيان بنظرة حسرة قائلاً: ـ أنا مكسوف منك، يا ريتك ما كنت أبويا. ـ لولا إنك أبويا، كنت دفنتك بإيدي، وما سبت طار أختي يبات ليلة برا. أكمل فهد بحقد: ـ بتتكلم مين يا كيان، دا إنسان بلا ضمير، اللهم لا شماتة.

ـ خدوا يا راضي وتأكد إنه ياخد إعدام، خلي الزرعة الشيطاني دي تنوءد وما يبقاش ليها أثر. *** بالدوار. ـ في إيه يا كيان، بقالك أيام متغير، مالك. لم يرد عليها، وخلع ثيابه وألقاها بإهمال. دخل للمرحاض، ودخلت هي خلفه. أمسكته من يده وأدارته لها: ـ في إيه، مبتردش ليه عليا، مالك. نطر يديها، ولم يعرها اهتمامه، يكظم غيظه منها.

أغمض عينه ونزل بجسده تحت الماء البارد، وهي تقف تنظر له بذهول من عدم رده عليها، لأول مرة منذ التقيا، يتجاهلها هكذا، هذا البارد أمامها ليس من عاشت عمرها كله عاشقة، زاهدة عن الدنيا به. رفع نظره لها، وجدها تنظر له بذهول، ولم تنطق بحرف. دارت حرب النظرات بينهم، هو ببرود، وهي بعتاب واضح. وجدت يدها تمتد لصابونة أمامها، قذفته بصابونة الاستحمام بوجهه، وتفاداها بصعوبة، كادت تحطم رأسه، وتركته وخرجت، تسبه بأفضع السباب.

وأغلقت الباب خلفها بقوة، كادت تكسره. كتم ضحكاته من أن تخرج بصعوبة عليها، وتنهد: ـ لازم تتربي يا فريدة، عشان تحرمي تخبي عني حاجة تانية، اصبري عليا بس. أغمض عينه بشدة، وكلمات حسام تتردد برأسه، عن اعترافه لها بالحب. ـ ألهذا الحد كانت لا تثق بحبه؟ سخر من نفسه، وهو يهمس: ـ لو كانت واثقة في حبي، ما كنتش هربت مني لما سمعت اسمي. ـ غبية يا فريدة، ولازم تتربي، أنا دلعتك كتير أوي.

ابتسم حينما تذكر غيظها منه، وجرأتها التي اكتسبتها من الراوي، وأرض البدو. هو يقر أن فريدة هذه ليست كتلك. تنهد وهو يغلق المياه، وردد: ـ جننتني، مأعدتش نافع لأي حاجة، بهدلتني، وراها في كل البلاد. ـ ماشي يا فريدة اصبري عليا. نظر لنفسه بالمرآة، وهمس: ـ الل يعني هقدر أخاصمها، يا شيخ اتلهي. وأكمل بهمس: ـ هي بس تقولي يا كيان بصوتها الحنين دا، وأدوب أنا في أمها. فتح الباب بقوة مثلما أغلق، ورمت بوجهه ثيابه:

ـ اتفضل، البس يا بيه، سلمي برا. وخرجت كالقطر مثلما دخلت. ـ سب سلمي بس، وأخده وقته يعني. ـ إف أصالحها أنا امتى بقى. ـ كان يعني لازم أعمل فيها رشدي أباظة، أديها وقعت فوق راسي. *** ـ أنتِ متأكدة من اللي هتعمليه ده يا ولية انتِ. عزيزة درابة الودع بغل: ـ أيوه، متأكدة، عايزك تخطفيها، وتحرج جلبها عليها. ـ ماهو إني مهسيبوش يعني مهسيبوش. ـ داني فوت جبيلتي، ودوروت وراه بين الجبايل، وبالأخير، تاجي تاخده أجده، له.

ـ لازم ولابد أحرج جلبيه عليها. ـ جولتلك نفذ يا مطاوع، وليك عليا أحلى لك خشمك ده. مطاوع بنظرة ثعالب له: ـ إني حلاوتي، هاخدها من جلب جلبي ساجدة، إني هموت عليها. ـ انتي اشبعي بعدنان، وأني أفرحلي يومين مع حبة الجلب. عزيزة بغل: ـ اشبع منيها، ارميها لكلاب السكك والغراب تنهش فيها، بس انتقم وأشفي غليلي منه. مطاوع بحدة لها: ـ إياكي تجربيها، والله بخلص إني منكِ، فاهمة ولا لأ. عزيزة بغل: ـ فاهمة، بس خلصني منها. مطاوع بفرحة:

ـ سيبها على الله، وعلى مطاوع، والله وهتيجي ليا ياساجدة. *** عدنان: ـ وين رايح. استدار لها وقبلها سريعاً: ـ رايح في مشوار أجده، تبع الراوي. ساجدة بحزن: ـ هاتغيب كتير يا عدنان. عدنان وهو يأخذها بين أحضانه: ـ لع يا ساجدة، على آخر اليوم بكون جارك، يا روح الروح، يالا البسي تيابك، بوديكِ عند خالي، لبال ما أرجع. عبست: ـ خليني أهنه، مابرتاح غير بداري. عدنان بابتسامة:

ـ جلب عدنان، طاوعيني، انهاردا، إني ببجي جلقان واني مش أهنه، عليكِ. أومات بطاعة: ـ حاضر يا جلب ساجدة، حاضر. *** ـ ها يا أشرف، عرفت العنوان. أشرف وهو يعطيه ورقة: ـ طبعاً، العنوان اهو، كل حاجة هتلاقيها هنا. ـ شركة، بيت، وحتى مدرسة المحروسة. لمعت عيناه وهو يردد اسمها: ـ ياسمين. ـ جبت اللي قلت لك عليه. أخرج سلاحاً من جيبه: ـ أيوه يا صاحبي، بس خلي بالك، مش عايزين مشاكل مع الحكومة، لو وقعت متجبش سيرتي. عصام:

ـ متقلقش، شوف لي حد بقى يوصلني في الخباثة كده. أشرف: ـ ودي تيجي يا عصوم، إني بنفسي هوصلك، وأهو كله بتمنه. عصام بسخرية: ـ على قولك، يالا بينا، بسرعة. أشرف: ـ يالا يا صاحبي. *** بشقة عابد. ـ حبيبتي، بلاش عند بقى، يالا عشان أوديكي الامتحان. نظرت له بخوف وهزت رأسها: ـ بلا، لا يا بودي أنا كدا كدا هسقط، فبلاش أروح، هنام هناك. ـ فسبني أنام هنا أحسن. ضحك عليها:

ـ لا مش هتنامي، وبعدين ما أنا بقالي يومين براجع لك وموقف شغلي عشان جنابك، دا جزاء بودي حبيبك، يعني تقوليها في وشي، هسقط. عبست بوجهه، ومدت شفتيها بحزن: ـ مش فاكرة حاجة يا بودة، خالص. ـ مييح. قهقه عليها، وقال: ـ متقلقيش، أول ما تمسكي الورقة هتفتكري، يالا بقى تعالي، البسي هدومك بقى. عبست وهي تنظر لملابسها بحزن، وبطنها التي تزداد يوماً بعد يوم بحزن. وأزاحت وجهها عنه. عابد بضحك: ـ في إيه تاني، عوجتي وشك ليه.

ـ اتريق يا بودة، الل يعني مش عارف، بقي بزمتك الوسط ده هيخش في الكرش ده. نظر لها بصدمة، وابتلع ضحكاته التي على وشك الانفجار، وصمت. نظرت له بغل: ـ اضحك، ما أنت وولادك السبب، أعمل إيه أنا دلوقتي. اقترب واحتضنها بحنان بين ذراعيه، هامساً: ـ في إيه بس يا ياسمينة قلبي وروحي، ها، دا كله ليه. ـ أغمضت عينيها باسترخاء بأحضانِهِ، وهمست: ـ خليني كدا يا بودي في حضنك، مش عاوزة أروح في حتة. ـ أنا مبسوطة كدا. قبل رأسها بحنان:

ـ طب لو قولت لك عشان خاطر بودي، عاوزة ولادك يطلعوا يقولوا ماما فاشلة، مع إن اللي أعرفه إن ماما كان نفسها تبقى دكتورة، راحت فين بقى ياسمين دي. ياسمين بحزن: ـ كان زمان، مش عاوزة أبقى حاجة. جز على أسنانه، وقد يأس معها، باقي فقط نصف ساعة ويبدأ الامتحان. رفع صوته لأول مرة عليها، صارخاً باسمها: ـ ياسمين! قسماً عظماً لو ما قمتي حالا غيرتي هدومك، هغير لك بنفسي، وبرضو هتروحي، مفيش وقت. اغورقت عيناها بالدموع، وهمست: ـ عابد.

ـ أنت. لم تكمل، إلا وعلا صوته: ـ مرة أخرى. ـ يالا قولت يالا، البسي هدومك. جرت من أمامه، وهو يبتسم خلفها: ـ ماشي يا ياسمين، أنا وراكي، لحد ما أشوفك أحلى دكتورة. *** ـ أنتي يا زفتة انتِ، راجعتي، ولا هتسقطي وأمك تفضحنا. سلمى بغل، وهي تلسذها بكوعها: ـ زفتة، بقي سلومة حبيبتك بقت زفتة، تقلقيش إنت، هرفع راسك للعالي يا فهد الفهود. فهد وهو يرفع حاجبه لها بمكر: ـ يا سلام يا سلام، الل يعني مقطعة الدنيا مذاكرة.

ـ ما إحنا دفنينه سوا يا سلومة. سلمى وهي تقترب تهمس له: ـ طب بذمتك مش أنت اللي عطلتني، وتعالى أراجع لك والكلام ده. فهد وهو يزيحها بيده، ضاحكاً على جرأتها: ـ ابعدي يا سافلة، إحنا في العربية، والمدرسة كلها شيفانا. سلمى وهي تقذفه بقلبه: ـ عندك حق يا فهودي، خد دي، تصبيرة لحد ما أرجع لك، دعواتك بقى. فهد بقهقهة، وهو يرفع يده داعياً لها: ـ إلهي يرزقك بمراقب أعمى، عشان تعرفي تغشي ونرتاح بقى. سلمى وهي تنظر له من شباك السيارة:

ـ أموت فيك وانت فاهمني بقى. ـ يا بت أنا فاهمك صح، بس انتي اللي مش قرياني. ضحكت عليه، وأشارت له، ودخلت. *** نزلت بحدة، ووقفت الباب خلفها بقوة. ناداها ولم تستدر له. ـ ياسمين، وحياة قلبي عندك تبصيلي. استدارت وعادت له: ـ عايز إيه، مش أنت شخطت فيا. تنهد وقبل يدها التي تسندها على شباك السيارة: ـ حقك عليا يا قلب عابد. ـ أنا عاوز مصلحتك، لازم تنجحي يا ياسمين، عشان خاطري. عبست، ومدت يدها له: ـ ماشي، فين شيكولاتي. ضحك،

وهو يخرجها من درج السيارة: ـ أهي، بس قولي، بحبك يا بودة قبل ما تمشي. ابتسمت وهي تخطفها بسرعة، وصاحت وهي تبتعد: ـ بحبك يا بودة. غير واعية لمن استمع لحديثها، وعينيه ستخرج من مكانها لرؤيتها. صرخ بها: ـ متتحركيش من مكانك يا ياسمين، إلا لما أجلك، فاهمة. أجابته وهي تدلف للداخل: ـ حاضر، حاضر. تنهد واستدار بسيارته، متمتماً: ـ ربنا يستر. *** ببيت راضي. ـ لمحتها تدخل البيت الذي أنشأه حفيدها لها.

نظرت لها بغل، ونزلت مسرعة من السيارة خلفها. تنادي بغل عليها: ـ بت يا سمر، انتي يابت. ارتعشت سمر، وهي تستدير لها: ـ ستي، أيوا يا ستي. ـ تعالي، ادخلي. دخلت خلفها بغل، تنظر يميناً ويساراً للبيت وفخامته. الجدة: ـ والله ولعبتيها صح، يا بت العجربة. سمر بخوف منها: ـ في إيه بس يا ستي، أنا عملت إيه، أنتي ليه بتكرهيني كدا، أنا والله بحبك وبحب جدي، ليه بتعملوا معايا كدا. الجدة بحدة، وهي تصفعها على وجهها:

ـ اخرسي يا فاجرة، عشان أمك كانت حرباية، وانتي أكيد شكلها، يا خاطية. وضعت يدها على خدها مكان صفعتها، وهطلت دموعها، وقالت بقهر: ـ أمي خلاص ماتت يا ستي، وأختي كمان، ذنبي إيه أنا، في اللي عملته أمي، اللي أنا أساساً مش فاكرة إنها عملت فيكم حاجة، من يوم ما وعيت على الدنيا، وأنا في بيت جدي، حتى أبويا ما وعيت عليه. ـ ليه بقى بتكرهينا. الجدة وهي تمسكها من شعرها بحدة:

ـ يميناً ويساراً، شغل السهوكه دي ما يكلش معايا يا بت العجربة. ـ جتلت الجتلة، عايزة تعرفي ليه بكرهك يا حية يا بت الحية. ـ عشان أمك الخاطية، كانت عاشقة غير بوكي، كانت كارهة، وكارهة عيشته، كانت جايدة حريجة بيناته وبين أخواته، بعدته عني، وحرقت جلبى عليه، هي وأمها الحرباية، فضلت تسجيه، سحر وكتابة، لحد ما بقى مسخ، ماشي على الأرض. ـ ولما غلبت فيه وحبت تخلص منه، سجته دم حيض، لحد ما غلب فيه الدكاترة، ومات فيها.

ـ وب تسألي عملت إيه. ـ لولا شي جدك راشد، حاشها منينا، كنا جتلناها بإيدينا وشفينا غليلنا. ـ وانتي أكيد كيف أمك، وعملتي عمل لواد ولدي، كبير ناسه، دوبتيه في هواكي. ـ لازم ولابد أخلص منك قبل ما تخلصي أنتِ عليه. سمر ببكاء: ـ والله يا ستي ما عملت حاجة، والله ما أعرف، أرجوك يا ستي سيبيني، حرام عليكي، أنا سمر بنت ابنك، والله ما عملت لولدي حاجة. الجدة بغل، وهي تقذفها أرضاً:

ـ خاطية كيف أمك، لازم أموتك بيدي، كيف ما أمك جلت ولدي، ما هسيبكِ، تجتلي، نوار دارنا وكبيرنا. أشارت بيدها لنساء العائلة خلفها: ـ تعالوا يا نسوان، عاوزاكو متخلوش فيها نفس. ارتعشت، ورجعت بظهرها للخلف، وهمت لتقف، صارخة بها: ـ لا يا ستي، لا والنبي، أنا حامل، حرام عليكي. صرخت بقهر: ـ يا راضي، الحقني يا راضي. استمع النساء لصراخها بأنها حامل. واحدة منهم: ـ باااه دي حامل، يا حاجة، حرام دا ابن حفيدك برضه، فوتيها.

ـ راضي ما يفوتناش فيها. الجدة بحقد: ـ وإنتي بيغرك الكلام ده، دي خاطية كيف أمها. ـ كدابة. استطاعت أن تخرج هاتفها من جيب عباءتها التي ترتديها، ودقت رقمه مسرعة. دخل مكتبه بعدما سلم سويلم وأمر باحتجازه. جلس ليلتقط أنفاسه، ورحل تفكيره بها، لا يعلم لم يشعر أنها بها خطب ما، لقد بات ليلته هنا، وهي بمنزل جدها. قفز من مكانه ليذهب ويطمئن قلبه. همس: ـ اهدي يا راضي، سمر في بيت جدها، إنت طول عمرك موسوس كدا. تنهد، وهمس لنفسه:

ـ ربنا يستر، ربنا يهديكي يا سمر، ومتكونيش روحتي من عند جدك. ـ أه لو تعرفي يا قلب راضي، أنا حايشهم عنك إزاي. ـ ربنا يستر. وجد هاتفه يرن، أخرجه من جيبه، وألقى نظرة به، وجدها هي. زفر براحة، وأجابها: ـ سمر، يا قلب راضي، أنا جاي أهو يا قلبي، اتأخرت أنا عارف. ـ حقك عليا. لمحتها تعبث بهاتفه، فصرخت بهم: ـ هاتوها، موتوها بنت المحروجة دي. صرخت وهرولت مسرعة للأعلى، صارخة به:

ـ الحقني 3، ستي جايبة ستات العيلة كلها وعاوزة تقتلني، الحقني والنبي. ـ هو برعب وهو يقفز للموتوسيكل أمامه: ـ انتي فين يا سمر. آخر ما سمعه: ـ أنا في بيتنا، يا راضي الحقني. لحقت بها إحداهن وأنزلتها غصباً للأسفل، مع توسلاتها وبكائها، ولكن لا حياة لمن تنادي. عزمت أمرها، وانتهى كل شيء بلحظة. سالت دماؤها، وتركوه جثة هامدة. *** ـ إيه ذنبي. ـ إيه ذنبي أنا، ألا يحق لي أن أفرح ولا أبكي. ـ ماذا جنيت، ليسيل هكذا دمي.

ـ عشت عمري، ألمح بين عيناكم كرهي. ـ فهل أنا المذنبة، أم كانت ذنوب أمي. ـ لست أدري، ولكن ما كان ذنب طفلي. ـ يا عشاق، قولوا، يا عشاقي، هل ذنبي أني عشقتك يا قلبي. ـ لا سحر أجيد، ولا كنت أهتم لقلبي. ـ ولكن، هو الله من زرع عشقه بقلبي. ـ أعشقه فوق العشق عشقاً، وإن غرسوا خنجراً بقلبي. ـ سأصرخ، لا أريد غيرك بقربي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...