يقود بصمت، يصارع قلبه وعينيه للنظر إليها، طوال الطريق، يستغفر بصمت. قلبه يؤلمه عليها. نظرتها الشاردة الضائعة، كالطفلة الضائعة، تجعله يشعر بالبؤس عليها. انتبه للخالة ماجدة، "استني يا قاسم يا ابني، اقف هنا. عند المحل دا، ه ننزل نجيب حاجة من هنا." نظر لوجه المحل، وجده ملابس يخجل أن ينظر لها، تشبه لملابس الرجال. استغفر في سره ومسح وجهه بعصبية. انتبهت عليه الخالة ماجدة، "مالك يا قاسم يا ابني؟ انت تعبان؟
خلاص مش مهم، يلا بينا، هبقى انزل أنا وأمل في يوم تاني." نظر لها من مرآة السيارة، وجدها شاردة لم تنتبه لكلامهم من الأساس. لن يجعلها تعود لتلك الملابس. أدار السيارة ولم ينتظر. وصلا إلى تلك الحارة، شعبية إلى حد ما، ولكن أهلها جميعاً طيبون. صف سيارته، بجانب العمارة التي يسكنون بها. هبطت من السيارة ودارت بعينيها للمكان. أحاطتها ماجدة بذراعيها بحنان.
"آه لو تعرفي مبسوطة قد إيه إنك هتسكنى معايا يا أمل، دا أنا خلاص الوحدة كانت هتخلص عليا." ابتسمت لها واستدارت فوجدته مسند رأسه على دريكسيون السيارة وكأنه يصارع شيئاً ما. نظرت للخالة ماجدة باستغراب. "هو ماله الشيخ قاسم؟ ألقت ماجدة نظرة عليه، وابتسمت، تلمح بعينيه ما يخفيه. "مفيش يا حبيبتي، دا تلاقيه يا حبيبي تعبان من شغل الورشة طول النهار، يلا نطلع إحنا." كادت أن تقع بسبب جلباب ماجدة الواسع. ضحكت ماجدة عليها.
"معلش بقى مكنتش أعرف إنك ضعيفة كدا، بس متقلقيش، دا أنا هفصلك شوية هدوم." "إيه، عنب." قاد سيارته لوجهه ما، لا يعلم لما يفعل ذلك، ولكن سيفعله. بعد ساعتين، كان يدق باب الخالة ماجدة على استحياء. فتحت الخالة ماجدة الباب، ووجدته هو. "قاسم، اتفضل يا حبيبي." لمحت ما يحمله بيده. "إيه دا يا قاسم؟ تردد وابتلع ريقه، ومد يده لها. "دي حاجة بسيطة، اديها لأمل، أتمنى يعجبوها." ماجدة بسعادة،
"تسلم يا قاسم يا ابني، أكيد هيعجبوها مادام منك." ابتسم لها. "طب استأذن أنا بقى." "إذنك معاك يا ابني، ربنا يراضي قلبك يا قاسم يا ابني." تنهدت ودخلت بالحقائب بفرحة، وهمست، "ربنا يجمع مابينكم، أنا عارفة إنك طيب يا قاسم وهتعرف تحتوي الغلبانة دي." "يارب، يجمع مابينهم على رضاك وطاعتك، يارب." تنهدت، وهي تدعو وتدعو أن لا ترى أمل ما رأته هي. ستساعدها بكل ما تملك، لن تجعلها ماجدة أخرى.
أغمضت عينيها ومسحت دمعتها التي نزلت تكوي خدها. تذكرها بما مضى وابتسمت ودخلت لها. جلست تفترش الفراش، تنظر لما أتى لها به، برضا. توزع نظرها بينهم وما بين يديها بتوتر. رفعت يدها، تنظر لما سطرته يداه. أخذت نفساً وأمعنت به.
(إلى تلك الجديدة، أمل. هناك كلام، كنت أود أن أقوله لك وجهاً لوجه، ولم أستطع، ولكني أتمنى يوماً، أن ألقيه على مسامعك وجهاً لوجه. أعلم تنظرين لتلك الملابس الآن شاردة، ولكنها ستجعلك بعيني ملكة متوجة. لا تترددي وخذي مما فات عبرة وعظة. أريدك أن تغلقي على تلك الصفحة، وتطويها. لا صلة لها منذ الآن بنا. اخلعي كل ما يربطك بالماضي واقذفيه. لا تقسي على نفسك وتجلديها، من فينا قديس عفيف. لست متشدداً فلا تناديني شيخاً، ولست جلاداً لتتوترى أمامي، وتخجلي. أؤمن أن كل شيء يحدث في حياتنا لسبب، وربما كنتِ إحدى أسبابي، لا أعلم. سأنتظر تحت شرفتك، لتخلعي كل ما يعلقك بالماضي ولتتبعي من الآن ما أمرنا به الهادي.
إمضاء: قاسم) ابتسمت وفتحت تلك العلبة وصدمت مما بها، وجدت ورقة أخرى. (ليس جبراً، ولا فرضاً، ولكني أراه عليك أجمل.) ابتسمت واقتربت من المرآة، ارتدت واحدة من الجلاليب التي أهداهم لها، وارتدت النقاب عليه. نظرت لنفسها في المرآة. شعرت بتلك الراحة تسير بأوردتها، كأنها ملكة متوجة، معه حق.
لملمت ثيابها القديمة بأحد الأكياس واتجهت للشرفة بغرفتها. وجدته يقف مستنداً على إحدى عواميد الإنارة. ابتسمت من تحت نقابها له، ولأول مرة تتمعن بملامح رجل صلب بملامح مصرية، جميلة. شعرت بأنها خلقت على يديه. رفع نظره للشرفة، لقد تأخرت، والقلق ينهش بقلبه. وجدها تقف كأميرة بجلبابها ونقابها. انفرجت أساريره وهو ينظر لها، تعلقت عيونه بعينها لدقيقة.
رفعت يدها بذلك الكيس وألقته بكل قوتها. ابتسم بسعادة ورفع إصبعه بعلامة الانتصار لها. ابتسمت من بين جروحها، ومن هنا تسلل الأمل لقلبها. هي ليست بذلك السوء، تستحق أن تحب نفسها. التقط الكيس بسعادة، واقترب من باسكت القمامة، وألقاه بها. *** "أبين زين، وأضرب الودع، أبين زين أبين." نظرت له ببراءة، تتوسله بعينيها. الليل حل عليه.
هنا عند النبع، مكان بآخر المزرعة، خصصه الراوي للعشاق. قطعة من الجنة، يحاوطها الخضرة وعلى ضفافها بحيرة صغيرة صناعية تشبه حمام السباحة ولكن على أوسع وأرضيتها صنعت من الحصاوي. الراوي نفسه يأتي هنا بزوجته، طلباً للراحة، والهدوء والهروب من أعباء الحياة. تسرح الخيول وراءهم هنا، صانعة لوحة فنية جميلة، يجاورها الخيام. كل زوجين يأتون هنا، ينصبون خيمة لهم. نصبها هو صباحاً، ويجلسان أمام النبع بعيداً عن اللمة والجمع.
نظر لها بابتسامة وهز رأسه بالرفض. "لأ يا ساجدة، جلتلك جبل سابج لأ، ده حرام، ما هندخلش في مشيئة الرب." حزنت وأدارت وجهها له. "خلص ما أنا عايزة شيت." تنهد وهز رأسه. "يعني هترتاحي كده يا جل عدنان لما الولية الخرفانة دي، تضحك عليكي بكلمتين." نظرت له بحزن وأجابته، "لأ يا عدنان، ما بتضحك علي، صادقة، صادقة." رفع حاجبه لها بدهشة. "صادقة؟ كيف ده؟ جنيتي يا ساجدة؟ اسمه شرك، رب العباد بس اللي بيعلم الغيب."
اقتربت سميحة ضرابة الودع، كما تشتهر بمزرعتهم، تتحدث بخبث. "أبين زين يا زين، أبين زين يا ساجدة." عدنان بسخرية، "فوتينا يا سميحة الله يكفينا شرك وشركك." سميحة بسماجة، "من إيش خايف يا عدنان؟ لتكون مخبي شي وخايف بالودع يبان." نظر لها بغيظ، وحطت عينه على عين ساجدة التي تنظر له بحزن، فقالت له. "مخبي شي عني يا عدنان؟ لأجل كده خايف بالودع إنه يبان." جحظت عينه وجز على أسنانه، وخطف يدها مسرعاً مستقيماً بها، ونظر للأخرى بغيظ.
"فوتنا لك المكان يا ضاربة الودع ومفرقة الأحباب، ما أنا خايف من شي، بس هادا شرك بالله. من اليوم إذا بلمحك بالجرب من ساجدة بخلص عليكي، وبالأصل الكل بيرتاح." خافت سميحة من لهجته، واندفعت تلملم حاجاتها بعدما كانت افترشت بها على الرمل. "بش وجك يا عدنان، بس ما ترجع ندمان، واني وياك مهما العمر طاااال." نظر لها بدهشة. " بتهدديني يا ولية يا خرفانة انتي." تركته ورحلت، متمتمة، "احسبها على هواك. فوتكم بعافية. يا عشاج."
"ساجدة، ليش أجده يا عدنان؟ دي ولية سو، خاف تأذيك، وعليك ترمي بلاها." نظر لها بثقة. "ما تخافي يا ساجدة، اللي مع الرب لا بيأذي ولا ينهان. واليوم راح عديها إذا بشوفك بتخطلطي بيها، يبجي إني من طريق وإنتي من طريق." شهقت بخوف. "هنت عليك يا عدنان." عدنان بحده، "بتهويني يا ساجدة إذا بطريق الشرك بتمشي خطاي." "خلاص يا عدنان، من اليوم ما بسمع لحدا سواك." ابتسم لها ومد يده ساحباً إياها لخيمتهم. "ما بتهوني علي أبداً يا جل عدنان."
ضحك محياها واقتربت تحاوط عنقه. "والله لو قالوا لي عدنان ما بيحبك بكذب الدنيا وبصدق عيناك." ابتسم لها وقبل خدها. "ولو قالوا لي ساجدة صدقت فيك وما بدها ياك. بخطفك خطف وما تكوني لغيري يا حلوة." *** "كيااان، حاسب يا كيان." حاول كبح الفرامل، ويتنحى جانباً بعدما لمح، ما يقف أمامه، بذعر. صرخت أكثر، "حاسب، حاسب هتخبط فيها." "ضغط فرامل يا كيان." "مفيش فرامل يا فريدة، ااااه." سريعاً اصطدم بالرجل العجوز الذي ظهر فجأة أمامها.
أخذت السيارة بالاندفاع إلى أن اصطدمت. صرخ عليها وهو يرى انحراف السيارة قبل أن تصطدم. "وطي راسك يا فريدة، انزلي بسرعة." لم تستطع الحراك، فاندفع هو وحاوطها بذراعيه وانخفضا أسفل السيارة. سكنت الحركة، وسكن المكان حولهم، إلا من صوت أنفاسهم العالية. رفع رأسه بهدوء. "تحطم الزجاج وكسر عليهم." "حاسبي يا فريدة، براحة." جابته بخوف، "أنا كويسة، انت كويس؟ أومأ بالإيجاب، وهناك بجسده شيء يؤلمه. "آه، كويس." نظرت لذراعه بصدمة.
"إيه دا... جز على أسنانه، والوجع يزداد. "مش عارف." "كيان في إزازة في دراعك، شكلها كبيرة أوي." كيان بوجع. " اااه، فريدة أنا قتلت الراجل." ابتلعت ريقها، وهي تتذكر ما حدث. أغمضت عينها وهي تجزم أنها إحدى حيل سعدية. "خلينا فيك الأول، وريني دراعك، كدا... إحنا لازم نرجع المستشفى." أغمض عينيه وأشار لهاتفه. "امسكي تليفوني اتصلي بفهد. يجيب عربية ويجي." فعلت مثلما أمرها. ***
كان يجلس يؤنب بنفسه على أنه انساق وراء عنادها ومد يده لها، يتآكله الغيظ، مما تفعله. وجدها آتيه من الأعلى مندفعة عليه. نظر لها بغيظ، وهو يعلم ماذا ستخبره. "منك لله يا فهد، منك لله. لبستني في الحيط، الله يسامحك." نظر لها بغيظ وأدار وجهه عنها. "بقولك إيه يا سمر، سيبيني في حالي الله لا يسيئك، كفاية اللي سلمى عملاه في أمي." نظرت له بغيظ ورفعت يدها تدعي بحرقة.
"إلهي وأنت جاهي يارب ينوبك من اللي هيحصلي نصيب. بقي أنا أتجوز راضي البارد، حرام عليك." نفخ بغيظ. "انتي تطولي أصلاً، احمدي ربنا، إنك هتخرجي من بيت العقارب ده." سمر بغيظ. "لأ سيبك من الكلام ده، انت هتهربني." نظر لها بصدمة. "نعم يختي؟ انتي اتجننتي؟ ده أنا كنت قتلتك، عايزة تفضحينا يا سمر؟ إيه الجنان ده." ضربت قدمها بالأرض بقهر وغيظ منه. ورفعت كفها تدعي بحرقة أكبر. "منكو لله، منكو لله." جز على أسنانه، وصرخ عليها. "سمر."
"اخرسي بقى أنا مش فايقلك." رفع نظره للأعلى، فوجدها تنظر لهم بسخرية. تلك النظرة التي تقتله. إلى هذا الحد زاهدة به. كان سيصعد ويتوسلها حتى ترضى ويتأسف لها. أما الآن علم أنها لن ترضى عنه يوماً. تريدها أخوه، إذن فأهلاً لها. اقترب من أذن سمر هامساً لها، عله يرى لمحة غيرة، أو غيظ، شيئاً من هذا القبيل. نظرت له سمر بشك. "إيه يا فهد عايز إيه؟ مش مطمنالك." جز على أسنانه، وهمس لها. "اخرسي يازبالة، قربي واسكتي."
رفعت نظرها لما ينظر له، ووجدتها تنظر لهم. وجدتها فرصة لتنتصر عليها. رغم كل شيء هي وسلمى أعداء، رغم أنها لا تحمل بقلبها ضغينة لها، ولكنها تغيظها وحسب. سمر بتسلية، "قرب، قرب دي بينها هتحلو." جز على أسنانه لتلميحها. "سافلة." "والله تستاهلي راضي، وبالقوي كمان." رفع نظره مرة أخرى، فوجدها على حالها، ودخلت بلا مبالاة وأغلقت شرفتها، وكأن شيئاً لم يكن. دفعته سمر بيدها.
"أوعي بقى يا فهد الفهود، الشو انتهى والموزة، أدتك الصابونة." نظر لها بقهر وغيظ. "صابونة؟ والله يا سمر أنا كنت ناوي أساعدك بس بعد كلامك البيئة ده، مبروك عليكي راضي، وعال فكرة، راضي كلم جدك، وقاله إنك هربتي وهو رجعك. مبروك عليكي اللي جدك هيعمله فيكي ياقطة." سمر بصدمة. "فهد انت بتتكلم جد؟ "أه يا راضي يابن الوانا اللي فكراه مش هيقول." ضحك فهد عليها وتركها.
"سي يوو ياقطة، جدك كان طالعلك لولا كيان حاشه عنك، أحسن لك تدفني نفسك قبل الصبح، أحسن جدك محضرلك مفاجأة. إيه، عنب." افترشت الأرض تولول على ماصابها، تسب راضي بأبشع السباب. صعد درجتين وسمع صوت هاتفه، اتصالاً من كيان، استغرب اتصاله، وهم من الأساس ببيت واحد. رد عليه وصدم مما قاله، وهبط مسرعاً ليلحق بهم. "لمحته يهبط مسرعاً." "مالك يا فهد، في إيه؟ "سمر أو عي كدا، مشوار مهم."
تركها وغادر. واستدارت لتصعد وجدتها بوجهه. نظرت لها بغيظ فتجاهلتها. وصعدت. "تسلمي، بغيظ، وشماتة." "مبروك الجواز يا سمر مشوفتكيش طول النهار عشان أباركلك." استدارت لها سمر تجز على أسنانها. "يبارك فيكي يا أختي، أصيلة. والله." سلمى بشماتة. "سمعت إن جدي محضر لك مفاجأة الصبح بمناسبة هروبك، ورجوعك."
سبته بسرها، ونظرت لها بغيظ ودخلت لغرفتها مسرعة. بحثت عن هاتفها وفي بالها شيء واحد، ستفش قهرها وغلها منه الآن. بحثت عن رقمه بهاتفها، مرة، اثنتان، فتح الهاتف ولا رد. شتمته بسرها، بارد مستخسر يقول ألو.
يجلس بشرفة غرفته يدخن سيجارته شارداً بها، وماذا فعل الجد بها. خاف أن تحاول الهرب مرة أخرى، اضطر لإخبار الجد عنها. يعلم أنها مجنونة، وكانت تتوقع ألا يخبر الجد كمثل عادته. ابتسم متخيلاً منظرها، حينما تعلم ما خطط له مع الجد غداً. استمع لرنين هاتفه، مد يده وأخرجه من جيب بنطاله. لمح اسمها وضحك بصوته كله. تركها ترن أول مرة، وثاني مرة، وهو يضحك عليها. قلبه رق لها وفتح الخط وانتظر سماع صوتها. صرخت بعلو صوتها.
"انت يا جبل الثلج انت مستكتر تقول ألو، هي دي الشهامة؟ دي الجدعنة؟ أومال لو مكنتش بنت عمك، منكو لله، مترد يابجم انت." جز على أسنانه وحاول كبت ضحكاته على سبابها. "لا رد." صرخت بصوتها كله، بأذنه. "عااااااابعد." أبعد الهاتف عن أذنه، بصدمة. "يابت المجنونة، أنا كنت هرد عليكي، دلوقتي منيش رادد، جبر يلمك يا سمر." أغلق الهاتف وتركها تغلي. نظرت للهاتف ووجدت أنه بالفعل أغلق بوجهها. "إيه دا، ده قفل في وشي، بجد؟
قفل في وشي، فعلا." تركت هاتفها بصدمة، وأمسكت وسادتها تعض بها بقهر. "مفيش حل، مفيش حل، أعمل إيه؟ أقتل نفسي وأموت كافرة، ولا أعمل إيه بس." "استغفر الله العظيم، هو حلو، وأمور بس جلف وبارد، لوح ثلج، لو بس ينطق بلسانه، بدل عينيه اللي مليان مكر زي الثعالب. آه يا رب، أظاهر إن راضي قدري ونصيبي، وتكفير لذنوبي، يافرحة سلمى فيا، ياحوستي السودة، طب هغيظ وأقهر مين بعد كدة."
لمعت عينها بانتصار وهي تتذكر جدتها حليمة، وجدها أسعد والد والدها، لا يطيق البنات، وكذلك جدتها. ستشن حربها الجديدة عليهم، إلا أن يتركها راضي. ويمل منها. "هييييه، هو ده، استعنا عالشقي بالله." *** اقترب منهم بسيارته وصل لهم بدقائق لقربهم من المكان. "كيان، في إيه، انت كويس؟ انتي كويسة يا فريدة." "إيه اللي كسر دراعك؟ فريدة، بتعب. "مش وقته يا فهد، يلا ساعد كيان، شكله نزف جامد." ساعد أخيه، ونظر ليده.
"جرح مش غويط، بس بينزف جامد، أوعي كدا أشدهالك ونكتمها." فريدة، "لأ هنروح المستشفى، كيان مريض سكر وغلط عليه." كيان، "أنا كويس يا فريدة متقلقيش خلينا ننهي الليلة دي بقى، أنا تعبت." أومأت له وسحب فهد الزجاجة من يده وحاوطها بشال عباءته. "خليها كدا لحد ما نروح. يلا." جلسا بالسيارة بتعب وحكى له كيان ما حدث. فهد بدهشة. "بس أنا مشفتش أي حد عالطريق ولا حوادث ولا حاجة." كيان، بصدمة. "إزاي؟
أنا دوست الراجل أنا متأكد. ارجع خلينا نشوفه يمكن نلحقه." فهد يابني مفيش حاجة ولا حتى أي أثر بس تمام، تعالي نرجع عشان ترتاح. رجع فهد بسيارته للخلف. لا أثر. نظر لها وابتلع ريقه، قائلاً. "كان هنا." أغمضت عينها تلعن سعدية بسرها، شيطانة مجندة شياطين مثلها. ابتسمت له بهدوء، وهمست بشفاهها له. "همس فهمه عليها، انسي." أغمض عينيه وأراح رأسه للخلف يشعر ببوادر إغماء. ما يحدث لهم، زاد عن حده، يجب التفكير به. ***
تقف تتربص لها أعلى الدرج، منذ يومان وهي تخطط لها. يجب أن تتخلص منها بأسرع وقت. تعلم أنها هي الأخرى تفكر بالخلاص منها، إذن لتكن هي البادئة، وتنهي الأمر. راقبتها تخرج متلصصة يميناً ويساراً. أحمد ليس هنا، والطريق خالٍ لها. رفعت هاتفها واتصلت به. "ها عملت اللي اتفقنا عليه يا مجاهد؟ رد عليها بتأكيد. "علم وينفذ يا ست الكل." "اتصلت بيها وهي جاية في الطريق، هددها زي ما اتفقنا واطلب منها المبلغ اللي قولتيلي عليه." روان بخبث.
"تمام يا مجاهد، ومتخافش مكافأتك هتوصلك لحد عندك." أغلقت هاتفها بانتصار. "فاكريني هبلة؟ لا والله لوريكي، وأخلص منكم انتوا الاتنين. عشان تبقي تفكري تخلصي مني كويس." *** "ها يا متر، خلصت زي ما اتفقنا." نظر له رضوان المحامي، رجل تخطى الخمسين من عمره، كان صديقاً لوالده. "ي ابني انت متأكد من اللي بتعمله ده؟ تتنازل عن كل حاجة كده لأخوك." تنهد أحمد بتعب.
"يا متر ريحني انت عارف إن أبويا الله يرحمه غلط لما كتب لي كل حاجة، وأنا غلطت لما افتريت على عابد، وعابد هيقدر يشيل عني، أنا هسافر ومش عارف هرجع امتى وواثق إن عابد مش هياكل حق حد فينا. أخويا عابد أمين وانت عارف، وكمان عشان أبويا يرتاح في رقدته، أنا ظلمت عابد كتير." رضوان بتفهم. "خلاص يا أحمد اللي تشوفه. ي ابني. عموماً أنا جهزت كل حاجة، زي ما اتفقنا. مفضلش غير إمضتك." "طب تمام، هات أمضي."
"كده تمام، تقدر تتفضل وأنا بنفسي إن شاء الله هوصل الأوراق لصاحبها." سكت قليلاً وهناك سؤال يؤرق فكره منذ زمن. لقد استمع للقصة بالصدفة، ويريد أن يتأكد منها. "بقولك إيه يا متر، أنا عارف إنك صديق لوالدي من زمان أوي. وكنت عايز أسألك على حاجة كدا، بس ياريت متكدبش عليا." رضوان بانتباه. "طبعاً يا أحمد انت عارف أنا مبخافش ومبخبيش حاجة." أحمد. "عارف عشان كده هسألك إيه سبب العداوة بين أمي وأهل فريدة؟ ليه بتكرههم بالطريقة دي؟
أنا سمعت طراطيش كلام كدا، وعايز أتأكد." تنهد رضوان بحزن وعاد بظهره للخلف. "ياااه يا أحمد، ده عمر فات يا ابني، من أيام ما كنا شباب، مع بعض في جامعة واحدة، بس أبوك ساب المحاماة واشتغل في التجارة، بس إيه اللي فكرك بالموضوع ده." أحمد. "ريحني الله لا يسيئك يا عم رضوان." تنهد رضوان وبحزن.
"هقولك مع إن اللي فات معدش له لازمة يا ابني. أنا وأبوك كنا أصحاب من زمان دخلنا كلية واحدة، في جامعة المنصورة، أول يوم دخلنا الجامعة أبوك وقعت عينه على بنت سبحان الله جميلة، فوق ما تتخيل، ومع الأيام حبها وحبته، في الوقت ده أمك كانت بنت عمه، وزي ما تقول زي عادة الفلاحين البت لابن عمها، أبوك اعترض وحصلت مشاكل، وانطرد من البيت، البنت دي كان ليها، قرايب هنا في المنصورة، هي أصلاً مكنتش من المنصورة نفسها، بس كانت على قد
حالها. أمك متعرفش عرفت منين، بيها، المهم، أبوك كان متهور شوية لما عرف إن البنت هنا عند قرايبها، مستناش جري عشان يشوفها، وأمك مكدبتش خبر والخبر انتشر، وطلعت البنت بفضيحة من البلد، وقالت إنها استغفر الله العظيم، كانوا مع بعض، أبوها طبعاً كان هيقتلها، ومنعها تكمل تعليمها وجدك الله لا يرحمه أمر أبوك إنه يجوز أمك وضيق عليه الخناق، انقطعت أخبار البنت عن أبوك، دور في كل حتة، هنا وهنا، بس اختفت. فجأة ظهرت بعد سنين وجت تسكن
في البلد، وعرفنا إن ابن عمها كان بيحبها هي كمان، واتجوزها عشان يمنع أذى أبوها من إنه يقتلها."
أحمد بدهشة. "الست دي أم فريدة؟ ابتسم رضوان بسخرية.
"صح. أم فريدة اللي انت وأمك جنيتو عليها. وعملت في بنتها نفس اللي عملته أمك زمان، وكنت حارمها تكمل تعليمها، بس أم فريدة بقى لقت اللي أبوك معرفش يلاقيه، حب أبو فريدة ليها، واحتواؤه ليها، صحيح راجل بسيط وعلى قد حاله، بس كان بالنسبة لها الدنيا وما فيها. أما أبوك عاش طول عمره ندمان، حتى لما جوزك فريدة، كان فاكر إنك هتحبها وتحافظ عليها، وتعوض اللي حصل لأمها بسببه، بس للأسف كان كل يوم بيحس بالذنب أكتر، وانت بتتفنن في عذاب فريدة، كان دايماً يجي يقول لي بلمح في عين شريفة نظرة خيبة، فيا وفي ولادي."
أحمد بحزن. "للدرجة دي بابا كان بيتعذب." راضي بحزن. "أبوك كان جبل، مفيش أقسى عالراجل العاشق إن يشوف حبيبته مبسوطة وسعيدة مع غيره، حتى لو كان الراجل ده ميملكش حتى قوت يومه. شريفة اتخطت أبوك ونسيته، وهو فضل واقف مكانه. متحمل قرف وجبروت أمك." تنهد بحزن وخرج شارداً، حزيناً، على نفسه وعلى والده. وفي كل مرة، يتأكد بأن أمه شيطانة تمشي على قدمين. ***
"انتي غبية يا بت، في حد يعمل كدا في نفسه. الله بقى يا فريدة، اللي حصل، أهو كلني قلم، كسر خدي." فريدة بصدمة. "تستاهلي والله. وفين الزفت التاني، اللي من ساعة ما جينا ومش عارفة أتلم عليه." "معرفش كان بره مع صحابه." ضحكت فريدة بتعب. "والله مجانين، بقي في حد يسمي أخوه عالتليفون فادي؟ لأ والله انتوا متخلفين رسمي." سلمى.
"يووه يا فريدة بقى، قلت لك هو اللي قالي سميني فادي عالتليفون. أنا زودتها بقى وحبيت أغظه وأقوله دا البوي فريند بتاعي، وأخوكي الأهبل ظاظا في الرسايل، لأ وبيتكلم بدوي بضمير." نظرت لها بصدمة.
"سلمى انتي بجد تستاهلي اللي جرى لك. قلت لك ميت مرة فهد بيحبك وانتي بتحبيه، عيشي حياتك وانسيني أنا، متفكريش فيا. أنا مش هبقى مبسوطة وأنا شايفة حياتك بتهديها عشان انتقام ملوش معنى. وأظن دي كانت وصية ماما، منفكرش في الانتقام. فبلاش تخسري فهد بجنانك ده." سلمى، بغيظ. "بس أنا مبحبوش." فريدة. "بتحبيه متكدبيش، أومال وشك قلب ليه وعمالة رايحة جاية من ساعة مشوفتيه مع سمر." سلمى.
"العمر اللي بيروح منه مبيرجعش، فهد غلط لما سخر منك، وأذى مشاعرك، بس هو كان معذور أي حد يعيش مع شياطين الإنس دول، لازم ينقلب حاله. ده إحنا بقالنا يومين، وجرالنا كل ده. ما بالك بقى هما، وخصوصاً أبوه سويلم ده، شخص مش مريح، بحسه مش سوي ووراه مصيبة." سلمى بحزن. "طب أعمل إيه دلوقتي أنا بحبه ومش عايزاه يزعل مني. وكمان عايزة أخاصمه عشان ضربني." نظرت لها وكأنها براسين. وهزت رأسها بتعب.
"اليوم ده مش عايز يخلص ليه. أنا هنام هنا، مش هطلع فوق، قومي روحي لجوزك يا سلمى، وصالحيه." سلمى. "طب وانتي، هتسبيهولها كدا؟ مش دا كيان؟ حب حياتك." تنهدت بحزن.
"نصيبنا يا سلمى إحنا مش لبعض، هبقى أنانية لو دخلت حرب وأنا عارفة إني هكسب فيها على حساب طفل صغير لسه ميعرفلوش رب، كيان مسؤول عن عيلة وطفل. بلاش أحرمه منهم، فراق الأب وحش أوي، وأنا مجرباه، مش عايزة حد يدوقه. ميغركيش إن سليم وسيليا بيلعبوا وبيتطنطنوا كدا، لاء، مع أول فرصة بيفتكر سليم فيها أبوه، بيسألني عن أحمد. ببقى مش عارفة أقوله إيه؟
بلاش أحرم ابن كيان من أبوه. أنا هنا عشان مهمة معينة أخلصها، وكل واحد يروح لحاله. أنا أرض البدو وحشتني، كل حاجة هناك وحشتني، هناك حياة حلوة وناس طيبة، هستقر هناك، أنا والولاد." دخل محمد مسرعاً بعدما استمع لكلامها. "آه والنبي يا فريدة، هناك وحشني أوي، أنا كمان هاجي معاكي." سلمى بغيظ. "شرفت يا سي فادي." محمد، بفخر. "أيوه يا ست سلمى." نظرت لهم فريدة بغيظ منهم. "مجانين والله." محمد.
"طيب يلا كل واحدة على أوضتها، قاعدين هنا ليه، عايز أنخمد، يلا قوموا." فريدة. "أنا هنام هنا." سلمى. "وانا... محمد. "دا إيه دا، مين كسر دراعك كدا يا فريدة." فريدة. "لسه فاكر، وقعت من عالسلم، أوعى بقى خليني أنام." محمد. "لأ استنوا هحكيلكو حاجة ضروري." سلمى وفريدة. "قول." محمد. "إيه رأيكو مادام انتوا ماشاء الله اتجوزتوا ومتجوزتوش، قاعدين في أربيزي يعني؟
نلم كلنا ونفتح بيت بابا. هناك أحسن وخصوصاً بعد ما جدي هدّه وبناه من جديد. بقي أحسن من الأول." فريدة. "والله فكرة. أنا كمان، كنت هقولكو كدا." سلمى. "طب وفهد مش هيرضى." محمد. "وإحنا مالنا بيكي، اسأليه الأول." فريدة. "الصبح هكلم جدي. ونشوف." محمد. "قشطة. كفك. كفك يا خويا. كفك يا أختي." *** يجلس على الأريكة بمكتبهم بالدور الذي خصصه لهم الجد. غير له فهد على جرحه. فهد. "مالك يا كيان سرحان في إيه؟ كيان.
"فهد في حاجة غريبة بتحصل هنا. أنا شاكك من زمان، بس دلوقتي اتأكدت." فهد. "بانتباه. في إيه يا كيان." كيان. "اقفل الباب دا وتعالى مش عايز حد يسمعنا." بعد دقائق. "كيان انت متأكد من اللي بتقوله ده؟ الكلام ده خطير." كيان. "مش متأكد، أنا واثق. اعمل بس اللي قلتلك عليه. في حاجة بتدور هنا، ولازم نعرفها، لازم نعرف مين قتل عمك مراد وعمتك نادية. في حاجة مش طبيعية بتحصل." فهد. "عندك حق، اعتبر اللي انت عايزه حصل." كيان.
"فهد اوعى تتكلم مع أي حد في الموضوع ده، فاهمني، عايزة في سرية تامة. انت مهندس وده شغلتك مش صعبة يعني." فهد بتأكيد. "متقلقش يا كيان." *** لمحت زينب جمعتهم من خلف باب غرفة محمد. ابتسمت بفرحة لرؤياهم، ذكرتها بجمعتها مع مراد ونادية. سالت دموعها وهي تشبع عينها منهم. كان أخوها يحلم ليلاً نهاراً، بكيف سيكون شكل ابنته الغائبة. دموع عيونها سالت على خديها، خائفة عليها وبشدة، خصوصاً وهي تعلم أن هناك شياطين هنا تتربص بها.
"آه يا ياخوي لو طال عمرك وشفت بتك، حلوة كيف الجمر، وآه يا نادية على حرجة جلبك، منهم لله اللي كانوا السبب." مسحت دموعها وخطت خطواتها تجاه الغرفة. لمحتها فريدة وابتسمت لها بحنين. "سلمى، تعالي يا عمتي. تعالي شوفي ابنك عمل فيا إيه." ابتسمت وابتلعت غصتها واقتربت تشاركهم جمعتهم. بعد دقائق حكت لها سلمى ما حدث. نظرت لها عمتها بصدمة. "واه يا مخبلة انتي، حد يجول ويعمل اجده، والله جليل كف عليكي، إني لو مكانه كنت كالتك ميت كف."
يقف يتسمع على حديثها مع أمه، صدم مما يسمعه. "آه يا بت المجنونة، فادي يبقى محمد، ماشي يا سلمى إن موريتك." استدار لكي يصعد، فاصطدم به كيان. "مالك يا ابني، مش طايق نفسك ليه." فهد. "سيبني الله يستر أحسن على أخرى. أوعى." نظر له كيان بصدمة، واستمع لضحكاتهم الآتية من غرفة محمد. وقف بجانب الباب ناظراً لهم ولأمه وسطهم. ذكرته بعمته، كانت تجلس نفس الجلسة معهم. أغمض عينيه بحنين لها. رفعت عينها ووجدته واقفاً ينظر لهم.
"وااه، مالك يا جل أمك. تعالي يا ولدي. فووت." دخل وجلس بجانبها هي، وأمه تحكي لهم حكايات وقصص من عمر فات. يستمعان لها بلهفة. لمح شرودها، كانت تتكأ بجسدها على الحائط. غرفة محمد جميع فراشها أرضاً كما يحبه هو. وسائد على الأرض كالمجلس العربي، وفراشه يجاورها. فكرها بمكان آخر. استغل شرودها، وقدمها المربعة. ووضع رأسه على قدمها. شهقت بكسوف. "كيان انت بتعمل إيه؟ سمعتها زينب وابتسمت بخبث.
"واه يا بتي مشي يدك على راسه، هو بيحب كده." صدمت وابتلعت ريقها بخجل، فامسك يدها ووضعها بشعره. نظرت لوجهه العابس فغمز لها. "زينب، طول عمره أجدّه، كانت أمك تفضل طول الليل تمسد على شعره أجده لحد ما يروح في النوم." كيان، بلهجة صعيدي. "جوليلها يا أمه، جاسية انتي يا فريدة." رددت بخجل. "كيان، اتلم." علت ضحكاتهم وضربت زينب سلمى بكوعها. "وانتي يا خايبة يانايبة، جومي لجوزك مش كفاية كده." سلمى وهي تتحسس موضع كفه.
"ها، لاء أنا هنام هنا." فتحت فمها لتوبخها، ولكنها صمتت وهي تستمع لصراخ ولدها عليها. "سلمـــــــــــي." سلمى بخوف. "يا غمك يا سلمى، الحقيني يا عمتي." زينب. "واني مالي، تستاهلي. جومي فزي."
نظرت لأخيها الراحل في نوم عميق ويصدر أصواته. لا فايدة منه. انتقلت بنظرها لفريدة، وجدتها هائمة مع كيان يتبادلان نظرات عاشقة، ويديها تمسد على شعره كطفل ضائع. يسرقان لحظات من الزمن معاً. وكأنها آخر لحظاتهم معاً. عبست بشفتيها فضربتها عمتها على رأسها. "جومي يا هبلة متبقيش عزول. جومي لجوزك، وحاوطيه، لغيرك تاخده منك، وبدل ما يبقى اتنين متعوسين، يبقوا أربعة. جومي." ***
نظرت لهم بعدما صعدت سلمى، ودعت لهم بصلاح الحال. تيقنت أن تلك فريدة هي تلك من حكى لها عنها ابنها ذات يوم. هناك شيء مستتر بينهم. ابنها المبتسم بسعادة منذ رآها، سعادته تشرح قلبها. تسللت. بهدوء وأغلقت الباب خلفها. انتبه ليدها التي توقفت على شعره. نادته بهمس. "فريدة." ردت همسه. "ممممم." "أنا مقبرتلهاش غير مرة واحدة، اتخيلتها انتي، معرفش إيه اللي حصل بس كنت برد اسمك انتي." وضعت يدها على فمه تصمته.
"شششكيان اسكت، مش عايزة أعرف، أرجوك." استقام جالساً. "مش هسكت. من حقي أعرف، إيه اللي حصل، ليه سبتيني كده، ليه اتجوزتي غيري، ليه يا فريدة." ردت بلوعة. "اسكت، يا كيان اسكت." لم يصمت. "انتي كنتي تعرفي أنا مين، صح. قولي الحقيقة ريحيني." نظرت له بحزن. "عايز تعرف إيه؟ آه كنت عارفة. وآه هربت منك عشان كده. ارتحت." كيان بجنون وهو يحاول كبت غضبه. "ازاي فهميني، ازاااي؟ سكتت وسكت هو. نظر لها بوجع، وسالت دموعها. "لم يستطع."
"خلاص متعيطيش." مسح دموعها بيده. "طب اوعديني، إنك تحكي لي." رفعت نظرها له. "أوعدك. وقت ما أحس إن عايزة أحكي، هحكيلك." ابتسم بحزن، وهو يمني نفسه بقرب الحديث. "طب إيه." نظرت له باستفسار. "إيه؟ مش هنام، أنا تعبان وعايز أنام." فريدة بغيظ. "اطلع لمراتك." رفع حاجبه بغيظ وجذبها جبراً لاحضانه. "واطلع ليه، ما انتي أهو." شهقت بخضة وهو يحاوط خصرها بيده. "كيان." فريدة. "نامي وسيبني أنام، بقالي سنين مشبعتش نوم."
ابتسمت بحزن عليه، وهمست. "مجنون." ردت همسها بشفتيه التي تعلقت بخاصتها وهو يدير وجهها له بيده. "بيكيمجنون بيكي يا وجعـــــي." *** طالت سهرتهم هنا مع أهلها. مال عليها. يهمس بأذنها. "مش يلا بقى ياياسمينة، نروح، ولا ناوية تباتي هنا، وتسيبيني، الوقت اتأخر." أجابته بهمس. "لأ طبعاً، يلا، انت أساساً وحشتني أوي." ابتسم لها بشوق. "متلعبيش بالنار ياياسمينة." ضحكت عليه. "الله وأنا مالي يا لمبي."
بعد دقائق، استأذنوا منهم ورحلا. وضع يده على كتفها، يقربها لاحضانه. لا أحد هنا، وسط حارة ضيقة، والجميع نيام. همس بأذنه. "مبسوطة يا أحلى ياسمينة." لفت ذراعها حول خصره، واقتربت قبلت صدره. بسعادة. "أوي أوي. ربنا يخليك ليا. يابودي." جز على أسنانه وهمس لها. "يامجنونة في الشارع كده. قولتلك متلعبيش بالنار ياصغننة. عشان متهورش وأبوسك في الشارع. وبعدين إيه بودي ده." ضحكت ولمعت عيناها بسعادة. "بودي دلع عابد، بودي وياسمينة."
لم يلمحا ذلك الذي ينظر لهم بغيظ، وحسرة منذ خرجا من شقتهم، وهو يتبعهم. انتظر وانتظر وأخيراً هما هنا أمامه. اقتربا من سيارته المصفوفة على رأس الشارع. ليقلاها لشقتهم البعيدة نوعاً ما. أخرج عصام سلاحه، وصوبه عليه، باتجاه صدره، تملكه شياطينه، ليخلص منه. وتبقى له هو، بعده لن يبقى لها غيره. هتدي تفكيره لهذا، لمحته هي، وجحظت عيناها بصدمة وهي تراه يصوب عليه هو. انتهى كل شيء بلحظة، وفي لحظة كان يصرخ عليها.
"اااااا، يااااسميـــــــــــــن...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!