بين أحضانه، الدنيا وما فيها. يضحكان بسعادة، مراهقان على وشك النضوج. لا يحملون بقلوبهم حقداً ولا كرهاً لأحد. "تعالي يا سولا، اركبي متخافيش." "لا يامحمد خايفة، أول مرة أركبه. هيوقعني." "قربي بس أنا جنبك أهو. بجد هتمسكني؟ يعني مش هقع؟ ضحك، ومد يده لها لتمسك به. "متخافيش." مدت يدها لتصعد على الحصان، ولكن لمحت شخصاً ملثماً يصوّب بالسلاح على محمد. "أوعي يامحمد، حاسب!
مدت يدها لتزيحه بدقيقة، وهي تبعده عن اتجاه السلاح، أصيبت هي ووقعت غارقة بين يديه بدمائها. انتهى كل شيء بلحظات. علت صرخاته، والتف حوله الجميع بلحظة. أفاق من شروده على صوت أخته. "أنت متأكد يامحمد من اللي هتعمله ده؟ الموضوع خطر ليك وليها." نظر لها بحسم. "قلتلك محدش هيتبرعلها غيري. في إيه يافريدة؟ هو انتي شايفاني عيل صغير؟ مش كفاية إنها فدتني بروحها، عايزاني أسيبها تروح فيها؟ يالا خلصي واعملي التحاليل المطلوبة بسرعة."
اقترب كيان منه بحزن. "محمد متحملش نفسك فوق طاقتها. اللي حصل قدر ونصيب، ملكش دخل بيه. دي أختي وأنا أولى إني أتبرعلها." نظر له بحدة. "أنا قولت أنا اللي هتبرع. انتو ليه مش عاوزين تريحوني؟ كفاية بقى، لو سمحتوا كفاية." اقترب فهد، وأمسك بكيان. "تعالى ياكيان، سيبه على راحته. لو التحاليل ما طبقتش، إحنا موجودين مش هنسيبها تروح فيها. إن شاء الله كله هيبقى تمام." "تعالى راضي بره وعاوزنا." أومأ له بحزن، وخرج.
وتركهم، نظر لها بخوف. "فريدة.." نظرت له وهي تسحب من يده عينه الدماء لتحليلها. "هي هتبقى كويسة صح؟ ابتسمت بحزن. "أيوه يامحمد، إن شاء الله. الضربة ما أثرتش غير على كليتها، والتانية للأسف حصلها دمار. وإن شاء الله لما نزرعلها الكلية هتبقى كويسة. وترجع أحسن من الأول." همس. "إن شاء الله." "فريدة، عايز أقولك حاجة." "قول يامحمد." "لو اضطريتوا تضحوا بحد فينا، ضحي بيا أنا. متسيبهاش تموت، خليها تعيش أرجوكي."
ضربته على رأسه، وهطلت دموعها. "اخرس ياواد، انتوا الاتنين هتعيشوا. وإن شاء الله نجوزكم مادام الحب ولع في الدرة كدا. ادعي بس التحاليل تتطابق." همس بأمل. "إن شاء الله هتتطابق، يا رب." *** "في إيه ياراضي؟ راضي بهدوء. "انت عارف إن اللي ضرب النار، انمسك." كيان بلهفة. "بجد؟ مين؟ وإزاي انمسك بالسرعة دي؟ راضي.
"جدك. أظاهر كان واثق إن في حاجة زي دي ممكن تحصل عشان كدا كان مالي المكان حراسة من مطاريد الجبل. رجالة وجدي مسكوه، ورافضين يسلموه للحكومة. جدك محكم راسه ياكيان." كيان بلهفة. "هو مين اللي عمل كدا؟ هز رأسه بحزن. "للأسف، طلع حسام صاحبك." كيان. "إيه؟ أنت متأكد؟ راضي. "أيوه متأكد. جدك بيقول التار تاري، ومتحفظ عليه، ورجالة وجدي زي ما أنت عارف شداد عليه. أرجوك أقنعه ياكيان." كيان بحدة.
"جدي عنده حق. التار تارنا. ابعد انت ياراضي لو سمحت، قفل المحضر على كدا." راضي بحدة. "انت اتجننت؟ انت هتعوم على عومة؟ سلمه للبوليس. أساساً بالمصايب اللي عرفناها عنه، هيروح فيها." فهد. "ما قولنالك التار تارنا ياراضي، وانت عارف تار الصعايدة بيتاخد إزاي." زفر منهم. "انتوا خلاص مفيش أمل فيكم. عن إذنكم." كيان. "فهد خليك انت هنا وأنا هروح لجدي. لو حصل حاجة والتحاليل بتاع محمد ما طبقتش، اتصل عليا. أختك لازم تعيش، انت فاهم."
فهد. "فاهم ياكيان، روح انت، توكل على الله." *** بعد نصف ساعة، بحجرة مغلقة بدوار راشد. يجلس مستنداً على عكازه برأسه، ينظر لما يفعله حفيده بتشفي. كلما تضعف همه كيان، يبث به العزيمة. "كمل ياولدي، انت جدها، ما عايزهاش تعرف تمشي على رجليها. حفيد راشد، لازم ياخد تاره بيده ويشفي غليله." همس حسام بضعف. "ارحمني ياكيان، أنا هقولك كل حاجة." بصق كيان عليه. "دا مش بمزاجك ياوسخ ياخاين، هتقول غصب عنك. انت كدا كدا ميت." حسام.
"هقول، هقول كل حاجة، بس سبني." كيان وهو يجلس بجانب جده بتشفي. "تمام، ابدأ بقى، من الأول خالص، من أول خيانتك ليا مع سلوى.. مراتي وبنت عمتي ياخسيس." حسام بهمس. "هقولك، بس عايزك تعرف إني مش ندمان إن عملت فيك كدا. أنا لو رجع بيا الزمن لورا هعمل كدا وأكتر عشان تحبني." كيان بجنون. "انت بتتكلم على مين؟ انطق." ابتسم بسخرية، وأكمل.
"أنا عمري ما كنت بكرهك ياكيان، أنا كنت بعتبرك أكتر من أخويا. أنا كل مشكلتي معاك إني حبيتها. حبيتها من أول ما وقعت عيني عليها وهي بتجري في الشارع. أنا حبيتها بجنون، وهي حبتك انت." اقترب كيان منه بصدمة. "تقصد مين؟ تقصد مين ياوسخ؟ ابتسم بسخرية. "أقصد فريدة. هو في غيرها؟ هجم عليه كيان، وعاد عليه لكمات مميتة، صارخاً به. "اسكت ياوسخ، ماتنطقش اسمها على لسانك."
ولكنه لم يصمت، وأكمل، كأتون مشتعل، يغلي قلبه، وقرر أن يبصق حممه بالجميع. "حبيتها، عشقتها، كنت كل ما أشوفها معاك بتجنن. النار بتقيد فيا. ليه انت تفوز بيها؟ مانها حبيتها أكتر منك. حاولت أقرب منها واعترفتلها أكتر من مرة وهي صدتني. كل مرة مفيش على لسانها: أنا بحب كيان. كانت بتشعلل ناري أكتر." لكمة كيان بفمه. "اخرس، اخرس ياوسخ."
"ضربتني بالقلم، قلم عمري ما هنساه. كسرت قلبي، وقررت أكسرها. فكرت أغتصبها وأحرق قلبك عليها، بس هي قدرت تهرب مني لما حاولت أخطفها. كل السكك ليها كانت مقفولة. محبتنيش، لحد ما قررت انتقم منك، وخصوصاً إني عرفت إنك مخبي عليها جوازك من بنت عمك. قابلتها وهي كانت سهلة ورخيصة، مقابلة في التانية. وصلتلها بسهولة، واتفقنا نزيح فريدة ونحرق قلبك عليها. في كل مرة كنت بروح أقولها بحبك، كانت بتسيبني وتمشي وكأني نكرة. كان قلبي بيتحرق
عليها. ولأنها كانت عارفة إنك هتكدب الكل وتصدقني، أنا خفت تقولك. لحد ما وصلت لخطه أنا وسلوى إنها تروح لها وتقولها إنك بتضحك عليها. بس حصلت صدفة واتقابلوا في الشركة وحصل اللي حصل. قدرنا نبعدها عنك، وللأسف بعدت عني أنا أكتر. أنا كرهتك على قد ماحبيتك، ولو خرجت من هنا وعلى رجلي، هحرق قلبك ميت مرة عليها. انت تستاهلهاش، أنا اللي بحبها."
لكمة وجز على أسنانه. "يابن 🐕، مش لما تخرج من هنا على رجلك ياروح أمك أصلاً. ومحمد ذنبه إيه ياوسخ؟ كنت عايز تقتله؟ حسام بضعف. "اللي حصل الليلة من تنفيذ أبوك هو اللي جبرني أعمل كدا عشان يخرجني من الأوضة اللي حبسني فيها. كان هيرميني للديابة." كيان بصدمة. "أبويا؟ هو فين أبويا ده؟ انطق. عارف مكانه؟ دق الباب عليهم، وأخيراً نطق الجد المستمع بهدوء. "من البداية، وأمر الطارق بالدخول. كان أحدي رجال وجدي." الرجل بلهفة.
"ياكبير، وجدي بيجيلك. تم المراد ياكبير، واللي عليهم العين والنية زي ما وجعنا، كانوا بالدوار الجديم، بيحفروا على الآثار. متحفظين عليهم. أهنيك." كيان. "جدي، أنت تقصد..؟ الجد. "أيوه ياولدي، وجت الحساب بدأ. خليهم يربطوا الوسخ ده، ويحصلونا بيه على الدوار الجديم." كيان بتشفي وهو يبصق على حسام. "أمرك ياجدي." اقترب منه قائلاً. "عمري ما توقعت إن الضربة تجيني منك انت، كنت أخويا. كنت فاكرني نايم على وداني؟
لا يا حسام، أنا كاشفك من أول يوم. وعارف إنك مبتحبنيش، أنت بتحب نفسك أكتر. عارف من امتى؟ من يوم الصفقة اياها، اللي بسببها بعتني للشركة المنافسة. اليوم اللي انضربت فيه بالنار، كنت عارف إنك أنت اللي وراها." جحظ عين حسام وابتلع ريقه. "كنت عارف." كيان بسخرية.
"آه كنت عارف. انت مشكلتك إنك دايماً بتبص للي في إيد غيرك، مع إني كنت بعتبرك أخويا. ساعدتك في ظروفك الصعبة، وقفت جنبك، وفي الآخر طعنتني في شرفي. فاكرك مكنتش عارف بعلاقتك بسلوى؟ كل اللي قولته كدب. انت تعرف سلوى من قبل ما أنا أكتب عليها. بتخدع مين انت هنا؟ ضحك وأكمل.
"حتى الواد اللي كنت عايز تلبسهولي، كنت عارف إنه ابنك. بس قولت ياواد عديها، يمكن غلطت في الليلة اياها، ويطلع ابنك فعلاً، متظلمهاش، يمكن تابت. بس للأسف الوسخ هيفضل طول عمره وسخ." بصق بوجهه، وأمر رجاله. "هاتوه." صرخ من خلفه. "بكرهك ياكيان، بكرهك وهاخدها منك زي ماخدت سلوى قبل كدا وعلمت عليك." استدار بشماتة له.
"سلوي مكانتش تهمني، أنا فريدة قبل ما تقربلها. هكون خلصت عليك. نجوم السما أقربلك من نظرة عينيها، مش إيدك تلمس إيديها. احلم على قدك." *** نظرت حولها وسألته. "إحنا رايحين فين ياقاسم؟ دا مش طريق البيت." ابتسم لها بحنان، وقبل يدها التي تفتحها وتغلقها بتوتر. "متقلقيش، طول ما أنا معاكي." أمل بخجل، وببسمة باهتة من تحت نقابها، وهمست. "مش خايفة."
نظر لها بحنان، ووجدت نفسها أمام بيت جميل بمنطقة قريبة من بيتهم القديم، ولكن يبدو عليها التحضر والجمال. بيتاً يشبه الفلل ولكنه صغير. مزروع بحديقته أنواع لم ترها أبداً من الأشجار والورود. بعد نصف ساعة، كانت تقف تنظر بانبهار لما حولها، من جمال يشبه صاحبه. وقف خلفها، وهمس لها. "عجبك؟ من زمان وأنا بجهز فيه." ابتسمت بفرحة. "جميل أوي، وخصوصاً المنظر من هنا اللي بيطل على بحر إسكندرية. جميل أوي." ابتسم وأدارها له.
"طب ليه مش عاوزة تبصيلي؟ أنا جوزك دلوقتي على فكرة. يعني النظر في عيونك حلال. يعني مش هفضل أستغفر طول الليل." رفعت وجهها له، والتقطت عيناها الحزينة بعينيه التي تشع إيماناً وراحة. "وهمست بتلقائية. لما ببص في عينك، بحس براحة وهدوء عجيب، زي سحر بيجذبني. فبخاف أبص ليك، تفهمني غلط." قالت ما قالته وخفضت نظرها. رفعه بيديه وابتسم ابتسامة مهلكة ككلماته.
"بس من انهارده تقدري تبصيلي زي ما انتي عايزة. انتي حلالي ياأمل، صدفتي الحلوة اللي هفضل أدعي ربنا ليل نهار إن رزقني بيها." همست بحزن. "يعني مش هيجي يوم وأسمعك بتقول ياريتني ما عرفتك." وضع إصبعه على شفتيها. "ششش.. متكمليش. محدش جبرني عليكي. يمكن الناس كلها تشوفك وحشة، تشوفك بلون تاني. بس اتأكدي إن أنا شايفك بعيون قلبي. أنا ميهمنيش اللي فات قد ما يهمني انتي إيه دلوقتي." سالت دموعها بصمت، بخزي، بقهر.
قبل رأسها وأخذها من يدها. "تعالي." ابتسمت وسارت خلفه. شعرت بدفء يسري بأوردتها يجعلها كالمغيبة في حضرته. بغرفة نوم عادية، ولكنها مميزة، هادئة، تريح العين. بها شيء مميز، ربما المميز بها أنه هو بجانبها. ترك يدها بجانب الخزانة، وقال لها. "الخالة ماجدة جابتلك كل حاجتك هنا من يومين. ادخلي غيري هدومك هستناكي نصلي سوا. عاوزين نبدأ حياتنا بطاعة الله. أنا مش عايز أغضب ربنا فيكي يا أمل."
ابتسمت وأومأت له. وسكتت تنتظر خروجه. نظرت له بخجل، فحك ذقنه وابتسم، وفهم. "حاضر هخرج. بس متتأخريش." ضحكت عليه وهو يبدو كطفل صغير تائه كحالها. بعد نصف ساعة أخرى، كان صوته العذب يشق سكون الليل، وهي خلفه. وكأن سحر العالم اجتمع بصوته، جعلها تنسى نفسها وما كان، وعادت تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تقف خلف والدها تقلد خطواته وهو يركع ويسجد. انتهت صلاتهم والتف لها، مردداً على رأسها دعاء الزواج. رددته بعده كما أخبرها.
أمسكها من يدها بحنان، واستقام بها. اقتربت من المرآة تتهرب من عينيه بخجل. فحطت عينها بعينيه في مرآتها، تقف أمامه وهو خلفها. همست. "عارف ياقاسم، حاسة إن النهاردة اتولدت من جديد. كل هم وكل ذنب ارتكبته وأنا زي المغيبة، كأن ما كان. مش عارفة دا سحر صوتك، ولا إيدك اللي أول ما حطيتها عليا وأنا حاسة إني رجعت طفلة صغيرة. ولا هو سحر الجواز من الشيخ قاسم."
رد ابتسامتها، وحاوط جسدها الهزيل الذي لا يقارن مع جسده بتاتاً بيده اليمنى، ومد يده الأخرى، وحرر شعرها الذي ستره في أول ليلة التقاها بها بقطعة من ملاءة كان يخزنها بخزانته. ابتسم ومد يده وفرده على ظهرها وهمس بأذنها. "عينيكي بتبقى زي نهر العسل في النور والشمس، خدودك بتحمر لما بتكسفي، شعرك زي سلاسل الدهب." استدارت وضحكت. فهمس. "بتضحكي على إيه؟ عبست. "انت طويل أوي ياشيخ قاسم." ضحك بعلو صوته. "شيخ؟
ما ضاعت المشيخة على إيدك يا قلب الشيخ." ردت باستنكار ويدها امتدت لتلمس نتوءاتيه الظاهرتين بخديه الاثنين. "وأنا مالي ياشيخ." همس وهو ينظر ليدها التي تتحرك براحة على خده. "بتعملي إيه؟ فلتت من بين يديه، واقتربت وأغلقت الإضاءة. غزا ضوء القمر الغرفة. اقتربت وجلست بجانبه على تلك الأريكة التي جلس عليها، بجانب الفراش. ابتسم ومد يده، جذبها لتجلس ملتصقة به. حطت برأسها على كتفه. فهمس.
"عارفة يا أمل، أول ماشوفتك الليلة إياها حسيت بإيه؟ ردت بلهفة. "بإيه؟ تنهد. "أنا دايماً أدعي ربنا وأقوله: اللهم اجعلني نوراً أميز به بين الحق والباطل. عشان كدا شوفتك بقلبي، مش بعيني. وفي فرق بين اللي بيشوفه القلب وبين اللي بتشوفه العين. أنا شوفتك ملاك تايه وسط شياطين. فكرتيني بنفسي زمان وبحالي." مد يده وفك عبست وجهها من استغراب كلامه، وابتسم.
"عارف إن الخالة ماجدة حكتلك حكايتي، بس اللي متعرفيهوش إن أنا كنت بشوف أبويا وأمي شياطين، بيتلونوا على ميت لون. جدي دايماً كان يقولي: أنت الحسنة الوحيدة اللي طلعت بيها من جحر الشياطين. عشان كدا كان دايماً
يقولي: اللي تشوفه عينك مش زي اللي يحكم بيه قلبك، متخليش المظاهر تخدعك. أنا مش شيخ يا أمل، أنا بس واحد عارف تعاليم دينه كويس. ربنا ميزني بطلاقة اللسان، أعرف أوصل بيه لقلوب الناس. ميزة من ميزات تانية حطها بردو في ناس تانية. كل واحد ميزه بميزة، ودي كانت ميزتي. ناس كتير بتفهم الدين غلط. الدين مش جلد، دينا دين رحمة، وربنا غفور رحيم." أمل. "بصيلي."
استدارت له، بعدما أشاحت بوجهها عنه، بهدوء، وابتسمت ابتسامة غصباً عنها حزينة. "اللي فات من النهاردة ميلزمنيش، مش هنفتكره. عايز أعمل معاكي عيلة حلوة تملي حياتنا، عايز ولاد كتير يبقوا أهلي وأهلك، نربيهم على رضا ربنا، وننسي بيهم اللي فات. من النهاردة أنا أهلك وانتي أهلي. مفيش مكان للماضي. اللي فات باللي فيه مات بالنسبالي." ابتسمت ونزلت دمعة حزينة من عينها. "خايفة ربنا ميسمحنيش. أنا، أنا زانية." كتم فمها ونظر لها بحدة.
"ششش.. متكمليش. انتي أطهر واحدة في عيني، أحسن من ناس كتير. انتي بس كنت محتاجة حد يفهمك، يقرب منك، ويحتوي ضعفك. أوعي أسمعك تقوليها تاني." شهقت وارتمت بأحضان. "أنا خايفة أوي ياقاسم. أنا والله ما كنت أعرف اللي عملته دا حلال ولا حرام. أنا اتربيت مع أم مكنتش بتركعها، عمري ما سمعتها بتتكلم عن الحرام والحلال. واحدة كل شهر كانت بتمشي حياتها كلها بالدجالين." قاسم.
"أمي كنت بشوفها بنفسي بتحط الكتابة لابويا وإخواتي في الأكل. كنت أقولها إيه دا؟ تقولي دا مايه مبروكة. كبرت على إنها فعلاً مايه مبروكة. لحد ما كبرت وفهمت. وخوفت أتكلم. أبويا وعابد كانوا بيصلوا عشان كدا، مكنتش بقدر عليهم. أما أحمد وأنا بقينا نسخة منها. أنا والله ما كنت أعرف بعمل كدا إزاي. أنا كل ما أفتكر بستحقر نفسي." تركها تخرج ما بقلبها، إلى أن هدأت شهقاتها. قبّلها بهدوء. "هدتي." أومأت، ورفعت رأسها له. "مصدقني؟
ابتسم بهدوء، وأجابها. "مصدقك." أمل. "عفا الله عما سلف." "أنا قولتلك وهقولك، كلنا بنغلط، ومادام القلب طاهر وتاب، صدقيني ربنا بيقبل توبته. الرسول صلى الله عليه وسلم قال: 'كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ'. عشان كدا، انتي أحسن من ناس كتير. امسحي دموعك دي، مش عايز أشوفها. إيدي بإيدك، وأوعدك إن اللي جاي أحسن بس انتي متبكيش." أومأت بابتسامة مرتاحة. "حاضر يا شيخ."
قبل رأسها، وهمس بجانب أذنها، وهي يميل بها، آخذاً من العمر لحظة لن تعوض، سيبقى صداها للأبد. "بحبك يا قلب الشيخ."
استسلمت لقبلاته، التي تشبه قطرات الندى، تنزل على ثغرها تشفي الجروح. سلمت له وبكل لمسة منه، كانت تنزل على جسدها تمحو ما كان من قبله، وكأنها خلقت لتكون هنا بين ذراعيه، بين ذراعي رجل يدعي شيخاً، البعض يحسبونه متشدداً، وهي وحدها تعلم أن بقلبه جمع حنان العالم. بين أحضانه موطنها، وسكنها. من بين أوجاعها، كان لها أملاً، ومن بين جروحها الدامية، كان لها بلسم شافياً. وفي ليلة عدتها أسوأ لياليها، كان لها بالمرصاد وتحولت على يديه لأخرى ستبقى من أجمل أمانيها.
أغمضت عينيها براحة على صدره، وهمست. "بحبك ياقاسم." *** صباحاً. "ها يافريدة، طمنيني يابنتي." فريدة براحة. "محمد تحاليله اتطابقت مع سولا. هندخلهم العمليات كمان ساعتين. ادعولهم انتوا بس." زينب ونادية. "يارب." نظرت نادية لمحمد الجالس بجوارها بفخر، وربتت على كتفه. "أنا فخورة بيك ياقلب أمك. اللي خلف ممات." وكأن الأيام بتعيد نفسها من جديد. محمد باستفسار. "يعني إيه يامي؟ ابتسمت نادية.
"يعني أنا متأكدة إنك قدها، هتخرجوا منها. مهو أصل أبوك عملها زمان وأصر إنه هو اللي يتبرعلها بكليته. مهو أنا مقلتلكش أنا كنت مريضة فشل كلوي." سمر بجانبهم. "انت بتتكلمي جد ياخالتي؟ ردت زينب.
"كانت سعدية الله لا يكرمها، هاريها معدة خالتك بالسحر والكتابة، لحد ما جالها فشل كلوي، وخلاص كانت كلها أيام وتودع الدنيا. وكالعادة سويلم رفض يديها كليته والحاج. منطبقتش تحاليله. ولأن مراد كان روحه في نادية، أصر إن يشاركها كليته. وفعلًا ربك كان كريم. شالوا كليتين نادية، وحطوا مكانها كلية خوي مراد، وعاشوا روحين بروح واحدة. ورغم السحر والشر، مجدرتش سعدية تفرق بيناتهم، بس بالأخير طالته يد الغدر." سمر. "ياااه، للدرجة دي؟
دي كان بيعشقك ياخالتو." نادية بحزن. "كان حياتي كلها. نوري في وسط عتمة الدنيا. ربنا ينتقم منها. اللي فرقتنا." سمر. "بس أنا مش فاكرة ياخالتو، عمو مراد مات إزاي؟ زينب بحرج. "كان يا كبد أخته حالته يوم عن يوم بتسوق. حاله اتبدل، وعلطول تعبان. لحد ما في يوم دخلنا عليه لقيناه سايح بدمه. السكينة شجت جلبه شج، وجنب منها.." كملت نادية بدموع.
"كأنه كان بيعافر عشان يوصلنا حاجة معينة. الوقت ده أنا كنت في مصر أنا والولاد، ويا ريتني مانزلت ولا سبته. رجعت لقيته سايح في دمه وجمبه حرفين كتبهم بالدم عالأرض. س، ع.. ومات ومقدرش يكملهم. طبعاً كلنا شكينا، بس أنا رحت في دنيا غير الدنيا. كنت فاكرة إن جدك نسي وخلاص. فوجئت إنه عارف كل حاجة. بيخطط للتار من سنين." محمد بغل. "القادرة! آه لو أطولها كنت قتلتها بإيدي. حتة.. تار أبويا لازم آخده بإيدي."
دخل الجد عليهم بسعادة مستترة. "تم ياولدي، قوم انت بالسلامة وتار بوك، وعد تاخده بيديك." محمد بلهفة. "مسكتوها ياجدي؟ الجد. "جدك وعدك يابن الغالي، تقوم بالسلامة وتاخد تار بوك، وننصب الصوان، وناخد عزا بوك." محمد بعزيمة. "هقوم إن شاء الله ياجدي، وآخد تاري وتار أبويا بيدي." الجد. "عفارم عليك. يالا يا بطل، قوملنا انت بالسلامة." واقترب هامساً بأذنه. "انت وحبيبة القلب." ابتسم بخجل، وحك رأسه. "دايماً فهمني صح انت ياجدي."
ابتسم الجد. "فاهمك يابن الغالي، شهم ياولدي كيف بوك." *** منذ فتحت عينيها بالمشفي ولا تتحدث، عيناها شاردة وموجوعة. أغمض عينيه وهو يراها متقوقعة على نفسها على فراشها منذ عادت للمنزل، يحدثها ولا ترد عليه. حل الليل عليهم، ولا أمل أبداً. نظر لها بحزن على حاله وحالها. طيلة اليوم يحاول معها ولا فائدة. أغمض عينيه وتنهد بحزن وخرج بخفي حنين. لا تأكل، ولا تتحدث.
جلس على الأريكة بحزن، واضعاً كفه على وجهه يكتم شهقاته حتى لا تسمعها هي. وحيد، ضائع، من غيرها. اعترف لنفسها، هي كل حياته، وما يملك. لن يضيع عمره مرة أخرى بإرضاء من حوله، كل مسئول عن أفعاله. ماذا جني هو؟ همس بغصة. "ياسمين، محتاجلك أوي. ارجعلي. أنا من غيرك ضايع."
أحست ببرودته بجسدها. نظرت حولها يميناً ويساراً، وأحست بأن ظهرها عارياً، لا أحداً خلفها لتلتصق به كالعادة، يحاوطها فتشعر بالدفء. وكأن عقلها كان بثبات عميق، واشتغل الآن. أين هو؟ عادت بذاكرتها، وتذكرت ما حدث. همسه، كلماته الحنونة لها. سالت دموعها حينما تذكرت ما حدث. لم تكن تريد تلك النهاية. ابتلعت ريقها وهي تعتدل، تبحث عنه بعينيها داخل الغرفة. شعرت بالوحدة تغزو قلبها. أين موطنها وسكنها؟
نزلت ببطء ورأت تلك الدماء مازالت أثرها على فخذها العاري. لقد حاول معها أن تأخذ حماماً، ولم تستجب له. توترت، ومنظر الدماء يوّترها. منذ تلك الليلة وما حدث وهي تتوتر من منظر الدماء وتخاف وبشدة. صرخت بهلع، فقز هو من مكانه، راقداً لها. "ياسمين، في إيه، مالك يا حبيبتي." أشارت بيدها بخوف، ودموع، وجسدها يرتجف. "عابد، دم، دم ياعابد." اقترب منها متسائلاً بخوف. "فين ياياسمين؟ مفيش حاجة، انتي كويسة، متخافيش." أشارت لآثار الدماء.
"اهو ياعابد، اهو." أغمض عينيه بحزن، وتذكر أنها تخاف من منظر الدماء منذ تلك الليلة. "اهدي ياقلبي تعالي، أغسلهالك." استسلمت ليديه، تسحبها كيفما شاء. خلع لها ثيابها، وسحبها لأحضان، يهدئ من رجفتها. "ششش.. شوفي، أنا معاكي، مش هسيبك أبداً." همست. "عابد، احضني أوي. أنا خايفة." "هما بخير، صح؟ ابتسم من بين دموعه. "بخير. طول ما انتي بخير هما بخير."
أغمضت عينيها براحة، وحاوطت عنقه بيدها، مستسلمة للمسات يديه على جسدها، تمحي آثار دمائها وانهيارها والمياه تسيل من فوق رؤوسهم، تطهرهم وتطهر أجسادهم. همست بأذنه. "عابد." أبعدها ونظر لعينها. "عيون عابد." ابتسمت بخجل، وهمست. "أنا جعانة." حملها بعدما أحاطها بمئزر الاستحمام، وارتدي هو مثله. وأجابها بابتسامة. "عيوني حاضر." جلس يطعمها بيديه كطفلته، وهي تفتح فمها بهدوء تستقبل ما يعطيه لها بسعادة.
بعد ساعة، كان يحتويها بين ذراعيه، وهي مستسلمة لدفء أحضانه. ابتسمت، وقالت. "بودي." "عيون بودي." "بحبك. احضني أوي." "وأنا بعشقك، وعمري ما هسيب أبداً، متخافيش." *** بين أحضانه، الدنيا وما فيها. يسكن القلب، ودموعي يمحيها. وإن ابتعدت، نار تسكن القلب. لا ماء ولا رماد، تطفيها. أهلوس، أين أنت؟ يا من لي الدنيا وما فيها. بعدك لا دار، ولا سكن، أرتاح أنا فيها. أنت الأمان، أنت الحنان، ولي كنت الدنيا وما فيها.
إن غبت عني، تسيل دموعي، ولا غيرك يا حبيب القلب يمحيه. بين أحضانك الدنيا وما فيها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!