الفصل 6 | من 27 فصل

رواية رحماكي الفصل السادس 6 - بقلم أسما السيد

المشاهدات
22
كلمة
2,883
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 22%
حجم الخط: 18

جرت الطفلة ببطء، بأقدامها التي بدأت حديثاً بالسير، خوفاً من جدتها وأخيها ورائها يحثها على الجري، ولكن قدمها لم تسعفها، فتدحرجت للأسفل. وأخوها الباكي يصرخ بطفولة باسمها تارة، وبوالدته تارة. "سليم.. سيليا.. ماما.. يا ماما." كان الشيخ جارهم يمر أمام المنزل، ذلك الشيخ الذي دافع عن والدتهم أمس أمام الجميع هو وزوجته، ووجد الطفلة غارقة بدمائها، وأخاها يرتعش بجانبها، وتلك المرأة التي انعدمت من قلبها الرحمة تصرخ بها:

"الجده.. قومي.. قامت قيامتك.. انتي هتمثلي.. هاتي يابت يا أمل شوية بن أما نكتم الدم دا." نظر الشيخ بصدمة. "عن أي بنت تتحدث تلك؟ "لا حول الله ياربي.. لا إله إلا الله.. البنت مبتنطقش.. أوعي ياستي انتي أما نوديها المستشفى." التف الجميع على صوت المرأة العالي، والتف شباب الحي حولها، والمرأة تصر عليهم ألا أحد يتدخل. أخذها أحدهم، صديق عابد، من يدها مسرعاً صارخاً بها: "أوعي يا جاحدة.. منك لله.. هاتي البت."

واقترب الآخر خاطفاً الطفل الباكي. "محمد.." "صديق عابد: منك لله ياشيخة.. أنا هوديكي في داهية وكلنا هنشهد ضدك.. إنك انتي اللي وقعتي البت.. البت قاطعة النفس." "هات ياعاصم سليم ويالا بينا عالمركز." ارتعشت الجدة بخوف وتركتها يأخذوها. "خدوها في داهية." رمقها الشيخ بنظرة مشمئزة، هي وابنتها التي تقف بلا مبالاة تمضغ علكتها، قائلاً: "يمهل ولا يهمل.. يا أم عابد.. دين تدان.. خلي بالك." "الجده

بحده: جرا إيه ياشيخنا.. انت هتعيش الدور.. يالا برا." "اللي انت عاوزه أعمله." أغلقت الباب بحدة بوجوههم، وانطلق الشباب على الطبيب القريب منهم. "الطبيب: البنت حالتها خطيرة.. لازم مستشفى.. وحد يتبرع بالدم.. بسرعة على المستشفى المركزي.. وأنا هاجي وراكم." أخذها الشباب ومعهم صديق عابد الذي اتصل به، فهرول وخلفه هي، تصرخ بلوعة. ***

بعد ساعة، كانت تقف أمام غرفة العمليات، تحتضن طفلها الباكي المفزوع بأحضانها، يرتجف مما شاهده وعاناه. تبكي بصمت، وقد أسندت جسدها للحائط، بعدما انهارت جالسة أرضاً. وأمامها هو ينظر لها بحقد، وبجانبه والده الحزين على حال أبنائه. خرج عابد يترنح بتعب. فصيلة الطفلة لم تتوافق إلا مع فصيلته. "هو: رمق أبيه بنظرة لوم وجلس على كرسي جلبه له أصدقاؤه الذين اصطفوا حوله برجولة. وأخوه مناصرين له."

أغمض الأب عينيه بحزن، يفهم نظرة ابنه الملتاعة، ولكن هل يكذب عيناه؟ خرج الطبيب أخيراً، فهبت واقفة. "أرجوك طمني يادكتور.. بنتي جرالها إيه؟ "الطبيب: احمدي ربنا يابنتي.. انكتب لها عمر جديد.. بس دي جريمة حسب ما حكالي الشباب.. محاولة قتل.. وأنا مضطر أبلغ البوليس." "عابد بإصرار: أيوا يادكتور.. بلغ البوليس." "الأب بحده: عابد.. انت اتجننت؟ "عابد بسخرية: أبقى اتجننت فعلاً لو مبلغتش عنكو.. ذنبها إيه طفلة صغيرة يابابا؟

ذنبها إيه.. فريدة.. وأنت عارف شافت إيه مع ابنك الواطي." رمقه باشمئزاز. ثار أحمد كعادته وامتدت يده. وهذه المرة لم يواجهه أخيه، بل شباب الحي جميعاً. خرج من تحت أيديهم حطام. وتركهم الطبيب بشماتة بعدما رمق عابد، الذي اتفق معه على ذلك، لهدف ما، برأسه وغمزة وذهب. "فريدة بخوف: عابد.. عاوزه أشوف بنتي." "عابد: بنتك هتبقي كويسة إن شاء الله.. الطبيب يسمح بس تشوفيها." "فريدة

بامتنان: مش عارفة أشكرك إزاي.. لولاك كانت راحت بعد ما رفض الخسيس يتبرعلها بدمه." "عابد بمرارة: أنا أديكوا روحي يافريدة.. وتبقى شوية عليكو." "فريدة بخجل: ربنا يخليك لينا ياعابد.." رمقها بحب، وبنفسه: أكمل.. أنا أديكي روحي يافريدة.. مش دمي بس. *** بعد يومين.. بالمنصورة. اطمأن عليهم راجي ورحل، وبقلبه عزيمة أنه سيخبرها وانتهى الأمر.. وليحدث ما يحدث. ***

توسدت أحضانه تتغنى بكافة ألوان العهر لكسب رضاه، غافلة عن عيون اصطناعية زرعت بأركان الغرفة لتوقعها بالشرك، ولتنفيذ مشيئة الله بأن ربك لبالمرصاد. "أمل.. وهي ترتدي ثيابها بعدما انتهى منها: أظن كدا بقي بقيت مراتك رسمي.. امتى هتيجي بقي تتقدملي ياعصام؟ "عصام بقرف: لم تلحظه هي.. بقولك إيه يا أمل.. مش كل شوية اللي نعيده نزيده.. مقولنا حاضر لما الشقة تخلص." "أمل

بخوف من حدته: يا حبيبي أنا مقلتش حاجة.. أنا بس خايفة حد يشوفني معاك ويقول لبابا.. وانت عارف المشاكل اللي هتحصلي." "عصام بتهكم: انتي بتخافي يا أمل؟ مش معقول.. دانتي يابنتي كان أبوكي وأخوكي في القسم.. وانتي هنا في حضني.. مابلاش الشويتين دول.. ومتصدعنيش.. يالا شوفي هتروحي إزاي." "أمل بتردد: طب.." "صرخ بها: أااامل.." "يالا برا.. مش عاوز صداع." لملمت ثيابها وانطلقت مسرعة. "عصام بقرف: ال.. اتجوزها ال.."

وأخرج هاتفه المتصل بتلك العدسة ليرسله لها بانتصار. أغلق الهاتف، وأرجع جسده للخلف سارحاً بتلك العيون البريئة التي التقاها بالأمس، مردداً اسمها بشرود: "ياسمين.." ***

نزل الدرج باحثاً بعينه عنها منذ ذلك الإفطار اللعين وما حدث، ولم يراها، بالتحديد منذ أتت سلوى وسمر. لا يعلم لم عيناه تبحث عنها، قلبه يريدها أمامه. لمحها تجلس برفقة والدتها بتلك الشرفة. لقد انتقلوا منذ يومين بمبناهم الذي بناه والدهم لهم قبل وفاته، يجاور الدوار ويحوطهم معاً جدار واحد. كان هذا المنزل ملكاً لعائلة والدهم، وقام والدها بترميمها على الطريقة العصرية، فأشبه المبنيان بالناقد والنقيد، بيت جده بعراقته وبيتهم بحداثته. اختارته عمته نادية كل شيء به قطعة قطعة كما تحب.

هي.. ومنذ وفاة زوجها وهي تعيش معهم بالدوار. إذن.. ماذا حدث لينتقلا؟ هكذا.. الآن عمته سحر وبناتها.. أجبرهم الجد على الاستقرار بالبلدة أم ماذا؟ أفاقه نبوت الجد. "مالك يا ولدي.. واقِف شارد أكده ليه؟ "فهد بتوتر: هااا.. ابدا يا جدي.. ولا حاجة." "الجد بنظرة خبيرة: يعني مش واقف تطل على بت عمتك؟ "فهد: هااا.. لا يا جدي.. بس أصلي استغربت يعني.. إنهم رجعوا بيتهم."

"الجد: الطبيب هو اللي أمر بكده يا ولدي.. اللي جابو كيان ليها من البندر.. قال رجعوها بيتها وذكرياتها.. يمكن دا يساعدها بأنها تخرج من عزلتها.. وبعدين سلمي ومحمد كانوا من فترة بيلحوا بالرجوع لبيتهم.. وأني اللي رفضت." اقتربت هي بميوعة منهم. "صباح الخير يا جدي.. صباح الخير يا فهد."

رمقها الجد باشمئزاز من منظرها ولم يتحدث، واتجه للخارج، مستغفراً بسره. فهد، بعدما رفع نظره لمكانها، يخشى أن تراهم معاً هكذا. ولكن وجدها تنظر له بتهكم وقرف واضح. دفع يدها بحده صارخاً بها: "قولتك ميت مرة احترمي نفسك قدام جدي.. إيه المياعة دي." "سمر: الله.. مالك يا فهد بس.. اخص عليك.. بتزعقلي." نطر يدها واتجه للخارج. لا يعلم لم بات قلبه اللعين يدق خوفاً لرؤيتها له مع تلك السمر. لا يعلم أبداً. ***

ليلاً.. بالمجلس العرفي التي أعده الشيخ وكبار البلدة، والذي حكم به بطلاق فريدة وإعطائها أبنائها، لتتنازل عن شكواها ضدهم. يجلس الشيخ وبجواره مأذون البلدة، وعابد وأحمد. "المأذون: ارمي عليها اليمين يابني." "أحمد بحقد وتوعد: انتي طالق." "فريدة بحدة: طلقني طلقة بائنة." "أحمد: لا.. مش هطلق غير طلقة واحدة." "المأذون: بلاش يابنتي.. يمكن الأمور تتصلح في يوم وترجعوا."

"عابد: هطلق يا أحمد.. ولا مفيش تنازل عن المحضر.. ونتقابل في المحكمة." "بغل: هطلق." انتهت الإجراءات ووقعوا عليها. "فريدة: أنا هتنازل عن القيمة والمهر والمؤخر ومش عاوزة نفقة.. بس يمضيلي تنازل رسمي عن الأولاد." "أحمد بقرف: خديهم.. مش عاوزهم.. مش عاوز من ريحتك حاجة.. وابقي وريني هتتصرفي عليهم منين." "فريدة بتهكم وحزن: ليه.. لهم رب هيرزقهم.. متقلقش انت."

نزلت دمعة خائنة من عينيها. هو محق، ولكنها على ثقة أن مع كل نهاية بداية جديدة. رفعت نظرها، ووجدته يبتسم لها بطمأنينة: أن لا بأس.. أنا معك. اطمأن قلبها لنظرته. هو هنا.. لطالما كان هنا. عابد ومن غيرها.. انتهت الجلسة.. وانتهت أمانيها وانطفأت شمعتها.. وحازت بلقب مطلقة. وهل تنتهي مآسيها؟ ***

اقتربت بقميصها الذي يكشف أكثر ما يستر، تقترب منه وهو منكب على حاسوبه في محاولة منها لإغرائه كالعادة، علها تنجح بمرة. شعر بيدها الملتفة حول عنقه، واشتم عبيرها الذي يكرهه، يخنقُه، يشعره دائماً بالقئ. أزاحها بعنف. "كيان: إيه القرف دا؟ قولتك ميت مرة متحاوليش." "سلوي بغيظ: لامتة.. أنا مراتك.. ودا حقي." اقترب منها هامساً بكرهه:

"انتي عارفة إني مش عاوزك.. ومع ذلك استمريتي في خططك.. وخلتي بابا يجبرني عالجواز.. اعترفتلك.. وقولتلك بحبها.. ملكيش مكان في حياتي.. اتسحبتي وادحلبتي زي الحية.. لحد ما قدرتي توصليلها.. وتقوليلها إنك مراتي." "سلوي بحدة: عشان بحبك.. عملت كده.. ولا كنت عاوزني أسيبك ليها؟ انت ابن خالي.. وأنا أولى بيك.. وبعدين ما أنا كنت فعلاً مراتك.. أنا مكدبتش."

"كيان: كتب كتاب بس.. وانتي بنفسك وافقتي عالانفصال.. وقولتي ربنا يوفقك.. انتي إيه يا شيخة؟ "سلوي بتهكم: طب وانت بقي مفهمتهاش ليه إنه كتب كتاب بس.. ومتجوزتهاش ليه؟ وراحت فين ست الحسن والجمال؟ "كيان بشرود: راحت.. زي ما كل حاجة حلوة راحت من بعدها." وخرج من الغرفة لوجهه تذكره بها، وتركها واقفة يتأكلها الغيظ. *** رأته يتسلل لمنزل نادية.. فتسلل القلق لقلبها. هل سيخبرها شيئاً؟

لن تتركه.. ستقتله إن لزم الأمر. صعدت ورائه. ولحسن حظها لم يكن أحد بالمنزل، فسلمى ومحمد لا يزالان بفرح إحدى صديقات سلمى ومعهم عمتهم زينب. صعد راجي لغرفة نادية، ففزعت هي، ورمقته بتوتر. "راجي: اهدي يا ست نادية.. أنا راجي.. يا ست نادية.. متخافيش.. جايلك في موضوع.. مهم.. اسمعيني.. قبل ماحد يجي." اقترب مسرعاً منها، وأخبرها بعجالة بما يخفيه عنها. ارتجفت حدقتاها بصدمة، ودموعها أغرقت عينيها. وتحرك لسانها بكلمة: "بنتي.." "راجي

بسعادة: أيوا يا ست نادية.. هي بعينها." "نادية بفرحة: بجد؟ انت بتتكلم جد؟ بنتي عايشة؟ هي فين؟ وديني ليها بسرعة.. والنبي ياراجي.. وديني ليها." ارتعشت حدقتاها وهي تستمع لحديثه معها، وعلمت أن الأمر انكشف، وأنها الآن لابد وأن تفعل ما كان يجب أن تفعله من سنين. لقد جنوا على أنفسهم. ضحكت بشيطنة، وظهر ماردها الماجن بجسدها يملي عليها ما ستفعله وكيف ستفعله. خرجت مسرعة تنتظره حتى ينزل الدرج.

"نادية.. بعدما انتهى من قص الحقيقة عليها.. نادية بصدمة ودموع: بنتي.. كدا في خطر.. مش لازم تظهر دلوقتي.. لازم تفضل بعيد.. سعدية دي شيطانة.. هيموتوها.. لازم تفضل بعيد.. اسمعني ياراجي.. اتصل بعابد دا دلوقتي.. وقوله اللي هقولك عليه." بالفعل أخرج هاتفه وحادث عابد، وأملى عليه ما قالته بالحرف. انتهت المكالمة. ولاحظها.. أن تلك الأفعى لم تسمع فحواها.

"نادية.. مسرعة وهي تهم بفتح خزانتها وتخرج منه متعلقاتها وممتلكاتها، وبحقيبة صغيرة وضعتهم بها، ستغادر هنا وإلى الأبد هي وأبنائها. أنهت ما بدأته.. والتفت تستشعر بأن هناك شيئاً سيحدث.. قلبها يخبرها بذلك." "تعال معايا." سحبه لمخرج لا يعلم به إلاها هي وزوجها، يطل على الشارع الخلفي.

"نادية: امسك ياراجي.. ادي الحاجات دي لفريدة.. وقولها لو الوشوشات قابلت.. وقدرت أوصلها.. وأملي عيني منها.. هيبقي سعدي وهنايا.. ولو ما تقابلناش.. والروح طلعت.. للي خالقها.. قولها أخواتك أمانة في رقبتك." "راجي بحزن: ليه بتقولي كده يا ست نادية؟ هتتقابلو وهتتهنوا إن شاء الله." "نادية

بصرامة: اسمع اللي بجولك عليه ياراجي.. انت هتمشي من هنا وحالا.. دا كل ما أملك.. أنا وأبوها.. الناس اللي هتروحلهم.. هيعلموها تبقى قوية وتعتمد على روحها.. لو انكتب لي عمر.. هحصلكم قريب.. لو مانكتبش ليا عمر.. قول لفريدة.. أخواتك أمانة.. حافظي عليهم.. وقولها.. أوعي تدوري عالانتقام.. ولا تنتقمي.. سيبيها لرب العباد.. قولها عيشي حياتك انتي واخواتك.. خليها تاخدهم بعيد عن هنا.. عن الغل والحقد.. قولها أخواتك أمانة أبوكي وأمك.. حافظي عليهم."

"راجي: انتي طيبة أوي يا ست نادية." "نادية بمرارة: أنا مصدقت لقيتها ياعم راجي.. عاوزة أعوضها.. ما اغرسهاش في الوحل والانتقام.. قولها.. أخواتك أمانة.. روح ياراجي.. روح بسرعة.. ومتلتفتش وراك." جري راجي باتجاه الخروج، واتجه مهرولاً لطريق.. كُتب على بدايته.. ظلماً جديداً.. فهل سيصل؟ أم سينتهي قبل بدايته؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...