الفصل 13 | من 27 فصل

رواية رحماكي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم أسما السيد

المشاهدات
21
كلمة
5,414
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

انتصف الليل عليه هنا، وأخيراً انتهى من إعادة تلك السيارة من خِرقة بالية إلى أخرى تلمع كالعروس. استنزف كل طاقته بإصلاحها. هو مولع بإصلاح التالف، وإحيائه من جديد. أصبحت الأخرى بصنع يديه جديدة شكلاً ومضموناً. كم يشعر بالسعادة وهو يُحيي الآمال من جديد بقلوب أصحابها.

تنهد وهو يتخيل تلك الفرحة التي ستُطل من عين صاحبها العجوز بعدما يراها غداً. صاحبها رجل عجوز حصل ابنه أخيراً على درجة البكالوريوس بدرجة امتياز، وسيستلم تعيينه غداً، وأراد أن يهديها لابنه بدلاً من ركنتها، ولأنه حاله لا يسمح باقتناء الجديد، وضع كل ما يملك حتى استطاع أن يُحييها هكذا. تنهد وهو يحمد الله على أنه أتمها بالموعد المحدد. بقي فقط تجربتها.

التفت باحثاً عن ذلك الصبي المراهق بعمر السابعة عشر، وجده يغط في نوم عميق، متقوقعاً على نفسه. الإسكندرية ليلاً تصبح شديدة البرودة. اقترب منه ينادي عليه برفق حتى لا يخلع قلبه. "دقدق.. يادقدق." انتبه دقدق له. "أيوا ياشيخنا، أنا صاحي اهو." ابتسم ابتسامة أنارت وجهه، وتحسس بيده لحيته النامية. ليست طويلة ولكنها مهذبة بشكل يليق به. "قولتلك بلاش شيخنا دي."

دقدق بسعادة. "أحلى شيخ والله يابشمهندس. سيبك من الهندسة. والله المشيخة لايقة عليك. ما شاء الله كلامك بيشرح القلب وينوّر العتمة ياشيخ. دا الناس بتستنى يوم الجمعة وصلاة الجنازات عشان يستمعوا لخطبتك. كلامك بيخلّي الواحد يحس إن الدنيا بخير." ابتسم له برفق وهو يستمع لحديثه بلين. "طيب ياخفيف، يالا قوم روح انت. معلش آخرتك.. بس خلاص تقدر تروح. وخد دول وأنا هعمل لفة كده بالعربية أجربها أتأكد منها."

دقدق بفرحة وهو ينظر لقيمة الورقة التي أعطاها له. "بس دا كتير يابشمهندس، أنا يوميتي 100 بس." قاسم بابتسامة. "دا عشان انت مجتهد يادقدق وبتتعلم بسرعة وكمان سهرتك معايا. يالا يا حبيبي خد حاجة حلوة وانت مروح، فرح بيها أخواتك. ومتقساش عليهم. الرسول قال: 'رفقاً بالقوارير'. هااا، مش عاوز أسمع إنك مديت إيدك على بنت فيهم."

دقدق بحزن. "غصب عني ياشيخ. العيشة صعبة وكل شوية هات هات. دول 3 بنات ياشيخ. وأبويا إيدك منه والارض، ربنا ينتقم منه بقي." هز قاسم رأسه بتفهم. "عارف يادقدق إن حمّلك تقيل ولسه صغير على إنك تتحمل. بس معلش دا قدر ومكتوب. أخواتك البنات دول اللي هيدخلوك الجنة. حبهم واحتويهم.

بدل ما تقولهم: 'امشي غوري من وشي' ولا تمد إيدك على واحدة. خدها طبطب عليها وراضيها بكلمتين. منك تاخد ثواب ومنك تراعيها وتحافظ على الود بينكم. عشان تكبر وتلاقيها جنبك إيدك في إيدهم. فاهمني؟ أخواتك بيخافوا منك لأنك بتضربهم. انت تستاهل تتحب يادقدق. خليك قريب منهم وعاملهم بما يرضي الله. بلاش الناس تسمع بيكم كل يوم." هز رأسه بخجل له.

"عندك حق يابشمهندس. أوعدك هتشوف دقدق تاني. أنا أساساً بضربهم وأرجع أحس بالندم، فبجري أصالحهم وبكلمة بيتراضوا." ابتسم مربتاً على كتفه. "شوفت إزاي.. أديك بتغني وترد على روحك. يبقى كان لازمة إيه من الأول. خليك حليم عليهم يادقدق. وقرب منهم عرفهم الصح من الغلط." ودا وعد دقدق لقاسم. ابتسم دقدق من بين دموعه ومد يده يوثق وعدهما معه مردداً بحزن.

"أنا مش عارف أقولك إيه يابشمهندس غير ربنا يعمّر بيتك بالزوجة الصالحة ويوسعها في وشك، ويكرمك زي ما أكرمتني." ابتسم له قاسم بوقار وطبطب على كتفه برفق. "ربنا يكرمك يادقدق. يالا بقي أقفل وأنا هجرّب العربية وأروح أنا." استدار راحلاً، فلحقه دقدق بتلك السترة التي تركها بجانبه. "امسك يابشمهندس، البس دي. هوا الإسكندرية دلوقتي شديد. بعدين تاخد برد." ابتسم له وأخذها من بين يديه بابتسامة وألقى السلام. واستقل السيارة ليتأكد منها.

*** مرت نصف ساعة عليها هنا، وهي تجري وهم خلفها، إلا أن أصبحت قدماها كهلام، ودموعها أغرقتها، وحجابها الذي غطت به شعرها وهي خارجة من المستشفى، سقط عنها. سترتها انتزعها الهواء الشديد، ولم تعد تستطع الرقص. قلبها المرتعش وخوفها جعلها تصرخ متضرعة للخالق بحزن. ولوعة. وصوتها يشق سكون الليل مصدراً صدى صوتاً قوياً يدوي ويعود مرتداً داخل قلبها يعصره عصراً. "يااارب أنا عصيتك كتير.. أنا غلطانة.. أنا زانية..

مستحقش العفو بس انت قلت: ادعوني استجب لكم.. يارب احميني.. عاوزة أبدأ حياة جديدة، نضيفة متغرزنيش في الوحل... يااارب... أنا مظلومة واتعاقبت واتفضحت. أبويا مات بحسرته غضبان عليا.. سامحيني ياارب.. أبعدهم عني واحميني... اشتد دوارها، ولم تعد تستطع. يبدو أنها لا تستحق العفو. يدها المربطة تنزف بشدة. تشعر وأن روحها تخرج منها. تبسمت بوجع على الأقل ستموت بمشيئة الرب وليست كافرة، يائسة من رحمة الله. ***

كان يجلس بمقعد السيارة، يشق الطريق بسلاسة وسعادة لإصلاحها وقد عادت سرعتها كما كانت. فجأة لمح تلك الراكضة على جانب الطريق وخلفها ثلاثة من الشباب. لم يأخذ منه الوقت في التفكير وعلم ما يريدون. أدار سيارته مسرعاً، وأحكم إغلاقها وانطلق يلبي نداء الشهامة.

استسلمت لدوارها وغرست قدمها بالأرض، وكادت تسقط. فجأة انتشلتها أيادي صلبة. استشعرت صلابتها على جسدها. حاولت فتح عينيها بصعوبة. ووقعت عيناها على عينين تشبه سواد الليل. همست بضعف تنشد الأمان من تلك العينين الغائمة. "انقذني أرجوك." ***

يقف تحت شرفتها ليلاً ونهاراً عله يلمحها. قلبه العاشق يغلي عليها غلياً. يقسم مئات المرات يومياً أنها له وستبقى. وأن كان عليه أن يقتل نفسه، ويقتلها معه. لن تكون لأحد غيره. اشتعل قلبه وهو يتخيلها الآن بين ذراعيه. خبط الحائط بقوة صارخاً. "انتي بتاعتي يا ياسمين. بعد ما خسرت كل حاجة وعيلتي اتبرت مني، أخسر انتي كمان. أنا بحبك. انتي ليه كرهاني. ليه.. ليه..؟ اقترب منه شخصاً جاراً، العابد وتربطهم صداقة.

"أمجد.. في حاجة يا عصام؟ واقف ليه كدا؟ أنا ملاحظ إنك بتقف هنا كتير. في حاجة ولا إيه؟ لملم شتات نفسه واستدار. "لا مفيش حاجة.. متقلقش يا أمجد. أنا كنت بس معدي من هنا وقفت أشرب سيجارة." أمجد بعدم ارتياح. "تمام يا عصام." ابتعد عنه، وهمس أمجد بتوتر وقلق. "ربنا يكفينا شر شيطانك يا أخي. أنا لازم أقول لعابد." ***

الوقت انتصف ولم تستطع النوم. منذ تلك الليلة وما حصل بينهم وما فعلته. يتأسف لها. ولم يعد ينام ليلاً بغرفتها، بعدما أحس أنها ندمت، وشعر أنها لحظة ضعف منها. وعدها أنه لن يكررها إلا إذا كانت راغبة به. وانفصلا بهدوء كل بغرفته، ولكن يبقى الود قائماً بلحظات ضعفه وضعفها يلجأ كل منهما لصدر الآخر. حرفياً منذ تلك الليلة والنوم يجافيها. هنا بداخل قلبها، لا تشعر بالطمأنينة إلا بين ذراعيه.

لما لا تستسلم وتذهب وتخبره، أنها لم تكن نادمة بل صدمت لأنها كانت به راغبة. شعرت بأنها فراشة تطير بأجنحة بين ذراعيه. إنها حلوى مغلفة صاحبها يريد أكلها ولا يريد لها أن تنتهي. تنهدت واستقامت من مجلسها تتأفف. استندت بيدها على خدها، تهمس بغيظ. "أنا أكيد اتجننت. فجنان بجنان. بقي أنا حاسة إن فيه حاجة ناقصاني من غيره." نظرت لفتحة الباب واستقامت، تبرر لنفسها علتها. ودار صراع بين قلبها وعقلها.

العقل: "هبص عليه بس.. مش هخسر حاجة.. يعني أنا عاوزة أطمئن إنه كويس." القلب: "بطلي عبط انتي هتموتي وتروحي تنامي في حضنه..... العقل: "هوه مش يحقلي.. بس انتي اللي وصلتي له بغبائك إنك مش عاوزاه. بقي بعد دا كله تخليه يحس إنه عالة عليكي. يا شيخة دا لولاه كان زمانك في خبر كان." القلب بتصميم: "يبقى خلاص هصلح غلطي."

استقامت ولم تلقي بالاً لما ترتديه. اقتربت، وفتحت الباب وخرجت مصوبة نظرها بتصميم لباب غرفته الذي لم يغلقه كله. اقتربت ببطء ورعشة طفيفة بجسدها. كان ممدداً ناظراً للأعلى بشرود، يعيد على عقله ما حدث وما سيحدث. وفكره الشارد بتلك القابعة بغرفة أخرى، جسده اللعين يحن لها. من بين جموع النساء وبعمره الذي وصل لبداية الثلاثين وقع في هوى طفلة بعامها الثامن عشر. لو لم يلمح منها تلك الليلة خوفاً وتردداً، لكانت بين أحضانه ليلاً نهاراً. لن يبعدها عنه مهما حدث، ولكن قتلته بنظرتها المرتعشة الخائفة. أشعرته بها بأنه وغد. تنهد بحنين لها.

استدار ببصره للباب الذي يفتح ببطء. جحظت عيناه وهو يراها أمامه بطلتها تلك. ابتلع ريقه وهو ينظر لقميصها الذي اعتلى ركبتيها ولجسدها الظاهر مفاتنه بزخ. وجد صوته بصعوبة واستقام جالساً. "ياسمين... مالك فيكي حاجة؟ هزت رأسها بخجل. وهمست. "عابد.. أنا... تلجلجت، فهتف بلهفة. "انتي إيه يا ياسمين؟ مالك؟ شجعت نفسها وأشارت ليمينه من الفراش. "أنا عاوزة أنام جنبك أنا خايفة ومش جايلي نوم."

ابتسامته السعيدة التي تزين محياه وتبعث بجسدها السلام، ويده التي فتحها على مصراعيها لها، جعلتها تشعر بالحنين لتلك الذراعين الذي احتوتها يوماً. وانطلقت تلبي نداء قلبها اللعين. وهل عليها أن تشغل عقلها بقربه ليذهب العقل للجحيم. *** ارتعش جسدها وهي تشعر بيديه التي يمدها وتتحسس خصرها من أسفل الغطاء. زفرت بتنهيدة من أفعاله الطفولية، التي يرتعش لها جسدها. مدت يدها بحدة تمسك يده وتبعدها عن خصرها.

سلمى بغيظ. "شيل إيدك دا، قطّع إيدك." فهد بتلاعب. "وأبقى من غير إيد وأهون عليكي." سلمى وهي تنظر يده التي مازالت تجول على خصرها. "إيه التناحة دي يا أخي! الله.. هو بالعافية." استقام بحدة وجذبها من ذراعها لصدره. "عارفة لو صوتك علي عليا تاني، ياسلمي هقطعلك لسانك. أنا مش عشان ساكت ومتحمل وأنا عارف إن يحقلك يبقى خلاص تسوقي فيها. أنا جوزك ياست هانم وواجب عليكي تحترميني شوية."

سلمى بغيظ. "متقولش جوزي. انت وأنا عارفين إيه الغرض من الجوازة دي فمتسوقش فيها يافهد. وعشان نعرف نمشي الأمور كويس بينا وجدي مياخدش باله هنتفق اتفاق." فهد بسخرية. "اتفيقي مع نفسك ياست سلمي هانم. حلول الروايات دي مبتأكلش معايا. وإن كنت سايبك النهارده بمزاجي، بكرة هتبقي مراتي غصب عنك." سلمى بكرة وغل. "يعني إيه كلام روايات! انت عارف هقول إيه."

فهد بثقة. "طبعاً. هتقولي كل واحد في حاله ونعيش زي الأخوات. دا بعدك. إحنا هنا على الأرض. بصي حواليكي شوفي إحنا فين. أهلنا مين؟ إحنا صعيدة يا ماما. وكون إن سايبك براحتك دا لأن وعدت جدي. بس من هنا ورايح هتقومي بواجباتي الزوجية كلها. وخلي بالك من... كلها دي." سلمى. "انت مجنون ودا بعينك." فهد وهو يحك رأسه بحيرة منها. "بصي ياسلمي، أظاهر إنك مش هتجيبيها البر. يا بنت الناس.. أنا بحبك."

اقترب أكثر هامساً أمام شفتيها يتلكأ باعترافه. "ب.ح.ب.ك. فهمتي ولا أعيد تاني. ست سمر اللي حطاها في دماغك دي وبتنتقمي مني فيها... ولا حاجة بالنسبالي. وقسماً عظماً ياسلمي لو ما انعدلتي... لاتزوج عليكي سمر. وأقهر قلبك الغبي دا اللي مش عاوز يعترف إنه بيحبني." نظرت له بسخرية وبثقة. اقتربت أكثر منه، ورفعت يدها تتحسس لحيته. وبهمس. أكملت. "انت متأكد من كلامك دا؟

ابتلع ريقه وهي تضغط بيدها على تفاحة آدم أسفل رقبته برقة. جعلته يهز رأسه بلا. "مش متأكد ياسلمي." "خلاص انبسطت؟ عينيها المتلاعبه وثقتها جعلته يدرك أنها تتلاعب به. أغمض عينيه وهمس بسبابات مختلفة لنفسه. وخرج صوته يخبرها. "انتي بتلعبي بالنار ياسلمي." سلمى بتلاعب. "الله! أنا عملت إيه؟ أنا بس عاوزة أسألك سؤال وحيد. تقدر تتجوز عليا يافهد؟ ألقت تعويذاتها وانتصرت. وهو يردد. "مقدرش ياقلب فهد."

ضحكت بانتصار وتركته يغلي بنارها واستدارت عائدة لمكانها تنام بسلام. سابها بسره بغيظ. وبحدة، سحبها لاحتضانه صارخاً بها، قاطعاً اعتراضها. "اخرسي بقي.. جننتيني." ***

خلعت ثيابها، وارتدت أخرى خفيفة. رمقته وهو يجلس بتلك الشرفة يدخن بشرود. الجو حار جداً هنا. ليست كأرض البدر الهواء الطلق يحاوطها مفتوحة من جميع الجوانب. لقد ألقت بنفسها تحت الماء البارد أكثر من نصف ساعة إلى أن استعادت طاقتها، وهدأت روحها. تعلم ما يفكر به الآن ويشغله، بعدما سألها مراراً وتكراراً لما ليست مفاجئة به. وكانها كانت تعلم. تنهدت ببطء وهي تقر لنفسها لم يحن الأوان بعد. لو لم تعلم أنه هو من ستتزوج، لكانت حاربت لآخر نفس بها. ولكنها كانت مطمئنة لأنها تعلم من ستتزوج. وجوده بجانبها يتنفس نفس الهواء يشعرها بالطمأنينة والسكينة. أغلقت الإضاءة، وشعرها المبلل مازال يقطر ماء. لترتاح قليلاً.

منذ ثلاث ليال وهي على حالها. لا تغمض عينها وتبتعد بفكرها قليلاً عن تلك الدنيا ومشاكلها. لتسرح بدنياً هو وهي بها فقط. أغمضت عينيها، وغصباً عنها اشتعلت النار بقلبها وهي تذكر نفسها بتلك التي ستشاركها به. سخرت من نفسها. وهي ما كانت دائماً ترفض التعدد، وترفض أن يشاركها أحداً به. اليوم هي هنا زوجة ثانية. وكأن الزمن لم يمر وكأن ما رفضته قديماً عاد ليسخر منها الآن. دموعها الساخنة أحرق وجهها، ولم تعد تدرك أهي دموعها أم حرارة الجو التي تلفحها وتكويها.

انتبه لغلق الإضاءة ونظر خلفه ولم يجدها. أطفأ سيجارته، التي عاد ليدخنها بشراهة بعدما تخلى عنها من قبل. وللتو لمح أنه ما زال بذلك الجلباب. تنهد واقترب من الخزانة أخذ أي شيء طالته يداه. لمحها تفترش الفراش كطفلة صغيرة بجسدها الذي أصبح أكثر إثارة. ألقى نظرة مشتاقة لها. ودخل ينعش جسده، الذي تفور دماؤه على وشك أن ينفجر من قوة الضغط. أنهى حمامه بدقائق قليلة واقترب مرتدياً سروالاً قصيراً وتشيرت خفيف، كعادته هنا بليالي الصعيد

حيث الحر والسهاد والأرق. اقترب من الفراش، ومد جسده بهدوء. استدار مقابلاً لوجهها الذي يلمع مع ضوء القمر الآتي من الشرفة. لمح تلك الدمعة التي تسيل من جانب عينيها. وكأنها خنجراً مسموماً غرزت بقلبه. مد يده وأزاحها بهدوء، فانتفضت ناظرة له بذعر وخوف. ابتسم لها بتعب.

"دموعك غالية يا غالية. غالية أوي، يا فريدة." ابتسمت بوجع له، وأدارت جسدها للجانب الآخر. تنهد وألقى بثقل جسده للجهة الأخرى. الطريق طويل. طويل للغاية. معها. وصداعه اللعين يأبى أن يتركه. حركة جسده المتوترة على الفراش أزعجتها ولكنها لن تتكلم. اشتد صراعه وكأنه على حلبة مصارعة. التفت تري مابه؟

وجدته انتفض جالساً يمسك رأسه بيديه. انتفضت جالسة تعلم ما يعانيه. غبية هي. تعلم أنه لا يتحمل الضغط والانفعال. هو مريض بالضغط العالي والسكري. ارتعب قلبها وسألته بلهفة. "كيان.. فيك إيه؟ مالك؟ همس بتعب لها. "فريدة. أنا تعبان.... اقتربت منه مسرعة، وأضاءت الإضاءة فصدمت ببشرته المنتفخة المحمرة، وأنفه النازف من شدة ارتفاع الضغط. اهتزت وسألته بلهفة. "فين علاجك؟

أشار بيديه للدرج بجانبه. كسرت تلك الأنبوبة مسرعة ووضعتها على قطنة بيضاء وكتمت به أنفه دقيقة ووقف النزيف. وأخرى حقنته بها. أعطته دوائه وقاست ضغطه بالجهاز الذي وجدته. بالفعل مرتفعاً جداً. قاست سكره وكان معتدلاً نوعاً ما. أفاق لنفسه قليلاً. ورفع وجهه ينظر لمحياها القلق. بتلك النظرة القلقة عليه. تلك هي حبيبته. لم تغيرها السنوات والفراق. كاذبة هي وتتصنع البرود. ابتسم بحزن وأكمل راجياً.

"خديني على رجلك يافريدة. انتي عارفة دوايا مش في الحقن."

أغمضت عينيها بحزن. ولكنها لبت نداؤه. استدارت، واستلقت مسندة ظهرها على حافة الفراش وأخذته بأحضانها، كطفلها الصغير. ويديها عرفت طريقها إلى ما يريده. وهل نسته يوماً لشعره الكثيف. مغمضة عيناها. لتريحه اليوم وغداً لكل حادث حديث. لن تستطيع أن تراه هكذا وتتركه. مهما فعل. هو عشق صباها وروحها الضائعة. أغمض عينيه يصارع عينيه التي تسحبه لدوامة النوم. ولكن لا فائدة. همس وهو يستسلم ليديها الخبيرة.

"إيدك فيها سحر زي إيديها. أنا كنت بحبها أوي. زي ما بحبك." ابتسمت بشرود. "عارفة." أكمل بصوت متقطع. "طب عارفة إن أنا بعشقك." ضحكت بسعادة عليه وهو يصارع لفتح عينيه. كطفل صغير. وأجابته بهمس بعدما قبلت جبينه بحنية. "عارفة ياقلب فريدة. عارفة." *** يجلس يتأكله الغيظ. انتصف الليل ولم تأتي له. بمنزل أبيها وبيته أصبح خراباً مدمراً بفعل قدم والدها. هم من مكانه بحماس. هو فارس والقتال للفرسان ولا مكان لليأس والاستسلام.

"ماشي يا خال. أنا وياك والزمن طويل." اقترب من شرفة غرفتها بمنزل والدها بعدما خلد الجميع للنوم. ولم يبق غير العاشقين الصغار. التف بعينيه هنا وهنا ولم يجد أحداً غير أولئك الشباب، وهم ينظرون له ويشجعونه ليفعلها. أشار لهم بعلامة النصر وهو يزيح شباك الغرفة بيده. رفع جسدها وتسلقه بسهولة لقربه من الأرض. لمحها أمامه تنظر له بسعادة وكأنها كانت تنتظره. جرت عليه. ساجدة. "عدنان.. كنت خابرة إنك هتيجيلي ياروح الروح."

عدنان وهو يغلق الشباك مشيراً لهؤلاء الشباب بالتحية. استدار لها بشوق. "جلب عدنان... ما قدرتش. أغمض عيني وانتي ما إنك جاري يا جلب عدنان." ارتمت بأحضانها تهمس له بشوقها له وماذا فعل أبوها بها. قبل جبينها بحب وهو يسحبها لفراشها. وناما ليلتها سعيداً مطمئناً بين أحضانها. يهمس لها بشوق. "بجربك نومي يحلالي. في بعدك ينشغل بالي. لأنوم ولا راحة في بعدك عني يا غالي." ***

"بت انتي تعالي هنا، انتي تعرفي الزفتة أخت سلمي دي منين. انطقي." سلوي بغل. "دا الماضي الأسود. سمر. أوعي تقولي إن دي البنت اللي انتي طفشتيها زمان من كيان. هي دي البنت اللي بيحبها؟ سلوي. "آه هيا. ياريتني موتها بإيديا. ياريت يرجع بيا الزمن وأنا كنت خلصت عليها." استدارت بغيظ يميناً ويساراً تفرك يدها.

"أنا إزاي ماخدتش بالي منها ومن نظرة عينيها لما سمعت السكرتيرة بتقول اسم كيان. بالكامل. كان واضح يوميها إنها خافت وانصدمت. إزاي.. إزاااااي؟ سمر باستفهام. "تقصدي إيه ياسلوي؟ أنا مش فاهمة حاجة." سلوي بصراخ وهي تزيح الفازة بجانبها بغل. "مش فاهمة إيه!

البت دي كانت عارفة إن كيان ابن خالها. لو شفتي منظرها اليوم اللي حكيتلك فيه اللي قلتهولها.. منصدمتش من كلامي قد ما انصدمت وهي بتردد اسمه بين شفايفها. بعدها جريت.. وهو خرج يجري وراها زي الأبلة." سمر. "يعني فريدة مكنتش تعرف إنه ابن خالها إلا اليوم دا؟

سلوي. "اليوم دا جريت وهو خرج ملهوف وراها. بعد ما سمعني وأنا بقولها إني مراته ومتجوزين وبنحب بعض. ملحقهاش ودور عليها كتير، بس هي انقطعت أخبارها. حتى البلد اللي متسجلة في بطاقتها ملقاهاش فيها. اختفت تماماً. يبقى إيه.. حتى صحبتها بعدت عنها، ومكنتش تعرف عنها حاجة." سمر بسخرية. "ما يمكن كانت مأكدة على صحبتها متكلمش." سلوي. "يمكن.. بس البت دي مش سهلة، لازم نخلص منها ياسمر. فاهمني؟ أنا مستحيل أفرط في كيان."

سمر وهي ترمي بجانبها بلا مبالاة. "متقلقيش يختي كدا، ستك سعدية شيطانها هيقوم بالواجب. مفيش حد في الدنيا بيكرههم قد أمك وسعدية." سلوي. "يبقى لازم أتكلم مع ستي وأفهمها." دخلت سعدية عليهم. بعدما استمعت لحديثهم. "وأنا موافقة، أجده تبجي بت بتي ونور عيني." سلوي برضا. "أنا من إيدك دي لدي، ياستي." سعدية بشيطنة. "عفارم عليكي يابت ياسلوي. طالعة لستك." ***

حملها إلى ذلك الشاليه الذي يملكه بعيداً عن الضوضاء بهيئتها تلك ويديها المربطة. علم مابها. لن يستطع أن يذهب بها للمستشفى. ستر جسدها بسترتها وبقي شعرها. بحث بعينيه عن شيئاً يستره بها. وجد تلك الملاءة بخزانته. شقها نصفين وصنع منها حجاباً ساتراً. غض بصره واستغفر، وأسندها بذراعه وستر شعرها. وضعها بهدوء. وسحب الصندوق الخاص ببعض الاحتياجات للإسعافات الأولية. نائمة بتعب وجسدها يرتعش. تأوه ببضع كلمات غير مفهومة. حالتها

البائسة جعلت شيئاً هنا بداخل قلبه يرتعش ويشفق لحالتها. غريزة فطرية وجدت بقلبه تجاهها. بالحماية حينما أدرك ما تصارعه. مد يده وأمسك بيدها الضعيفة الدامية وفك رباطها الذي شبع من الدماء. فكه عنها وصدم بكم الغرز به. ألتلك الدرجة كان كارهة للحياة. يائسة لتفعل بنفسها ذلك وتخسر دنياها وآخرتها. أغمض عينيه ودعا لها بقلب حزين.

(اللهم إليك أشكو ضعف قوتها وقلة حيلتها وهوانها على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربّي وربها، إلى من تكلنا، إلى بعيد يتجهمنا أم إلى عدو ملكته أمرنا، إن لم يكن بك علينا غضب، فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لنا.)

أنهى دعاءه وضمد جراحها. وأسندها أعطاها خافضاً لحرارة جسدها. جسدها الهش يشبه طفلة صغيرة ضائعة. لمح تلك الشنطة الصغيرة التي كانت بحوزتها. نظر لها ولكنه آثر أن يتركها كما هي. لن يفتحها إلا بإذنها. وإن لم تأذن لا بأس. استغفر وهو يعلم أن بقاءه معها ليس بالصحيح. تذكر في تلك اللحظة والده العجوز الذي ينتظره بالمنزل. لابد وأنه قلق عليه. أخرج هاتفه وتذكر الخالة ماجدة التي تسكن الشقة التي تسبق شقته. سيدة تخطت نصف الأربعين وحيدة سباقة بالخير. سيهاتفها لتبقى بجانبها. لن تتأخر. هاتفها واستجابت مسرعة له. استثقلت عربتها القديمة نوعاً ما وأتت مهرولة. بعدما انتظرها ببداية الطريق.

ماجدة وهي تدخل مسرعة. "فين البنت اللي قلتلي عليها ياقاسم؟ أشار لها بالداخل. خبطت صدرها بخوف وهي تلمحها. "يا كبد أمك يابنتي. دي متبهدلة ياقاسم يابني." خفض رأسه وأومأ لها. "فعلاً متبهدلة خالص. أنا مش هينفع يا خالة أفضل هنا. دا حرام وخلوه. خليكي جارها الليلة لحد ما تفوق ونفهم إيه الحكاية." أومأت بتفهم له ولحنيته ولشهامته.

"ربنا يوقف لك أولاد الحلال ياقاسم، زي ما دافعت عنها وأويتها. دي شكلها واقعة في مصيبة يا كبد أمها. روح يا حبيبي أنا مش هنتقل من هنا إلا لما تفوق ونعرف إيه الحكاية." أومأ لها، ورفع نظره يسترق لمحة من وجهها الذي زادته حبات الغرق اصفراراً مغرياً. استغفر ربه وذهب وفي قلبه ألف غصة وغصة. وبعقله ألف سؤال. وأدرك أن تلك الراقده بلا حراك. حركت شيئاً خامداً بقلبه منذ سنوات. لم تستطع أخرى فعلها. ***

يديها التي تحاوط صدره، ويده التي تلمس كتفها العاري تقربها لأحضانه، ورأسها المستكينة المغروسة بعنقه. أعادته لذكرى تلك الليلة وما حدث بها. تغريه بهمستها البريئة ولمسة يديها الرقيقة وتحسبه قديساً. ابتلع ريقه وأغمض عينيه يستجدي نوماً زائفاً. رفعت رأسها له، تهمس بتوتر. "عابد... انتبه لهمسها وابتسم برضا. "ياسمينه... ابتسمت مرددة وراءه. "ياسمينه... عابد بابتسامة. "ياسمينه الجميلة. ياسمينه نبتت وكبرت في قلبي وروحي."

ياسمين بهمس. "أنا كل دا؟ أومأ لها بابتسامة. "انتي الدنيا كلها في عيوني يا ياسمينه." ابتسمت وهمست بتوتر. "عابد أنا مكنش قصدي اللي فهمته الليلة إياها." انتبه لهمسها وفي قلبه نَمى أمل جديد. "كملي... توترت ولكنها أصرت أن تكمل حديثها. أخذت نفسها، ويده التي انتقلت لتلمس جانب وجهها بهدوء جعلتها كما لو كانت بإحدى جلسات العلاج النفسي. تتحدث دون وعي.

"أنا مكنتش مصدومة، قد ما كنت مبسوطة بين إيديك. أنا في حاجة هنا" وأشارت لقلبها "في حاجة هنا بترتاح بين إيديك. أنا مش عارفة بس... جحظت عيناه وهو يستمع لاعترافها. رفعت عينيها تستجديه أن يتفهم عليها. همس بصدمة. "ياسمين... عارفة كلامك دا معناه إيه؟ مدت شفتيها بطفولة. "مش عارفة. أنا كل اللي أعرفه إن أنا مش عاوزاك تبعد عني. أنا من غيرك بحس بالنقص. بفتكر مأساتي واللي جرالي. في حاجة جوايا بتكمل بيك. عابد... خليني في حضنك."

ضحك بسعادة عليها، وبه تناسى أوجاعه. فعبست بوجهه. "بتضحك ليه؟ ابتلع ضحكته واقترب منها، يحتويها بين ذراعيه كطفلة صغيرة. "عشان اللي بتقوليه دا ملوش غير معنى واحد." "ياسمين... "إيه هو؟

لمعت عينيه وهو يميل بها يعيدها لتلك الليلة. مقتنصاً من الحياة فرصة أخرى، مقتطفاً بعض وردات جميلة من بساتين العمر التي ترحل ولن تعود. تلك هي حياتنا راحلة لن تعود أبداً. لن تعود ولن نعود نحن معها. تأخذنا بين أجنحتها لترنا أشكالاً وألواناً من التجارب والأشخاص. بعضهم يؤثر بنا ونؤثر نحن به. وآخرون يمرون مرور الكرام، لا صلة لنا بهم، ولا صلة لهم بنا. تلك الحياة أشبه برحلة قصيرة. على أجنحتها نتعلق وكأنها آخر أمانينا. تلك

الدنيا زائلة وإن كنا بجميع حالاتها راحلون. إذن لنقتنص منها ما يريحنا ويريح أجسادنا. من خلق على مقاساتنا نشبه ويشبهها. شعر بأحضانها بتلك النشوة التي تجعله بأعالي السماء. أعاد على مسامعها كم يعشق قربها. يخبرها مراراً وتكراراً أنها عاشقة. تعشقه هو. فتثور يهدأها بأنه أيضاً غارق بها فتنتشي.

*** يا امرأة بين يديها سكني وملاذي. اهدأي ولا تتعصبي. عاشق أنا لك ولا أبالي. إن كان عشقك يا امرأة يضعفك. فعشقي سيجعلك في الأعالي. اضعفي. افتري على قلبي وتجبّري. فأنا بعشقك لا أبالي. بين ذراعيك أنا طفلاً صغيراً. تهديني بسمة فأهديكي أحضاني. غالية أنتِ. متكبرة. ثائرة وجامحة. لا تعترفي. انكري. وبعشقي لا تبالي. أخفي بقلبك عشقي أنا. وسأصرخ أنا بعشقك كال أحمق ولا أبالي. يا امـــــــــرأة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...