الفصل 22 | من 27 فصل

رواية رحماكي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم أسما السيد

المشاهدات
18
كلمة
4,982
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

منتصف الليل، واقفة بقلق، تنظر للطريق. أخبرها أنه ذاهب لأخيها، ولم يرسل لها شيئاً منذ ساعات. قلقة بشدة عليه. ماجدة من ورائها: "يابنتي، دلوقتي ييجي. متقلقيش." نفخت خديها بقلق: "قلقانة عليه، اتأخر أوي." ابتسمت وسحبتها للداخل: "تعالي، بس الغايب حجته معاه. دلوقتي ييجي." رجعت بظهرها لآخر الأريكة، وسألتها سؤالاً لطالما أرادت سؤاله لها. عيناها الحزينة دائماً تخبرها أن هناك شيئاً مستتراً بها.

"قُوليلي يا خالة، هو أنا ليه حاسة إنك مخبية عني حاجة؟ ماجدة بارتباك: "هخبي إيه ياهبلة انتي، مانتي عارفة اللي فيها." أمل بمكر: "أنا كل اللي أعرفه إن الراجل طالع نازل، عينه هتتقلع عليكي. بس شكلك انتي اللي سايقة فيها." ضربتها على كتفها بغيظ: "اسكتي يا أمل، إيه اللي بتقوليه دا." أمل: "أقول إنك بتضيعي عمرك ع الفاضي. الراجل هيعملك إيه أكتر من كدا؟ اتقدملك كام مرة. انسي اللي فات، وعيشي اليومين اللي فاضلينلك في حضنه."

فلتت دموعها منها غصباً عنها، والماضي يعود لذاكرتها وبقوة. "وهل نسيته أساساً؟ مش قادرة أنسى يا أمل، إنه باعني عشانها. أنا لا يمكن أسأمه أبداً. أنا اه كنت بعشقه، بس عمري ما هسأمه. أنا مش عارفة حاجة." أمل: "مش عارفة إيه؟ "مش عارفة حاجة خالص." أمل بدهشة: "أنا حاسة إنك شايلة هم كبير جواكي. احكيلي يا خالة." ردت بوجع: "احكيلك إيه بس يا أمل؟

احكيلك إني كنت متهورة زيك كدا وأنا صغيرة. أنا يا أمل عشقت رضوان أبو قاسم عشق مجنون لدرجة محدش يتخيلها. كنا جيران وأكتر من إخوات، متربيين سوا. كان هو راجل في التلاتين. الناس كانت كلها بتقولي، إنه شاب فاسد وبيضحك عليكي. بس أنا مكنتش شايفة غيره. لو كنت ركزت شوية في أفعاله وحركاته معايا، كنت عرفت إنه فعلاً بيضحك عليا. أنا كنت ١٨ سنة أياميها، كنت لسه عيلة وأخدة الدنيا عافية، وبتغني بالحب والمحبين." وبدموع ازدادت،

وخرجت كشهقات: "وقتها عرض عليا نتجوز عرفي، وعملي البحر طحينة زي ما بيقولوا. وافقت. وافقت على ضياعي وكسرة نفسي، وياريتني ما وافقت. كل خطوة كنت بخطيها، كان ليا صاحبة اسمها ناهد، بعتبرها كل حاجة ليا. مانا وحيدة وملقتش غيرها سند ليا. كانت ناهد صحبتي، تعرف كل حاجة. لا واللي يضحك، كانت بتشجعني. مطولش عليكي، المهم مرت الأيام. وفي كل مرة أقوله هتيجي تتقدملي امتى، كنت ألاقيه بيتوه. مرة على ما تخلصي جامعة، ومرة على ما أكون نفسي. لحد ما وقعت في شر أعمالي. وفجأة لقيتني حامل. أمي وأبويا كانوا ناس على قد حالهم. أبويا كان راجل طيب، بس أمي كانت ست قاسية. ارتجيته، بوست رجله، إنه يتجوزني ويستر عليا. تعرفي كان رده إيه؟

'اللي تفرط في نفسها مرة، تفرط في نفسها ألف مرة. انتي مش أمينة على بيتي وشرفي'."

"أسودت الدنيا في وشي، وكلامه سكاكين بتنخر في قلبي. بعد دا كله، بعد ما أبويا كان بيعتبره ابنه اللي مخلفوش. كنا جيران وأهل، كانوا بيقولوا ماجدة لرضوان، ورضوان لماجدة. فجأة، لقيتهم نازلين زغاريط في العمارة. وال ايه، فرح رضوان وناهد. وقتها عرفت إني أستاهل اللي جرالي. لا عرفت أختار صاحب ولا راجل أتسند عليه. في أقل من أسبوعين كان متجوز ناهد. بقيت أبص للي بيحصل كأني في دوامة، وهفوق منها ألاقيه مستنيني. بيمدلي

إيده عشان يقولي زي العادة: 'تعالي متخافيش، كنت بهزر معاكي'. اتغدر بيا في ثانية. وقتها مستحملتش، انتحرت. وأبويا لما عرف من الدكتور إني حامل، طب ساكت، راح فيها. أمي كانت ست قوية، دفنت أبويا، وطلعتني من المستشفى من غير ولا كلمة. وبعد ما اتعافيت، خدتني لدكتور من بتوع بير السلم، ونزلتلي اللي في بطني. أجهضت اللي في بطني، وزهدت الدنيا. هو كل يوم مشاكله كانت بتزيد مع ناهد، وحاول يرجعلي وأنا زي الهبلة، قلبي حن ليه. وقُلت هاخد طاري من ناهد برجوعه ليا ندمان، مكسور.

فوجئت بيه بيقولي: 'تبقي زوجة في السر'. وقتها صعبت عليا نفسي، ولقيت نفسي بصرخ في وشه وبقوله: 'ليه؟ هو أنا ناقص إيه عشان ينكتب عليا أعيش عمري كله في السر؟ ' ضحك وقالي جملة عمري ماهنساها: 'هو دا اللي عندي، وانتي مقامك إنك تبقي زوجة في السر، أهو أمتعك وأتمتع بيكي بدل ما انتي قاعدة زي البيت الواقف'. ولأنه كان عارف إن مليش ضهر أتسند عليه، اتجبر عليا. لقيت

نفسي بدعي في وشه بحرقة: 'ربنا يحرق قلبك زي ما حرقتو قلبي، وينتقم منك واشوفك واقف عاجز'. وسبته ومشيت. أمي كل يوم عن يوم كانت بتزيد في جبروتها، تصوري عيشتني زي الآلة، اشتغل وأجيب فلوس بس. اترجيتها نبعد عن العمارة وننقل، مهو أنا مش حجر، أنا دم ولحم بردو. رفضت وجبرتني أشوف نظرة السخرية والشماتة من صحبة عمري في الطالعة والنازلة. كانت ست قاسية،

كانت تقولي: 'لا هنعيش ونشوفهم عايشين مبسوطين وانتي تعيشي مذلولة مكسورة، ماهو دا مقامك. يوم محب يختار زوجة صالحة، اختارها هي. وكان عندها حب، ما أنا فرطت في نفسي'. مرت الأيام، وخلفوا قاسم. عارفة هتقولي إزاي واحد زي قاسم، يبقى ابن رضوان الفاسق؟ هقولك...

قاسم اتربى مع جده، كان راجل تقي وبتاع ربنا وشيخ جامع. كان زي ما بيقولوا، 'يخلق من ظهر العالم فاسد'. اهو دا بالظبط اللي ينطبق على حالهم. قاسم عاش عمره كله مع جده، دا حفظه القرآن، وعلمه تعاليم الدين الصحيح. كان شايف إن ابنه ومراته مينفعوش يربوا أطفال، عشان كدا قاسم كان دايماً عايش مع جده في الدور اللي تحتينا ده. لحد ما جه اليوم اللي حصل فيه الحادثة، وانقلبت بيهم العربية. ناهد النار أكلتها وخرجت متفحمة، وهو كالعادة

استندل ونط من العربية قبل ما تنفجر. وأصبح عاجز بيمشي بعكاز. مرت الأيام وزي ما بيقولوا، أو زي ما بيدعي هو، عرف غلطه، وحكى لأبوه الحكاية. أبوه حب يصلح غلطته ويجوزنا، بس أنا رفضت. قُلتلهم أنا هعيش طول عمري راهبة من غير جواز، ولا إني أتجوزه ولا دقيقة. أمي حبت تضغط عليا، ساعتها ثرت، لأول مرة، وسبتلها البيت، وهي رضخت بعدها، مانا رزقها الوحيد. ومرت الأيام وقاسم كبر، رعيته كأنه ابني، ماهو لو كان عاش ابني كان هيبقي قده. وهو

كل شوية أيام زي كدا،

ييجي يغني ويقولي: 'سامحيني وتعالي نتجوز'. أنا فاهمة هو عاوز إيه، ماهو عاجز، مين هترضي بيه غيري؟ ما أنا الهبلة اللي كنت بحبه بجنون. اللي زي رضوان، عمره ما هيتغير. ابنه بنفسه قالي: 'متتجوزيش رضوان يا خالة'. " أمل بصدمة: "قاسم عارف؟

ابتسمت ماجدة بتهكم: "مش قُلتلك قاسم دا تربية جده الطيب، طول عمره ذكي ولماح. لما شد عوده وكبر، جده حكاله. لما عرفت إنه عرف، كنت خايفة يبعد، أو يفهم حبي ليه غلط. بس فاجئني بدموعه وحزنه على حالي، قالي: 'ياريتك كنت أمي'. أنا فخورة بيكي. ساعتها بس حسيت إن الدنيا لسه بخير، وإن ربنا قبل توبتي. وإنه عوضني ابني اللي راح بقاسم. وانتي تقوليلي أتجوز رضوان؟ يا شيخة دا الموت أهون من قربه، دانا مبكرهش حد قده."

اقتربت أمل واحتضنتها بحزن: "عشان كدا كنتي دايماً تقولي عمري ما هخليكي نسخة مني." ماجدة: "انتي مش زي يا أمل، انتي ربنا رزقك براجل حنين زي قاسم، احتوى ضعفك وحزنك، وإخوات ماشاء الله عليهم، ربنا يحميهم." قبلت رأسها بحزن: "ورزقني بيكي أحلى أم في الدنيا. ياريتك كنتي أمي." ضربتها على رأسها بخفة: "مانا أمك، وأمه. عاوزاكو تملوا عليا البيت ولاد وبنات، وتسيبوهملي يا أمل، فاهمة؟ لا إما هخطفهم وانتو حرين بقى."

أمل بابتسامة: "فاهمة يا عيون أمل. ربنا يخليكي ليا يا ماما." علت شهقاتها وهي تقبلها بحزن وفرحة امتزجا معاً: "آه لو تعرفي عشت عمري كله أتمنى الكلمة دي إزاي." أمل بدموع: "خلاص من انهارده هناديلك ماما، يا أحلى ماما." انتبهت لخبط الباب وانتفضت مسرعة من أحضانها: "دا أكيد قاسم، هروح أشوفه." ضربت كفاً على كف ومحت دموعها: "آه ياهبلة، البسي النقاب يابت." أمل: "حاضر، حاضر." فتحت الباب وشهقت بصدمة: "احمد." أحمد بابتسامة: "إيه؟

مش هتسلمي عليا يا أمولة؟ أفاقت من صدمتها واقتربت منه وتعلقت بأحضانها. أحمد بفرحة: "وحشتيني يا قلب أخوكي، بس إيه يابت ده، خسيتي أهو، كنتي زي البقرة." ضربته على ظهره بسعادة ممزوجة بدموعها: "آخرس، أنت اللي بقرة." لمحته واقفاً ينظر لها ببسمة ممزوجة بغيرة واضحة. ولكنها أشاحت نظرها عنه خجلاً. *** بعد ساعة، كانت تعد حقيبتها لترافق أخاها صباحاً، بعدما صعد ليبيت مع قاسم. ماجدة: "مع إني كنت عايزة أكون معاكي، بس معلش، ملحوقة."

أمل باستنكار: "دا اللي هو إزاي بقى؟ هو انتي مش هتيجي مع قاسم؟ ماجدة: "مهو رضوان هيكون موجود، وانتي عارفة اللي فيها." أمل بحنان: "ودي فرصتك تثبتيله إنه ولا حاجة، مش دا كلامك؟ وبعدين انتي رافضة تيجي معايا، هتسيبني كدا لوحدي؟ ماجدة بحنان: "عشان عيونك هاجي يا أمل، ربنا يخليكو ليا. وآه، هو ولا حاجة." أمل: "ربنا ما يحرمني منك أبداً." *** استغرب رن الجرس بمنتصف الليل هكذا، من سيأتيه الآن؟

استقام من الفراش بحزن، ومنظر الدماء ما زال بمخيلته. إلا أن اقترب من الباب وفتحه بسرعة، ورجعت هي للخلف معها. صدم. تسمرت قدماها، وهو يهمس باسمها: "سمر. انتي." محمد من خلفهم دفعها بحدة بيده، سقطت بأحضان راضي. غامزاً لراضي: "خد مراتك أهي، زهقتني طول الطريق، عمالة تغني 'ودوني على بيت حبيبي'. خد ياشيخ، دي قرفتنا. الـ حبيبي ال. راضي جبل الجليد، بقى دلوقتي حبيبي." تركهم وهرول للخارج. وتبقى هو وهي.

ابتلعت ريقها وهي تهز رأسها يميناً ويساراً، وببراءة قالت: "ماتصدقوش، يا جبل التلج انت. كداب." جحظت عيناه، ودفع الباب الذي ما زال يمسكه بإحدى يديه ويسندها هي بيده الأخرى. وهمس: "مصدقش إيه يا سمر؟ عضت شفتيها بغل من محمد، وهمست: "هاااأصل... راضي بهدوء: "أصل إيه؟ قولي." رمشت بعينيها، ورفعت عينيها وثبتتها على عينيه التي اشتاقتها، وعبست بطفولة: "أصلك بصراحة، وحشتني أوي يا راضي." "بص، أنا مش طايقاك، بس برضو وحشتني أوي."

نظرت له بسخط واستنكار، وهو ينظر لها بعينين جاحظتين. وبحدة سألته: "إيه؟ مش هتقول حاجة يا بارد انت؟ مش هتقولي وحشتيني والكلام دا؟ ابتعدت عنه وأزاحته بيدها: "طب أوعى بقى، يا بارد انت. اف." فلتت منه قهقهات رجولية عالية، جعلتها تنظر له وتضيق عينيها. وبغيظ ضربت الأرض بقدمها، واستدارت لترحل، متمتمة بحزن: "أنا غلطانة إني جيت." انتشلها من على الأرض بذراعيه كالريشة، قائلاً بضحكة متقطعة من بين كلماته: "تروحي فين ياحلوة؟

هو دخول الحمام زي خروجه." همست بخجل: "راضي... "إوعي." رد همسها وهو يصعد الدرج بها عدواً كالبرق: "عيون وقلب راضي. انتي كمان وحشتيني أوي، أوي يا قلب راضي."

ردت همسه بطريقة أخرى ملتاعة، مشتاقة، بشفاهها التي حطت على عنقه، تنتشي من رائحة عطره التي اشتاقتها وبشدة. لا تدري ماذا بها، ولكنها كانت لها ترياقاً شافياً، وعلمت أنه هو من بين جموع البشر. بين يديه وجدت تلك التي يسموها "الراحة". همسها باسمه وشفاها التي حطت على عنقه أنسته ما رآه، لوعته، وليالي الفراق. أخذته معها على سطح سفينة، وكانت هي إحدى ساكناها. انتشت روحه وسكنت لوعة ما رآه. أغمض عينيه راحلاً معها، صارخاً

بها: "يا امرأة، رحماكي." *** بعد ثلاثة أيام، يقف ينظر لها بحب وابتسامة مكبوتة لما تفعله. نظرت له بحدة: "بتضحك على إيه؟ رفع يده باستسلام: "مبضحكش، بتفرج عليكي." نفخت خدها وتركت ما بيدها بحزن: "شكلها باظت. أنا كل ما أعمل حاجة أبوظها. أنا فاشلة." اقترب منها وهمس لها: "وريني كدا."

كانت تعد الأرز بجانب طاجن من البطاطس بالفرن. وضعت إصبعها بفمها، كمن ينتظر نتيجة امتحانه. أخذ ملعقة من البطاطس وابتلعها. وابتسم. فتح إناء الأرز وتذوقه، وحبس ضحكاته. وهمس: "تسلم إيدك يا قلبي، جميل. كل اللي ياسمينة بتعمله جميل." نظرت له بحزن: "اضحك يابودي، متكتمهاش." فانفلتت ضحكاته عليها. عبست بحزن: "اف، أنا زهقت، أنا فاشلة. فاشلة."

أخذها بحنان من يدها وأجلسها على قدمه. يده امتدت كعادته لتحاوط خصرها، ويده الأخرى تمسد بطنها، موضع طفليه. نظرت له بحزن وهي تعلم ما يود أن يحادثها به. منذ أيام وهي تتهرب منه، تمكث هنا. لا تريد أن تلقاها منذ أتت. هي لن ولن تسامحها أبداً. أغمضت عينيها وصدي اعترافات عصام لها بعدما انتهى من ذبحه لها، ترن بأذنيها اعترافاته. لا تزال تذلذل أعماقها. انتبهت لهمسة: "ياسمينة." أجابته بهدوء: "نعم."

نظر لها قليلاً بصمت، فنكست رأسها للأسف. وهمست: "أنا آسفة، مش قادرة. أرجوك متزعلش."

تنهد وقال: "الموضوع مش كدا ياياسمين، حاسس إنك مخبية حاجة عني. أنا عمري ما هجبرك تسامحي أمل، على اللي عملته في فريدة. انتي فهماني غلط يا قلب عابد. مش عاوزة تكلميها، مش هجبرك. أنا عتبي عليكي إنك حابسة نفسك هنا، من ساعة ما جت. حتى ديما ودينا، معنتيش بتنزليلهم. ياسمين، انتي حاجة كبيرة أوي عندي. أنا عارف إن أمل غلطت كتير، بس انتي بنفسك طلبتي أسامح وأتفاهم. فليه يا قلب عابد، في إيه؟ فهميني. مخبية عني إيه؟

مد يده وأشار لقلبها: "في إيه هنا بيوجعك ومخبياه عني؟ مش اتوعدنا، تشاركيني وجعك، ومتخبيش عن عابد حاجة. ومتقوليش مفيش، لأن في، أنا قلبي حاسس بكدا." ابتسمت ابتسامة باهتة، كتمت بها غصتها: "مفيش يابوده، أنا بس... غصت بحلقها ولم تستطع أكثر. لم تستطع. شهقت وبكت بحرقة وأحاطت عنقه، تبكي وتبكي. جن جنونه: "ياسمين في إيه؟ قوليلي في إيه؟ أقسم بالله ماهقدر أستحمل دموعك دي. لو مش عاوزة تكلمي أمل، متكلميهاش. بس في إيه؟

قوليلي، متبكيش يا ياسمين." صدح صوتها المتوتر أمامهم مباشرة: "أنا هقولك." تفاجأ وهو ينظر لها: "أمل." رفعت نقابها ومسحت دموعها التي تسيل بخزي: "أنا آسفة إني دخلت كدا، بس الباب كان موارب. ندهت محدش رد. سمعت صوتكو فدخلت." نظرت لياسمين الجالسة بأحضان أخيها، يحتويها كطفلة صغيرة. وأغمضت عينيها بحزن. وتذكرته هو، وياليته معها الآن. ابتلعت ريقها. وانتبهت لسؤال أخيها المصدوم. عابد: "في إيه يا أمل؟ هتقوليلي إيه؟

نطقت بحزن: "هقولك ليه ياسمين مش عاوزة تشوفني ولا تقابلني." نقل نظره منها لتلك التي بأحضان أخيه باستفسار: "تقصدي إيه؟ حد يفهمني." التفت لها بضعف، بحزن ودموعها تنهمر كالسيول، وذكري ما مضى يمر أمام عينيها، كلماته واعترافاته ترن بأذنيها. صرخت بها: "اسكتي، اسكتي، اقفلي على اللي فات، اقفلي بقى، كفاية حرام عليكي."

ضربات قلبه علت كالطبول، ارتجف قلبه لمرأى أحب اثنين لقلبه ينتحبون معاً. كانت لا تزال تتشبث بأحضان أخيه كطفلة تتمسح بأبيها، ويديها تمسك بقميصه بقوة وكأنها تتألم. دموع عينيها أغرقت قميصه. همس لها: "في إيه ياسمين؟ خايفة منه أوي كدا؟ ردت همسه: "قولها تمشي، أنا مش قادرة أبص في وشها، يا عابد، حرام عليكو. أنا كان إيه ذنبي." ابتلع ريقه وهم أن يجلسها بجانبه، فأبت أن تفارق صدره وتمسكت به،

هامسة بضعف: "خبيني، أرجوك. حاسة إني عريانة." أحاط بيديه جسدها الذي هزل وضعف منذ تلك الليلة، كطفلة صغيرة. همس بأذنها: "ششش، اهدي، أنا جنبك... جنبك أهو، مش هسيبك أبداً." رفع نظره لأخته التي تنتحب بصمت. بنظرة فهمتها، أن تحدثي. وبدأت، وياليتها ما بدأت. عابد: "أنا عارف إني غلطت كتير، وانت سامحتني. أنا عارف إني مستحقش العفو، بس والله ما كان بإيدي. أنا كنت عاملة زي المغيبة، روان كانت بتهددني." "أنا... صرخ بها: "انطقي."

رد هو من خلفه بعدما تركته أمل بالأسفل، لتعترف لأخيها وتطلب السماح من ياسمين. لقد نصحها ألا تفعل، ولكن حدث ما حدث. نظر لأخته بحزن وتنهد قائلاً: "أنا هقولك أنا يا عابد." نقل نظره بينهم بضياع، بخوف من القادم، وتلك تأبى أن تترك أحضانه. عابد: "انت عارف طبعاً إن اللي نزل صور أمل كان عصام." جز على أسنانه وهو يستمع لاسمه، وقال بغل: "كمل."

نطقت هي: "أمك وروان كانوا عاوزين ينتقموا من فريدة وأمها بأي طريقة، وطبعاً انت عارف عملوا إيه في فريدة. في نظرهم مقدروش على فريدة، ومقدروش يوجعوا أمها عليها. فخططوا يوقعوا ياسمين، ومكنش في طريقة غير إنهم يأذوا ياسمين، غير عن طريق عصام. ليتفقوا وخططوا لكل حاجة. وساعتها أنا كنت على علاقة بعصام وروان كانت بتهددني دايماً، وكمان بدأت أحس من عصام بالغدر، فروان بخت في وداني إني يعني... هطلت دموعها وسكتت. وأكمل هو: "إنك إيه؟

انطقي. إني أقوله على ياسمين. كلام محصلش. كانت مفكراها سهلة، بس اللي مكناش عاملين حسابه إن عصام يقع في حب ياسمين من أول نظرة. ولما صدته مرة واتنين، حبها بجنون، ورفض يأذيها، لحد ما جه اليوم اللي سمعته هو وروان بيخططوا إنهم يفضحوني، ساعتها عرفت إني خلاص انتهيت. كان عشقه ليها معدي الحدود، وقررت انتقم منه. أنا والله ما كنت عارفة بعمل كده إزاي، أنا كنت يأست وكدا كدا ضايعة. بعدها رحت ليه وكان زي المجنون وبيخرف باسمك واسمها. أنا محسيتش بنفسي غير وأنا بقوله إنك ماشي مع ياسمين و...

وهو زي ما يكون كان بيدور على أي مبرر يعمل بيه اللي هيعمله. وحصل اللي حصل. أنا والله يا عابد ما كنت عارفة بعمل إيه. ولا كنت أعرف إنك هتتجوز ياسمين فعلاً. أنا... نظرت له بخزي ولم تستطع أن تنطق. نزلت دموعها بخزي أمامه. اعترافات وخبايا جعلته يترك تلك التي تنتحب بين ذراعيه، وجسدها يرتجف، وكأن الزمن عاد وكل ذكريات تلك الليلة وما مرا به عادت لتسخر منه. اعتصر وجهه بيديه بوجع.

"ما أقساه أن تقع بين اختيارين، أحدهما أمر من الآخر." علت شهقاتها وهي تعتذر وتعتذر: "أسفة يا ياسمين، سامحيني، والله ما كان بإيدي. سامحيني يا عابد، أنا... لم يمهلها. يده حطت على خدها بصفعة مدوية، لاول مرة بحياته، قائلاً بوجع، بحزن، باشمئزاز: "اخرسي... كفاية، كفاية بقى." كادت أن تسقط من صفعته لها. التقطها أحمد بيده، ناظراً لها بحزن: "ارتحتي؟ ضميرك ارتاح كدا؟ أومأت له بحزن وكسرة، وهمست: "أوي."

"يعدلها وأخذها تحت ذراعه بحنية. ووجه كلماته لأخيه الذي جلس واضعاً وجهه بين كفيه بخزي." عابد: "أنا عارف إنك قلبك كبير. اللي حصل كان غلطنا كلنا، أرجوك انسي الماضي." رفع نظره له بتهكم: "أنسي؟ لحد إمتى هفضل أنسي؟ هو أنا يعني مش لحم ودم زيكو؟ ولا عاوزني أتكه على زرار وأقول أنسي؟ يبقى أنسي. امشي يا أحمد، خد اختك وانزل، وسيب الأيام تنسيني. المرة دي الوجع كبير، آسف غصب عني." همست لاخيها: "عابد، أرجوك."

"أرجوك سامحني، أنا همشي مش هرجع هنا تاني، بس ارجوك سامحوني، وخلي ياسمين تسامحني." أغمض عينيه وعينه دارت على تلك التي كانت هنا وليست هنا الآن. اشتعل قلبه وهو يراها تخرج من المرحاض تميل يميناً ويساراً، وجهها شاحب كالموتى. الدماء تسيل من بين قدميها. جحظت عيناه ولمح بنطاله الغارق بدمائها التي سالت ولم يشعر بها. رفعت عينها له بتعب. التقط نظرتها بأخرى موجوعة، فصرخ عليها بلوعة: "ياااسمين." ***

صعد الجبل ليلاً. بعدما استمع لذلك التسجيل التي أعطته إياه سولاف. اشتعلت نار الثأر بقلبه، وأقسم أن ينهيها بيديه. سيحرقها حية، مثلما حرقت قلبه عليها. وعلى ولده. هلل وجدي وهو يراه يهبط من سيارته: "يا أهلا، يا أهلا يا شيخ راشد، نورتنا يا كبير." راشد بهدوء: "ده نورك يا وجدي." وجدي: "اتفضل يا كبير. ده الجبل نور." بعد نصف ساعة. راشد: "اسمع يا وجدي، طبعاً مستغرب أنا ليه جايلك بذات نفسي، مش بعتلك تجيني زي كل مرة؟

لأن المرة المهمة اللي جايلك فيها، فيها ثأري، اللي جايدة من سنين، وتار ولدي، ولازم آخده بنفسي." وجدي بحماس: "رُجبتي يا كبير، أنت تؤمر أمر. وأني انفذ." راشد بحسم: "عشان أجده إني جيتلك الليلة، سعدية." وجدي: "مالها؟ راشد: "عاوزها حية، تاري عنديها، لازم آخده بيدي." وجدي بمكر: "اعتبره تم يا كبير، يومين بالظبط وتكون قدامك." راشد: "مع إنه كتير يومين، بس هصبر، يا جل ماينشف غليلي. ومتنساش سويلم ولدي معاها. عاوزهم الاتنين."

وجدي: "أمرك يا كبير." نظر له بتشفي: "أملي فيك كبير وعارف إنك جدها يا وجدي." وودعه، قائلاً: "إني هستناك على نار يا جل مايناري اللي جايدة من سنين تبرد." وجدي: "تارك تاري، يا كبير. يومين بالظبط وتكون تحت رجليك." ***

لملمت حاجياتها بحقيبتها الصغيرة، مثلما أتت بها. ودموع عينيها تسيل وتسيل. رفعت هاتفها تتأمل اسمه. هم لن يسامحوها أبداً. هي وصمة عار عليهم. شهقت بخوف عليها. هي لم تكن تتمنى أبداً ما حدث لها. كانت تود السماح. سخرت من نفسها، عن أي سماح تتحدث. ليس الجميع كقاسم. نزلت دموعها وهمست: "ياريت الكل شكلك." رفعت

كفها بالدعاء لها بصدق: "يا رب، أنا عارفة إني غلطت. غلط كبير، والله أنا تبت. أنا أستحق اللي يجرالي. هي مذنبهاش حاجة. احميها، يارب وخليلها ولادها. يارب انت عارف أنا إيه من جوا، أنا موجوعة أوي، وهي بردو موجوعة أوي. سامحني يارب، واعفو عني، وخد بيدها." شهقاتها علت وعلت، ولم تستطع.

فجأة وجدت نفسها لاول مرة تدق رقمه. كانو يتواصلون بالرسائل. هو حاميها، لا أحد غيره يتفهمها. تريده هو وفقط. تشعر بالحنين له هو. غريبة هي هنا، وبجانبه موطنها. شهقت وهي تستمع لنبرة صوته التي تريحها وتزيح عنها أوجاعها. همست بدموع: "قاااسم."

كان يجلس بالورشة ينهي أعماله ليتفرغ لمناسك العمرة بعد الكتاب. وجد هاتفه يرن. نظر به وصدم أنها لاول مرة تدق عليه. ابتلع ريقه واستشعر قلقاً عليها بقلبه. فتح الاتصال وميز شهقاتها. لم تسعفه الكلمات لنطق حرفاً واحداً، تيبست قدماه وهو يستمع لهمسها باسمه. لاول مرة بلا تكليف. "قاااسم." رد عليها بلهفة، بخوف: "أمل، مالك؟ انتي كويسة؟ علت شهقاتها أكثر وهي تجيبه بكلمة واحدة فقط قبل أن تغلق الهاتف: "محتاجاك أوي."

قاسم، ترك ما بيده ولم يرى أمامه غيرها وهمسها الباكي، يتردد بعقله بكلمتها الوحيدة: "محتاجاك أوي." ومع هدوء الليل، كانت سيارته تسارع الريح. ليصل إليها. يلبي نداءها، وهل يستطيع صم أذنيه عن وجعها؟ *** أيها الماضي، لم لا ترف بنا وتنسانا؟ لما تعود وبسمومك تنهش في بنيانا؟ ألا يحق لنا أن نعيش ونتمرد على دنيانا؟ لما بكل فرصة تأتي وتقلب حلو دنيايا؟ أيها الماضي اللعين، ارحل عن سمانا. يامفرق الجماعات وهادم ملذاتنا، ارحل.

يكفيك عنا ربي، مثلما طهرنا ونجانا. ياماضينا، ابتعد، فجروح القلب عنك تنهانا. ارحل، وحل عن سمــــــانا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...