الفصل 23 | من 27 فصل

رواية رحماكي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم أسما السيد

المشاهدات
21
كلمة
3,862
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

يقف يهزي، يخبط رأسه في الحائط، ثيابه غارقة بدمائها. هامساً بهزيان: "يارب، أنا مش عاوز غيرها، والله ما عاوز غيرها." ابتلع أحمد ريقه، واقترب منه. "عابد، تعالا اقعد، هتبقي كويسة إن شاء الله. متعملش في نفسك كدا." نظر له بعين عاتبة، حزينة، وكأنه يخبره: "هذا ما جنيته منكم أنتم." أبعد عينه بعيداً، للجهة الأخرى، وسالت دموع عينيه، بلا إرادة منه. دموع حزينة، على حاله وعلى حالها.

متمتماً: "أكيد ربنا مش هيأذيني فيها، أصلاً إحنا معملناش حاجة وحشة في حد. ربنا عالم بحالي وحالها، ربنا كبير، وفرجه قريب. صح يا أحمد؟ مش هيأذيني فيها. أنا عندي يقين بربنا." أغمض أحمد عينيه بحزن، لكلماته التي نخرت بقلبه، تذكرته بما مضى. بما افتعلته أيديهم به. هو لا يستحق ذلك. اقتربت منه دينا، التي هرولت وراءهم هي وأختها ديما، لإنقاذ ياسمين. وجذبته من يده كطفل صغير. "تعالا، يا أحمد، سيبه هيبقي كويس."

أطاعها، وجلس بجانبها، هامساً لها: "قولتلها بلاش، هي اللي صممت. كانت عاوزة ترتاح من عذاب ضميرها، كانت نفسها ياسمين تسامحها. كان عندها أمل إنهم يفتحوا صفحة جديدة. مكنتش أعرف إن الصفحة القديمة بالقساوة دي. إحنا مش وحشين أوي كدا، إحنا بس كنا مغيبين. صدقيني يا دينا." ضغطت على يده، بحب. "مصدقاك يا أحمد، مصدقاك. أنا شايفة في عينك صدق مش موجود في ناس كتير." ابتسم بحزن، وتمتم: "يا ريتني قابلتك من زمان."

ضغطت على يده: "كل شيء بأوانه. المهم إننا مع بعض." خرجت ديما، وبجوارها طبيبة ياسمين النسائية. هرول عليها، ولم ينطق. ترك الأمر لعينيه. لتسأل بلهفة: ابتسمت ديما: "اهدي يا عابد، الحمد لله. قولتلك هتبقي تمام. الحمد لله النزيف مأثرش عالأجنة ولا حاجة. هي بس... سكتت، وتكلم هو: "بس إيه، متخبيش عني يا ديما. أنا مش عاوز أطفال ولا أي شيء غيرها. كل حاجة تتعوض، وأنا راضي والله راضي. المهم عندي هي."

طبيبتها بهدوء: "بص يا أستاذ عابد، النزيف دا ملوش أي سبب عضوي. السبب للأسف نفسي. إحنا لحقنا المدام، حالياً، بحقن التثبيت. بس المدام دخلت في حالة انهيار عصبي. يا ريت تبعدها عن التوتر اللي حصل ليها ووصلها للحالة دي. هتفضل معانا النهارده، ومعاكم دكتورة ديما. وطبعاً لولا الحقنتين اللي ادتهوملها قبل ما تنزلوا من بيتكم كان للأسف الخسارة هتبقى كبيرة. فاحمدوا ربنا." تمتم بالحمد لله،

وقال لديما القريبة منه: "عاوز أشوفها يا ديما. أرجوكي." نظرت له وتنهدت بحزن: "بمنظرك دا، بلاش متخضهاش. هي أساساً نايمة مش دريانة بحاجة. غير هدومك الأول. على ما تفوق." اقترب أحمد ورتب على كتفه: "حمد الله على سلامتها يا عابد. أنا هروح أجيبلك هدوم تغير هدومك. أنا عارف إنك مش هترضي تتحرك من هنا. فأنا هروح أجيبلك غيار من البيت وأجي. مش هتأخر." أومأ بهدوء، وجلس على الأريكة، شارداً.

نظر أحمد لأخيه بحزن، واستدار راحلاً ليجلب له ثياباً ويطمئن على تلك التي تركها تبكي بقهرها وخوف. بعد ربع ساعة، لقرب المنزل من المشفي. دخل شقته، يبحث بعينيه عن أخته. وجدها تنزوي على نفسها على إحدى الأرائك بكامل ثيابها، التي أتت بها. تجاورها حقيبتها، متقوقعة على نفسها، رأسها بين قدميها كطفلة مذنبة، أذنبت ذنباً لا يغتفر، فعاقبتها والدتها بالنبذ والطرد.

اقترب منها وقلبه يؤلمه عليها. ابتلع غصته، وهو يقر أن الماضي لن يتركهم أبداً. سيظل وصمة عار لهم، ودائماً. لا أحد سينسى لهم ما حدث. الناس تحكم بالمظاهر، لا على القلوب. البعض منهم يرى جوهرك، أما الباقي... رحماك يا الله. مد يده ومسد رأسها، فرفعتها هلعاً. وهمست بذعر: "أحمد، أنت جيت؟ هي كويسة؟ قولي أنا مقتلتش ولادها صح؟ أنا والله ما كان قصدي يا أحمد." ابتسم بحزن عليها،

ورد بوجع: "عارف يا حبيبتي، عارف. اهدي كدا. هي كويسة، والتؤام كويسين." همست براحة: "بجد؟ كويسة؟ احلف؟ أنا خايفة أوي يا أحمد، أنا مش حمل ذنوب تاني، كفاية اللي على كتافي." ابتسم: "يابت والله كويسة. أنتي قاعدة كدا ليه وإيه الشنطة دي؟ خفضت نظرها وابتسمت بحزن، وسالت دموعها: "عشان دا مش مكاني يا أحمد. أنا غلطت، واضح إن لسه ربنا مش قابل توبتي. عشان كدا مكاني مش هنا. أنا أذيت ناس كتير في طريقي. وللأسف اللي فات كان صعب."

أحمد بحدة: "إيه اللي بتقوليه دا يا أمل؟ أنتي بتلومي عابد على رد فعله؟ دا طبيعي. أخوكي، إحنا أذيناه كتير، وياسمين مكنش ليها ذنب يا أمل، وإتأذت. أنتي مش متخيلة أخوكي وياسمين مروا بإيه. غصب عنه يا أمل، اعذريه."

أمل بوجع: "عارفة والله عارفة. أنا عارفة إني السبب، وإني ليها حق متسامحنيش. عشان كدا مش لازم أبقى هنا. طول ما أنا وهي في نفس المكان، عمرها ما هتنسى. لا وكمان هفرح وأتجوز، كأني بخرج لها لساني وأقولها أنا أذيتك وبقيت أحسن منك. مينفعش يا أحمد. أنا غلطت لما وافقت إني أجي هنا، بس كان عندي أمل بسيط إنها تتقبلني وتسامحني. أنا لازم أمشي من هنا. قاسم زمانه جاي. همشي معاه." أحمد بجنون: "هتمشي مع مين؟ أنتي اتجننتي؟

أنتي هتخرجي من هنا مراته. غير كدا لا." توسلته: "أرجوك يا أحمد، خليني أمشي من هنا. أنا مش مرتاحة. أنا مكنتش أعرف، إن الأمور هتوصل لكدا. لو أعرف مكنتش جيت. هناك بحس بأمان محستوش هنا. قاسم وطني وسكني. أرجوك يا أحمد." همس بحزن: "أنتي مجنونة. هتقوليله إيه؟ بس، هتبرريله بإيه اتصالك بيه واستنجادك بيه في نص الليل كدا. ليه صغرتي نفسك يا أمل؟ ليــــــــه؟

أمل بابتسامة: "أنا مصغرتش نفسي يا أحمد. أنا مخبتش على قاسم حاجة أبداً. هو اللي شجعني عالـ مواجهة دي. أنا حكيتله كل حاجة. قاسم عمره ما كان سبب قلقي، بالعكس، احتواني واحتوى ضعفي. هو الوحيد اللي شايف إني جوايا أحسن. أنا كنت عاوزة أبدأ معاه على نضيف. عشان كدا، دي كانت آخر أعمالي، واتمنيت يسامحوني عليها. وأنا الحمد لله راضية. أكيد ربنا له حكمة في كدا." أحمد بوجع: "بقي أقرب لك مننا."

لوت فمها بحزن: "وإنتوا من امتى كنتوا قريبين يا أحمد؟ أنت عارف أنا كنت بغير من فريدة، عارف ليه؟ لأنها كانت أقرب مني لعابد، بتاخد وتدي معاه في الكلام، أما أنا كنت بخاف منكم. كنت بشوفها رغم الفقر وأشوف إخواتها حواليها، كنت بغير، وأقول إشمعنى أنا. كان نفسي في حنية، كان نفسي أتحب زيها. هو أنا كنت وحشة أوي كدا يا أحمد؟ عشان تبعدوا عني." هطلت دموعه مع دموعها، دموع خزي.

وأكملت: "طب أنت عارف كام مرة فكرت أجي وأقولك ابعد عن روان، متستاهلكش، بس كنت بخاف من رد فعلك، وأقول يستاهلها، مش مقدر النعمة اللي في إيده. كام مرة فكرت أجي أشتكيلكم من تهديدات عصام وروان ليا، وأخاف وأرتعش لتقتلوني زي ما روان صورتلي. أنا كنت طفلة، مش محتاجة غير بس تحبوني. النبذ والعزلة اللي عشت فيهم وكره أمك وحقدها اللي زرعتيهم فيا كان السبب. بس أنا والله مش وحشة، مش وحشة أبداً، أبداً."

على صوتها ببكاء يشبه بكاء الأطفال. اقترب منها واحتواها بين ذراعيه وقبل رأسها. "أنا آسف، سامحيني. هعملك اللي أنتِ عاوزاه. بس اهدي." شهقت: "أنا زعلانة أوي من نفسي يا أحمد، زعلانة أوي." "حقك عليا يا قلب أخوكي، كل حاجة هتبقى تمام صدقيني. أوعدك." اقتربت من مكتبه، تناغشه كعادتها منذ انفصلا، وبشماتة. فتحت باب مكتبه، ووقفت تردد بمياعة.

المثل الشهير: "طلعت فوق السطوح، هز الهوا كمي، كل البنات يافهد اتجوزتك، وأنا قاعدة جمب أمي." استمع لحديثها الساخر، ورفع نظره بحدة لها، كالصقر. "ده الكلام ده ليه بقى؟ نظرت له بتلاعب: "أومال لأمي. عن إذنك بقى، أنا قلت أمسي يا أبو الفهود يا جامد أنت يا خطر." جز على أسنانه وانتفض من على كرسي مكتبه. وفي ثانية، كانت قدماها ترفرفان بخوف من بين يديه. صرخت بخوف: "عاااا... "نزلني يا أبو طويلة." انت...

جز على أسنانه، واجتمع الجميع على صراخها. "نادية، في إيه يافهد؟ أنت شايل البت كدا ليه؟ نزلها." "عيب كدا يا فهد، بقولك إيه يا نادية، بنتك بتعايرني، وبتستفز رجولتي اللي حطيتو عليها إنتِ وبنتك، فوسعي بقى الله يرضي عليكي، عشان مقلبهاش ليكو مندبة هنا." سلمى، بخوف: "لا يا ماما، متصدقيهوش. أنا كنت بنغشه بس. نزلني يا طور إنت." فضحتني. نظر لعمته بغل: "شايفة بنتك؟ وطولة لسانها." "كيان، قالتلك إيه؟ عشان تعمل فيها كدا؟

"فريدة، قولي له إيه يا سلمى؟ انطقي." فهد، بحدة: "قولي قولتي إيه؟ يالا، لو جدعة." فريدة بزهق: "ما تقولي يا سلمى، قولتي إيه خلتيه عاوز يقتلك كدا." سلمى، بتراجع: "هااا، مش فاكرة." رفع حاجبه بسخرية لها، ومازالت بين ذراعيه: "مش فاكرة؟ طب أنا بقى فاكر، وهقول." سلمى بهمس، بأذنه: "استر عليا يا جوزي، يا حبيبي يسترك، ما يفضحك." لمعت عينه بمكر، وهمس بأذنها: "هسترك، بس بشرط." جزت على أسنانها: "بتصطاد في المية العكرة صح."

رد بلامبالاة: "خلاص، إنتي حرة بقى." بلهفة أجابته: "خلاص، موافقة. ياباي عليك." همس لها بأذنها تحت أنظارهم المذهولة مما يحدث: "بما يريد." زفر محمد بغيظ منهم: "ما تخلصونا بقى، في أم الليلة دي. إيه جو العشق الممنوع ده." أنزلها، بمكر، قائلاً: "خلاص يا جماعة، سلمى هتقولكوا هيو." وقفت تتلجلج بالكلام: "ماهو أنا... الجد، من وراءهم: "ماهو إيه؟ في إيه بيحصل أهنه؟ ملمومين أجده ليه؟

فهد بمكر: "والله يا جدي فيك الخير. أصل كنا هنيجيلك أنا وسلومتي دلوقتي." الجد بمكر: "سلومتك؟ ده من ميتا أجده. بس ماشي يا ولدي، أديني جيت لوكم بنفسي أهاه. خير." سلمى، بهمس: "منك لله يا فهد، يا فضحتك يا سلمى. هقولها دي إزاي؟ دي نادية هتخلص عليا. بص، بتبصلي إزاي." نظر لها بتلاعب ووجه كلامه لجده بدلاً عنها: "أصل يا جدي، سلمى خلاص رضيت عني وسامحتني، وكنا جايين نستأذنك هننتقل لشقتنا فوق." نادية، بحدة: "نعم؟

الكلام ده حصل امتى؟ من غير رأيي." سلمى، بخوف: "والله يا ماما ده هو اللي... وضع يده على فمها وزغر لها بعينه، فابتلعت كلامها: "بعد إذنك يا عمتو، بقية رايك يا جدي." الجد: "وإني هيهمني إيه يا ولدي غير سعادتكو. على خيره الله. من الليلة هتباتوا بشجتكم." فهد، بصدمة: "بجد؟ الجد: "أيوا، جد." مرر عينه بين الوشوش، أحدهما مغتاظاً، والآخر مبتسماً ببلاهة عليهم. جرها خلفه: "طب عن إذنكم بقى. فوتكم بعافية."

صاحت به وهو يجرها خلفه: "استنى هقع يا أبو طويلة إنت. والله لأطين عيشتك يا فهد." اقتربت نادية من زينب التي تبتسم بهدوء كعادتها، وبجانبها سولاف تمسد لها شعرها بحنان: "عجبك كدا يازينب عمايل ابنك؟ إن سلمى سقطت السنة دي، يبقى ابنك السبب." زينب بفرحة: "باه يا نادية، خلينا نفرحوا، والفرح يملي دوارنا. الفرحة غايبة عنينا بجالها كتير." الجد بشرود: "هانت يابتي، والفرح يملي دارنا ودوارنا. هانت جووي." اقترب محمد من سولاف،

وهمس لها: "سولاف." نظرت له بحزن: "نعم." "تعالي، أفرجك على الخيول بره." سولاف بفرحة: "بجد ينفع أشوفهم." هز رأسه: "طبعاً ينفع. تعالي." استأذنت زينب وجدها وخرجا معاً، وهم يبتسمون على عشق محمد الفاضح لها منذ قدمت سولاف للدوار. "ابعد عني يا فهد، بعينك تقربلي." فهد بتلاعب: "ده بعينك إنتِ، لازم تتربي." زفرت بهدوء: "فهد، استهدي بالله كدا."

فهد بابتسامة: "الله مانا هادي أهو. إنتي اللي مش على بعضك ياسلومة. أومال إيه كنتي عاملهالي فيها شجيع السيما تحت. وأمثال وحركات." سلمى بولولة: "كان مثل أسود ومهبب عليا، يا ريتني ما نطقت ولا قولتهولك." فهد بتلاعب: "لا أخص عليكي. ده أنا هبروزه وأعلقه عالحيطة، بس مقولتليش جبته منين ده." سلمى، من الزفتة سمر، منها لله، هي اللي قالتهولي." فهد بقهقه: "أنا قلت كدا بردو. بس بت والله طلعت بتفهم."

سلمى بغيظ: "طب أوعى كدا، هفرجك عليها بس أما أشوفها." "وكمان بتزقيني ياسلمى؟ لا ده أنا قتيلك النهارده." صرخت وهو يميل بها على الفراش: "عااامنك لله ياسمر. أوعي." "إنت هتفطسني يا أبو طويلة إنت." همس وهو ينظر بعينيها: "ششششاهدي." تسمرت عينيها بعينيه، ذابت بنظرته لها. همست: "فهد." رد همستها: "وحشتيني أوي يا قلب فهد." وغابا معاً، برحلة على البساط. رحلة لا يدخلها إلا العشاق.

عدنان.. طال فراجك، والقلب على خصامك داب. ليش ما بتسامحني يا عدنان. أدار وجهه عنها يستدعي القوة والثبات. همست بدموع: "عدنان.. ما اشتقت يا عدنان." استدار لها، بقله حيلة: "يابنت الخال.. غلطتي ولا ما صار." عبست، وهمست: "غلطت وجبلت العقاب. ليه خصامك عليا طال." زفر بقله حيلة: "فكرك على قلبي سهل خصامك ياساجده. بس جتلني شكك، ومشيِك ورا الودع، مابيصير يابنت الخال."

"آخر مرة يا عدنان، واديها فارجتنا.. للابد. سامحني، يا جلب ساجده. والله على خصامك صار ليلي نهار." تنهد وقربها له، بحنان: "سامحتك، يا قلب عدنان. والله على خصامك اليوم بيعدي كأنه عام. مابجدر على خصامك، يابت الخال، بس عالله الدرس يكون صاب." ابتسمت براحه وهي تدفس نفسها بأحضانه: "صاب، والله صاب يا عدنان." تقف، تستند بيدها على سور الشرفة، بشقتهم بالدوار الجديد.

اقترب منها، وجلبها لتجلس على الأرجوحة. جلست واقترب واضعاً رأسه على قدميها. يدها امتدت لتمسدها، كما يحب. أغمض عينيه، وهمس: "فريدة... "مممم... قلب فريدة." "فريدة غنيلي، يا فريدة، وحشني صوتك." خفضت رأسها وقبلت رأسه، بحب: "أغنيلك إيه." شرد، للبعيد، وهمس: "فاكرة الأغنية اللي غنيتهالي في الكوخ." ردت بسعادة لذكراها: "يا اه، لسه فاكر."

"وأنا عمري هنسى. صداها كان بيتردد في ودني طول سنين الغياب. غنيها لي يا فريدة. خليني أنسى اللي حصلي من بعدك. رجعيني لكيان بتاع زمان." رددت ومع غنائها: "الأحبة اجتمعا معاً، رغم الفراق، والمسافات. كل بأوجاعه، بكلمات تصف بعضاً من أحوالهم." تماشت معهم ومع أوجاعهم، حزنهم وابتساماتهم. "مهما يحاولوا يطفوا الشمس مهما يزيدوا علينا الهم مهما يقولوا ... مهما يعيدوا أنت في قلبي ... أنت وبس"

وكأن صوت فريدة يصل إليهما من أقصى الصعيد، لهما هنا بغرفة بمستشفى تغرقها رائحة الدواء والمخدّر. اقترب عابد منها مبتسماً بحزن على حزنها، يخفي دموع عينيه، وغصته. ببسمته الحزينة، يمسد شعرها بحنان. وهي تنظر له بلا حديث، فقط تركت نفسها لأحضانه ليغمرها، لينسيها آهاتها، وما مرت به. وأكملت فريدة تحكي حالاً كحالهم: "كل كلامهم مش هيأثر وأنا ولا حبعد ولا حتغير يمكن حتى هقرب أكتر مهما يحاولوا الناس بالعكس حبنا جوا قلوبنا بيكبر

مهما يحاولوا يطفوا الشمس" وبمكان آخر، قريب منهم، بشقة أخيها، بعيد عن الصعيد. قريب من مشفاهم. وبليلة، أصرت على اجتماع الأحبة، كان المأذون يردد عليهم: "اللهم بارك لهما وبارك عليهما واجمع بينهما في خير." خرج الجميع وبقيا هما. رفع نقابها، أخيراً. سينظر لها بلا استغفار، سينظر لما أحله له الله. قابلته دموع عيناها، قبل رأسها، ومد يده بحنان. مسح دموع عيناها، فانهمرت أكثر، وارتمت بأحضان. ضمها له وشدد عليها بذراعيه.

هامس لها بحب: "ششش انسي، واعرفي، لو كل الدنيا ضدك، أنا هفضل جنبك، متخافيش... يا قلب يا قاسم، أنا فخور بيكي." همست بوجع: "قاسم.. خدني من هنا." "حياة قاسم وصدفته الحلوة، حاضر. كل اللي تقوليه عليه حاضر. بس متبكيش." أحكم على يدها بيده، وودعوا فصلاً، وأكملت فريدة: "يلي حياتي بتحلم بيك وبشوف كل الكون بعنيك أنت العمر الحلو اللي زمان كان متأجل عشتوا وشفتوا جوا عنيك في معاد وبيوصل ليه عايزين ياخدوا من قلبي ...

ليه يلومني الناس على حبي" وعلى صوت غنائها، كان يقف ينظر لها بصدمة، يدور ويدور، لا يصدق. اقترب منها وجلس بجانبها، يسألها للمرة التي لا تعلم عددها: "سمر، أنتي حامل بجد؟ يعني إنتي في هنا بيبي وكدا." ضحكت ومدت يدها تأخذ بيده ليتحسس بطنها: "اه في هنا، في هنا. نونو صغنن. يعني إنت هتبقى بابا البارد، وأنا ماما الجميلة." قهقه على جنانها وحملها بسعادة يدور ويدور، صارخاً

بعلو صوته: "بحبك يا أحلى سمر في الدنيا، بحبك يا بت عمي، بحبــــــــك." سكتت، فأعتدل وأكمل هو، ناظراً لعيناها: "بيني وبينك حب كبير أكبر ما يفكروا بكتير ده اللي مابيني وبينك كان في السما متقدر لازم كنت هحبك مهما لقانا اتأخر حتى في آخر يوم من عمري ... كنت هجيلك برضه يا قدري"

"بحبك يا فريدة، بحبك وهفضل أحبك زي أول مرة شوفتك فيها. بحبك أد دموع الفراق، اللي بكيتها في بعدك، وأد ليالي الشوق والسهر، وأد عذاب ضميري، وأنا فاكر إني خونت عهدك مع غيرك. بحبك." "وأنا بعشقك يا قلب وروح فريدة." أنهت اعترافها، وانتفضا معاً من صوت الرصاص وصراخ محمد باسم: "سولاااف." كان يساعدها على امتطاء الفرس. وفجأة تسمرت قدماها، وهي تصرخ باسمه: "محمد، حاسب يا محمد."

انتهى كل شيء بدقيقة، وبدلاً عنه أخذتها هي. سالت دماؤها، وشقت صرخاته الحزينة سكون الليل، حولتها من ليلة لقاء، لليلة أخرى تحسب على ليالي الوجع والفراق. أيها الوجع، المرابط في دمي.. أما آن لعهدك أن ينجلي. أيها العمر القصير الحزين، أتعشق دموعنا وترتوي. رفقاً بقلوب أهلكها الفراق. رفقاً بدموع لم تعد تنتهي. ندعوك يا الله بقلب خاشع، أن تنتهي تلك الغمة وتنجلي. لا عدنا على الوجع قادرين، ولا إلى الفرحة ننتمي.

يا وجعاً، أما آن لعهدك أن ينجلي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...