الفصل 14 | من 27 فصل

رواية رحماكي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم أسما السيد

المشاهدات
24
كلمة
5,875
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

صراخ وعويل داخل أروقة المشفى. ودموع غزيرة، تدعي بدموع التماسيح أمام أبنائها الواقفان بجسد متوتر. ويزيدهم بكائها المصطنع، وهم يعلمون توتراً واشمئزازاً. لقد أتت صباحاً لابنتها، ولم تجدها. بحثت بكل مكان ولم تجدها، إلى أن فقدت الأمل. واضطرت بالاتصال على أشقائها. "اخرسي بقي شوية، اكتمي بقك ده، خلينا نشوف إيه اللي حصل." "بتشخط فيا يا أحمد، هيا حصلت؟ "قلت آخرسي، آخرسي بقي! ازداد صراخها، وأوشك أن يفقد أعصابه عليها.

لولا تدخله هو. "اهدي، خلينا نعرف نتصرف وامسك نفسك شوية، كفايانا فضايح لحد كده. مش عاوزين حد ياخد باله." "كفاية اللي الناس بتقوله علينا." "كفاية، حرام عليكو، انتوا إيه؟ شياطين." هدأ من روعه، ورفع نظره لأخيه بكسرة وخزي من نفسه وحالهم. وما فعله بشقيقه. "ظاين تدان." هذا كل ما يدور بذهنه. "تعالى نشوف كاميرات المستشفى." أومأ له بصمت وتبعه. "أحمد، ارجع ملقيكيش هنا، أما نعرف حاجة هبقى أبلغك."

"طب يابني، اللي تشوفه، بقوا طمنوني، أنا همشي أنا بقي." هرولت، وهو ينظر لها بسخرية، وهو يعلم ما تفكر به. انتهت مسرحيتها، ونصيب لأخرى من الميراث أصبح لها. استدار راحلاً خلف أخيه، وفي باله شيء واحد، أن يعتذر من عابد. وإن لم يغفر له، يكفي أن يعترف أمامه بأنه أخطأ بحقه، وحقها. بحقها. بحق زوجته السابقة. تنهد، وهو يأمل بالوصول لها يوماً والاعتذار لها. يعلم أنها لن تغفر، ولكن ليخلي ضميره. بعدما علم بأنه على وشك النهاية.

ليرحل من الدنيا بلا ذنوب. بعد ساعة. على أريكة بجانب المشفى، جلسا هو وأخيه. "يعني مشيت بمزاجها، هربت، ليها حق والله." "طبعاً مبسوط، ماهي سبتلكوا ورثها، يالا تتهنوا بيه." "انت فاكر إن ده اللي هممني؟ أنا أقصد إن إحنا اللي جنينا عليها، بإهمالنا ودلعنا ليها. سبناها لأمك تملي دماغها بقالنا، كان لازم نقرب منها ونوعيها." "وهي أمك كانت بتخلينا نقرب منها؟

المشكلة إن أنا عارف إن أمل ساذجة وبتنضحك عليها، مش عارف إيه قلّب حالها. دي كانت زي الوردة، مينسمعلهاش صوت ولا حس." "أنا مش زعلان منها، أنا كنت هاخدها عندي، نبدأ صفحة جديدة سوا. كنت مستنيها تفوق وتخرج وأسمعها. ليه بس استعجلت؟ وهربت؟ أمل متستحقش كدا أبداً. ويا عالم فين دلوقتي ومع مين." "بس غلطت، وكان لازم تتعاقب."

"كلنا بنغلط، كلنا مذنبين، مش هي لوحدها. مينعينش نفسنا قاضي وجلاد. يمكن هي أحسن مننا. أمل جواها طيب وتستحق فرصة تانية. ربنا عالم بحالها وإزاي وقعت تحت اللي وصلها لكده. كل اللي عملته أمك السبب فيه، ومراتك كمان. الصحبة السيئة، حسبي الله ونعم الوكيل." نكس رأسه بخزي، وأخوه يجلده بكلماته ونظرات عيونه اللائمة. لاحظ شروده وكسرته. "تفتكر مين اللي عمل كدا؟ أنا كنت مستني تفوق من اللي هي فيه وأسألها؟

"للأسف موصلتلوش، بس أنا هفضل وراه لحد ما أعرف مين. أنا كلمت مهندس كمبيوتر شغال في الداخلية، وقدر يوصل لأصل الفيديوهات ومسحها." "الحمد لله. طب وصاحبك ده معرفش مين اللي شيرها؟ "لا مقدرش يوصل، اللي بعت الفيديوهات ذكي ومأمن نفسه. بس هو أكدلي إن الفيديوهات اتمحت." أومأ عابد وتردد أحمد بالكلام. ولكنه شجع نفسه. "أنا عاوز أقولك حاجة بس." "في إيه يا أحمد؟ انت تعرف حاجة ومخبيها؟ انت عارف هو مين؟ قولي مين؟

"لا مش كدا. أنا بس كنت عاوزك... عاوزك تسامحني يا عابد. أنا افتريت عليك وعلى فريدة. أنا كنت زي المغيب، معرفتش بعمل إيه." "بقولك إيه يا أحمد، بطل تمثيل بقي. الله يرضي عليك ومتفتحش السيرة دي تاني. وبعدين ببساطة كدا، أسامحك؟ طب أسامحك على إيه ولا إيه؟ طب فرضنا إني هسامحك أنا، فريدة وولادك اللي رميتهم ومش عارف مصيرهم إيه، ذنبهم إيه؟

قولي إزاي قدرت تثق وتِرمي ولادك وكأنك لاقيهم في كيس شيبسي. بص يا أحمد، اللي كانت ممكن تربطني بيكم من تاني، هيا أمل. وأهي أمل كمان راحت، زي كل حاجة في حياتنا كانت تربطنا راحت. حتى أبوك مات غضبان عليا بسبب كدبك وافتراك عليا. أنا خلاص بعت اللي حيلتي هنا، وهنتقل القاهرة. أنا مش هقدر أعيش هنا تاني. أما بقى ورثي من أبويا، حلال عليك. اشبع بيه، بس ياكش تلاقي فيه الراحة والسعادة." استقام راحلاً. أوقفه نداء أحمد المختنق.

"عابد، وحياة أبوك تسامحني. وخلي فريدة تسامحني. أنا عارف إنك عارف مكانها، وإنكم على تواصل ببعض. خلي فريدة تسامحني، وخلي بالك من ولادي." أغمض عينيه، وهو يشعر ببوادر فراق. صوت أخيه قلبه الحنون، طغى على تفكيره، فاستدار مبتسماً بحزن له.

"مسامحك يا أحمد، عشان خاطر بابا مسامحك. بس نصيحة مني.. استرجل شوية. اعمل الصح، قبل ما الوقت يفوت. فوق لنفسك والحق اللي جاي من عمرك. الرجولة أفعال مش كلام. فوق لنفسك، واذكر ربنا وصلي وادعيله بالهداية. الدنيا منفاته، النهارده معاك، بكرة عليك." اقترب أحمد منه ليودعه. لربما تكون تلك المرة الأخيرة. ربت على كتفه بشوق، يذكره بطفولة غائبة وأخوة اندثرت بينهم بجرابات النسيان.

"طب إيه، مفيش حتى حضن يا أخي. نسيت كنت بتعمل فيا إيه لما تكون مسافر، وأزعل وأعيط." "لسه فاكر. فكرتك نسيت، زي ما نسيت حاجات كتير." وهو يرتمي بأحضان أخيه. "أنا عمري مانسيت يا عابد. أنا كنت مغيب. صدقني ما أعرفش أنا عملت كدا إزاي. أنا غلطان وربنا عاقبني وأنا راضي." "مالك يا أحمد؟ عاقبك بإيه؟ وهو يمسح عينيه.

"متشغلش بالك يا عابد. وبعدين فراقنا عن بعض وعيلتنا اللي اتفرقت، بالنسبالي أكبر عقاب. يا أخي بعدي عن ولادي وحرماني منهم أكبر عقاب. حتى أمل، رغم اللي عملته بعدها وهروبها، سكاكين بتقطع في قلبي." "عندك حق. بس أنا واثق إن ربنا رحيم وهيبعتلها اللي يقف جنبها." رفع يده بالدعاء. "يارب أنت عالم بحالها ومعدنها، احفظها وين ما تكون." آمن خلفه. "يااارب. هتوحشني يا شق. ابقى افتكرني وادعيلي أنا كمان." وهو يربت على ظهره.

"انت أخويا الصغير يالا. هتفضل صغير وهفضل أنا الكبير. مهما عملت، مكنتش بعرف أكرهك، ولا أقسى عليك." "ربنا يخليك ليا." سكت قليلاً. وناداه. التف عابد له باستفهام. "دور على أمل. قولها أحمد بيحبك، مش زعلان منك." أومأ عابد له وأجابه.

"هترجع، واثق إنها هترجع. أمل جديدة. أنا هفضل أدعيلها بالهداية، وإن ربنا يخصص لها اللي ينشلها ويداوي جروحها. أبوك كان طيب وياما داوي جروح وساعد فقرا ومساكين، بحق اللي عمله ربنا هيراضيه فيها، متقلقش. اللي فات كان ذنبك، واللي جاي ثواب الطيبين." افترقا على وعد باللقاء قد يقصر، وقد يطول كثيراً، وإلى الأبد. ــــــــــــــــــــــــــــــ استيقظا معاً فزعين، على خبط الباب.

"افتحي يا ساجدة، لساتك نايمة يا جلب أبوكي. جومي جهزتلك الفطور، فطور ملوكي. مين اللي خبراه يا جلب أبوكي؟ "جومي قبل ما خايب الرجا، ابن خيتي يعاود." "شايفه أبوكي؟ ماشي يا خال." خبطت على صدرها بخوف. "ياويلك يا عدنان، بوي عم يدج." ارتدي جلبابه بثقة، وعينيه تلمع بالمكر. "لا تخافي يا جلب عدنان، إحنا مابنعمل حاجة شينة، انتي مرتي." استمع لحديثه من الخارج وجن جنونه. "عدنان، إيش جابك على داري يا حزين؟

"افتحي يا ساجدة، هجتلك يا ابن خيتي." ساجدة وهي تلطم خديها. "رحت في خبر كان يا عدنان، بوي عم يعمر طبنجته." اقترب منها وحبسها بين ذراعيه. "فوتك مني، خليه يدج، خليني أشبع منك يا ساجدة." صرخات وهدان العالية، جعلته يتأفف صارخاً به. "وااه يا خال، راجل ومرته، ليه عم تجعر أجده؟ وهدان، وهو يدفع الباب بكتفه. "بجعر يا بجَم، إني بجعر. ياويلك مني، افتحي يا ساجدة. أجده يا بتي، هونت عليكي يا ساجدة؟

لمعت عين ساجدة، وهي تنظر للشباك الذي دخل منه عدنان أمس. "هم يا عدنان، خلينا نمشي من اهنه." "جولتي نمشي، يعني هتيجي معايا يا جلبي؟ "بسرعة. لو مجيتش معاك، هيخلص علينا بوي وأنا خابراه. يالا يا عدنان." هم بسرعة. قفز بسرعة ومد يده وأخرجها مسرعاً. "يا جلب عدنان، يا فرحة جلبك يا عدنان." كسر الباب ولمحه يسحب ابنته. "حجتلك يا عدنان، تعي اهنه يا ساجدة." "على عيني يا بوي، اليوم لعدنان وبكرة ليك يا بوي."

عدنان وهو يمتطي فرسه ويسحبها أمامه. "هادم اللذات أنت يا خال، بنتك مرتي. وإذا بتهوب ناحية داري بشكيك للراوي." قفز وهدان وجرى وراءه. "بتهددني يا ابن خيتي؟ وبتاخد بتي مني؟ ياويلك مني." شق الفرس طريقه مبتعداً. ووقف هو يتوعده بنفسه. "ماشي يا عدنان الكلب." استدار لمحها تضحك من ورائه بسعادة. "عزيزة، امرأة بالاربعين من عمرها، أرملة، لم تنجب الأطفال، جارتهم. واه عليك يا وهدان، لساتك هتغار من عدنان. يا حزين."

"عدنان جوز بتك، وابن خيتك." وهدان بحزن. "أعمل إيش يا عزيزة، مالي غيرها. خايف تنساني، وغصب عني بغار. من يوم ما ماتت أمها وهي كل دنياي." "لازمك ونس يا وهدان. فوت بنتك تفرح يا حزنان، يا قبل ما يجيك بالحفيد يا خرفان." لمعت عنه بسعادة. "على قولك، لازمني ونيس يا عزيزة، ليش مابتكوني سلواي؟ عزيزة بخجل. "اتحشم يا وهدان، ال سلواي ال." وهدان. "هطلبك من الراوي، وحيدة كيف حالي." عزيزة، وهي ترحل. "خرفان." وهدان. "لع... عشقان."

حك رأسه بعدما رمقته بقرف. "والله شكلها عشجاني. وليش لا؟ بتونسني، وراضية بحالي." تذكر ابنته، وهمس بغل. "ياويلك مني يا عدنان، هاكل أنا لحالي، بعدك يا ساجدة، لا ونيس ولا أكل يحلالي." استدارت ناظرة لعينيه التي يشع منها الانتصار. "يا جليب، عدنان أنتِ." ساجدة بدلع. "خلينا نجضوا اليوم عند النبع." عدنان وهو يستدير باتجاه النبع. "باخر المزرعة... جلب عدنان تأمر وأنا أنفذ." ابتسمت بسعادة وحرر يده وأحاط خصرها بسعادة. هامساً لها.

"اشتقت لك يا جلب عدنان. اليوم لا عزول ولا عزال." ــــــــــــــــــــــــــــــــ صوت العراك الآتي من الأسفل. والطلقات النارية المتتالية، كتلك في الأعراس. جعلتها تنتفض وهي بالمرحاض بخضة، خوفاً. لربما أصاب أحد أبنائها شيئاً منهم، وهم يطلقونها بعشوائية. بأرض البدو كانت مطمئنة عليهم وسط الوشوش الطيبة. أما هنا، منذ أتت وهي مرتعبه مما قد يحدث لهم. "ربنا يستر." ارتدت ملابسها مسرعة، وخرجت لترى ما يحدث.

تفاجأت به يرتدي ثيابه، هو الآخر على عجل. جلبابه الصعيدي الذي يرتديه، جعله أكثر وسامة. ابتسم بحب له، وشعور بالفخر تملكها. هذا الوسيم، زوجها. لقد تركته نائماً بعمق، يبدو أنه فزع هو الآخر من الصراخ. ارتفع العراك والتمتمات فيما بينهم. فتحت الباب مسرعة، وشعرها الحر، منسدلاً على جلبابها المطرز كملكات الإغريق، يتطاير خلفها. شعرها الذي ازداد طوله طولاً، من اعتناء الخالة سليمة به.

احتد عينيه وغيرته، وهو يلمحها لا تعيره انتباها أبداً. وماذا كان يتوقع منها؟ تلك العنيدة الأبية. أكان يتوقع أن يصحو على قبلاتها وهمساتها؟ اقترب منها مسرعاً يلحق بها، قبل أن تهبط الدرج. أمسكها من ذراعها بحده. فاستدارت له بغيظ. "إيه؟ في إيه؟ أنت ماسكني كدا ليه؟ جز على أسنانه وهمس لها. "ادخلي جوا نتكلم." "لا أقول هنا." "كيان بغيظ. لينا أوضة نتكلم فيها، مش ضروري الكل يسمع اللي بنقوله يا دكتورة. ولا أقول يا مدام كيان."

"نعم، هو إيه دا؟ أنت عاوز إيه؟ أغلق الباب وأدخلها، مشيراً لها. "إيه دا... وهي تنظر لما يشير إليه. "إيه؟ في إيه؟ تنهد واستغفر بسره. "هتنزلي بشعرك كدا؟ انتبهت له ووضعت يدها تتأكد منه. "ماله شعري؟ ماهو حلو أهو. أنا بقالي ساعة بسرح فيه." نظر لها بغيظ، وتحدث من بين أسنانه. "مهو المصيبة إنه حلو، وبقى أحلى من الأول كمان." تركته يتحدث بهمس، وانطلقت ناحية الباب. "بقولك عن إذنك، أنا نازلة أطمن على الولاد."

سحبها بحدة صارخاً بها. "فريدة، متجنننيش، مفيش خروج بشعرك كدا. البسي طرحة." "أنا مش محجبة أصلاً، عشان ألبس طرحة. واوعى لو سمحت." "لا، ماهو من هنا ورايح مفيش خروج من غير طرحة. ودا أمر مش مجال للنقاش." "نعم، أنت اتجننت؟ اقترب منها يتلمس شعرها بهدوء. هي لا تأتي بالعند والانفعال، وهو يعلم. لن يأتي معها نتيجة. ستزداد عناداً. أخذ نفساً، وبهدوء حدثها.

"فريدة، البسي طرحة على شعرك، مينفعش تخرجي هنا كدا. عيب وحرام. هنا غير أي مكان يا فريدة. عشان خاطري اسمعي الكلام. وبعدين نسيتي وعدك ليا، لما نتجوز يا كيان هلبس حجاب." استدارت بحزن. "كان وعد وراح، زي ما غيره راح." "مفيش حاجة راحت يا فريدة، أنا زي ما أنا. وأنتِ قدامي زي ما انتي. والسنين اللي فاتت لسه حسابها متفتحتش. أنتي دلوقتي مراتي، ومن واجبي تطيعيني. عشان خاطري داري شعرك." نبرة صوته الحانية، أخرستها.

هي تعلم أن حديثه صحيح. بارض البدو كانت ترتديه، ليس كاملاً، ولكن كان ساتراً. هنا العادات مختلفة، وغير العادات هي تود أن ترتديه. كان عليها ارتداءه منذ زمن. تنهدت واستدارت تبحث في حقيبة ملابسها التي جلبتها معها على حجاباً يليق بجلبابها. وجدت واحداً، ولفته بعشوائية، وهو واقفاً ينظر لها بحب. وفي نفسه: "متغيرتيش يا فريدة. لسه بتيجي بالحنية والهدوء. لو عملتي إيه، هتفضلي فريدة، اللي حبيتها." نظرت له بنفاذ صبر، فانتبه لها.

"خلاص ارتحت." أخذ نفساً، وحدثها بهدوء. "لمي شعرك كله يا فريدة. كدا مينفعش." جزت على أسنانها بغيظ، وعدلت حجابها. "خلاص كدا." اقترب منها ممسكاً بيدها، مبتسماً بسعادة. "خلاص يا قلبي، يالا بينا." نطرت يده بحدة. "أنا أعرف أنزل لوحدي، اوعى كده." ضحك بتعب. "طب لاحظي إني تعبان، مش حملك يا ست فريدة." أغمضت عينها بلوم، ونظرت له بقلق، والعراك يرن بأذنها. "أسفة." "طب تعالي، أقيسلك الضغط الأول." هز رأسه بالنفي.

"لا خلينا ننزل نشوف إيه، وبعدين نفطر وابقي آجي آخد العلاج." أطاعته وتقدمته، وهو خلفها، ينظر لها غير مصدق للعبة الأيام التي تلعبها معهم. بالأمس كان يُساق للزواج، وكأنه داخل للقبر. لو يعلم أن زوجته ستكون هي، من بين جموع النساء، لرقص للصباح فرحاً بين أصدقائه. ولم يجلس بينهم كخائب الرجا، كما أخبروه. ضحك بصوته كله. نظرت خلفها تسأله بدهشة. "بتضحك على إيه؟ أمسك يدها بين يديه بقوة وجذبها لجانبه، مبتسماً.

"تعالي جنبي وأنا أقولك." نظرت له بقلة حيلة وسارت بجانبه مرغمة. بعدما لمحت بعينيها جمعهن، وسلوي تنظر لها بغل. صوت صراخ سمر العالي وبكائها، أوقفهم. "حرام عليك يا جدي، أنا مش عاوزة أتجوزه، ليه بتعمل كده؟ اقترب سليم مسرعاً من والدته حينما لمحها تنزل الدرج، تاركة حضن الجد. "يا ماما." أفتلتت يدها من يده، وحملت طفلها بسعادة. "قلب ماما، وحشتيني أوووووي، وكده تقعدي دا كله متسألش على ماما." "لع، إني كنت مع وجدي، وذئاب الجبل."

"ذئاب الجبل إيه دا؟ وبعدين أنت قلبت كدا ليه؟ وهو يصارع يدها التي تحاوط خصره. "جدي راشد قالي سيبك من لهجة المصاروة المدلعة ولهجة البدو، واتكلم صعيدي كيف جدك راشد." "نعم؟ "وانت وافقت." "بعدي يدك يا أماي عني." "ياماااي، هي حصلت." كيان بضحكة مجلجلة. "عليها. فوتي يدك عنه يا مرة." نظرت له بحده، تجاهلها وسحب سليم من بين يديها. "طب خلاص، اوعي كده، متزعليش. أما أتعرف على سليم بيه، ممكن؟

تركته من يديها ببسمة على حديثه أخفتها ببراعة. انتبهوا لصراخ عمته سحر الحاد عليهم. "وجت مرجع ده انت وياها، متشوف جدك عاوز يعمل ببنتي إيه." نظر لها كيان بحدة. خافت منها، وأمسك بيد فريدة وبالأخرى حاملاً طفلها. "تعالي يا فريدة." أجلسها وجلس بجانبها ولم يعيرهم انتباهاً. حمل طفلتها سيلي، وهو يحمل هو سليم. "شايفه يا ستي، من أولها كدا." "اتجلّي، مهتاخدش وجت كتير. نوخلص من موضوع خيتك ده، وافضالها بت المحروجة دي."

"وانتي هتسيبيها تتجوز راضي ده؟ "من مصلحتنا نوخلص من سمر، ونبجي إحنا نفضالهم." وهي ترمق فريدة بكره. "عندك حق يا ستي." "يابتي اللي انت بتعمليه ده، ماممنوش فايدة. ال بت في عرفنا لابن عمها. راضي شاب زين، وكل البنت تتمناه. إني عطيت جدها كلمة مجدرش أرجع فيها. الفرح الخميس الجاي، وحاجة بتك هتاجي كلها بيومين." سلمي بسعادة وهي تجلس بجانبه. "في داهية. المركب اللي تودي." فهد بضحك. همس لها. "سمعتك على فكرة." نظرت له بغيظ.

"وانت رامي ودنك ليه؟ فهد بغيظ. "لمي نفسك يا سلمي، أحسن انتي عارفاني شهم ودم حامي. أقوم أطوع وأنقذ سمر من راضي وأتجوزها." "اتجوزها يا خفيف. انتو لايقين على بعض." فهد بتراجع. "لا، مانا مليش مزاج بقى الناس تاكل وشي. يالا مرة تانية." "لا ياراجل؟ "سلمي." سكتت ونظرت لأختها وغمزت لها. انتبهت لها فريدة ابتسمت بخبث. الجد بحدة وزهق من توسلاتهم وبكاء سمر. ضرب بنبوته الأرض وعلا صوته.

"خلاص خلصنا، إني اديت الراجل كلمة. انتهينا. من اليوم لليوم الخميس تكون كل حاجة ناقصاكي كملت." "عجبك اكده." "غبيه يا خيتي. هو يعني راضي شوية ولا إيه؟ راضي ده كبير عيلته، بعد بوه وجده. عنده شي وشويات، وراجل كلمته كيف السيف." وهي تديرها برأسها. "أنا إزاي مفكرتش في كدا قبل سابج."

"عشان انتي غبية يا خيتي. بنتِك عندها شوية هبل أجده، مش في دماغها كيف سلوي. هوائية، وميغركيش إنها بتقول رايدة فهد والكلام ده. بصي أكده بجي، دي واحدة في دماغها فهد ولا جنس راجل. بنتِك كيف مابيجولوا متحررة وعاوزة راجل يشكمها. فوتيها راضي تجي ونجش وراها، ماهياش هتعرف تفيدنا اهنه. خليها ترضي براضي." "عندك حج يا أخوي. سمر بتي خيبانة وبتخاف من أي شي، مش كيف سلوي." رفعت رأسها بمكر.

"خلص يا بوي، اللي تشوفه، مهنكسرش كلمتك. واهو راضي ابن عمها وهيصونها برديك." بقهر وصراخ. "يعني إيه؟ هتسبيني أتجوز راضي الفلاح ده؟ "يعني هو ده اعتراضك عليه يا سمر؟ عشان فلاح." "بلجلجة. يا جدي، أنا بخاف منه، مبحبوش، وبعدين هو أكبر مني بكتير، وغير إنه كان متجوز قبل كدا ومطلق." "وماله يا بتي؟ بيضل راجل، مابيعيبه شي." نظرت له بقهر، وقد علمت أنه اتخذ قراره وانتهى الأمر. نظرت لسلمي الشامته بها، وتنظر لها بشماتة.

واسودت الدنيا بعينها. "هاوريهم كلكم. ماشي يا جدي، خلاص. اللي شايفينه اعملوه." صعدت مسرعة لغرفتها، وأغلقت على نفسها، تفكر. "ماشي يا جدي، إن ما ورّيتكم مبقاش أنا." لملمت بعضاً من ثيابها ووضعت كل ما تملك بها لتهرب من هنا، غير واعية لما سيصيبها من جنانها. ــــــــــــــــــــــــــ "ليلى، ها يا خالة ماجدة فاقت." "أبدا يا ابني، الحمى بهدلاها. واتصلت بدكتورة معرفة جت كشفت عليها، وقالت دي من الحمى، وجرح إيديها، ووو."

وتلجلجت. "وإيه يا خالة؟ أنتِ مخبية عني حاجة؟ "نسيتني يا ابني، منحكمش عليها إلا لما تفوق وتحكيلنا. شكلها وقعت في مصيبة. الدكتورة قالت إن غيبوبتها دي نفسية، وكمان الحمى مقصرة عليها." بتفهم ودعاء لها. "ربنا يشفيها." "بيقولوا القرآن دوا للعليل، ماتخش تقرا لها آيات الشفاء، يمكن ربنا يشفيها على إيدك. بصوتك اللي زي الكروان ده، بيريح القلب." أومأ برأسه. "ماشي يا خالة. بس هقرأ لها من هنا، مش هدخل تاني عليها."

"واني هعملك لقمة تاكلها على ما تخلص، يا روح خالتك. ربنا يزيدك من نعيمه يا قاسم يا ابني." أومأ لها، وجلس يقرأ لها بنية الشفاء. مرت نصف ساعة، وفتحت عينيها، وبأذنها يرن صوته بخشوع. ودعاء لها. انشرح لها قلبها، ونزلت دموعها، بتأنيب وخزي مما فعلته بنفسها. حالتها النفسية جعلتها بحالة استكانة. لم تعِ أين هي، ولا ماذا حدث، فقط تشعر بسكينة، هدوء، راحة بقلبها. وكأنها عادت تلك الطفلة الصغيرة تجري وتلعب خلف أشقائها.

لا ضغينة ولا حقد ولا كره من أحد. ابتسمت برضا، وغامت عيناها مرة أخرى براحة أكبر على صوت ترتيله للقرآن. ــــــــــــــــــــــــــــــــ "مش عارف يا عابد إيه." "عصام، بلمحة كتير تحت البيت، هنا، بيحوم حواليه. الواد ده أنا مش مرتاحله." "بقولك يا أمجد، أول ما تلمحه رن عليا، بس من غير ما تعرفه ولا تخليه ياخد باله منك." "تمام يا صاحبي." "أنا طالع دلوقتي، ومتنساش اللي قولتلك عليه."

"حاضر يا صاحبي، مع إنك هتقطع فيا. هشوفي لك حد للمحل، إن شاء الله." "إن شاء الله، بس بسرعة الله يرضي عليك." صعد لشقته، يبحث عنها هنا وهنا. "ياسمينة، انتي فين؟ استغرب عليها، كانت تجري لاحتضانه حينما يفتح الباب، تتعلق به كطفلة تنتظر حلواها. وضع يده على جيب بنطاله يتأكد بأنه جلبها لها، وإلا سيضطر أن يهبط مرة أخرى من أجلها. ابتسم مردداً. "طفلة والله." دب القلق قلبه، وهو يبحث عنها هنا وهنا. تجلس بالمرحاض تبكي بسعادة.

إلى أن استمعت لدقاته عليها. "ياسمين، انتي جوا." "ياسمينة، اخرجي." عدلت ثيابها، وفتحت له بسعادة ممزوجة بدموعها البريئة. "عابد، انت جيت." تلقفها بيديه، بخضة من منظرها الباكي. "مالك يا ياسمينة؟ بتعيطي ليه؟ شدت على ذراعيها التي تحاوط رقبته، وبكت أكثر. "أصلي فرحانة." استنكر عليها. "فرحانة وبتعيطي؟ إزاي؟ فهمني. إيه، مالك يا ياسمين؟ همست له بأذنه بسبب فرحتها خجلاً.

"ودي حاجة بسيطة لكِ يعني، إنّي هانحرم منك خمسة أيام بحالهم." وهي تلعب بأزرار قميصه بخجل. وهي تبرر له. "أصل كنت خايفة أوي يا عابد." "خايفة من إيه يا عيون عابد؟ تعالي كده نقعد، وفهميني بالراحة." جلس وأجلسها على قدمه، بهدوء. "في إيه بقى، احكيلي بالراحة." فركت يدها بتوتر، وجمعت كلماتها أخيراً. "عابد، كنت خايفة أكون يعني... أكون حامل من... لم تستطع أن تكمل ودموعها سبقتها. تنهد وقد فهم عليها، مد يده مسح دموعها بحنان.

"يا قلب عابد، اليوم إياه اللي ربنا ما يعوده أبداً. في المستشفى خليت الدكتور يعملك تنظيف رحم عشان حاجة زي كده. كنت خايف عليكي وخصوصاً إني عارف إن أبوكي كالعادة هيتخاذل، وهيسكت عن حق بنته." "طب ليه مقولتليش؟ أنا كنت خايفة أوي يا عابد." سحبها أكثر لاحتضانه، مقبلاً رأساً. "حقك عليا يا ياسمينة، محبتش أفكرك باللي فات وأنا شايفاكِ نفسيتك أحسن. معرفش إنك بتفكري في كدا." تمتمت بالحمد لله، بسرها.

"أنا كده ارتحت. ربنا يخليك ليا يا عابد." "عابد، أنا كنت عاوزة أقولك على حاجة." ناولها الشيكولاتة الخاصة بها وأخذتها بسعادة، وهمس لها وهو يطعمها بيده. "قولي يا ياسمينة." ابتسمت وهما يتشاركان قطعة الشيكولاتة، وقالت له. "أنا عاوزة نمشي من هنا، أنا حاسة إني مخنوقة، مش مرتاحة. كل حاجة هنا بتفكرني باللي حصل، ارجوك يا عابد." ابتسم بوجع لها، ومسح فهمها بيده. وعدلها ونام هو على قدمها.

"أنا فكرت فعلاً في كدا. عرضت المحل للبيع، وليا شقة في القاهرة، هننقل ليها إن شاء الله على أول الأسبوع، هيكون الترم التاني بتاعك بدأ. إن شاء الله." بفرحة. "بجد يا عابد؟ قبل يدها التي تمسد لحيته، متمتماً. "بجد يا روح عابد. صفحة وقفلناها، ومن النهارده، لا هسمحلك ولا هسمح لنفسي بفتحها تاني، فاهمة؟ وهي تميل تقبل لحيته بسعادة. "فاهمة يا أحلى حاجة في حياة ياسمين." "هو أنا قلتلك إن أنا بحبك." "لا يا أختي مقولتيش." بقهقه.

"طب أنا بحبك، وأوي." وهو يخطف رحيقاً من عسلها. "وأنا أثير عيون ياسمينة." ــــــــــــــــــــــــــ "خلاص يا دكتور، أنا موافق أبدأ بالعلاج." "يا أحمد يا ابني، أنت في مرحلة متقدمة، بس طبعاً إن شاء الله فيه أمل. أهم حاجة النفسية والثقة في الله." بكسرة. "إن شاء الله يا دكتور. بس ممكن ناجل لأول الشهر، على ما أجهز أوراق السفر وإعلان الوراثة بتاع والدي."

"مع إن كل يوم بيعدي، بيبقى من عمرك، بس خلاص زي ما تحب، وإن شاء الله هناك في أمريكا نسب الشفاء هناك أكتر." "العمر واحد يا دكتور، وأنا مبقاش عندي حاجة أخسرها خلاص." "مانا قولتلك يا ابني الحل في إيدك، وأنت مش عاوز تعمله. هي عينة نخاع من ابنك، وإن شاء الله تخف، وتبقى زي الفل." بكسرة. "وهو فين ابني ده، بعد ما عملت كل دا فيه، تفتكر بسهولة كدا أرجع أقولها وأعترف بابني، عشان مصلحتي؟ وتفتكر هي هتوافق أصلاً؟

يادكتور سلمها لله، اللي بيحصل جزاء أعمالي والحمد لله، أنا راضي." بفهم وحزن عليه. "ربنا ييسرلك الأمر يا أحمد يا ابني. أنا هكلم صاحب المستشفى، وإن شاء الله يقدم لك اللي فيه الخير." ــــــــــــــــــــــ استغلت انشغال الجميع ليلاً بركوب الأحصنة، وجمعتهم العائلية المزيفة. ودفعت بحقيبتها من شباك غرفتها المطل على الطريق الخلفي. ابتسمت بانتصار وهي ترمي بالحبل الذي عقدته ببعض من ثيابها. لن ينتصروا عليها أبداً.

هي لا يهمها شيئاً، لا هم، ولا فهد نفسه. تريد الحرية. لقد سأمت مخططاتهم، وشيطنة سعدية. إن كانت تطيعهم، فهو اتقاء لشر والدتها وجدتها. غير ذلك، لا تهتم لأمرهم. ابتسمت بعدما وصلت بسلام للأرض، وبانتصار. "أنا هوريكم. ابقوا اتجوزوه انتو بقى؟ ال راضي ال، دانا أشوف العما ولا أشوفشي. يالهوووي، دا عامل زي التنين المجنح." حطت قدمها أخيراً، لخارج الدوار من الخلف. هرولت باتجاه الطريق العمومي.

يقف متكئاً على شجرة، بجانب الطريق ينظر لها ولـهروبها. كان متوقعاً ذلك منها، يعلم عندها وقدرتها على الهرب، وكان يتوقع ذلك. ابتسم بخبث وهو يخرج من خلف الأشجار، ينظر لها ولـهروبها كالفأر المذعور. "ابن عمك، تحتاج لتهذيب. سيريها إذن." ضحك بقهقهة عليها. اختفت، واقترب من سيارته المركونة بجانب الطريق، ولم تلمحها الغبية. "ماشي يا سمر، أنا وياكِ والزمن طويل. إن ما ورّيتك مبقاش أنا راضي."

تجري على الطريق السريع، ولم تلمح أي سيارة لتركب بها. تعبت من الجري، فمالت على ركبتيها، تتنفس سريعاً لترتاح قليلاً. أغمضت عينيها، وهي تستمع لسيارة تقترب منها أخيراً. اقترب منها بسيارته. نظرت لتلك السيارة ليست بغريبة عليها، ولكنها لم تتذكرها. اقتربت لتدق عليها طلباً للمساعدة. انتظر قليلاً، وخفض الزجاج، وعلى صوته، وعلى ملامحه بسمة ساخرة منتصرة. "توصيلة يا بنت عمي." شهقت وعادت للخلف بفزع، مرددة باسمه بخوف وذهول.

"راضـــــــي." ــــــــــــــــــــــــــــــ يا هاربة، اهربي. لتبقي أنتِ البادئة. أعشق غرورك وتعبيراتك الثائرة. ابتعدي، اهربي، ومن مصيرك، أين هاربة؟ عليك أحكمت حصاري. وبكل شيء كوني البادئة. لا بهمني كرهك واعتراضك. أقسم، سأعيدك نادمة تائبة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...