تحميل رواية «رحيل العاصي» PDF
بقلم ميار خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
صدع صوت صرخات عالية من إحدى الغرف في المصحة النفسية، جاء على أثرها كل من في المستشفى من أطباء وممرضين. كانت تصرخ بصوتها المبحوح وتمسك بيدها قطعة حادة من الزجاج وتهدد بها كل من يقترب منها في ذعر وخوف. صرخت بهم: – ابعدوا عني مش عايزة حد هنا! اطلعوا برا! اقترب منها أحد الأطباء وقال: – اهدي.. صدقيني محدش هيقرب منك بس ابعدي اللي أنتِ ماسكاه ده! قالت بغضب عارم: – مستحيل المرة دي محدش هيقدر ينقذني.. خلاص كل حاجة انتهت. وفي تلك اللحظة جاء صوت من خلفهم يقول: – هيهون عليكِ تسبيني وتمشي؟ تغيرت نظراتها فجأة...
رواية رحيل العاصي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ميار خالد
نظرت لها سلمي وقد لمعت عيونها بشدة وقالت:
– أيوة طبعاً تقدري تخرجيني
– هساعدك تهربي
– بجد!!
قالتها سلمي بفرحة ولكنها سرعان ما عبست بوجهها وقالت:
– اشمعنا دلوقتي ما أنا بقالي سنين بترجاكم حد يخرجني من هنا
– مش وقت الأسئلة دي أنا قدمتلك عرض أهو موافقة ولا
نظرت لها سلمي بعدم ثقة وقالت:
– ماشي .. هتهربيني أمتى؟
– خلال اليومين دول استني مني رد
– تمام
ثم خرجت فاطمة من غرفتها واتجهت إلى مكتبها وتركت سلمي تفكر بكلماتها.
في شركة القاضي
أمسك عاصي الهاتف ونظر له فاتسعت عينيه بصدمة كبيرة! قال الرجل بسخرية:
– فضيحة مش كده
– الصور دي اتاخدت أمتى!
وكانت الصور بها عاصي وهو يمسك حازم من ملابسه بعنف ورحيل تبكي بجانبهم وأخرى وهو يحمل ليلى وهي تقبل رحيل. قال الرجل:
– مش مهم بقى بس تخيل لو الصور دي نزلت متخيل حجم الشوشرة اللي أنت هتبقى فيها
عاد عاصي بكرسيه إلى الخلف وقال:
– وأنت فاكر إنك ممكن تخرج من الشركة دي أصلاً غير لو أنا سمحتلك تخرج
– عامل حسابي ولو أنا مخرجتش من هنا خلال ساعة الصور دي هتتنشر
– أنت بتهددني؟
– بلاش نسميه تهديد ممكن نسميه صفقة
– بمعني
– يعني أنا مش هنشر الصور دي بس بشرط
– شرط إيه؟
– إنك تساعدني في تهريب بضاعة سلاح
– أنت اتجننت!! أنا ممكن اوديك في ستين داهية بعد كلامك ده
– والله ده اللي عندي وعن إذنك بقى لازم أخرج دلوقتي عموماً أنا هسيبك تفكر وده رقمي قدامك ٢٤ ساعه بس عشان ترد عليا ولو مردتش عليا في خلال الوقت ده أبقى اقرأ الأخبار بكرة هتكون بتتكلم عنك
ثم نهض من مكانه ليخرج. وفي تلك اللحظة دلف بدر ومعه رحيل إلى المكتب. وقف أمامهم هذا الرجل للحظات وطالع رحيل بابتسامة ساخرة ثم خرج. قالت رحيل:
– ماله الاهبل ده في إيه
قال بدر بسرعة:
– يا بنتي أسكتي عيب كده
– أنت مشوفتش بصلي إزاي
لم ينتبه عاصي لهم حتى صدع صوت رحيل فنهض من مكانه ورحب بهم. وعند باب الشركة كان هذا الرجل والذي يُدعى جمال يقف أمام الشركة واتصل بشخص ما حتى لا تنتشر هذه الصور وأخبره بما حدث. وقبل أن يتحرك جمال أوقفته يد شخصاً ما، التفت إليه وعندما وقع بصره عليه عرفه على الفور فقال:
– هو أنت
– صور إيه اللي بتتكلم عليها
ابتسم جمال بسخرية ثم قال:
– مينفعش نتكلم على الواقف كده خلينا نروح لشريف الأول بعدين تعرف
في مكتب عاصي
كان باله منشغل بسبب ما حدث معه قبل قليل فلم ينتبه لكلمات بدر له. وفي نهاية الحوار قال بدر:
– أنا اتشرفت جداً بيك وبأذن الله ربنا يوفقنا كلنا
انتبه إليه عاصي فقال:
– أكيد الشرف ليا
كانت رحيل تطالع عاصي بتساؤل ودهشة فقالت لعمها:
– بابا أنا هفضل شوية
قال بدر:
– اشمعنا؟
– كان في شوية شغل أستاذ عاصي طلبه مني فهتناقش معاه فيه
نظر لها بدر بفخر وابتسامة واسعة ثم قال:
– جدعة يا حبيبتي ربنا يوفقك .. طيب أنا ورايا مشوار تاني هروح اخلصه بعدين هرجع أخدك
قال عاصي:
– مفيش داعي أنا هوصلها أو هطلبلها عربية متقلقش
– خلاص تمام
ثم خرج بدر من المكتب. وفي مكتب رامي صدع هاتفه رنيناً برقم حنان والدة عاصي فرد عليها بسرعة، رحب بها فقالت له:
– ربنا يخليك يا رامي .. بقولك صحيح هي رحيل في المكتب دلوقتي؟
– أيوة موجودة بس ليه حضرتك
– ليلى مصممة عايزه تشوفها تعباني من الصبح فياريت لو لقيتها ماشيه خليها تستناها شوية
– تحت أمرك
– الأمر لله تسلم يا رامي
وعندما أغلقت معه نظرت إلى ليلى وقالت:
– مبسوطة كده يا ستي
قالت ليلى بفرحة كبيرة:
– أيوة مبسوطة أوي يلا بسرعة أحسن تمشي
ضحكت حنان لفرحة حفيدتها ثم اخذتها وخرجت بها واتجهت إلى الشركة.
ظلت رحيل تتابع عاصي بتساؤل حتى قالت:
– في ايه؟
– مفيش حاجه .. شغل إيه اللي قولتي لأستاذ بدر عليه
– مفيش شغل أنا قولتلُه كده عشان أتكلم معاك .. أنت مكنتش مركز مع كلام بابا خالص في إيه
زفر عاصي بضيق ففهمت الأخرى أنه يوجد مشكلة بالفعل. قالت:
– ليلى كويسة فيها حاجة؟
– كويسة
– اومال في إيه أنا قلقت
قال عاصي بغضب مكتوم:
– في إن واحد أخد لينا صور بشكل معين لو ظهرت هتعمل شوشرة ليا وليكي ومقابل الصور دي بيطلب مني مصيبة تانية
قالت رحيل بعدم فهم:
– صور؟ مش فاهمه صور إيه
– فاكرة لما كنتِ بتتخانقي قدام الشركة وأنا أدخلت
– أيوة فاكرة
وبعدها فرهت فمها عندما فهمت محتوى الصورة ووضعت يدها على فمها ثم قالت:
– والصورة التانية؟
– لما كنت أنا وأنتِ وليلى في المول وكانت بتبوسك وهي على أيدي تقريباً.. اللي يشوف الصورة هيحس أننا عيلة والمشكلة أن في إشاعة ظهرت الفترة اللي فاتت أن ليلى تبقى بنتي أصلاً وأنا اللي بنكر
– وهما مالهم مش فاهمه؟
– الصحافة ما بيصدقوا يمسكوا في أي خبر حتى لو غلط .. الصور دي لو ظهرت المشروع هيتدمر والشركات اللي اتعاقدت معاها هينسحبوا
– دي مصيبة فعلاً
– والله اومال أنا قولت إيه!!
– طيب وهو طالب إيه مقابل الصور دي؟
– أنتِ عرفتي اللي المفروض تعرفيه مش لازم الباقي
قالت رحيل بضيق:
– طيب والحل دلوقتي ما يمكن ينشر الصور فعلاً
نظرت له رحيل بخوف نوعاً ما. وفي تلك الأثناء كانت وصلت حنان ومعها ليلى إلى الشركة وعندما صعدوا لأعلى وقبل أن يصلوا إلى مكتب عاصي قالت حنان:
– روحي بصي على عمو رامي يا ليلى بعدين تعاليلي على المكتب عشان عيب اتفقنا
– اتفقنا
وذهبت ليلى إلى مكتب رامي واتجهت حنان إلى عاصي وقبل أن تدق على الباب توقفت حين سمعته يقول:
– عموماً مش عايزك تقلقي أنا هحل الموضوع ده
– أنا مش قلقانه و أوعى تفتكر إني هسيبك في الموضوع ده أنا مش هسكت وأنا وأنت هنحل المشكلة دي
– قولتلك ياريت تخرجي نفسك من كل حاجة
– وأنا قولتلك لا!! أنا محطوطة في الموضوع ده زيي زيك بدل ما كل واحد يبقى لوحده نفكر إزاي نشتغل سوا عشان نخلص من كل ده
– وأنا قولت لا أنا مش محتاج مساعدتك أكيد .. أنتِ كل ما بتمشي خطوة بتعملي مصيبة والموضوع ده بالذات مش هينفع فيه غلطة
– أسمع مني بس أنا هعرف أجيبلك سيرة الراجل ده كلها
عقد عاصي ذراعيه أمام صدره وقال:
– والله؟! إزاي بقى
قالت رحيل بابتسامة:
– ليا مصادري
وهُنا دلفت حنان إلى الغرفة فوقف الاثنان مكانهما. قالت حنان:
– موضوع إيه اللي بتتكلموا فيه
قال عاصي:
– غريبة يعني أول مرة تيجي من غير ما تقوليلي
– ملحقتش أعمل إيه ليلى من الصبح مصدعاني عايزه أشوف رحيل ولما عرفت أنها في الشركة هنا اخدتها وجيت
قالت رحيل بابتسامة:
– إيه ده هو حضرتك تعرفيني
ضحكت حنان وقالت:
– دي ليلى ليل نهار بتتكلم عنك
– يا روحي طب هي فين
ووقتها دلفت ليلى إلى الغرفة وركضت نحو رحيل بسرعة وارتمت في أحضانها والتقطتها الأخرى بسعادة. نظرت لهم حنان بحب وقال عاصي:
– كويس إنك لحقتيها عشان آنسة رحيل كانت ماشيه
قالت ليلى بحزن:
– لا اقعدي معايا شوية عشان خاطري
وقبل أن ترد رحيل قالت حنان:
– وعشان خاطري أنا كمان
نظرت رحيل إلى عاصي ثم قالت:
– خلاص هفضل حبه صغننين عشانك
صاحت ليلى بفرحة كبيرة وعانقتها مرة أخرى وخرج عاصي من المكتب وترك الثلاثة سوياً. نظرت حنان إلى رحيل وقالت:
– أنا أسفه لو عطلناكي بس ليلى اتعلقت بيكي أوي
ضحكت رحيل لتظهر أسنانها المرتبطة للغاية وارتسمت اللطافة على وجهها فقالت حنان قبل أن ترد عليها رحيل:
– ضحكتك جميلة أوي ما شاء الله
– دي عيونك اللي جميلة .. صدقيني مفيش عطله خالص أنا حبيت ليلى أوي بجد من أول مره شوفتها
– يعني أقصد عشان كنتِ مستعجله
– لا خالص
ثم نظرت حولها وقالت بصوت خفيض:
– أنا كنت عايزه أهرب من البني آدم اللي شبه التور ده
– اوعي يكون قصدك عاصي؟!
– ايوه هو الغضبان ده
ضحكت حنان وقالت:
– بغض النظر أنه أبني بس ليه بتقولي كده
– نصيحة مني قوليله بلاش ياخد كل حاجة على أعصابه كده
ثم ضحكت رحيل بشدة وقالت:
– كان لازم تشوفي وشه وهو داخل قاعة الاجتماعات وأنا واقعه على الأرض وكل الأسلاك حواليا والناس الصينين دول بيبصوا لبعض .. كان لازم تشوفي وشه كان عامل إزاي كان هينفجر
ثم ضحكت بصوت عالي فلم تستطيع حنان أن تكتم ضحكاتها أكثر فانفجرت الثلاثة في الضحك وجاء على صوتهم عاصي بدهشة كبيرة وقال:
– في إيه؟!!
كتمت حنان ضحكتها بصعوبة والتفتت إليه رحيل ثم قالت بصرامة:
– أنت إزاي تدخل علينا كده
قال عاصي بعصبية:
– أنتِ اتجننتي يا بنتي دي شركتي!!
– أيوة صح
تنهد عاصي بضيق وقال:
– يلا عشان نتغدى كلنا بره
نهضت رحيل من مكانها وقالت:
– طيب استأذن أنا
صاح بها عاصي وقال:
– وأنتِ كمان جايه
وقبل أن تتكلم رحيل قال بنفس الصياح:
– مش عايز أي جدال
ابتسمت رحيل برقة وقالت:
– كنت هقولك اللي تشوفه
نظر لها عاصي بعيون متسعة ثم خرج من المكان قبل أن يرتكب جريمة في حق تلك الفتاة. ضحكت حنان وقالت:
– أنتِ مصيبة
قالت رحيل بخوف وبسرعة:
– وربنا ما عملت حاجة المرة دي
ضحكت حنان ثم خرجوا جميعاً واتجهوا إلى إحدى المطاعم، وكان في انتظارهم مفاجأة كبيرة في هذا المطعم!!
جهزت حقيبتها وكل شيء وكانت تقف عند الباب في انتظار سيارة الأجرة التي سوف توصلها إلى المطار. نظرت لها فريدة بحزن وقالت:
– كده هتسبيني أرجع لوحدي تاني
– بالله عليكِ تعالي معايا كده كده هقعد في البيت بتاعك أصلاً
– مش هينفع شغلي وحياتي هنا
– خدي أجازة
زفرت فريدة بضيق وقالت:
– هحاول ولو عرفت هبقى أجلك أنتِ خلي بالك من نفسك .. متأكدة إنك عايزه ترجعي دلوقتي؟
– أيوة ده أنسب وقت إني أرجع
– طيب وهتستمري في الرسايل اللي بتبعتيها لحنان ولا لا
– للأسف لا عشان ساعتها هتعرف إني في مصر .. كانت فكرة كويسة إني سبت رقم تليفوني في رسالة منهم كده تأكدت أنها وصلها كله
– مش عارفه أقولك إيه بس أنا قلقانه عليكِ أوي
– متقلقيش كل حاجة هتمشي صح
أومأت فريدة برأسها ثم ودعتها واتجهت الأخرى إلى المطار حتى تعود إلى مصر!
كانت مترددة نوعاً ما، لماذا الآن تحديداً أصبح الجميع يريد أن يساعدها بعد حبسها خمسة سنوات في هذا المكان، شعور بداخلها لا يبعث بها الراحة. فكرت للحظات ثم حسمت قرارها وطلبت من إحدى الممرضات أن تذهب إلى الطبيب شادي وبالفعل اخذتها إحدى الممرضات واتجهت بها إلى مكتبه، كان الآخر يجلس بمكتبه يطالع بعض الأوراق حتى دقت الممرضة على الباب ومعها سلمي ودلفت إليه. نظر لها شادي بتساؤل كبير وقال:
– خير؟
قالت الممرضة:
– هي طلبت تشوف حضرتك عشان كده جبتها .. عن إذنك
ثم تركتها وخرجت من الغرفة وجلست سلمي أمام شادي بصمت. طالعها بعيون لامعة وابتسامة عريضة ثم قال:
– أكيد جايه عشان موضوع الرسايل صح
طالعها شادي بتساؤل ثم قال:
– اومال ليه؟
صمتت الأخرى للحظات ثم أخذت نفساً عميقاً وزفرته، وبعد لحظات قالت:
– أول مرة أفكر فيها بعد سنين إني أثق في حد كان أنت .. أنا خايفة بس في نفس الوقت حاسة إني لازم اثق فيك
– احكيلي في إيه وأنا دايمًا هكون معاك
نظرت له سلمي بخوف، تخاف أن يخذلها بعد أن فكرت أن تثق به فقالت:
– مش هتخذلني؟
– أوعدك
– دكتور فاطمه قالتلي أنها هتهربني من هنا
اتسعت عيون شادي من كلماتها تلك وصمت للحظات من هول صدمته وهو يطالعها بتفاجئ!!
رواية رحيل العاصي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ميار خالد
اتسعت عيون شادي من كلماتها تلك وصمت للحظات من هول صدمته، وبعد ثوانٍ أردف:
– وأنتِ أكيد وافقتي.
– أيوة.
ابتسم الآخر ثم قال:
– طيب جايه تقوليلي دلوقتي ليه؟
– مش عارفه.. صدقني مش عارفه، بس أنا مش مرتاحة مع إني ده اللي كنت عايزاه، بس أنا...
ثم زفرت بضيق وامسكت رأسها بألم.
نهض شادي من مكانه وجلس على المقعد المجاور لها ثم قال بابتسامة:
– أنسي كل ده، أنا مبسوط أنك جيتي قولتيلي.
– بس أنت هتمنعني صح؟
– لو ده اللي أنتِ عايزاه أنا مش همنعك، وأنا سايبلك حرية الإختيار. قولي اللي أنتِ عايزاه، عايزه تهربي كده كده الموضوع هيكون بعيد عني، بس..
– بس إيه؟
– هل أنتِ جاهزة إنك تقابلي العالم الخارجي لوحدك؟
ظلت تنظر بعينيه لفترة ثم قالت بدموع:
– لا.
– وعشان كده أنتِ لسه هنا لحد دلوقتي، صدقيني كل اللي بيحصل ده عشانك أنتِ.
تنهدت سلمى وظلت تتنفس بصوتٍ عالٍ ثم بكت بضيق. نظر لها شادي بعيون متسعة لأن تلك هي المرة الأولى التي تبكي فيها بتلك الطريقة منذ وقت طويل. ابتسم بفرحة وتركها تبكي حتى توقفت بعد لحظات وبدأت تنظم أنفاسها مرة أخرى. نظرت إلى شادي لتجده يطالعها بابتسامة، فنظرت له بتساؤل نوعاً ما. قال الآخر بدون أي مقدمات:
– إيه رأيك أعزمك على الغدا النهاردة؟
ابتسمت بتهكم وسخرية وقالت:
– والله؟ والغدا هنا ولا في جنينة المصحة؟
نظر لها شادي بصمت وابتسامة غامضة على وجهه، فتغيرت نظرات سلمى ونظرت له بعيون متسعة ثم قالت:
– هتخرجني من هنا؟!!
– لو وعدتيني إنك متعمليش أي فعل يبوظ كل حاجة.
نظرت له سلمى بابتسامة رائعة ولأول مرة تضحك بوجهه وقالت:
– يعني بجد هتسمحلي إني أخرج من هنا حتى لو وقت صغير؟
– أنا كنت عايز اجبلك هدية عشان أنتِ وثقتي فيا وفتحتِ لي قلبك، وبصراحة ملقتش أحسن من الهدية دي، طبعاً ده قبل ما تقوليلي على موضوع دكتورة فاطمة.
ابتسمت سلمى بأمل ونظرت له بثقة، فقال شادي:
– ها يا ستي تقبلي نتغدى سوا ولا؟
– أيوة أقبل.
ثم صمتت للحظات وقالت بوجه عابس:
– بس هخرج بالهدوم دي؟
ابتسم شادي وقال:
– أكيد لا، روحي دلوقتي مع سهام وهي هتديلك فستان جميل مع الحجاب بتاعه، هستناكي كمان ساعة.
نهضت سلمى من مكانها ونظرت إلى شادي بفرحة كبيرة، بعيون لامعة، بأنفاس متفائلة. نظر لها شادي ولأول مرة يشعر بكل تلك السعادة في قلبه. أومأت سلمى برأسها ثم خرجت من الغرفة وبصحبتها الممرضة سهام التي اخذتها بهدوء وبدون أن يراهم أي شخص وساعدتها في تجهيز نفسها. وبعد ساعة كان شادي أمام غرفة تلك الممرضة في انتظار سلمى التي سوف يخرج بها من البوابة الخلفية بدون أن يراهم أي شخص.
في غرفة الممرضة..
قالت لها سهام بأعجاب:
– إيه الجمال ده كله، معقول مخبية الحلاوة دي كله؟
نظرت لها سلمى بحزن وقالت:
– وإيه فايدة الجمال لما يكون الحظ زي الشوك.
– بكره الشوك ده يروح وميبقاش غير الورد يا ورد.
ابتسمت سلمى بحزن وانتهت. وقبل أن تفتح سهام الباب حتى تخرج، تأملت سلمى نفسها قليلاً. تأملت فستانها فاتح اللون الذي يكسوه اللون البني الهادئ وحجابها الذي يتماشى مع فستانها. نظرت إلى وجهها لتجد وجنتها قد تلونت باللون الوردي قليلاً بعد أن كساها الشحوب. ابتسمت عندما رأت ملامحها بهذا النقاء وبعد كل تلك المدة، أنها كادت أن تنسى ملامحها حتى.
خرجت من الغرفة لتجد شادي أمامها، فقال وهو ينظر إلى ساعته:
– مفيش وقت، يلا نتحرك دلوقتي، ده وقت العصر، أغلب الحرس بيكونوا بيتغدوا.
ونظر إليها لتتجمد عينيه عليها لثوانٍ ثم أشاح بنظره عنها بسرعة قبل أن تنتبه إليه. ابتسمت سلمى بحماس وفي الخفاء استقلت سيارة شادي وانطلق هو بها من البوابة بعد أن اختبأت بها جيداً، ثم خرج بها من المصحة بنجاح. كاد قلبها أن يخرج من مكانها وهي تعتدل في جلستها وتنظر من نافذة السيارة، أنفاسها وأنظارها مخطوفة وهي تنظر حولها. وبعد كل تلك السنين وأخيراً ترى كل تلك الطرقات أمامها.
وصل عاصي مع عائلته ورحيل إلى المطعم، ولسوء الحظ كان نفس المطعم الذي سوف يصطحب شادي سلمى إليه. جلسوا سوياً وطلبوا طعامهم. وفي تلك الأثناء وصل شادي ومعه سلمى إلى المكان. ترجل من السيارة ونزلت الأخرى منها وتحرك من مكانه، ولكنها ظلت متسمرة مكانها. قال:
– مالك، اتحركي يلا.
– خايفة.. الناس كتير.
أمسك يدها وقال:
– أنا معاكي متخافيش.. يلا.
نظرت له بثقة واطمئنان وتحركت معه إلى الداخل وهي تختبئ وراء ظهره برهبة. جلسوا مكانهم وكان بعيداً نوعاً ما عن عاصي فلم يروا بعضهم وطلبوا طعامهم هم أيضاً. كانت هي تنظر حولها بعيون متسعة وأنفاس مكتومة. قال شادي:
– مبسوطة؟
– خايفة.
– خايفة من إيه طيب؟
– حاسة الناس كلها بتبصلي، حاسة كلهم عايزين يأذوني.
– خالص، لو ركزتي فعلاً هتلاقي إن محدش ملاحظك.. خدي نفسك وارتاحي، وافتكري إنك مستنية اليوم ده من زمان، معقول هتخليه يعدي بتوتر كده؟
ابتسمت الأخرى وأومأت برأسها وارتاحت بعد كلماته تلك قليلاً.
وفي الناحية الأخرى وصل طعام عاصي والبقية وكانوا يتناولون طعامهم بهدوء حتى أوقعت ليلى على نفسها بعض الطعام فاتسخت ملابسها قليلاً. وقبل أن تنهض حنان من مكانها، نهضت رحيل وأخذت ليلى إلى الحمام. وعندما وصل طعام شادي وسلمى قالت هي:
– أنا هقوم أغسل أيدي الأول عشان حاسة أنها مش نضيفه.
– قومي ومتخافيش، يلا، وأنا قاعد مستنيكي هنا.
قالت بخوف:
– فاضل قد إيه ونرجع المصحة تاني؟
– بلاش تفكري في كل ده، فكري في دلوقتي بس يلا.
تحركت من مكانها وهي تنظر إلى الجميع بتوتر وخوف حتى دخلت إلى الحمام. وقفت أمام المرآة وفتحت الصنبور وغسلت يديها وشردت قليلاً. وأفاقت من حالة الشرود تلك على بعض قطرات المياه التي تناثرت عليها بسبب لعب تلك الصغيرة التي تقف بجانبها في الماء، وكانت تلك الصغيرة هي ليلى! وقد تركتها رحيل لثوانٍ ودلفت إلى المرحاض.
تجمدت عيونها على تلك الصغيرة للحظات وبحركة لا إرادية منها أمسكت خصلات شعرها، فانتبهت لها ليلى ونظرت لها بابتسامة واسعة. ضحكت تلقائياً وقالت لليلى بشرود وكأنها تذكرت شيئاً ما:
– شعرك حلو أوي لونه..
– جميل صح؟
– أيوة.. افتكرت حد شعره كده بنفس اللون برضو.
– بجد مين؟
ظلت تطالع ليلى وتتأملها بصمت، فابتسمت ليلى وقالت:
– عارفه ماما كمان كان شع…
وقبل أن تكمل جملتها خرجت رحيل من المرحاض وقالت:
– بتكلمي مين يا لولي؟
طالعتها سلمى وظنت أنها والدة ليلى، فنظرت لها برهبة. نظرت لها رحيل بابتسامتها المعتادة وقالت:
– أهلاً.
أومأت برأسها. وهنا لاحظت رحيل ملابسها التي قد ابتلت نوعاً ما بسبب قطرات الماء التي نثرتها عليها ليلى، فقالت بأسف:
– أنا آسفة أوي بجد، ليلى هي اللي عملت كده صح؟
قالت ليلى:
– مكنش قصدي، لا مش كده يا طنط.
ابتسمت سلمى بعفوية وقالت:
– لا مكنش قصدها فعلاً.. فرصة سعيدة.
ثم خرجت بسرعة من أمامهم وتركتهم. وعندما وصلت أمام الحمام نظرت بجانبها لتُصعق عندما ترى عاصي يجلس على المائدة التي تبعدها بمسافة. تجمدت الدموع في عيونها ولم تقدر على الحركة للحظات وكأن قد أصابها الشلل. وكان شادي يتابعها عن بعد، وعندما وجدها تنظر لنقطة معينة نظر هو أيضاً ليجد عاصي!
نهض من مكانه بتوتر وذهب إليها بسرعة وأمسكها من يدها، فتحركت معه وكأنها مسلوبة الإرادة. أخذها ليخرج بها من المكان فوراً، وقبل خروجهم بدأت سلمى بالصراخ بصوتٍ عالٍ، فالتفت إليها كل من في المكان ومنهم عاصي. ولحسن الحظ أن شادي استطاع أن يخرج بها في تلك اللحظة قبل أن يراها عاصي، ولكن حتى إذا لم يستطع أن يراها فقد تعرف عاصي على صوتها فوراً.
انتفض من مكانه بسرعة وبحث بعينيه عنها فلم يجدها في الأرجاء، فخرج بسرعة من المكان ولكنه لم يجدها أيضاً. ولكنه كان على يقين أن هذا صوتها.
لذلك قرر أن يذهب إلى المصحة فوراً، فاستقل سيارته وانطلق بها إلى هناك.
اتجهت رحيل إلى حنان ومعها ليلى، وعندما لم تجد عاصي قالت ليلى:
– إيه ده، هو خاله راح فين؟
– جاله شغل يا حبيبتي، تقريبا خرج على طول.
عبست الطفلة بضيق وقالت:
– يوه بقى، هو كل شوية شغل؟ أنا زهقت.
قالت رحيل:
– يعني أنا مش كفاية؟ أقوم أمشي يعني؟
قالت ليلى بسرعة:
– لالا خليكي.
قالت رحيل بضحك:
– ده حتى كويس أنه مشى عشان نقعد نخطط للمقالب اللي هنعملها فيه براحتنا.
ضحكت ليلى بحماس وقد نست حزنها وظلت تحاور رحيل بمرح. نظرت حنان إلى رحيل بابتسامة ونهضت ليلى من مكانها وذهبت إلى جانب الأطفال المخصص في المكان لتلعب قليلاً.
صدع هاتف رحيل رنيناً برقم بدر، فردت عليه وقالت:
– الو.
– إيه يا بنتي فينك؟
– أنا آسفة والله، معلش اتشغلت في كذا حاجة، نسيت أكلمك أطمنك عليا.
– أنتِ كويسة يعني؟ راجعة امتى؟
– آه يا حبيبي كويسة، متقلقش، شوية كده وجاية.
ثم أنهت معه المكالمة. قالت حنان بفضول:
– ده خطيبك؟
– لا ده عمي أنا مش مخطوبة.
ثم اختفت الابتسامة عن وجهها وهي تقول:
– بابا وماما متوفين، وأنا عايشة مع عمي، هو كل عيلتي دلوقتي.
قالت حنان بحزن:
– حقك عليا، مكنش قصدي أفكرك.
– لا عادي.. أنا آسفة لفضولي، بس ممكن سؤال؟
– أكيد يا حبيبتي.
– هو فين بابا ليلى؟
زفرت حنان بضيق ونظرت لها للحظات ثم قالت:
– بصي، أنا في العادة مش بحب أتكلم في الموضوع ده.. بس أنا قلبي ارتاح لك، فهتكلم معاكي، بس ياريت عاصي ميعرفش أنك عرفتي الموضوع ده.
– أكيد طبعاً.
تنهدت حنان بضيق ثم قصت عليها كل ما حدث مع ابنتها مريم منذ دخول هذا الحقير إلى حياتها إلى أن تركتها وهي تحمل ليلى في أحشائها. ثم أخذ عاصي أخته وأجبرها على السفر وترك ابنتها وهي مازالت صغيرة. قالت حنان:
– لحد دلوقتي مش فاهمه سبب عصبية عاصي إنه يبعد ليلى عنها.. مش عارفه مريم عملت إيه عشان يخليه حتى يشيل كل صورها من قدام ليلى لدرجة أن ليلى متعرفش حتى شكل أمها.. في حاجة ناقصة أنا معرفهاش.
– طيب إزاي مريم تعمل كده؟ محدش كلمها ينصحها؟
– كان عندها صاحبة قريبة منها جداً.. الحقيقة هي مكانتش صاحبة، هي كانت واحدة من عيالي وكانت قريبة أوي لقلبي. كان عاصي بيعتبر سلمي ومريم الاتنين خواته.. نصحتها كتير وفضلت فوق دماغها، لكن مفيش فايدة.
– وفين سلمى دلوقتي؟
– محدش يعرف، اختفت فجأة هي كمان. عاصي قالي أنها سافرت تقريباً.. هي كمان اتأذت أوي.
– مش فاهمه اتأذت إزاي؟
– الحيوان ده لما عرف أنها بتنصح مريم عشان تبعد عنه، ومش بس كده أنها كمان كانت عايزة تنتقم منه بسبب اللي حصل في مريم، بوظ لها حياتها هي كمان وعمل لها فضيحة في شغلها وطلع عليها سمعة وحشة جداً.. حياتها انتهت عشان كده عاصي قالي أنها سافرت هي كمان وبدأت حياتها بعيد عن كل حاجة. مع أن عاصي كمان مش مسامح سلمى عشان خبت عليه علاقة مريم بالحيوان ده من البداية.
– معقول في حد مؤذي كده!
وأثناء حديثهم هذا لاحظت رحيل أن هناك شخص ما يراقبهم خارج زجاج المكان. تذكرت على الفور موضوع الصور الذي تخبرها به عاصي وتيقنت أن هذا الشخص هو الذي يهددهم!
لذلك وبدون أن تفكر نهضت من مكانها بسرعة وأخذت حقيبتها وتركت هاتفها على الطاولة ونزلت إلى الأسفل حتى تمسك بهذا الشخص! وياليتها لم تفعل هذا التصرف.
وصل عاصي إلى المصحة.
دلف إليها مثل المجنون وذهب بسرعة إلى مكتب شادي واقتحمه ولكنه لم يجده بداخله، فضرب الباب بيقين أن تلك الفتاة التي كانت تصرخ هي نفسها سلمى. اتجه بسرعة إلى غرفة سلمى وجاء ليفتحها ولكنه وجد بابها مغلق بالمفتاح كالعادة! تحرك من مكانه وقبل أن يبتعد عن الغرفة لاحظ ممرضة سلمى والتي تدعى سهام وهي تقترب منه، فقال لها بسرعة:
– افتحي الأوضة دي.
– مقدرش أفتح الأوضة إلا بوجود دكتور شادي، هو اللي مسؤول عن حالة المريضة.
قال عاصي بعصبية مكتومة:
– قولت افتحي الأوضة وإلا اعتبري نفسك برا المستشفى دي.. خليكي برا الموضوع وبلاش تضحي بوظيفتك على الفاضي.
– بس..
– مش هكرر كلامي تاني.
نظرت له سهام بتوتر ثم تحركت من مكانها ببطء واتجهت إلى غرفة سلمى. وضعت المفتاح في الباب وقد أغمضت عينيها بخوف وهي تفتحه. وما أن فتحت الباب حتى دفعه عاصي بقوة ودلف إلى الغرفة ليتفاجأ وينصدم عندما يجدها فارغة بالفعل! إذا أين هي؟
يا ترى إيه اللي هيحصل مع رحيل؟
عاصي هيعمل إيه؟
رواية رحيل العاصي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ميار خالد
لذلك وبدون أن تفكر نهضت من مكانها بسرعة وأخذت حقيبتها وتركت هاتفها على الطاولة ونزلت إلى الأسفل حتى تمسك بهذا الشخص.
وياليتها لم تفعل هذا التصرف.
فعندما نزلت إلى الأسفل وجدت نفس الشخص يتابعها من مسافة، ولكنه عندما وجدها تقترب منه بحذر أقترب هو أيضاً.
وعندما وصلت إليه قالت:
– أنت مين وبتراقبنا ليه؟!
– أنتِ عبيطة؟
– أحترم نفسك أيه قلة الأدب دي.
– وأنتِ مش خايفة على نفسك يا حلوة وأنتِ جايه برجلك لحد عندي كده.
– وهخاف منك ليه أنت متقدرش تعملي حاجه أصلاً.
– والله؟
– أيوة واحسنلك تمسح الصور اللي معاك دي.
– صور إيه؟
وقبل أن تتكلم قال هذا الشخص:
– طيب بصي وراكي الأول في حد بينادي عليكِ.
فنظرت رحيل خلفها بعفوية، وفي حركة سريعة خطف هذا الشخص حقيبتها وركض من مكانه بسرعة.
ظلت الأخرى مكانها لا تستوعب ما فعله هذا الشخص، وبعد ثواني أدركت ما حدث فصرخت بفزع.
جاء على صوتها الأمن الموجودين في المكان وكذلك حنان التي انتبهت إلى صوتها.
أخذتها حنان في أحضانها بفزع وقالت:
– حصل إيه أهدي.
قالت رحيل بدموع:
– في واحد سرق شنطتي وجرى.
– أنتِ إيه اللي نزلك فجأة طيب مش كنتِ قاعده معايا.
– افتكرت حاجه مهمه عشان كده نزلت.
تنهدت حنان بضيق، وقال أحد أفراد الأمن:
– شنطة حضرتك كان فيها حاجه مهمه طيب؟
– فيها فلوسي وبطاقتي وكل حاجه.
– طيب حضرتك ممكن تطلعي على القسم دلوقتي وتبلغي بعملية السرقة دي عشان حتى البطايق الخاصة بالبنك تتوقف وبطاقتك الشخصية سهله تطلعي واحده غيرها.
قالت رحيل ببكاء:
– بأذن الله حاضر.
– ربنا يعوض على حضرتك.
ثم تركها عامل الأمن وصعدت حنان ومعها رحيل وجلسوا مكانهم مجدداً.
قالت رحيل:
– أنا أسفه أوي بجد على كل الدوشة اللي عملتها دي.
ابتسمت لها حنان وقالت:
– عاصي لما قالي البنت دي كل ما تمشي تقع في مصيبة مصدقتهوش لكن دلوقتي لما شوفت بعيني صدقت كل حاجه.
ضحكت رحيل رغماً عنها وقالت:
– اربطوني في مكان بعد كده بقى.
ضحكت حنان وجاءت لهم ليلى بعد أن تعبت من اللعب وقالت:
– إيه ده هو خالوا لسه مرجعش.
قالت رحيل:
– طيب أنا هستأذن عشان اروح القسم كويس إن موبايلي سيبته هنا.
– لا استني لما عاصي يجي وهو هيروح معاكي.
– وهو فين عاصي ؟!
***
وما أن فتح الباب حتى دفعه عاصي بقوة ودلف إلى الغرفة ليتفاجأ وينصدم عندما يجدها فارغة بالفعل.
إذا إين هي؟
التفت لسهام وقال:
– هي فين؟!
– معرفش.
– متعرفيش إزاي يعني مش أنتِ الممرضة اللي مسؤولة عنها.
– أنا هوديكي في ستين داهيه.
– والله أنا مليش دعوة دكتور شادي هو المسؤول عن كل حاجه وأنا مكنتش هنا عشان كده مش عارفه راحت فين.
نظر لها عاصي بحدة وخرج من المكان واتجه إلى البوابة الخارجية، وقبل أن يخرج نظر بجانبه فلمحها جالسة في الجنينة بهدوء وشادي أمامها.
تحرك من مكانه واتجه إليهم حتى اقترب منهم، وعندما انتبه له شادي التفت إليه بترحاب وقال:
– عاصي! غريبة يعني مقولتليش إنك جاي.
– كنتوا فين؟
قال شادي بعدم فهم:
– كُنا فين إزاي مش فاهم.
– أنا متأكد أن سلمي اللي كانت في المطعم.
– مطعم إيه اللي بتتكلم عليه.
صاح به عاصي:
– انت هتستهبل !!
– ياريت توطي صوتك شوية وركز أنت فين ممكن تهدي شوية.
نظر له عاصي بحدة ثم نظر إليها وجلس بجانبها بهدوء وقال:
– أنتِ خرجتي؟
– لا.
– بصي في عيني وأنتِ بتقوليها.
هربت الأخرى بعيونها، فأمسك رأسها وجعلها تنظر له، فطالعته بخوف وعيون مليئة بالرعب والدموع.
قال:
– جاوبيني دلوقتي .. أنتِ خرجتي؟!
صمتت سلمى ولم ترد عليه، فقال:
– اتكلمي.
ظلت تنظر له بصمت ولم تنطق بأي كلمة، فنهض الآخر من مكانه وقال:
– تمام أنا عرفت الإجابة.
ثم نظر إلى شادي بحدة ليجده يطالعها بتوتر، ثم خرج من المكان فوراً.
وفي المطعم وعندما تأخر عاصي أمسكت حنان هاتفها واتصلت به، وفي طريقه إلى السيارة صدع هاتفه رنيناً، رد عليها وقال بسرعة:
– أنا آسف جداً عشان خرجت فجأة كده بس جالي شغل مهم.
– أنت فين تعالى بسرعة.
– حصل حاجه ولا إيه؟
– رحيل اتسرقت.
– اتسرقت!! إزاي يعني.
– لما تيجي هتعرف استعجل بس عشان هتطلعوا على القسم.
أنهى معها المكالمة وزفر بضيق، ثم قال بصوت خفيض:
– يجرالها حاجه لو معملتش مصيبتين تلاته في اليوم.
ثم استقل سيارته واتجه بها إليهم.
وبعد فترة عاد إلى المطعام مرة أخرى، وعندما اقترب من طاولتهم لاحظ دموع رحيل وهي تنهمر، فقال بقلق:
– حصل إيه.
قالت رحيل بدموع:
– واحد حيوان سرق شنطتي.
– سرقها إزاي مش فاهم.
قصت عليه رحيل ما حدث، ولكنها لم تذكر أنها كانت تظن أن هذا الرجل هو نفسه الذي يهددهم حتى لا تفتح الموضوع أمام حنان.
قالت حنان:
– طيب ممكن نتحرك دلوقتي ونروح على القسم كلنا نقدم بلاغ.
أردف عاصي:
– روحي أنتِ وليلى وأنا هروح مع رحيل.
– لا أنا مش هسيبها غير لما اطمن عليها حتى لو أنت معاها.
– والله ده إيه الحب ده أنتِ لسه عرفاها النهاردة.
– ما تنجز يا عاصي في إيه ولو عشان ليلى وقت ما ندخل القسم هنخليها في العربية.
ثم خرجوا من المكان واستقلوا السيارة، حيث جلست حنان بجانب عاصي ورحيل وليلى في الخلف.
استقرت ليلى في أحضان رحيل ونامت في الطريق.
واثناء كل ما حدث لم تنتبه رحيل لهاتفها الذي كان يرن برقم والدها والذي قد أتصل بها كثيراً.
وعندما قلق بدر عليها أكثر أتصل بعاصي، فرد عليه الآخر ولم يكن يعلم أن رحيل لم تخبره بعد بموضوع السرقة.
قال بدر:
– الو .. أستاذ عاصي؟
– أيوة مين معايا.
– أنا بدر.
– أيوة أستاذ بدر أخبارك إيه.
– هي رحيل فين بتصل بيها مش بترد عليا.
– إحنا دلوقتي رايحين القسم مش عايز حضرتك تقلق بسبب موضوع السرقة أنا معاها.
انتفض بدر من مكانه وقال:
– قسم إيه وسرقة إيه اللي بتتكلم عليها.
أوقف عاصي السيارة ونظر إلى رحيل، ثم أجرى كتم للمكالمة وقال لها:
– والدك عارف بموضوع السرقة؟
– لا ملحقتش اقوله.
تحدث معه عاصي مرة أخرى وأخبره ما حدث، وقال له عنوان القسم الذي سوف يذهبون إليه.
فنهض بدر من مكانه بقلق وذهب إلى القسم.
وبعد فتره كان الآخرين قد وصلوا وقدموا بلاغ بما حدث، وعندما انتهوا خرجوا من المكان ليجدوا بدر أمامهم.
***
في المصحة..
وعندما خرج عاصي من المكان زفر شادي براحة ونظر إلى سلمى فوجدها ساكنة مكانها لا تبدي أي رد فعل.
قال:
– أنتِ كويسة؟
– عايزه أرجع الاوضة.
– ردي عليا طيب أنتِ كويسة.
– عايزه أرجع الاوضة.
نظر لها الآخر بقلة حيلة، ثم اصطحبها إلى غرفتها وتركها بمفردها.
وعندما خرج، جلست هي مكانها وتذكرت ما حدث معها.
ثم تحدثت بصوت مسموع ولكنه منخفض:
– هما عندهم حق .. أنا أضعف من أني أخرج من هنا في لحظة.
كل حاجه اتهدت أول ما شوفته متحكمتش في أعصابي.
أنا عرفت هو ليه رافض لحد دلوقتي خروجي من هنا ولأول مره أحس أنه صح في حاجه.
ثم تغيرت نظراتها وهي تقول:
– بس اوعدكم أني مش هطول هنا.. ووقت خروجي قرب.
***
قال بدر بقلق:
– في إيه ؟!
قالت رحيل التي تقدمت نحوه قليلاً:
– مفيش حاجه صدقني هو أنا أول مره اتسرق يعنى.
نظر لها عاصي فجأة وقال:
– أول مره؟ ليه أنتِ متعودة تتسرقي علطول.
قالت رحيل بمزاح:
– ده أنا كنت بمشي بشنطة احتياطي يا ابني.
وهنا انتبه عاصي إلى والدته التي تقدمت من بدر وطالعته بصدمة.
نظر لها بدر هو الآخر بدهشة كبيرة ثم قال بصدمة:
– حنان؟!
– معقول الدنيا صغيره كده !!
ابتسم بدر بسعادة ونظرت رحيل وكذلك عاصي إليهم بدهشة، ثم قالت رحيل:
– إيه ده هو أنتِ وعمي تعرفوا بعض؟
قالت حنان:
– ياااااه دي حكاية قديمة أوي.
وفجأة تغيرت ملامح بدر وكأنه تذكر شيئاً ما، ونظر إلى عاصي بعدم تركيز، وكأن ذكريات كثيرة قد جاءت إلى رأسه فجأة.
وعندما لاحظت حنان تغير ملامحه هذا قالت بسرعة:
– طيب أنا تعبت جداً النهاردة فلو تسمحولي أروح.
قالت رحيل بابتسامه جميلة:
– أنا اتشرفت أوي بحضرتك والله وأسفه على البهدلة دي.
– لا يا حبيبتي ولا يهمك أنتِ زي بنتي.
وتوقفت هُنا فجأة.
فقال بدر بابتسامة:
– صحيح مريم عاملة إيه تلاقيها كبرت أوى.
ينظر له عاصي بحدة ثم قال:
– أنت تعرف مريم ؟! غريبة تعرفنا كلنا إزاي وكانت أول مره أشوفك النهاردة أصلاً.
صمت بدر وقد فهم منذ لحظات أن حنان لا تود أن تتحدث عن الماضي، فقال مغيرا الموضوع:
– ما حنان قالت موضوع قديم .. عموماً أنا بشكرك جداً على وقفتك مع رحيل النهاردة وآسف على الازعاج ده.
نظر له عاصي بشك، وقبل أن يتحدث قالت رحيل إليه:
– معلش يا بابا قبل ما نمشي بس هقول لعاصي كام حاجه بخصوص الشغل.
– تمام بس بسرعه عشان منأخرش الناس أكتر من كده.
أومأت برأسها ثم تحركت هي وعاصي ليقفوا على مسافة منهم.
تنهدت رحيل وقالت:
– بصراحه كده في حاجه مقولتهاش قدام حد ولازم تعرفها.
– كنتِ فاكره إن الراجل ده اللي بيهددنا صح.
اتسعت عيون رحيل وهي تقول:
– عرفت منين ؟!!
رفع حاجبيه بدهشة مزيفة وقال:
– والله! مكنش صعب عليا أفهم تصرف زي ده وخصوصاً لو منك أنتِ.
– أعمل إيه ما أنا شوفت الراجل مركز معانا تحت وأنا حاسة أن الراجل ده تبعهم يمكن مش هو اللي بيهددنا بس هما اللي ورا السرقة ديت.
تنهد عاصي بقلة حيلة وقال:
– رحيل ياريت تخرجي من الموضوع ده خالص أنا كده كده هحله بس خليكي بعيد.
ابتسمت رحيل بخجل وقالت:
– خايف عليا ولا إيه.
– لا خايف من غبائك اللي ممكن يودينا كلنا في داهيه.
نظرت له بعيون متسعة وقالت:
– والله؟! أنت بتغلط فيا كده.
– شايفه أني غلطت في حاجه؟ أنتِ نفسك مش معترفة إن غلطه واحده منك ممكن تضيع كل اللي أنا بعمله وهعمله.
قطبت جبينها ونظرت له بضيق، فقال الآخر:
– أنا هحل الموضوع أنتِ اوعي تدخلي في أي حاجه ولا تمشي من دماغك.
– هتحله إزاي لازم أعرف.
– مش هعمل حاجه لحد بكره .. أبقي تعالي الشركة ونتكلم هناك.
– وأنا هفضل مستنيه لبكره أنا فضوليه عايزه أعرف.
قال عاصي بغضب طفيف:
– أمشي من وشي بدل ما ارتكب جريمة بسببك.
– خلاص ماشية مش محتاجه كل العصبية دي يعني.
على الجانب الآخر..
قالت حنان:
– رحيل جميلة أوي ما شاء الله عليها وعسوله حبيتها أوي.
– أنا مكنتش متخيل أن الأيام ممكن تلف وتجمعنا تاني .. عاصي بقى شبه محمد الله يرحمه جداً.
ابتسمت حنان بحزن وقالت:
– الأيام بقت تجري أوي يا بدر .. بتجري بطريقة تخوفك طريقة تخليك مش لاحق تستوعب اللي بيحصلك.
ابتسم الآخر بحزن، وهُنا جاءت رحيل ومعها عاصي وودعوا الآخرين ثم ذهب كلاً منهم إلى طريقه.
***
في مكان آخر..
– لسه مردش عليك ؟
– لا بس هيوافق مفيش قدامه حل تاني.
– ولو موافقش ؟
– والله ساعتها هيبقى في حاجات تانيه هتزعله.
ثم أخرج هذا الشخص حقيبة رحيل من خلفه وأخرج منها هويتها وقال:
– أكيد مش هيرضيه أن بنت ملهاش ذنب في حاجه تتأذي بسببه.
ثم نهض هذا الشخص الذي يُدعى شريف من مكانه، فنظر له الشخص الآخر الذي يجلس معه والذي يُدعى أحمد وقال:
– والله أنا مش فاهم أنت بتعمل كل ده ليه .. ما قولتلك نفضحه وننزل الصور دي وخلاص هي كفاية أصلاً وهتحقق اللي إحنا عايزينه مش لازم اللف ده كله وأننا يخليه يهرب الصفقة دي.
أنت متخيل ممكن تفتح علينا باب إيه!
– عاصي مش هيتهد بشوية الصور دي وهينفي أي حاجه ويقول إنها إشاعات.
عاصي لازم يتكسر زي ما كسرني وكسرك ولا أنت نسيت؟
– مش ناسي ولا هقدر أنسى .. أنا كل يوم بفتكر أنه سارق حته مني وأنا مش قادر أروح لبنتي حتى واطمن عليها.
– يا عم اتنيل أنت كمان دلوقتي بقت بنتي.
قال أحمد:
– وهو أنا كنت أعرف إن مريم أخت عاصي!! وأنا لو كنت أعرف كده كان زماني عملت اللي عملته ده وفي الآخر سيبتها بالعكس ده أكنه طبق من دهب وظهر قدامي.
كله بسبب الغبية اللي أسمها سلمى في اليوم اللي عرفت فيه عيلتها كان عاصي عرف علاقتنا وكل حاجه باظت ملحقتش أعمل حاجه.
– والله في إيدك إنك ترجع كل حاجه زي ما كانت لو مريم نفسها وافقت بيك.
– وأنت فاكر أنها هترضى تبص في وشي بعد كل ده غير كده هو سفرها برا عشان تبعد عني.
– طيب سيب موضوعها دلوقتي وياريت نحسب كل خطوة والأهم أنه ميعرفش أنت تبقى مين ولا أنا أبقى مين.
– عاصي عارفني يعني لو شافني مره كل حاجه هتبوظ وهيفهم كل حاجه.
– هو ميعرفنيش بس مش عايز أظهر قدامه برضو.
– عاصي أذى كل واحد فينا بطريقته .. آذاك أنت في أبوك وآذاني في حياتي.
– ده على أساس إنك كنت ملاك يعني ما أنت بوظت حياة البت اللي اسمها سلمى دي.
– تستاهل أكتر من اللي عملته عشان هي السبب في كل اللي حصل دي كانت قادرة وجبروت.
بقولك إيه تعرف هي فين دلوقتي؟
– اعرفلك عادي .. عموماً كل واحد جاي دوره وكل هيتحاسب على كل حاجه عملها.
أنا هعرف اندمه على كل حاجه كويس.
رواية رحيل العاصي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ميار خالد
استقلت رحيل السيارة ومعها بدر وتحرك بالسيارة.
أثناء الطريق قالت له:
– كانت مفاجأة بنسبالي إنك تعرف ماما.
ضحك بدر وقال:
– سيبك من المفاجأة دي دلوقتي.. إيه حكايتك؟
قالت بعدم فهم:
– حكاية إيه؟
نظر لها بدر وقال:
– ده على أساس إني مش واخد بالك.. إيه حكايتك مع عاصي؟
نظرت له بعدم فهم، وبعد ثوانٍ استوعبت ما يقوله فقالت بدهشة كبيرة:
– أنا وعاصي؟! إزاي جه في دماغك كده يا بابا مستحيل.
– مستحيل ليه يعني، غير كده أنتِ فاكرة إني مش واخد بالي من قربكم الزيادة وخصوصاً النهاردة.
قالت رحيل بصوت خفيض:
– أقولك إزاي أن ورانا مصيبة مش حب.
– بتقولي إيه؟
– بقولك إن لو عاصي ده آخر راجل في الدنيا مستحيل نكون سوا.
نظر لها بدر بدهشة وقال:
– ليه يا بنتي، ده أنا أتمنالك واحد زيه.
قالت رحيل بسرعة:
– لالا أرجوك اتمنالي واحد تاني.. خلي بالك ده عشانه مش عشاني، هو عصبي أوي وبيزعق من أقل حاجة، تخيل بقى لو اتجوزنا أنا ممكن أجيبله جلطة بسبب مصيبة من بتوعي، يرضيك الراجل يموت ناقص عمر!
ضحك بدر بصوتٍ عالٍ من كلماتها تلك وقال:
– طيب يا ستي، أنا قولت أطمن بس.
ضحكت رحيل وقالت:
– أنا وعاصي مش ممكن نكون سوا.. أنا وهو مختلفين عن بعض تماماً زي الأبيض والأسود والسما والأرض كده.
ابتسم بدر ثم صمت الاثنان حتى قالت رحيل:
– بقولك إيه، هي مش داليا هتخلص كلية النهاردة متأخر؟
– تقريباً آه.
– طب لو كده نعدي عليها نجيبها في طريقنا إيه رأيك؟
– طيب اتصلي بيها بس الأول.
أمسكت رحيل هاتفها واتصلت بداليا لتجدها مازالت في جامعتها، فقالت لها أن تنتظرهم عند باب الجامعة حتى تعود معهم إلى البيت.
دلف عاصي إلى غرفة ليلى وهي بين يديه ووضعها على سريرها ووضع عليها غطائها جيداً ثم خرج من الغرفة.
اتجه إلى حنان وقال بدون مقدمات:
– أنتِ تعرفي أبو رحيل منين؟
– ما قولتلك معرفة قديمة يا عاصي، غير كده هو عمها مش أبوها.
– أيوة معرفه قديمة ازاي وازاي يعرف مريم؟
– مش أختك، طبيعي يعرفها.
– أيوة يعني كنتم على اتصال لحد ما خلفتينا بقى؟
صمتت حنان بتوتر، فنظر لها عاصي للحظات وكأنه يفكر بشيء ما، ثم اتسعت عيونه بدهشة وهو يقول:
– كان صاحب محمد؟
– مش هيجرالك حاجة لو قولت عليه بابا بدل محمد.
– ردي عليا.. أستاذ بدر كان صاحبه؟
– هما الاتنين كانوا في نفس المدرسة وكانوا صحاب لحد ما كل واحد فيهم اتجوز وراح في طريقه.
– ويا ترى هو كمان بني آدم مستغل زيه ولا لا؟
نظرت له حنان بحدة وقالت:
– أنا مقدرة مشاعرك اتجاه باباك بس ده مش مبرر تتكلم عنه كده يا عاصي.
– وأنتِ عارفة إني مش بحب الإنسان ده وبكره نفسي ألف مرة كل ما افتكر إني أبنه وإن دمه بيجري في عروقي.
– بس هو آذاني أنا مش أنتم.
ضحك عاصي باستهزاء وقال:
– والله؟ أنتِ بتقنعي نفسك بالكلام ده أنه آذاكِ أنتِ؟! أنتِ متخيلة كان ممكن يحصل فينا إيه لو أنتِ مكنتيش سايبة فلوس بعيد عن إيديه محدش يعرف عنها حاجة.. متخيلة كان ممكن يحصلنا إيه بعد ما أهلك رفضوا أنهم يساعدوكي وأبسط حاجة قالوها وقتها.. ده اختيارك اتحملي بقى.
– أنت هتفضل تحاسبني طول العمر.. صدقني باباك كان كويس، أنا متأكدة أن كان في حاجة ضاغطة عليه خليته يعمل كل ده قبل ما يموت.
– حاجة ضاغطة عليه؟! والحاجة دي برضو اللي أجبرته أنه يبقى مدمن؟ الحااجة دي أجبرته أنه يضيع فلوسك في الزفت ده؟ الحااجة دي أجبرته أنه ينسانا وميجيش البيت ده غير وهو عايز فلوس.
مسحت حنان دموعها التي تناثرت على وجهها وقالت:
– أيوة.. الشخص اللي أنا اتحديت الدنيا عشانه مش هو الشخص اللي كسرني بحبي ليه.
– بطلي تكدبي على نفسك، هو مش بس كسرك هو كمان كسر عيالك.. كله بسبب اختيارك اللي دفعتينا تمنه ألف قلم على وشنا.
– بلاش تضايق نفسك وتوجع قلبي بكلامك ده.
– أنا مش مضايق نفسي، أنا جوايا فاضي، فقدت القدرة على الإحساس بأي حاجة.. مش فارق معايا كام قلم الدنيا هتديهولي، كده كده مبقتش أحس.
قال تلك الجملة ثم اتجه إلى غرفته لينفرد بقسوته وعصيانه اتجاه كل شيء بحياته.
خرجت داليا من جامعتها وانتظرت رحيل ووالدها على الباب الخارجي بعد أن ودعت زميلاتها.
أمسكت هاتفها وقبل أن تتصل برحيل اقترب منها أحد زملائها في الكلية ولكنه قد تخرج من عام ويأتي في بعض الأوقات حتى يرى أصدقائه، ومنهم داليا التي تمتلك معزة خاصة داخل قلبه.
قال فارس:
– عاش من شافك يا ستي.
– فارس!! أخبارك إيه، أنا اللي المفروض أقولك عاش من شافك خلي بالك.
ضحك الآخر وقال:
– الدنيا بقى، أنتِ عارفة حياة الناس الخريجين صعبة أوي.
ضحكت داليا وقالت:
– ربنا يكتبها عليا قريب.
– هانت خلاص كلها شوية وتخلصي من كل ده، ولا أنتِ ناوية تكملي دراسات عليا؟
– لا عايزة أركز للشغل بقى، أنت عارف أنه بابا عنده بيزنس خاص بيه عايزة أمسك معاه الشغل.
ابتسم وقال:
– ربنا معاكي، وعايز أقولك إني انبسطت جداً أني شوفتك.
ابتسمت داليا هي الأخرى، وقبل أن ترد عليه وصلت سيارة والدها فقالت داليا:
– بابا جه ياخدني، عن إذنك بقى.
– حيث كده لازم أتعرف على بابا وأسلم عليه بقى.
ضحكت داليا بتعجب ودهشة، وترجل بدر من السيارة عندما وجد الاثنان في طريقهم إلى سيارته وكذلك رحيل.
اتجه فارس إلى بدر وقال:
– حضرتك عامل إيه؟
قال بدر بابتسامة وتساؤل في نفس الوقت:
– أنا الحمدلله.
– أنا فارس كنت زميل داليا لكن دلوقتي خريج.
– أهلاً بيك يا ابني، اتشرفت بيك.
– الشرف ليا والله، أنا أصلاً كنت بدور على حضرتك.
قال بدر بتعجب:
– عليا أنا ليه خير؟
تحنح فارس بحرج ثم قال:
– طيب ممكن آخد رقم حضرتك وأبقى أكلمك وقت تاني عشان معطلكش.
ابتسم بدر ثم أعطى له رقم هاتفه.
وعلى الجانب الآخر قالت رحيل بتساؤل إلى داليا:
– هما بيتكلموا في إيه؟
– مش عارفة.
– هو مين ده أصلاً؟
– ده فارس كان زميلي في الكلية بس اتخرج السنة اللي فاتت.
ابتسمت رحيل بخبث وقالت:
– بس شكله لذيذ أوي مش كده؟
– مش فاهمه تقصدي إيه.
– مش ملاحظة إنه عينيه بتطلع قلوب عليكِ تقريباً، ولا مش شايفة؟
قالت داليا بسرعة:
– إيه كلامك ده يا رحيل، أكيد لا، يعني إحنا زمايل بس.. غير كده أنتِ عارفه إني بحب حازم حتى لو بعدنا عن بعض.
– أنا بقول تبطلي هبل وركزي في مصلحتك، حازم إيه بس.. ده بني آدم عينه كلها شر هيبهدلك معاه.
– مصلحتي إيه اللي بتقولي أفكر فيها، هو الشاب قال حاجة ما هو محترم أهو.
– طيب سيبي كل حاجة بظروفها.
صمتت داليا بتفكير.
استقلوا جميعاً السيارة وتحرك بها بدر، وعندما تقدموا بها ظهر حازم من زاوية معينة عند بوابة الكلية وعيونه تشع بنار الغيرة، فهو يعرف أن داليا تتأخر في هذا اليوم لذلك قرر أن يأتي ليراها لأنها لا ترد على مكالماته.
وقبل أن يذهب لها ظهر فارس أمامها ثم بعدها والدها وتابع كل ما حدث عن بعد، وتمنى أن ما يفكر به ليس صحيحاً.
في اليوم التالي.
استيقظت رحيل من نومها، جهزت نفسها وحضرت علبة طعامها وأخذت دوائها.
وقبل أن تخرج أمسكت بها داليا.
قالت:
– أنتِ رايحة فين؟
– رايحة الشركة.
– شركة مين؟
– شركة عاصي.
ابتسمت داليا بخبث وقالت:
– اه قولتيلي، طيب هو مش تقريباً العقد اتأضى خلاص يعني مبقاش فيه داعي إنك تروحي.
قالت رحيل بتوتر:
– أيوة ما هو اا ما هو.
– ما هو إيه بس؟
– هكون رايحة في إيه يعني يا داليا، ما أكيد في شغل يعني، أصل عاصي عجبه أفكاري أوي وبقى مبهور بيها فقرر أنه ياخد رأيي في كذا حاجة في المول.
– والله؟ وإيه حكاية عاصي اللي ظهر فجأة ده.
– أنتِ هتعمليلي زي أبوكي امبارح برضو، سألني إيه حكاية عاصي، يا جماعة والله ما فيه حاجة، إحنا بينا شغل بس ما كله في مصلحتنا في الآخر.
– هو حلو يعني؟
– هو مين ده؟
– أستاذ عاصي بتاعك ده.. إيه ده، استني كده هو عاصي القاضي! هو حلو فعلاً، طب يا مسهل الحال ياريت والله.
نظرت لها رحيل بعيون متسعة وحاجبين مشدودين لأعلى ثم قالت:
– يا جماعة أنتم بتتكلموا في إيه بجد، بطلوا هزار.
– والله دلوقتي بطلوا هزار، ده أنتِ رفعتي ضغطي بهزارك يا شيخة، استحملي بقى.
– أيوة بس مش لدرجة عاصي.. إيه الجنان ده!! عاصي.
ثم خرجت من البيت بسرعة واتجهت إلى الشركة.
ضحكت داليا وقالت:
– والله شكلك هتقعي وقعه وحشة لما نشوف.
لم ينم ليلاً بسبب تفكيره، من ناحية ذكرياته القاسية ومن ناحية أخرى هذا الشخص الذي يهدده بتلك الصور، ومن ناحية أخرى رحيل.
لا يعرف لماذا يقلق عليها كثيراً، أو بمعني أصح يقلق بسبب تصرفاتها العفوية التي قد تصل بها إلى الهلاك في بعض الأحيان.
أسكت عقله بصعوبة ونام لساعات قليلة ثم استيقظ في الصباح وذهب إلى عمله.
وعندما دلف إلى مكتبه وجد رحيل تجلس في الداخل وبيدها علبة الطعام تأكل.
ضرب رأسه بقلة حيلة ثم زفر بضيق ودلف إلى الداخل.
وعندما لاحظته رحيل نهضت من مكانها وقالت بابتسامة واسعة:
– صباح الخير.
جلس على مكتبه وقال:
– صباح النور.. خير في إيه على الصبح؟
اتسعت عيونها وهي تقول:
– أنت مش قولتلي بكره هتقولي هنعمل إيه مع الراجل اللي بيهدد ده.
– هنعمل إيه؟ اسمها هعمل إيه.
– ما علينا يعني اعتبرني إيدك اليمين في الموضوع ده.
– هو أنتِ ليه مش بتسمعي الكلام؟ أنا مش قولتلك خليكي بعيدة.
– ما علينا تاني، شكلك مفطرتش صح، تعالى كل معايا عامله حسابك.
– شكراً مش عايز.
– والله ما يحصل، المرة دي مش هتهرب مني، هتاكل معايا يعني هتاكل معايا، وبص حتى عاملة أكل صحي أهو عشان متعترضش.
نظر لها عاصي قليلاً، ولولوه قد شرد مع تلك الفتاة، أنها وبحركاتها الغير مدروسة والعفوية تلك تجعل قلبه يلتفت إليها أكثر فأكثر.
في البداية كان يظن أن كل ما تفعله هذا هو مجرد تمثيل حتى تلفت النظر إليها، ولكنه عندما بدأ يعرفها جيداً أدرك أنها أغبى من كل ظنونه تلك.
نهضت رحيل من مكانها وازاحت كل الأوراق من على مكتبه ووضعت علبة الطعام أمامه وأمامها ثم قالت:
– بص دول شوية فاكهة وخضار أهو فطار صحي وخفيف، يلا كل معايا بقى.
ظلت عيون عاصي معلقة بها ولم يتحرك.
خجلت هي من نظراته تلك وتوترت بشدة، ومن كثرة توترها أمسكت قطعة من التفاح ووضعتها في فمه بعنف، فآفاق الآخر من شروده هذا وانتفض من مكانه ثم قال:
– أنتِ اتجننتي، حد يعمل كده!! أنتِ مش طبيعية بجد.
ابتسمت رحيل عندما أدركت ما فعلته، وما زاد ابتسامتها أن رد فعل عاصي لم يكن عنيفاً جداً.
وبعد فترة انتهت رحيل من طعامها ولم يأكل عاصي أيضاً واكتفى بالنظر إليها.
وعندما انتهت قالت:
– ها هنعمل إيه؟
نظر لها عاصي بعيون متسعة، فقالت مصححة كلماتها:
– أقصد هتعمل إيه.. حلو كده.
– هوافق.
نهضت رحيل من مكانها وقالت:
– توافق على إيه؟ إنك تهرب السلاح.
– ممكن تقعدي الأول وتفهمي.
جلست رحيل مكانها مرة أخرى بوجه عابس.
زفر عاصي بضيق ثم قال:
– الأمور مش هتمشي زي ما أنتِ متخيلة.
– إزاي؟
– يعني أنا هوافق فعلاً و كل حاجة هتمشي لحد ما آخد الصور دي.
– والصفقة؟
– ده شغل البوليس بقى.
– يعني إيه؟
– أنا عندي صاحبي عقيد في الشرطة.. كل حاجة هتبقى بعلمه، حتى يوم ما أروح لهم هو هيكون متابعني ومعايا خطوة بخطوة، ولو حصل أي حاجة هيكون معاه قوات احتياطي، وبمجرد ما أعرف تفاصيل الصفقة دي هبلغه وهو هيتصرف وموضوع الصور هيتصرف فيه برضو.
– ومين صاحبك ده؟
– العقيد عز الدين كامل الأسيوطي.
– ده جوز ملك الشريف صح؟
– أنتِ تعرفيها؟
– معرفهاش شخصياً بس سمعت عن الشركة بتاعتها، غير كده فيه حد ميعرفش قصة ملك وعز دي زي القصص الخيالية.. المهم طيب وهتقوله كل ده امتى؟
– دلوقتي.. حالياً هتحرك وهروحله المديرية، لو عايزاني أوصلك للبيت في طريقي معنديش مشكلة.
– عايزه أجي معاك.
– مستحيل.. أعتقد كده أنتِ اطمنتي وعرفتي هتصرف إزاي، أكتر من كده مفيش داعي.
– أنا مش هتدخل في أي حاجة لكن اسمحلي أفضل معاك في كل ده، ما يمكن أقدر أساعدك بحاجة.
– معتقدش في حاجة.. عن إذنك.
ثم نهض من مكانه وقبل أن يخرج من المكتب صدع هاتفه رنيناً برقم أحد رجاله، رد على الهاتف وقال:
– في أخبار عنها؟
– واحد من اللي مراقبها هناك عرفني أنها حجزت طيارة لمصر وزمانها وصلت دلوقتي.
– ومقولتليش من بدري ليه؟
– لما عرفت بلغت حضرتك.
ثم أنهى معه المكالمة ونظر أمامه بغضب كبير كاد أن يهدم المكان فوق رأسه، قال بتوعد:
– أنا هوريكي تكسري كلامي وتتصرفي من دماغك إزاي!
رواية رحيل العاصي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ميار خالد
ثم أنهى معه المكالمة ونظر أمامه بغضب كبير كاد أن يهدم المكان فوق رأسهم.
قال بتوعد:
– أنا هوريكي تكسري كلامي وتتصرفي من دماغك إزاي!!
وقبل أن يخرج أمسكت به رحيل وقالت:
– أنت رايح فين؟
استدار لها كالإعصار وصرخ بها:
– ممكن تختفي من وشي!! أنتِ من ساعة ما ظهرتي والمصايب عمالة تجيلي واحدة ورا التانية، من أول يوم دخلتي فيه الشركة دي وكل حاجة بتبوظ، وأخرهم موضوع الصور ده كان بسببك. أنا مكنتش بخلي حد يمسك عليا غلطة، لكن بسبب تصرفاتك كل حاجة بتبوظ. لو بقصد أو بدون قصد أنتِ السبب في كل حاجة، فياريت كفاية أوي لحد كده وتختفي من كل حاجة زي ما ظهرتي.
نظرت له رحيل بعيون مجمدة والدموع بداخلها تمتلئ شيئاً فشيئاً. كانت كلماته قاسية جداً على قلبها الضعيف. بضع كلمات تمكنت من حرق روحها.
أفاق عاصي من حالة الغضب التي كان عليها عندما وجد دموعها تتساقط من عيونها مثل اللؤلؤ. قال:
– كان ممكن تقولي كل ده بطريقة تانية. كان في مليون طريقة أفهم بيها كلامك غير إنك تكلمني بقسوة كده. بس أوعدك مش هتشوف وشي تاني.
ثم أخذت حقيبتها وخرجت من المكان بسرعة وهي تبكي بصمت. زفر عاصي بضيق وأمسك رأسه بندم بسبب كلماته تلك. في لحظة انفجر ولم يقدر على التحكم في كلماته. أخذ نفساً عميقاً ثم خرج هو أيضاً من الشركة واتجه إلى المديرية ليقابل العقيد عز الدين كامل الأسيوطي.
خرجت رحيل من الشركة وهي تبكي وتحركت بسرعة من أمامها واستقلت أول سيارة أجرة رأتها أمامها. وعندما صعدت إليها شعرت بضيق نفس كبير، لذلك حاولت أن تنظم أنفاسها حتى لا تفقد وعيها.
وذهبت إلى أحد الأماكن المطلة على النيل وجلست بها بمفردها.
وصل عاصي إلى المديرية ودلف إليها وسار بها للحظات حتى وصل إلى مكتب عز الدين. فأخبر العسكري الواقف على الباب أنه يريد أن يراه. ودلف العسكري إلى الداخل وبعد لحظات خرج إلى عاصي وسمح له بالدخول. وهُنا طل علينا بطلنا القديم من رواية "منقذي" ولكن عز الدين ونهض من مكانه وعلى وجهه ابتسامة واسعة وقال:
– إيه المفاجأة الجميلة دي. عاش من شافك.
ابتسم له عاصي بحزن وجلس أمامه. عاد عز إلى مكانه وطالع عاصي بتفحص ثم قال:
– في إيه مال وشك؟
– واقع في مصيبة ومحدش غيرك هيقدر يساعدني فيها.
انهض عز من على كرسيه وتحرك حتى جلس أمام عاصي. قال:
– في إيه؟ قلقتني.
حكى له عاصي ما حدث معه وموضوع تلك الصور والتهديد الذي جاء إليه بخصوص صفقة التهريب. وكان عز يسمعه بعيون متسعة. وفي النهاية قال عاصي:
– أنت عارف إن شغلي نضيف وأكيد مش هحط نفسي في مصيبة كده. غير كده أنا متأكد إنه في حد ورا الموضوع ده، في حد عايز يوقعني بأي طريقة.
– أنت قدمتلي خدمة كبيرة دلوقتي.
– يعني إيه؟
– يعني أنا عارف إن فيه صفقة سلاح هيتم تهريبها بس مش عارف أي تفاصيل عنها، وده اللي كنت شغال عليه الفترة دي. أنت سهلت قضيتي جداً.
– يعني هتساعدني؟
– عيب عليك. حتى لو مكنتش قضيتي أكيد مش هسيبك لوحدك في الأزمة دي. أنا دلوقتي عايزك تركز معايا ضروري.
– قول.
قال عز الدين بصوت خفيض:
– أنت دلوقتي هتتصل بيهم وهتعرفهم إنك موافق وهتحدد معاهم ميعاد عشان تعرف التفاصيل. وطبعاً بمجرد ما تعرف كل حاجة هتبلغني. وده هيبقى شغلي.
– تمام.
أمسك عاصي هاتفه واتصل بالرقم الذي تركه له جمال قبل أن يرحل. وبعد لحظات فُتح الخط. قال الطرف الآخر:
– كنت متوقع مكالمتك دي بدري شوية.
– موافق.
– معندكش اختيار تاني للأسف.
صمت عاصي. فقال الطرف الآخر:
– بكرة في عربية هتقف قدام شركتك الساعة ٤ العصر. اركب فيها وسيب كل حاجة تمشي.
– تمام.
ثم أنهى معه المكالمة ونظر إلى عز. فقال عز:
– جميل جداً. بكرة هكون متابعك. ودلوقتي هعرفك كام حاجة مهمين جداً.
كانت تجلس في إحدى الكافيهات المطلة على النيل وقد شردت لساعات فلم تشعر بالوقت. كلمات هذا العاصي تدور برأسها وقلبها فتُسبب ألم كبير. ألم جعل قلبها ثقيل على صدرها حتى شعرت بثقله في أنفاسها. ترقرقت الدموع في عينيها فأمسكت منديل ومسحت عيونها قبل أن تتساقط دموعها. أمسكت هاتفها وفتحت إحدى الألعاب حتى تلهو بها قليلاً.
وفي تلك الأثناء صدع هاتفها رنيناً برقم غريب وكان عاصي. والذي وبمجرد أن خرج من المديرية أتصل بها حتى يطمئن عليها لأنه أحس بمدى قسوة كلماته. لم ترد عليه في الإتصال الأول لأن ليس من عادتها أن ترد على أرقام غريبة. ولكنه عندما أتصل بها مجدداً ردت عليه وقالت:
– الو؟
– أنتِ فين؟
وقد تعرفت هي على صوته فوراً فقالت بجمود:
– وأنت مالك؟
– نعم؟! إيه الأسلوب ده.
قالت رحيل بغضب:
– والله وهو أنت الوحيد اللي مسموحلك تتكلم بطريقة مستفزة معايا، لكن أنا أكلمك بمنتهى الذوق.
– اتصدقي أنا غلطان.
– أنت غلطان فعلاً.
ثم أنهت المكالمة في وجهه. نظر عاصي إلى الهاتف بدهشة ثم قال:
– أنا استاهل عشان اتصلت بيها أصلاً.
ثم تحرك من مكانه بغضب عارم وعاد إلى بيته. ظلت رحيل مكانها للحظات حتى نهضت من مكانها بعد أن حاسبت في المكان وخرجت. وقفت على الرصيف في انتظار سيارة الأجرة التي قد طلبتها قبل أن تخرج. وفي ثواني وقفت سيارة أمامها وخرج منها رجلين ضخمين للغاية بالنسبة لها. نظرت لهم بخوف وطالعها أحد الرجال للحظات وكأنه يتأكد أنها هي المطلوبة. قالت رحيل بتوتر:
– خير في حاجة؟
نظر لها الرجل بحدة ثم أزاح سترته ليظهر المسدس الموجود معه. نظرت له رحيل برعب وقالت:
– أنت عايز إيه مني؟ أقسم بالله هصوت والم الناس عليك.
أمسك هذا الرجل ذراعها بعنف فتأوهت رحيل بألم واقترب هذا الشخص منها ثم قال:
– اركبي العربية بهدوء وبلاش شوشرة.
نظرت له رحيل بخوف ثم تحركت معهم بصمت واستقلت السيارة. وعندما جلست على المقعد وضع هذا الشخص قطعة من القماش الأسود على عيونها ثم شعرت بنخزة إبرة تغرز في كتفها لتغيب عن الوعي تماماً بعدها.
ذهب كعادته ليطمئن عليها في الصباح. دلفت سهام إلى الغرفة قبله ولكنها لم تجدها. خرجت إلى شادي وقالت:
– مش جوه؟
– مش جوه إزاي يعني؟ وسع.
ثم دلف إلى الغرفة بسرعة وبحث عنها كثيراً ولكنه لم يجدها أيضاً. وقبل أن يتكلم تذكر كلماتها عندما قالت أن فاطمة قد وعدتها أنها سوف تهربها من هذا المكان! خرج من الغرفة بغضب واتجه إلى مكتب فاطمة ودلف إليه ليجدها على مكتبها. ابتسمت له وقالت:
– صباح الخير. كنت لسه هجيلك.
– سلمى فين؟
تغيرت نظراتها وطالعته بانكسار ثم قالت:
– والله! هي دي صباح النور بتاعتك؟
– سلمى مش في الأوضة بتاعتها ومحدش غيرك معاه المفتاح بتاع الأوضة بعدي أنا وسهام. والله لو عملتي اللي في دماغي بجد هتكون نهاية علاقتنا.
نهضت فاطمة من مكانها وقالت:
– والله؟! وإيه اللي في دماغك بقى؟
– سلمى قالتلي إنك وعدتيها أنك تخرجيها من هنا.
– وحتى لو حصل أنت خايف ليه؟
– أنتِ عارفه أن لو سلمى خرجت من هنا في الوقت ده هترجع لنقطة الصفر تاني. أنتِ إزاي قادرة تكوني كده؟!!
– وأنت إزاي قادر تكون كده!! أنت مش مستوعب إنك بتتخانق معايا دلوقتي بالطريقة دي عشان مين!! عشان مريضة.
– أنتِ عارفه أن شغلي كل حياتي.
– وحياتنا إحنا فين!!
نظر لها شادي للحظات ثم أشاح بنظره عنها. تحركت هي من مكانها وعيونها مليئة بالدموع ثم قالت:
– لو الجملة صعبة أوي عليك خليني أنا أقولها لأني مبقتش قادرة أستحمل الطريقة دي.
نظر لها شادي فقالت هي بدموع وهي تخلع دبلتها:
– أنا شايفه أن كل واحد يروح لحاله أحسن ليا ولك. ويا خسارة سنين عمري اللي ضيعتها معاك.
– استني بس..
– أنا قولت اللي عندي ولو سمحت اتفضل مش عايزة أتكلم تاني.
نظر لها شادي للحظات وقبل أن يتحرك قالت:
– وبخصوص سلمى أنا مهربتش حد. أتعب لحد ما تلاقيها.
خرج شادي من الغرفة وبيده دبلتها فوضعها في جيبه. يشعر براحة غريبة في قلبه وكأنه قد تخلص من ثقل كبير على قلبه. شعر بالذنب بسبب هذا الإحساس. أنه يعترف أن علاقته بفاطمة كانت مملة ولم يشعر في يوم أن قلبه مولع بحبها ولكنها كانت خطيبته في النهاية. وفي لحظة ظهرت سلمى في أفكاره ليشعر بالضيق حينها والغضب عندما اختفت من أمامه فجأة. وهُنا تأكد بالفعل أن قلبه مولع.. بها هي فقط.
حل المساء ولم تعد رحيل إلى بيتها. تسرب القلق داخل بدر واتصل بها كثيراً ولكنها لم ترد عليه. وبعدها تم إغلاق الهاتف تماماً. وأثناء قلقه هذا صدع هاتفه برقم غريب فرد عليه بقلق. أردف:
– السلام عليكم؟
– وعليكم السلام. أخبارك إيه يا عمي؟
– الحمدلله. مين معايا؟
– أنا فارس زميل داليا.
– أيوة فارس افتكرتك. خير؟
وفي تلك اللحظة كانت داليا على باب الغرفة وقبل أن تطرق الباب توقفت حين سمعت اسم فارس. ووقفت مكانها لتتابع الحوار الذي سوف يقوله والدها بصمت.
قال فارس:
– كل خير يا عمي. أنا بس كنت عايز آخد ميعاد من حضرتك عشان حابب أجي أتقدم لداليا.
– تتقدم لداليا؟!
اتسعت عيون داليا ونظرت أمامها بصدمة. والمشكلة أن فارس على علم بوجود حازم في حياتها فهو كان يراه عندما يأتي إلى داليا الكلية. إذا كيف يتقدم لخطبتها هكذا. توقفت عن التفكير وتابعت الحوار مجدداً.
قال فارس بتوتر:
– أيوة أنا يشرفني طبعاً. حضرتك عندك اعتراض؟
– لا طبعاً يشرفني والله بس..
– بس إيه؟
– والله يا ابني أنا معايا مشكلة قالبة دماغي دلوقتي ومكالمتك دي أنا آسف والله مش في وقتها خالص ومش قصدي أكون قليل الذوق معاك خالص بس فعلاً أنا معايا مشكلة كبيرة. أفوق منها بس وأنا هتصل بيك ونشوف الأمور هتمشي إزاي. وعموماً اللي فيه الخير يقدمه ربنا.
– مشكلة إيه طيب؟ حضرتك محتاج حاجة أجلك؟
– لا ربنا يخليك والله أنت اعذرني بس.
– لا يا عمي ولا يهمك وعموماً لو احتاجت أي حاجة كلمني على طول. رقمي أهو معاك.
– بإذن الله.
ثم أنهى معه المكالمة وباله مع رحيل. تحركت داليا من مكانها بصدمة ودلفت إلى غرفتها. كيف يفكر فارس بتلك الطريقة بدون أن يرجع لها أولاً. ولكنه لم يتصرف بطريقة غير صحيحة بل تصرف بأصح طريقة. وقبل أن يتحدث معها تكلم مع والدها ليكون كل شيء في العلن. ولوهلة ورغماً عنها قارنت بينه وبين حازم. نعم كان حازم مصمم أن يتقدم لخطبتها ولكنه كان يرجع لها أولاً مع علمه أنها سوف ترفض بسبب خوفها من أهلها. كان من الممكن أن يتصرف بطريقة صحيحة ويحل كل تلك الأمور كالرجال. ولكنه اختار الطريق السهل مثلها أيضاً وعلّق كل أخطائه على رحيل وقال إنها السبب بكل شيء.
لم يتوقف عقلها عن التفكير وقطع حبل أفكارها هذا والدها الذي نادى عليها بصوت مسموع. كانت تظن أنه سوف يخبرها بموضوع فارس ولكنها عندما وصلت إليه قال بقلق:
– رحيل متصلتش بيكي من ساعة ما خرجت؟
– لا خالص. هي لسه مرجعتش؟
– لسه وقلقان عليها. الوقت بدأ يتأخر أصلاً. هتكون راحت فين؟
– طيب حاولت تتصل بيها؟
– موبايلها مش بيجمع معايا. هي خرجت فين أصلاً؟ أنا لما صحيت مشوفتهاش.
– راحت الشركة لعاصي تقريباً. قالتلي فيه شغل بينهم لسه مخلصش.
– أيوة كانت قيلالي افتكرت.
قالت داليا بقلق:
– استنى هجبلك رقم عاصي أتصل بيه أسأله لو يعرف عنها حاجة.
ثم تحركت من مكانها وعادت إليه بعد لحظات وأعطته رقم عاصي. كان الآخر في بيته لم يقدر على النوم فظل جالس على سريره يفكر لساعات حتى صدع هاتفه رنيناً برقم غريب. رد عليه ليتعرف على صوت بدر فوراً. وعندما تذكر أنه كان صديق والده تحدث ببرود نوعاً ما:
– خير في إيه بليل كده؟
قال بدر بقلق:
– أنا آسف على الإزعاج بس رحيل مرجعتش لحد دلوقتي. هي جاتلك الشركة صح؟
اعتدل عاصي في جلسته وقال بانتباه:
– مرجعتش إزاي لحد دلوقتي؟
– معرفش اومال أنا بكلمك ليه دلوقتي. أنت آخر مرة شوفتها إمتى؟
– هي خرجت من الشركة الصبح وكلمتها في التليفون كمان وردت عليا بس بعدها متكلمناش تاني فافتكرت إنها روحت.
قال بدر بقلق بالغ:
– يا الله هتكون راحت فين؟
تسرب القلق إلى قلب عاصي فقال:
– طيب هي عندها قرايب هنا مثلاً أو صحاب ممكن كانت مخنوقة شوية فراحت لحد فيهم؟
– رحيل متعرفش أي حد هنا غيرنا. متعرفش أي حاجة. وحتى لو مخنوقة عمرها ما فكرت تتأخر بره البيت كده. أنا بنتي فيها حاجة متأكد.
– طيب أهدى أنا هتصرف وهعرفلك هي فين دلوقتي.
– ربنا يخليك. أنا آسف أزعجتك بس رحيل لو جرالها حاجة أنا ممكن أموت فيها. بالله عليك رجعها لي.
صمت عاصي للحظات ثم قال:
– أوعدك هترجعلك بألف سلامة.
ثم أنهى معه المكالمة، ونهض من مكانه بسرعة. ظل يجول الغرفة بقلق وتوتر. ندم بشدة على كلماته التي قالها لها. وشعر بالخوف عندما جال في باله أنها من الممكن أن تكون قد تصرفت بغباء مرة أخرى لتقع في مصيبة جديدة. أمسك هاتفه وقبل أن يتصل بعز الدين ترك هاتفه مرة أخرى وذهب إلى جاكيت البدلة التي كان يرتديها وأخرج منها هاتف قد أعطاه له عز الدين اليوم قبل أن يخرج وقال..
فلاش باك..
قال عز:
– الموبايل ده تخليه معاك ومتتصلش بيا منه غير لو حصل حاجة.
– طيب ليه؟
– هتعرف بعدين بس خليك منتبه لكل حركة بتخرج منك ومن رحيل.
– أنا مش واثق في رحيل ممكن تعمل أي تصرف يبوظ كل حاجة.
– لازم تتحكم وتسيطر عليها بأي طريقة. هي فين دلوقتي؟
– معرفش بعد ما تخانقت معاها خرجت.
– طيب لما تخرج من عندي اتصل بيها من الموبايل ده.
– اشمعنا؟
– عشان نرصد مكانها لو قدر الله حصل أي حاجة.
– يعني هي ممكن تتأذي؟
– قولتلك لازم نبقى مستعدين لكل حاجة.
– تمام.
باك..
أمسك عاصي الهاتف الذي أعطاه له عز الدين واتصل به فوراً.
كان عز الدين نائم بهدوء وبجانبه ملك وفي المنتصف ابنهم مالك ذو الثلاثة أعوام. وعندما صدع هاتفه رنيناً نهض من مكانه فوراً ورد عليه. قال:
– خير يا عاصي؟
– رحيل مختفية.
اعتدل الآخر في جلسته وأشعل الضوء من جانبه وقال:
– مختفية إزاي يعني؟
قال عاصي بقلق واضح في صوته:
– معرفش بدر أبوها دلوقتي اتصل بيا وقالي أنها مختفية من الصبح.
– يبقى اللي خايف منه حصل.
قال عاصي بقلق:
– احتمال كبير إنك كنت مراقب وأنت جاي عندي المديرية ولما وصلهم خبر اتصرفوا و خطفوها عشان يبتزوك توافق ومتعرفش البوليس حاجة!!
صرخ عاصي بصدمة:
– نعم!!
رواية رحيل العاصي الفصل السادس عشر 16 - بقلم ميار خالد
احتمال كبير إنك كنت مراقب وأنت جاي عندي المديرية ولما وصلهم خبر اتصرفوا و خطفوها عشان يبتزوك توافق ومتعرفش البوليس حاجة!
صرخ عاصي بصدمة:
– نعم!
قال عز:
– أنت اتصلت بيها الصبح صح؟
– أيوه.
– يعني أكيد التليفون اللي ادتهولك رصد مكانها.. تمام أتحرك دلوقتي وتعالى على المديرية بس اتأكد أن مفيش حد ماشي وراك.
وبالفعل نهض عاصي من مكانه بانتفاضه واستقل سيارته بعد أن تأكد أن لا أحد يلاحقه واتجه إلى المديرية.
نهض عز من مكانه فشعرت به ملك لتنهض من مكانها بنعاس.
قالت:
– على فين في الوقت ده؟
– شغل ما أنتِ عارفه.
– حصل حاجة ولا إيه؟
– احتمال كبير تكون رحيل اتخطفت.
انتفضت الأخرى من مكانها وقالت:
– دي اللي أنت حكيتلي عنها على العشا صح؟
– أيوه.
– وأنت عرفت منين؟
– عاصي اتصل بيا قلقان عليها جداً وعرفني أنها مختفية.
ضربت رأسها بخفة وقالت:
– يا ربي زمان عاصي هيتجنن عليها فعلاً.
ابتسم عز وهو يرتدي ملابسه فقالت ملك:
– بتضحك على إيه؟
– عشان الصبح وهو بيحكيلي عنها فضل يكرر أنه بيكره وجودها وأنها عملت مصايب في حياته غير أنها مش فارقة معاه أصلاً بس يهمه يخرج من الموضوع ده.
– طب وفيها إيه؟
شرد للحظات ثم قال:
– قلقه وصوته المتوتر عليها فكرني بنفسي لما كنتِ أنتِ واقعة في مصيبة برضو.
– تقصد أنه ممكن يكون؟
ابتسم عز ثم قال:
– أنا خارج خلي بالك من نفسك أنتِ ومالك ولو حصل حاجة كلميني على طول.
ابتسمت له ملك ثم خرج هو من البيت بسرعة.
وفي دقائق كان في المديرية ليجد عاصي في انتظاره أمام مكتبه.
دلف الاثنان إلى الداخل وقال عز:
– أنا عايزك تهدي وصدقني هنعرف نوصلها وترجع بالسلامة.
– أتمنى أنها تكون اتصرفت بغباء المرة دي وتكون مستخبية في أي مكان وميكونش فيه كل اللي إحنا بنتكلم فيه ده.
– أتمنى أنا كمان.. هات التليفون.
وأخذ عز الهاتف الذي أعطاه إلى عاصي وفي ثواني تمكن من رصد آخر مكان تواجدت به رحيل وكان أحد الكافيهات المطلة على النيل.
وظلوا يبحثوا حتى سطعت الشمس عن أي خيط يدلهم لمكان رحيل.
وبعد بحث طويل تمكنوا من الوصول إلى أحد الكاميرات الخاصة بأحد المطاعم والتي تطل على ذلك الكافيه.
تحركوا من مكانهم واتجهوا إلى هذا المطعم فوراً حتى يفحصوا كاميراته.
***
تململت مكانها بانزعاج حتى فتحت عينيها.
نظرت حولها لوهلة وكأنها قد فقدت الذاكرة.
حاولت أن تتذكر آخر شيء حدث معها وبعد فترة تذكرت على الفور فانتفضت مكانها ونظرت حولها بخوف.
لم يكن المكان مخيفاً، كان غرفة عادية مع سرير بسيط وكانت فارغة تماماً.
حاولت أن تتحرك مع على السرير ولكن تأثير المخدر مازال في أطرافها لذلك ظلت مكانها للحظات حتى شعرت أن باب الغرفة يُفتح فنهضت رغماً عنها.
دلف نفس الرجل الذي خطفها بالأمس وعندما تأكد أنها قد استيقظت خرج مرة أخرى وأغلق الباب.
وبعد دقائق دلف ومعه بعض الطعام.
جلس أمامها ومد يده بالطعام فضربته الأخرى بعنف ليقع على الأرض محدثاً ضوضاء عالية.
صرخت به:
– أنا بعمل إيه هنا وأنت مين اقسم بالله هوديكم في داهية كلكم.
– أنا الأوامر اللي جتلي أني أعاملك كويس ومأذكيش لكن لو طولتي لسانك أكتر هتزعلي.
نظرت له بتحدي وقالت:
– والله؟! أنت متقدرش تعملي حاجة أصلاً وقول للي بعتوه أني مش هسكت وههرب من هنا وأول حاجة هعملها أني أوديكم في داهية.
ضحك الآخر باستفزاز وقال:
– طيب بالنسبة للأكل اللي أنتِ رميتيه ده مكنش فيه غيره.. موتي من الجوع بقى.
– ملكش دعوة واطلع برة.
نهض الآخر من مكانه ثم خرج من الغرفة.
وعندما خرج تحولت نظراتها إلى الرعب وكأنها لم تكن تلك الشخصية التي بعيونها تحدي وقوة قبل قليل.
ترقرقت الدموع في عينيها وهي تقول:
– أنا ليه بيحصل معايا كده.. كل ما أمشي خطوة بعمل مصيبة آه بس مش للدرجة دي أكيد دول الناس اللي بيهددوا عاصي بالصور طيب أنا مالي بكل ده.. ياريتني كنت رحت على طول ومروحتش في حتة.
ثم تكومت على نفسها بخوف وظلت تفكر في عائلتها ومدى قلقهم عليها الآن.
في منزل بدر..
لم ينم ليلاً بسبب غياب رحيل عن البيت وكذلك كل من في البيت، وكيف يقترب النوم من جفونه وهي مفقودة هكذا.
من الصباح قد اتصل بدر بكل أصدقائها التي من الممكن أن تكون قد ذهبت إليهم، ولكنها لم تذهب إلى أحد منهم.
كانت داليا في غرفتها تبكي بخوف على رحيل، تعترف أن علاقتهم ببعضهم كانت سيئة وقد تحسنت قبل فترة صغيرة ولكنها تظل رفيقة روحها وابنة عمها وشقيقتها أيضاً.
وفجأة ظهر في رأسها حازم وكلماته فنظرت أمامها بصدمة ثم أمسكت هاتفها بسرعة واتصلت به.
وعندما وجدها الآخر تتصل به شعر بسعادة كبيرة ورد عليها فوراً.
قال:
– وحشتيني.
– أختي فين؟
– أختك إيه؟ مش فاهم.
صرخت به داليا ولكن بصوت خفيض حتى لا يسمعها أهلها:
– بقولك رحيل أختي فين عملت إيه فيها؟
– أنتِ اتجننتي وأنا هعرف منين هي فين غير كده هي حصلها إيه أصلاً؟
– رحيل مختفية من امبارح.. والله يا حازم لو طلعت أنت اللي ورا الموضوع ده ولا أختي حصل فيها حاجة لهخليك تندم على الساعة اللي عرفتني فيها.
ثم أنهت المكالمة في وجهه.
نظر حازم أمامه بتساؤل ثم قال:
– مالها المجنونة دي ورحيل إيه اللي اختفت بس عموماً أحسن تستاهل بإذن الله مترجعش خالص.
***
وصل عاصي وعز إلى المطعم ودلفوا إلى الغرفة التي توجد بها تسجيلات الكاميرات واعادوا تسجيلات اليوم السابق وخصوصاً في الفترة التي كانت بعد مكالمة عاصي لها.
ظل عاصي يبحث بعيونه عنها حتى ظهرت وأخيراً وهي تخرج من الكافيه.
صاح:
– أهي ظهرت.
نظر لها عز وتابع الاثنان ما يحدث بصمت.
ظلت هي أمام الكافيه للحظات من الواضح أنها كانت تنتظر سيارة أجرة.
وفجأة وقفت سيارة سوداء أمامها وترجل منها شخصان ضخمان فابتعدت رحيل قليلاً.
وعندما أمسك إحدى الشخصيات رحيل من ذراعها بعنف وتألمت الأخرى شعر عاصي وكأن قلبه يغلي من الغضب.
نظر له عز فوجد عيونه لا تبشر بالخير أبداً.
وبعدها ركبت معهم رحيل بهدوء وانطلقت السيارة.
تحرك عاصي من مكانه بغضب وضرب الحائط بيده فاتجه له عز الدين وقال:
– أنا مقدر اللي أنت فيه بس ياريت تهدي عشان نفكر صح الوضع صعب دلوقتي.
قال عاصي بانفعال:
– هقول إيه لأبوها.. هقوله أن بنتك اتخطفت بسببي ويا عالم قتلوها دلوقتي ولا حصل فيها إيه؟
– ميقدروش يقتلوها ممكن تهدي!!
تنفس عاصي بغضب ثم خرج من الغرفة.
وظل يتذكر آخر موقف حدث بينهم ووضع الذنب عليه في كل شيء.
قال لنفسه:
– لو مكنتش قولتلها الكلام ده مكنتش اتضايقت وكانت راحت بيتها قبل ما أوصل المديرية حتى.
ظل يضرب يده في الحائط بغضب عارم.
حتى جاء إليه عز وصاح به:
– على فكرة عصبيتك دي هتبوظ الدنيا أكتر مينفعش كده.
– أنت متعرفش رحيل هي بتقول كلام هي مش قده.. كلمة منها ممكن توديها في داهية ده غير أنها بتخاف أصلاً.
– عارف بس إحنا لازم نفكر صح.. إحنا دلوقتي هنروح لأهلها نعرفهم.
– نعرفهم إيه بالظبط؟
– تعالى الأول وهفهمك في الطريق.
– كان لازم نخطفها يعني؟
قالها أحمد بتردد.
قال شريف:
– اومال كنت عايزني أعدي الحركة اللي عملها دي! كان لازم تتخطف عشان يعرف هو بيتعامل مع مين.
– وبعدين طيب البنت لا بتاكل ولا بتشرب كده هتموت.
– مش هتلحق تموت كده كده كام ساعة وهو هيشرفنا حسب الميعاد بتاعنا وعموماً أنا هتصرف معاها خليك أنت بعيد بس.
قال أحمد بخبث:
– ما تخليني أنا أروحلها طيب.
– اشمعنى؟
– عايز أشوفها تستاهل الخناق اللي كان في الصورة ولا لا.
ابتسم شريف بخبث ثم قال:
– تمام بس بلاش تبوظ الدنيا أنا عارفك غبي.
يضحك الآخر باستفزاز ونهض من مكانه بحماس حتى يذهب إليها.
وقد أمر أحد رجاله أن يأتي بطعام آخر وهو بنفسه سوف يذهب به إليها.
كانت رحيل في الغرفة على نفس حالتها، متكومة على السرير بخوف.
ولكنها فجأة حدثت نفسها بصوت عالٍ وقالت:
– مينفعش تخافي ولا تباني ضعيفة قدامهم أكيد هما بيعملوا كل ده عشان يضعفوا موقف عاصي ويوافق على الصفقة دي ولو وافق ناس كتير هتتأذي.. لازم تلاقي طريقة تهربي بيها من هنا!
وفجأة شعرت بدوار قوي فنهضت من مكانها بتعب وقالت:
– الدوا بتاعي مش معايا أنا لازم آخد الدوا!!
فجلست مكانها مرة أخرى وانتظرت حتى هدأ الدوار ثم مسحت دموعها ونهضت وظلت تجول في الغرفة.
اتجهت إلى النافذة الموجودة بها ونظرت منها لتجد نفسها في مبنى عالي جداً قد تكون في الطابق الثالث عشر مثلاً.
وهكذا أصبحت فكرة هروبها من النافذة مستحيلة لذلك عادت إلى مكانها مرة أخرى.
وقبل أن تفكر بشيء آخر فُتح باب الغرفة مجدداً فوقفت مكانها بتأهب.
دلف أحمد وعلى وجهه ابتسامة صغيرة.
دلف إليها بصينية الطعام وكانت الأخرى في قمة جوعها ولكنها رفضت تماماً أن تتناول أي شيء.
قال:
– سمعت إنك مش راضية تاكلي قولت أجيبلك الأكل بنفسي.
– أنت مين؟
– شخص كويس ومش هأذيكي.
– مستحيل تكون شخص كويس وحابسني هنا.. خرجوني من هنا.
ابتسم الآخر باستفزاز وقال:
– بس أنتِ عارفه إنك مش هتخرجي ليه الطلب من الأول.
– كل ده عشان موضوع الصور صح؟
– مش معقول جميلة وذكية كمان.
نظرت له رحيل برهبة فتأملها الآخر لثواني ثم قال:
– لا بس تستاهلي الخناق فعلاً.
نظرت له رحيل بغضب ثم انتبهت أن الباب مازال مفتوح فتحركت من مكانها بسرعة وقبل أن ينهض هو كانت خرجت من المكان.
ظلت تركض بكل قوتها وكان من الواضح أنه فندق لأنه كان يحتوي على العديد من الغرف.
ذهبت إلى المصعد ودخلت به وقبل أن يصل لها أحمد تحرك بها ونزلت إلى الدور الثاني.
ظلت تركض عندما خرجت منه وايقنت أن عند الباب الخارجي سوف يوجد رجال أيضاً سوف يمسكون بها لذلك دخلت أول غرفة وجدتها أمامها.
وكان صاحب هذا الغرفة في الحمام بسبب أصوات المياه التي كانت صادرة.
نظرت حولها بسرعة لتجد هاتف هذا الرجل أو الفتاة لا تعرف.
أمسكت الهاتف بسرعة وأول رقم حاولت تذكره هو رقم عاصي وبسبب حالة التوتر التي كانت بها لم تتذكر الرقم بسرعة.
حاولت أن تهدأ قليلاً ورويداً رويداً تذكرت أرقامه واتصلت به.
كان الآخر في السيارة مع عز الدين، وكانت أرجل عاصي تهتز بتوتر.
وأثناء هذا الصمت صدع هاتفه رنيناً برقم غريب كان سيتجاهله، ولكن قال له عز:
– مين بيتصل؟
– رقم غريب متشغلش بالك.
– رد ممكن.
نظر له عاصي بعيون متسعة ثم رد على الهاتف فوراً:
– الو؟
وهنا جاءه صوت رحيل الباكي وهي تقول:
– الو عاصي أنا رحيل.
انتفض الآخر من مكانه وعندما انتفض هكذا أوقف عز السيارة وفتح مكبر الصوت وهو يقول بقلق بالغ:
– أنتِ كويسة! أنتِ فين وازاي بتكلميني؟
قالت رحيل ببكاء وصوت خفيض:
– الناس دي خطفوني أنا دلوقتي في فندق معرفش اسمه إيه ولا فين.
قال عاصي بقلق:
– طيب أهدي حاولي تديني أي علامة قدام الفندق فيه إيه طيب؟
– موجود محطة بنزين.
– أنا معاكي وهجيلك بلاش تخافي حد منهم عملك حاجة؟
قالت رحيل ببكاء:
– أنا خايفة أوي بالله عليك تعالى خرجني من هنا بالله عليك أنا عارفه إنك مش بتحبني وأن وجودي بيعملك مشاكل بس بالله عليك بلاش تفرط فيا كده.
ترقرقت الدموع في عيون عاصي رغماً عنه من صوتها الباكي المبحوح ثم قال:
– لو هموت مش هفرط فيكي.. خليكي قوية واستنيني مش هتأخر عليكي خليكي واثقة فيا.
وقبل أن تتكلم رحيل داهمها الدوار مرة أخرى وتنفست بصوت مسموع.
فقال عاصي بقلق:
– أنتِ كويسة في إيه؟!!
وفجأة سمع عاصي صوت ارتطام قوي بالأرض فصرخ بخوف وظل يكرر اسمها.
وهنا فُتح باب الغرفة ودلف أحمد وظل يشتم بصوت عالٍ حتى وجدها على الأرض فنادى أحد رجاله ليحملها ثم خرج من الغرفة بسرعة.
وبمجرد خروجهم من المكان، خرجت الفتاة صاحبة الغرفة من الحمام ووقفت أمام المرآة حتى تجفف شعرها وكانت تلك الفتاة هي مريم التي قد عادت من كندا بدون علم عاصي!!
صرخ عاصي بغضب حتى كاد أن يضرب رأسه بالسيارة وانهى عز المكالمة ثم قال له:
– أهدى المهم أننا اطمنا عليها.
– أنت مسمعتش صوتها عامل إزاي! حتى نهاية المكالمة أنا مش فاهم إيه اللي حصلها لها أكيد حد منهم عملها حاجة.. أنا السبب في كل ده رحيل لو جرالها حاجة هيكون بسببي أنا.. هي قالت إن في محطة بنزين قدام الفندق صح؟
نظر عز في ساعته ثم قال:
– أنت مش ناسي حاجة؟
– حاجة إيه؟
– الساعة دلوقتي ٣.
نظر له عاصي وتذكر أنه قد اتفق معهم بالأمس أنه سوف يذهب لهم، وفي تمام الساعة الرابعة عصراً سيكون هناك سيارة تابعة لهم تنتظره أمام شركته.
قال عاصي:
– بلاش نبلغ أهلها بأي حاجة دلوقتي.. ممكن عاملين الحركة دي كلها عشان أضطر أروح لهم لوحدي فعلاً.
– جهز نفسك دلوقتي والساعة ٤ تكون قدام الشركة بتاعتك.. مش عايزك تقلق أنا هكون معاك خطوة بخطوة.
– أنا مش قلقان على نفسي أنا قلقان عليها! رحيل لو جرالها حاجة مش هسامح نفسي.
ابتسم عز وقال:
– صدقني مش هيجرالها حاجة ولما الأزمة دي تعدي عايزك تقعد معايا وتحكيلي كل حاجة حصلت من ساعة ما عرفت البنت دي.
نظر له عاصي بحزن وصمت.
أخرج عز الهاتف من جيبه وأعطاه له ثم قال:
– خلي ده معاك فيه تتبع هعرف أوصل لمكانك تمام.
– تمام.
– وحاجة تانية.
– هي إيه؟
دلف أحمد إلى شريف بغضب فقال الآخر:
– كانت هتهرب منك مش كده؟
– دي متعبة يا أخي بس البت تستاهل التعب بصراحة.
– طيب لازم نتحرك دلوقتي.
– عرفت مين اللي هيظهر قدامه؟
– أيوه اتفقت مع واحد من رجالتنا وفهمته كل حاجة.
قال أحمد:
– العربية اللي هتجيبوا اتحركت ولا لسه؟
– لما إحنا الأول نتحرك.. غطي عين البنت كويس قبل ما تتحرك بيها.
– كده كده هي فقدت الوعي هننقلها على وضعها.
وبعدها تحرك كل منهم في اتجاهه.
دلف أحد الرجال إلى رحيل وحملها ووضعها في السيارة ووضع على عينيها شريطة سوداء احتياطياً حتى إذا استفاقت، ثم خرجوا جميعاً من الباب الخلفي للفندق واتجهوا إلى المكان الذي سوف تتم به المقابلة.
وأمام شركة عاصي كان الآخر ينتظر بعد أن أخبره عز بما يجب عليه فعله واتخذوا تجهيزاتهم.
وفي المديرية كان عز في مكتبه ينتظر أي إشارة من عاصي ومن الهاتف الذي أعطاه له.
وفي تلك اللحظة دلف إليه يوسف صديق عمره وزوج ياسمين أخته.
قال له عز:
– جهز قوات واستعدوا عشان نتحرك في أي وقت.
– تمام.. اتحرك ولا لسه؟
– لسه الإشارة في مكانها.
عند عاصي..
وصلت السيارة ووقفت أمامه ونزل منها رجلين وهم نفسهم الذين قد اختطفوا رحيل.
نظر لهم عاصي بحدة ثم استقل معهم السيارة وتحركوا بها.
وفي تلك اللحظة جاءت لعز إشارة من عاصي أنه قد تحرك من مكانه.
وعندما استقل عاصي السيارة أمسكه أحد الرجال بالقوة ثم قال له:
– هات الموبايل بتاعك.
نظر له عاصي لوهلة ثم أخرج الهاتف الخاص به.
فقال الرجل:
– لأنظر له هذا الرجل بشك ثم بحث في ملابس عاصي جيداً حتى وجد هاتف آخر في جيبه فنظر له بسخرية وقال:
– والله اومال ده إيه.
ثم أمسك الهاتفين واغلقهم وهنا اختفت الإشارة عن عز الدين.
وبعدها وضع شريطة سوداء على عينيه حتى لا يحفظ الطريق.
وبعد فترة وصل عاصي إلى المكان المحدد ونزل الرجلين من السيارة ومعهم الآخر.
سحبوه إلى الداخل وسار للحظات ثم وقف مكانه وازالوا الشريطة عن عينيه ليجد أمامه رجل يرتدي بدلة غالية ونظارات قيمة ينظر له بتفحص.
رفع عاصي رأسه ونظر له بتعالي فقال الآخر:
– أنت عارف إن تمن الخيانة عندنا كبير أوي.
ثم نهض هذا الرجل من على الكرسي الذي كان يجلس عليه وأشار بيديه فدخل أحد رجاله ومعه رحيل التي كانت تترنح بتعب بعد أن استعادت وعيها فهي لم تأكل منذ الأمس ولم تأخذ دوائها لذلك شعرت بإعياء شديد.
نظر لها عاصي بقلق ثم نظر للرجل الواقف أمامه.
قال هذا الرجل:
– و للأسف أنت خونتنا عشان كده لازم تتحاسب.
وفي تلك اللحظة رفع جميع الرجال المحيطين بعاصي أسلحتهم عليه وهو يقف في المنتصف.
رواية رحيل العاصي الفصل السابع عشر 17 - بقلم ميار خالد
وفي تلك اللحظة رفع جميع الرجال المحيطين بعاصي أسلحتهم عليه وهو يقف في المنتصف.
قال عاصي بثبات:
– حسابك معايا أنا. ياريت تتعامل معايا راجل لراجل وتخرجها هي من كل ده.
– أنا مش غبي زيك. أنت روحت اتصرفت من دماغك وقولت للبوليس كل حاجه. خايف ليه دلوقتي؟
– أنت مين؟ مش فاهم أنا مضايقك أوي كده ليه عشان تعمل كل ده.
– تقدر تقول إنه حساب قديم.
– أنا بصفي كل حساباتي. معتقدش إني ليا حساب معاك.
ابتسم هذا الرجل بسخرية ثم تحرك من مكانه وقال:
– عارف أنا ممكن اقتلك أنت وهي في اللحظة دي وصدقني محدش هيعرف يوصلكم ولا يوصل للجثث بتاعتكم حتى. لكن أنا مش هعمل كده.
– جميل. مش هتعمل كده ليه بقى؟
نظرت له رحيل وتعجبت من الثقة التي يتحدث بها للحظات، وكذلك كل الموجودين. نظر له الرجل بأعجاب وقال:
– أنا سمعت عنك إنك مش بيفرق معاك حاجه. بس مش لدرجه عمرك!
ابتسم عاصي بثقة وقال:
– صدقني لو في حد هيندم في اللحظة دي فهو أنت. أنت عملت كل ده عشان الصفقة مش كده؟ وخطفت رحيل عشان تخليها رهينه لحد ما الصفقة تتم. تفكير ذكي اصقفلك عليه. بس نسيت حاجه مهمه.
نظر له هذا الرجل بتساؤل ودهشه. فقال عاصي:
– نسيت إنك بتتعامل مع عاصي القاضي!
وفي تلك اللحظة هجمت قوات من الأمن على رأسهم عز ويوسف إلى المكان وامسكوا كل من في المكان بحركة سريعة. ترك الرجل يد رحيل عندما امسكه أحد العساكر. نظرت رحيل حولها بعيون متعبه واتجه إليها عاصي بسرعه. امسك وجهها بكفوفه وقال بقلق:
– أنتِ كويسة؟ جرالك حاجه؟
نظرت له رحيل بعيون متعبه ولم تقدر على الكلام من شدة الدوار التي تشعر به، فزاد قلقه عليها. نظر إلى وجهها وتفحصه ليجده شاحب للغاية. وقبل أن يقول أي كلمة وجدها تغلق عيونها باستسلام وتسقطت مكانها، فالتقطها بين يديه بسرعة.
أمسك يوسف بالرجل الذي كان يتحدث مع عاصي والذي كان يأمر كل الرجال. واتجه عز إلى عاصي بسرعة عندما وجده يحمل رحيل بين يديه. قال:
– جرالها حاجه؟
– مش عارف. أنا هطلع على المستشفى بسرعه.
أمسك عز معصم يدها وكان يشعر بنبضها. فقال بعدها بسرعه:
– نبضعها ضعيف لازم نتحرك بسرعه. أمسك ده مفتاح عربيتي هتلاقيها بره. اتحرك أنت بسرعه.
أخذ منه المفاتيح ثم خرج من المكان وهي بين يديه. وظل عز ويوسف في المكان. ثم تحرك عاصي برحيل إلى أقرب المستشفيات.
وعلى بُعد مسافة منهم كان شريف وأحمد في السيارة يتابعون ما يحدث. قال أحمد بتوتر:
– طب ولما أنت متوقع أنه هيحصل كده خليت كل حاجه تمشي برضو ليه؟
– لأني عارف أنه عاصي مش بالغباء ده.
– ولما أنت عارف ضحيت بالرجالة بتاعتنا ليه؟
– عشان يقتنعوا أن الخطر راح ويرجعوا يتعاملوا بحريه.
– أنا مش فاهمك بجد.
ابتسم الآخر بغموض وصمت.
في المستشفى.
كانت رحيل نائمة على السرير وتركتها الممرضة بعد أن علقت لها محلول. كان عاصي يجلس أمامها ويطالعها بصمت. يشعر وأخيراً أن قلبه قد عاد إلى صدره، وأخيراً استطاع أن يتنفس بحريه.
دق عز على الباب بخفه. فنهض الاخر من مكانه وخرج له. قال عز:
– أخبارك إيه دلوقتي؟
– بخير طبعا الحمدلله. كفاية أنها كويسة والأزمة دي مرت.
– طب الحمدلله.
وفي تلك اللحظة عادت الممرضة مرة أخرى ودلفت إلى رحيل التي قد بدأت في استعادة وعيها مرة أخرى. نظرت لها رحيل وقالت:
– أنا فين؟
– في المستشفى. حمدالله على السلامة.
قالت رحيل بتعب:
– الله يسلمك.
قالت الممرضة:
– في نوع علاج معين بتاخديه؟
تحركت رحيل من مكانها بتعب وامسكت القلم والورقة الموجودين بجانبها وكتبت به نوع الأدوية التي تأخذها لصحتها وطلبت من الممرضة أن تأتي بهم حتى تتحسن بسرعه. وبالفعل أخذت الممرضة الورقة وخرجت لتحضرهم.
وفي تلك الأثناء أمام الغرفة.
ربط عاصي على ذراع عز بشكر وقال:
– أنا مش عارف من غيرك كان هيحصل إيه فينا. لولاك كنت ممكن أكون ميت دلوقتي.
– متقولش كده. ده واجبي قبل ما تكون صاحبي.
وصمت عاصي وهو يطالعه ثم تذكر ما حدث معهم.
فلاش باك.
– خلي ده معاك فيه تتبع هعرف أوصل لمكانك تمام.
– تمام.
– وحاجه تانيه.
– هي إيه؟
– اخلع زرار من قميصك.
نظر له عاصي بعدم فهم ولكنه خلع أحد الأزرار الموجودة بقميصه ثم أعطاه عز رز آخر مختلف عن البقية. نظر له عاصي بتساؤل. فقال عز:
– ده فيه جهاز تتبع صغير لأسوء الظروف. خليه في هدومك مكان الزرار اللي خلعته.
– مش الموبايل فيه تتبع؟
– لأسوء الظروف. أسمع مني.
– تمام.
باك.
قال عاصي:
– لولا حركة القميص دي مكنتش هتعرف توصلنا.
– عشان كده لازم تكون عامل حسابك لكل حاجه.
– أنت عارفني يا عز. بس لما اتحطيت في الموقف وحسيت أن رحيل في خطر مخي وقف. مبقتش قادر أفكر في أي حاجه.
ابتسم عز وقال:
– إيه حكاية رحيل بقى؟
– ولا حاجه والله. إحنا بس بينا شغل.
– أيوة ما هي بتبدأ كده.
وفي تلك الأثناء عادت الممرضة الى رحيل وأعطتها ادويتها ونامت الأخرى مرة أخرى لترتاح. نظر عاصي إلى عز للحظات ثم قال بنفي:
– لالا مستحيل اللي بتفكر فيه.
– أيوة أنا قولت زيك كده برضو ومكنتش مصدق نفسي وقتها.
– وقت إيه؟
– وقت ما أدركت إني بحب ملك.
– عز الله يخليك أنا مش فايق للهزار ده.
ضحك عز ثم قال:
– خلاص حاضر. المهم دلوقتي أنا سايب يوسف في المديرية بيحقق مع العيال دي. هروح أعرف وصل لأيه وهبقى ابلغك.
– أنا حاسس إني في حاجه تانيه ورا اللي حصلت.
– بمعني؟
– بمعني إنك لما روحت ملقتش لا ورق ولا أي حاجه تدل على الموضوع اللي أنا كنت رايح عشانه أصلاً. حتى الراجل اللي كان عامل فيها الكل فالكل مش داخل دماغي. حاسس أنه مجرد صورة لحد تاني.
– وأنا كمان حاسس كده. عموماً في التحقيق كل حاجه هتبان. المهم دلوقتي تطمن شوية وخليك جنب رحيل ولو احتاجت حاجه كلمني.
– تسلم يا عز بجد.
ابتسم له عز وقال:
– أنا هستأذن. محتاج العربية ولا أخدها؟
– لا خدها خلاص.
ثم أعاد له المفاتيح و تحرك عز من مكانه وعاد عاصي إلى الغرفة فوجد رحيل قد استعادة وعيها مرة أخرى. جلس أمامها بترقب وانتظر منها أي رد فعل. كانت تنظر إلى سقف الغرفة حتى انتبهت له فنظرت له ثم ابتسمت له ابتسامة جميلة. فضحك الآخر بحركة لا إرادية منه. قالت رحيل بتعب:
– مقدرتش تفرط فيا فعلاً.
– أنتِ كويسة؟
– جعانه شوية بس عارف دي أطول مدة مكلتش فيها. عايزه أكل فرخة مشوية لوحدي.
يضحك عاصي وقال:
– حمدالله على السلامة. قومي الأول وأنا هجبلك اللي أنتِ عايزاه.
نظرت له رحيل بعيون ضيقة وقالت بشك:
– إيه الرضا ده كله؟ مش مرتحالك.
صمت الآخر وابتسم بهدوء. فقالت رحيل:
– شوف فضلت تقولي مش عايز أشوف وشك تاني لحد ما كنت مش هتشوفه فعلاً.
نظر لها عاصي بضيق ثم قال:
– خلاص أنسي اللي أنا قولته. لو حاسة إنك اتحسنتي ممكن نخرج عشان أهلك زمانهم قلقانين عليكِ جدّاً.
حاولت أن تنهض من مكانها بتعب. فساعدها عاصي حتى جلست مكانها. بدأت في استعادة قوتها مرة أخرى فقالت:
– بابا اتصل بيك صح؟
– أكيد وسألني عليكِ.
– قولتله حاجه؟
– لسه.
– بلاش تعرفه أي حاجه أرجوك. أنا عارفه بابا هيقلق اوي.
– طبيعي يقلق ولازم يعرف يا رحيل. هنخبي عنه إزاي يعني؟
– وهتقوله اتخطفت ليه؟
– مش لازم يعرف السبب بس لازم يفهم اللي حصل معاكي. إحنا مش هنكدب عليه.
تنهدت رحيل بضيق وصمتت. ساد الصمت للحظات حتى قال عاصي:
– هو أنتِ ليه بتقولي على عمك بابا؟
– عشان متحرمش من إحساس الكلمة.
نظر لها بصمت. فأكملت:
– بابا وماما ماتوا وأنا عندي ١٥ سنه. ومن وقتها وبابا بدر وماما أمينه هما حياتي كلها.
– البقاء لله.
ابتسمت رحيل بحزن وصمتت للحظات ثم قالت:
– وأنت باباك فين؟ أقصد إني مشوفتهوش قبل كده.
صمت عاصي ثم قال ببرود:
– مات.
نظرت له رحيل بحزن. وقبل أن تتكلم لاحظت نظرة البرود واللامبالاة التي ظهرت في عينيه. فقالت:
– وبتقولها كده ليه؟ المفروض تكون مضايق.
– لو كنتِ تعرفيه مكنتيش هتزعلي عليه.
– برضو يكفي إنك شايل دمه في عروقك في الآخر. مهما كان حاصل مينفعش تحس بالبرود ده وأنت بتتكلم عليه.
– ما علينا يلا عشان اوصلك.
نظرت له للحظات ثم نهضت من مكانها وقد ساعدها هو. وبعد فتره خرج الاثنان من المستشفى وطلب عاصي سيارة أجرة وذهب مع رحيل إلى بيتها.
كان يجلس في مكتبه بتعب. لا يعرف ماذا يفعل. فهو منذ أن فسخ خطوبته مع فاطمه والمشكلات لا تنتهي. من جهة عائلته ومن جهة أخرى عائلة فاطمة. ولكن ما كان يأخذ حيز كبير من تفكيره هي سلمى التي لم يستطيع الوصول إليها خلال هذا اليوم. خرج إلى شرفته بضيق وتتفس بهدوء عله يخمد النار التي تشتعل في صدره. وبالصدفة نظر لأسفل ليجدها جالسة في الجنينة وأخيراً. نظر لها مطولاً حتى يتأكد أنها هي سلمي! وعندما تأكد نزل من مكتبه بسرعه واتجه إليها ليجدها شارده كعادتها في الفراغ. جلس بجانبها بهدوء ثم قال:
– ينفع كده يعنى؟
نظرت له سلمى بهدوء ثم أعادت نظرها إلى المجهول وقالت:
– يعنى إيه؟
– ممكن أفهم أنتِ كنتِ فين وازاي تسمحي لفاطمة أنها تخفيكي كده؟
– أنا كنت هنا طول الوقت. دكتور فاطمة نقلتني من الاوضة لاوضة تانية أحسن.
– ومكنتيش بتخرجي ليه؟
صمتت سلمى ولم ترد عليه. فصمت هو أيضًا وبعد لحظات قالت:
– عرفت مين اللي بيبعتلي الرسايل؟
تغيرت ملامح شادي وهو يقول:
– لسه بس بدور على الشخص ده.
– مش واخد بالك إني من ساعة ما قولتلك وحصل كل الأحداث دي أن الرسايل وقفت مره واحده بعد ما كانت بتوصلي باستمرار؟
– قصدك إيه؟
نظرت له سلمى بعيون متعبه وقالت:
– متأكد إنك متعرفش مين اللي بيبعتلي الرسايل دي.
ظل يطالعها شادي بصمت. فابتسمت الأخرى وقالت:
– أنت مش كده.
ظل شادي صامت. فأكملت الأخرى:
– صح إزاي مجتش في بالي لأنك أنت الوحيد اللي ممكن يعمل الحركة دي. رسايل فجأة بلاقيها قدام باب الاوضة بتاعتي. اشمعنا لما الاوضة بتاعتي اتغيرت الرسايل وقفت؟ عشان أنت مكنتش تعرف مكاني صح.
– أنا كان قصدي إني أفيدك. أنا عمري ما فكرت أني أضرك.
نظرت له سلمى وقالت بابتسامه:
– ومين قالك إني زعلانه منك؟ بالعكس أنا عايزه اشكرك.
طالعها شادي بدهشه. فقالت هي:
– أنا عايزه أتغير. عايزه أبدأ من جديد وأخرج من هنا. مش عايزه أضيع خمس سنين من عمري تاني وأنا محبوسة هنا.
نظر لها شادي بعيون تلمع وقال:
– أنتِ بتتكلمي بجد؟
قالت سلمى:
– عارف أنا بعد ما كنت زعلانه من عاصي دلوقتي الزعل ده راح. لما اكتشفت أنه كان عنده حق. وجودي هنا مكنش سجن بس أنا اللي كنت فاهمه كده. عاصي حطني هنا عشان يكسر عنادي ودماغي الناشفة. مع أنه لغى وجودي وشخصيتي إلا أنه عمل كده عشاني في الآخر. آه طريقته كانت غلط بس.
وصمتت فجأة عندما وجدت شادي يطالعها بابتسامة واسعه. قالت:
– بتبصلي كده ليه؟
– ببصِلك كده لأنك دلوقتي قولتي الكلام اللي كنت بحاول اقنعك بيه كل السنين اللي فاتت.
نظرت له بابتسامه ثم صمتت. فقال الآخر:
– يعنى أعتبر دي بداية جديدة؟
أخذت نفساً عميقاً وهي تقول:
– اعتبرها.
نظر لها شادي بابتسامه هادئة وعيون لامعه وصمت هو أيضًا واكتفى بالجلوس بجوارها. وكانت فاطمه تطالعهم من شرفتها بدموع وتنهيدات حارة متألمة.
يجلس على أعصابه وأمامه أمينه التي لم تكف عن البكاء وداليا التي كاد القلق أن يقتلها. جميعهم يشعرون وكأن أحداً ما قد اقتلع قطعة من روحهم. قالت أمينه بدموع:
– اتصل بعاصي كده يمكن يرد.
أمسك بدر هاتفه وقبل أن يتصل به صدع جرس الباب رنيناً. قال لهم بدر:
– استنوا أنتم أنا هفتحة.
ثم نهض من مكانه واتجه إلى الباب بعدم تركيز. فدق الباب بقوة لذلك قلقت كلاً من أمينه وداليا ونهضوا هم أيضًا. وعندما فتح بدر الباب طلت عليه رحيل وهي تقول بمزاحها المعتاد:
– إيه كل ده يا راجل؟ حد يسيب ضيوفه على الباب كده.
اتسعت عيون بدر فجأة وصاح بأسمها ثم اخذها بين أحضانه بسرعه ولم يتمكن من كبح دموعه فتركها تسقط منه بغزارة. وما أن أبتعد عنها فأخذتها أمينه في أحضانها ثم داليا. كان عاصي يقف بأحراج عند باب الشقة حتى انتبه له بدر. مد عاصي يده لبدر ولكنه تفاجئ حين سحبه الاخر من يده وعانقه بقوة. تجمد للحظات ولم يعرف كيف يتصرف. ابتعد عنه بدر بابتسامه ثم قال:
– اتفضل يا أبني أكيد مش هتفضل على الباب كده.
دلف إلى الداخل ومعه رحيل. وعندما ابتعد عنه بدر عانقته امينه بشدة أيضا. فضحكت رحيل على مظهره المصدوم من تلك الأحداث. اقتربت منه رحيل وقالت بصوت خفيض:
– هي دي عيلتي.
قال بعيون متسعه:
– مش متفاجئ بصراحه.
وبعد اللقاء المؤثر هذا صاح بدر برحيل:
– أنتِ كنتِ فين ووشك أصفر كده ليه؟
ثم وجّه كلامه إلى عاصي وقال:
– بابا أنا عايزاك تهدي وتسمعني.
ثم أخذت نفساً عميقاً وقالت:
– أنا كنت مخطوفة.
رواية رحيل العاصي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ميار خالد
ثم أخذت نفساً عميقاً وقالت:
– أنا كنت مخطوفة.
نَظر لها بدر بصمت للحظات وكل الموجودين ثم انفجروا في الضحك بسبب كلماتها.
قال بدر بضحك:
– يا بنتي أنتِ مش هتبطلي المقالب بتاعتك دي، مش قولنا خلاص بقى هنبطلها، بطلي هزار وقوليلي كنتِ فين.
طالعتْه رحيل بوجه يكسوه الجمود ولم تقل أي شيء، وكذلك عاصي.
نَظر بدر إليه ليجده يطالعه بصمت هو الآخر.
تغيرت نظرات الآخر واتسعت عيونه بصدمه، فقال بعدم فهم:
– مخطوفه إزاي يعني مش فاهم حاجه.
ظل الاثنان صامتين.
فصاح بهم بدر:
– أنتم هتفضلوا ساكتين متردوا عليا!! رد عليا يا عاصي خطف إيه اللي هي بتتكلم عنه.
تنهد عاصي بضيق ثم بدأ في الكلام وقص على بدر كل ما حدث بدون أن يزيل أي تفصيل، وقد أخبره أيضًا بموضوع الصور والتهديد الذي جاء إليهم.
وكان بدر يسمعه بصدمه وكأنه يسمع إحدى قصص الأكشن.
وبعد انتهاء عاصي قال الآخر بغضب:
– إزاي كل ده يحصل وأنا مليش علم!! يعني أنا قاعد هنا على أعصابي ومحروق دمي وحضرتك بتتصرف من دماغك!! لو رحيل مكنتش رجعت دلوقتي أنا كنت هروح أقدم بلاغ أنها مختفية.
نهض عاصي من مكانه وقال بغضب هو أيضًا:
– كنت عايزني أجي أقولك بنتك مخطوفه وأنا بتهدد بيها، كله بسببها أصلاً لو كانت روّحت على بيتها علطول مكنش حصل كل ده.
نهضت رحيل من مكانها وقالت بغضب هي الأخرى:
– أنت تاني! وأنا مالي.
نهضت داليا هي الأخرى وقالت:
– يا جماعة أهدوا بلاش توتر، مينفعش اللي بيحصل ده.
وفي تلك اللحظة رن هاتف عاصي برقم عز فرد عليه فوراً.
قال عز:
– أنتم فين؟
– بيت رحيل.
– هات العنوان بسرعة لازم أتكلم معاكم.
– تمام هبعتهولك في رسالة.
ثم أنهى معه المكالمة وأرسل له العنوان ونظر إلى بدر وقال:
– ده الظابط اللي ساعدني وهيساعدني في الموضوع ده.
قالت رحيل باعتراض:
– هيساعدنا، اسمها هيساعدنا مش لوحدك اللي في الموضوع ده.
أردف عاصي وقد تجاهل كلماتها:
– هو عايز يتكلم معانا وجاي دلوقتي.
نظر له بدر بصمت ثم جلسَ بتعب.
نظرت له رحيل بقلق وجلست بجانبه وقالت:
– أنت كويس؟
طالعها لها بدر بتعب ثم أردف:
– من ساعة ما اختفيتي وأنا عيني مشافتش النوم من وقتها وأنا صاحي.
– شكلك تعبان أوي روح ارتاح شوية.
– ارتاح إزاي وأنتِ مش مرتاحة.
– أنا كويسة ومرتاحة دلوقتي.
– افرضي جرالك حاجة أنا كان هيجرالي إيه؟
ابتسمت رحيل وقالت:
– بنتك جبل متقلقش مش هيجرالي حاجة بسهولة كده، ده أنت مشوفتنيش وأنا بزعق فيهم كده وبقولهم هخرج من هنا وهوديكم في داهية.
أنا انبهرت بنفسي.
ترقرق الدموع في عيون بدر وأخذها في أحضانه بسرعة عله يُخمد القلق الذي كان يلتهم قلبه طوال تلك الساعات.
كان عاصي يستمع إلى حوارهم هذا وشعور غريب انبعث بداخله، لم يستطع أن يحدده هل هو ضيق أم غيرة أم اشتياق لهذا الحنان، لم يقدر على تحديده لذلك نهض من مكانه وقال:
– طيب هستأذن أنا لحد ما عز يوصل.
نهض بدر هو أيضًا واتجه إلى عاصي ثم قال:
– حقك عليا إني اتعصبت عليك بس حط نفسك مكاني ساعة ما عرفت كل ده مخي مستوعبش وقولت كلام يضايق.
نظر له عاصي بجمود ثم حكَّ جانبه وقال بتوتر:
– مفيش حاجة وعموماً أنا بعتذر برضو عشان اتعصبت.
ابتسم له بدر ثم عانقه بشكر وقال:
– أنا متشكر جدًّا ليك لولاك كانت بنتي ممكن تتأذي فعلاً شكرًا جدًّا.
ظلت يدي عاصي بجانبه ولم يُبادل بدر العناق ونظرت له رحيل بتعجب شديد.
ابتعد عاصي عن بدر بابتسامه متوترة ثم قال:
– هي وقعت في المشكلة دي بسببي أكيد مكنش ينفع اتخلى عنها.
طالعته رحيل وهي تضع يديها في خصرها وقالت:
– والله دلوقتي بقت بسببك مش كانت بسببي من شوية.
وقبل أن يرد عليها دق أحدهم على الباب بخفة وكان عز الدين.
ذهبت أمينة وفتحت الباب فدلف عز بسرعة واتجه إلى عاصي الذي كان أمامه.
قال عاصي:
– في إيه؟
– الرجالة اللي مسكناهم اتكلموا.
قالت رحيل بسرعة:
– بجد! قالوا إيه؟
قال عز:
– الموضوع أكبر من ما أنت كنت متخيل يا عاصي.
– اشمعنا؟
– في طرفين ورا الحكاية دي مش طرف واحد، والراجل اللي مسكناه كان مجرد صورة فعلاً ليهم تقريباً مش عايزين يحرقوا وشهم ليك يا إما أنت عارفهم أصلاً.
– طرفين!
فكرت رحيل بصوتٍ مسموع وشردت لتقول:
– معقول اللي هربت منه واحد منهم؟
انتبه لها عز ليقول:
– واحد مين؟
طالعته رحيل وحاولت أن تتذكر لتقول بسرعه:
– بعد ما اتخطفت في الفندق واحد دخل بصينية أكل كان بني آدم مستفز بصراحه بس حسيت من شكله وطريقته أنه مش من رجالتهم حسيته كان بيتكلم بثقة أوي وقالي جملة تقريباً.
صمتت للحظات وعندما تذكرت قالت:
– آه افتكرت قالي تستاهلي الخناق فعلاً .. أنا مفهمتش معنى الجملة.
ناظرها عاصي بعيون متسعة وتذكر الصور ليظهر في عقله صورته وهو يمسك حازم بعنف.
شعر عاصي وكأن أعصابه تكاد تتمزق من الغضب، قال بغضب مكتوم:
– الحيوان ده واحد من الطرفين.
نظر عز إلى رحيل وقال:
– تقدري تديني مواصفاته؟
– أيوة عادي.
– تمام كويس جدًّا، بس مش ده الموضوع اللي كنت جاي فيه.
قال بدر:
– وهو فيه أكتر من كده أنا مش فاهم المصيبة دي جت للواحد منين.
قال عز وهو ينظر إلى عاصي:
– لازم أنت ورحيل تختفوا تماماً.
في الفندق.
أمسكت هاتفها بملل واتصلت بفريدة فردت الأخرى عليها فور اتصالها.
قالت:
– إيه يا فريدة أخبارك إيه.
– زهقانه هكون إيه يعني.
– طيب إيه رأيك تيجي مصر تقعدي معايا وبالمرة ننتقل للشقة بتاعتك بدل قعدتي في الفندق.
– أنا مش قولتيلي روحي أنتِ قعدتي في الفندق ليه.
– مش مشكله هو كان قريب للمطار أصلاً فاستسهلت.
– أنتِ عملتي اللي كنتِ رايحه عشانه ولا لسه؟
– لسه.
– طيب ليه.
– هو أنا لحقت أنا لسه راجعه من يومين محتاجه ارتب أفكاري قبل ما أعمل أي حاجه.
– خلاص تمام عموماً خلي بالك من نفسك.
– حاضر وأنتِ كمان.
ثم أنهت معها المكالمة وزفرت بضيق.
وبعدها نهضت من مكانها وبدلت ثيابها وفكرت في الخروج إلى إحدى المطاعم لتأكل.
جهزت نفسها وخرجت من غرفتها ثم سارت للحظات ليقع نظرها فجأة على أحمد!! وكانت بصحبته إحدى الفتيات.
تجمدت مكانها وتجمدت عيونها عليه وشعرت لثانية أن الأرض تلتف بها فاستدارت بسرعة وعادت إلى غرفتها وأغلقت على نفسها بقوة!
ظلت عيونها متسعة على آخرها للحظات ثم ترقرق الدموع في عيونها وسقطت مكانها وظلت تبكي بقهره.
وبعد فترة نهضت من مكانها وحضّرت حقيبتها بسرعة وعزمت على ترك هذا الفندق بسرعة.
ارتدت نظارة الشمس الخاصة بها وامسكت حقيبتها ثم خرجت من غرفتها واتجهت إلى الإستقبال حتى تُنهي حسابها، و أعطت الموظفة الفيزا الخاصة بها.
ثم نظرت في ساعتها وفجأة سمعت صوته بجانبها وهو يتحدث مع موظفة الإستقبال!!
اتسعت عيونها برهبه ثم استدارت وسارت بعيداً وتركت بطاقتها لذلك نادت عليها الموظفة ولكنها لم تلتفت لها.
قال أحمد للموظفة:
– هاتي طيب أنا هديهالها.
ثم ركض خلفها وقال:
– يا آنسة أنتِ نسيتي الفيزا بتاعتك.
وقفت هي مكانها وقد تجمدت، موقف لا يحسد عليه لا تعرف كيف تتصرف.
قال أحمد:
– بكلمك على فكرة.
أغمضت هي عينيها بخوف ثم التفتت ببطء.
في منزل عاصي.
كانت حنان تتصل به بسبب غيابه كل هذا الوقت عن البيت، ولكنه لم يرد عليها لذلك قلقت عليه.
وأثناء اتصالاتها به جاءت إليها ليلى بملل وقالت:
– هو خالوا فين؟
– أكيد عنده شغل يا حبيبتي.
طالعتها ليلى بصمت، ثم قالت بعد لحظات:
– تيتا ممكن سؤال، هي ليه ماما مش عايشة معانا.
نظرت لها حنان بتوتر وقالت:
– قولتلك يا حبيبتي هي مسافره عشان عندها شغل مهم.
– بس أنا عمري ما شوفتها ولا مره الشغل أهم مني يعني، هي مش بتحبني صح.
– لا يا طبعاً بتحبك معقول في أم مش بتحب بنتها.
ترقرق الدموع في عيون الطفلة وهي تقول:
– ما هي لو بتحبني كانت جت شافتني مره حتى لكن هي ولا مره جت أنا مش بحبها.
– خالص صدقيني هي بتحبك جدًّا بس غصب عنها عارفه لما ترجع هي قالتلي أنا مش هسيب ليلى أبداً وهفضل معاها علطول.
– بجد هي قالتلك كده أمتى طيب.
– أخر مره كلمتني فيها قالتلي كنتِ أنتِ لسه صغيرة خالص.
ابتسمت ليلى وقالت باشتياق:
– طيب قوليلي هي شكلها عامل إزاي تاني عشان لما أشوف ماما أعرفها.
ابتسمت حنان بحزن وقالت:
– شعرها نفس شعرك بالظبط لونه مميز كده.. وعيونها لونها بني فاتح زيك كده وملامحها صغيرة، وشها بقى مدور وصغير كده وعندها خدود جميلة زيك كده.
ثم امسكتها من وجنتها فضحكت ليلى وقالت:
– أنا عايزه أشوف صورة لماما أكيد معاكي صح.
ناظرتها حنان بتوتر وقالت:
– معايا بس كل حاجه في أوضة خالوا عاصي وهو مش هنا مش هينفع ندخل الاوضة بتاعته صح.
– يا خسارة لازم استنى يعني.
– أيوة يلا روحي ارسمي بقى وأبقي وريني اتفقنا.
– حاضر.
ثم نهضت من مكانها واتجهت إلى غرفتها، زفرت حنان بضيق وقالت:
– لازم عاصي يتصرف ويسمح لمريم ترجع بقى، البنت بتكبر ويوم عن يوم هتفضل تسأل أكتر مش كفاية ممنوع إني اوريها صورة لمامتها كل السنين دي، يارب حل الأمور من عندك.
ولكن بدلاً من أن تذهب ليلى إلى غرفتها ذهبت إلى غرفة عاصي وقد نظرت خلفها قبل أن تدلف إليها فتأكدت أنها بمفردها.
دخلت إلى غرفته ووقفت في المنتصف لا تعرف ماذا تفعل ثم قالت:
– يا ترا خالوا شايل صور ماما فين.
ثم بحثت في الدرج الموجود أسفل المرآة ولكنها لم تجد أي صور.
وقفت بتفكير ثم ذهبت وبحثت في مكان آخر وظلت هكذا لوقت كبير حتى زفرت بملل.
وقررت أن تخرج من الغرفة ولكنها قبل أن تخرج قالت:
– هدور في دولاب خالوا أخر حاجه ولو ملقتش الصور هخرج بقى أنا زهقت.
ثم ذهبت إلى غرفتها واحضرت كرسيها الصغير وعادت إلى غرفة خالها.
ثم وقفت على الكرسي وفتحت الخزانة وظلت تبحث بها حتى وجدت بها علبة متوسطة الحجم.
سحبتها لتجدها ثقيلة عليها نوعاً ما، أمسكت بها جيداً وأخذتها في أحضانها وجاءت لتهبط بها فوقعت منها العلبة وفُتِحت ليقع ما بداخلها على الارض.
نزلت ليلى بسرعة وقبل أن تلملم تلك الأغراض وقعت أمامها صورة قديمة تجمع عاصي خالها مع فتاتين!
وكانت الفتاتين هم مريم وسلمى.
نظرت ليلى إلى الصورة بتفحص واتسعت عيونها بتفاجئ.
– لازم أنت ورحيل تختفوا تماماً.
قالها عز فنظر عاصي إليه وقال بتساؤل:
– نختفي إزاي يعني مش فاهم؟
– احتمال اللي حصل يتكرر تاني من رأيي أنكم تختفوا فتره حوالي أسبوعين لحد ما الأوضاع تهدى بعدين تظهروا تاني.
قال عاصي بغضب طفيف:
– وإيه لازمه كل ده وإيه اللي هيخليني استخبى أصلاً لو كل ده عشان الصور ينشروها وخلاص بقى مش فارقلي آه هخسر حاجات كتير الفترة دي بس أنا مش هستخبي من حد!
– الموضوع مش مقتصر على الصور ولا مقتصر على سلاح لازم يتهرب.
نظر له عاصي بشك وقال:
– أنت تعرف حاجه ومش عايز تقول؟ ما تتكلم على طول يا عز خليك صريح.
– الراجل اللي مسكناه اتكلم وقال حاجات توديهم في ستين داهيه فعلاً ناقص بس نعرف هما مين.
– ليه؟
– بغض النظر عن عمايلهم الغير قانونية دي بتاعتنا أنا هقولك الجزء اللي يخصك وهو أن موضوع الصور والصفقة دي مجرد محاولات عشان يقضوا عليك.
نظر له الجميع بدهشة إلا عاصي قال:
– طيب ما أنا عارف الموضوع ده بس إيه الدافع بتاعهم.
– حساب قديم بينك وبين حد منهم، واحد فيهم خسر أبوه بسببك وبسبب الشركة بتاعتك راجع حساباتك كويس يمكن توصل لحاجه.
– أنا مش فاهم أي حاجة.
– ما علينا دلوقتي أنت ورحيل لازم تختفوا فترة وده مش هروب منك بس على الأقل تعرف ترتب أفكارك.
قال بدر:
– ورحيل علاقتها إيه بكل ده؟
قال عز:
– للأسف بطريقة غير مباشرة رحيل بقت جزء رئيسي من كل ده، حتى لو هي ملهاش علاقة بكل الاذية دي بس هما مش هيسبوها في حالها ومش بعيد يعملوا حاجة زي الخطف عشان يهددوا عاصي بيها أو على الأقل يضعفوا موقفه.
قال بدر بغضب:
– وهو أنت مش ظابط مش دورك إنك تحميهم أصلاً جاي تقولهم أهربوا أنت اتجننت!!
نظرت رحيل إلى عمها وقالت:
– أهدى شوية طيب وكله هيتحل بلاش تتعصب.
– بلاش تتعصب!! أنتِ مش متخيلة المصيبة اللي إحنا فيه.
تنهد عز وقال:
– أنا مقدر عصبيتك وفاهمك وأنا كنت ممكن أبلغ عاصي بس بكل ده ووجودي هنا مكنش هيبقى ليه داعي ولو رحيل جرالها حاجة بعد كده أتحرك بحكم شغلي بس ويا عالم هلحقها ولا لا، لكن أنا كلامي مش كظابط كلامي كأخ خايف عليهم وعاصي عارف كلامي ده مش عايزين تنفذوا كلامي دي حاجة ترجعلكم بس أنا خلصت ضميري.
قالت رحيل:
– أكيد أنت مدرك الموضوع أكتر مننا.
قطع عاصي صمته وقال:
– طيب والمفروض نختفي أمتى وازاي؟
– دلوقتي ياريت عشان على الأقل ميبقاش في توتر أو خوف مني وأنا بدور ورا الموضوع.
أردف عاصي:
– وفين؟
صمت عز للحظات ثم قال:
– فين دي بتاعتكم أنا معنديش علم.
صمت جميعهم للحظات حتى قالت رحيل:
– أنا أعرف فين!
– جه الوقت اللي هحتاجها فيه.
قال بدر:
– هي مين؟
قالت رحيل:
– ورد!
رواية رحيل العاصي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ميار خالد
قال بدر:
– هي مين؟
قالت رحيل:
– ورد.
قال بدر ولم يتذكر بعد من تقصد:
– ورد مين؟
– ورد صاحبتي من الحارة القديمة، أنت نسيت؟ أيام ما كنت مع بابا وماما في الحارة القديمة قبل ما يتوفوا، مش أنا حكيتلك أنه كان عندي صاحبتي وجارتي اسمها ورد وعندها أختين ريم وبسملة.
– ده أيام لما أنا كنت عايش في البلد قبل ما آجي هنا؟
– بالظبط. وقتها كان بابا هيسافر لك البلد ولما الحادثة حصلت أخدت البيت ده وكلنا عشنا هنا وبدأت شغلك حتى.
– أيوه افتكرتها، دي اللي قابلتيها مرة وأنتِ معايا؟
– أهي دي، كانت أول مرة أقابلها فيها بعد السنين دي.
قال عاصي بنفاذ صبر:
– ما علينا من التفاصيل دي، اشمعنى هي يعني؟
قالت رحيل:
– آخر مرة كلمت ورد عرفت فيها أنها لسه عندها الشقة بتاعتها اللي كانت في الحارة. لو طلبت منها مفتاح الشقة مش هترفض خالص. ورد جدعة، وفي نفس الوقت معتقدش أن حد هيتوقع المكان ده خالص.
قال عاصي:
– طب ما أنتِ طلعتي بتفكري ومخك كويس أهو.
– أومال أنت فاكر إيه؟
قال عز:
– دي فكرة كويسة جدًّا، ياريت تعرفي توصلي لورد في أسرع وقت.
– أتصل بيها دلوقتي؟
قال عز:
– ياريت.
وقبل أن تتحرك حتى تأتي بهاتفها قال بدر:
– بس ده مستحيل يحصل، أنا مستحيل أقبل إن بنتي تفضل في شقة مع واحد غريب عنها!
قال عز وقد أدرك تلك النقطة:
– فعلاً عندك حق، بس لازم نلاقي حل. ده لو أنت خايف على بنتك فعلاً.
صمت بدر للحظات ثم قال:
– تمام، أنا موافق. بس رجلي على رجلي، أنا مش هسيبها لحظة. ولو اختفوا في أي مكان هختفي معاهم. كده هكون مطمن عليها، غير كده هي مش هتتحرك لوحدها.
نظر له عاصي وقد أدرك أن معنى كلماته تلك أنه سوف يضطر أن يظل مع الرجل الذي يذكره بوالده تحت سقف واحد.
***
وقفت هي مكانها وقد تجمدت، موقف لا يحسد عليه، لا تعرف كيف تتصرف.
قال أحمد:
– بكلمك على فكرة؟
أغمضت هي عينيها بخوف ثم التفتت ببطء. وفي تلك اللحظة نادى أحدهم على أحمد فالتفت إليه ويده مازالت أمامها. فاستغلت الموقف بسرعة وخطفت البطاقة من يده والتفتت لتركض بعيداً. وعندما انتبه لها واستدار ليراها كانت قد سارت إلى الأمام بخطوات واسعة. لم يعطيها اهتمام وذهب في طريقه واستقلت هي أول تاكسي ظهر أمامها، ثم ذهبت إلى بيت فريدة والذي يبعد عن بيت عاصي بحوالي ثلاث شوارع. في المجمل كان قريب نوعاً ما، لذلك لم تود أن تنتقل إليه فور وصولها ولم تكن تريد أن تنتقل إليه في الأساس، ولكن حادثة أحمد تلك قلبت تفكيرها.
في بيت عاصي.
نظرت ليلى إلى الصورة بتفحص واتسعت عيونها بتفاجئ.
قالت:
– إيه ده؟
ثم دققت في وجه إحدى الفتاتين وشعرت أنها قد رأتها سابقاً، وأخذت نحو الخمسة دقائق حتى تذكرت أنها نفسها الفتاة التي قابلتها في حمام المطعم عندما كانت بصحبة رحيل. فصاحت:
– دي اللي قالتلي شعرك جميل! تيتا قالتلي أن ماما شعرها زيي بالظبط، يعني أكيد ماما من الاتنين دول، بس الاتنين لابسين طرحة. هعرف إزاي؟
زفرت الطفلة بضيق ثم فكرت للحظات وقالت:
– أكيد البنت اللي قالتلي شعرك حلو مش هي ماما، عشان لو هي كانت عرفت إني ليلى وحضنتني يبقى أكيد ماما التانية.
ثم أخذت الصورة وخبأتها في ملابسها وعادت إلى غرفتها بسرعة.
***
قال عاصي:
– أنا شايف أنه ملهوش داعي أن رحيل تختفي معايا أصلاً وأنها تفضل هنا بس متخرجش من البيت.
نظر عز إليه واردف بصوت خفيض:
– وأنت تصدق أنها تقعد في مكان من غير ما تعمل مصايب؟
قالت رحيل:
– ها، قولت إيه؟
صمت عز ولم يرد. فكر عاصي للحظات ثم قطب حاجبيه وقال:
– طيب، اتصلي بورد دي الأول نشوف هينفع الموضوع ولا لا.
أومأت رحيل برأسها ثم تحركت من مكانها وأحضرت هاتفها وبحثت عن رقم ورد للحظات حتى وجدته واتصلت بها.
وبعد لحظات جاء صوت ورد بطلتنا المتمردة من رواية "وردتي الشائكة".
قالت:
– ألو؟
قالت رحيل بابتسامة:
– عاملة إيه يا ورد، فاكراني؟
قالت ورد بابتسامة:
– طبعاً يا حبيبتي، فرحت إني سمعت صوتك والله. أنتِ اللي عاملة إيه؟
وأثناء حديثها معها كانت ابنتها زهرة تُحدث ضوضاء عالية، فصاحت بها ورد حتى تهدأ قليلاً.
قالت رحيل:
– شكلك مشغولة، كلمتك في وقت مش مناسب ولا إيه؟
– لا طبعاً، أنتِ تتصلي في أي وقت. بس زهره مجنناني أوي، بقت شقية أوي.
ضحكت رحيل وقالت:
– مش جايبه الشقاوة دي من بره، ده كفاية خالتها بسملة.
ضحكت ورد بسبب كلماتها ثم قالت:
– أنتِ طمنيني، محتاجة حاجة؟
– بصراحة آه. فاكرة الشقة بتاعتك اللي كانت في الحارة؟
– أيوة، مالها؟
– لسه موجودة؟
– آه لسه، بس بقالي فترة كبيرة مروحتش.
– طيب، أنا كنت محتاجاها. ينفع تديني مفتاحها؟
– أكيد، بس خير، طمنيني؟
تنهدت رحيل وقالت:
– ده موضوع طويل أوي. لما آجي آخد منك المفتاح هحكيلك. ينفع أجيلك دلوقتي؟
– اتفقنا، يلا مستنياكي.
ثم أنهت معها المكالمة وركضت خلف زهرة التي كسرت إحدى التحف. تنهدت رحيل ونظرت لهم.
فقال عز:
– وافقت؟
– أيوة، ودلوقتي هروح آخد المفتاح.
وفي تلك اللحظة رن هاتف عز برقم ملك فرد عليها.
قالت:
– عز، أنت فين؟ مالك تعبان مني أوي ورايحة بيه للدكتور.
قال عز بقلق:
– ماله؟ في إيه؟
– معرفش، صدره قافل من امبارح وعمال يكح وبيتنفس بصعوبة.
– طب خليكي، أنا جايلك.
– ماشي، متتأخرش.
ثم أنهى معها المكالمة وقال:
– أنا مضطر أمشي دلوقتي.
أردف عاصي:
– في حاجة ولا إيه؟
– ابني تعبان ولازم أوديه للدكتور. المهم، لازم تتحركوا دلوقتي. من رأيي أنك أنت وأستاذ بدر تتحركوا مع رحيل وبمجرد ما تاخد المفاتيح تختفوا علطول. وياريت تتأكدوا أن مفيش حد بيراقبكم.
قال عاصي:
– محتاج حاجة؟ طيب أبقى طمني على ابنك.
ابتسم له عز ثم خرج من المنزل. تنهدت رحيل وذهبت إلى غرفتها لتجهز لها بعض الملابس وأخذت أغراضها المهمة. وذهبت أمينة وحضّرت ملابس لزوجها وهي تبكي. وجلس عاصي على إحدى المقاعد بينما ذهبت داليا لتجهز له فنجان قهوة. دلف بدر إلى غرفتهم ليجد أمينة ترتب ملابسه والدموع تغرق عيونها. فاقترب منها بدر وقال:
– طول عمرك بتقفي معايا على الحلوة والمرة. الأزمة دي هتمر وكل حاجة هتبقى كويسة.
قالت أمينة بدموع:
– ياريتك ما كنت خليتها تمسك الصفقة دي. شوفت آخرتها؟ أنا قولتلك رحيل مفيش فايدة فيها. أنت قولتلي إنك بتثق فيها.
– وده وقت الكلام ده يا أمينة؟ غير كده البنت ذنبها إيه!
– ذنبها أنها لو مكانتش موجودة مكنتش هتتورط وتورطنا معاها في المصيبة دي!!
نظر لها بدر بعيون متسعة ثم قال:
– إيه اللي أنتِ بتقوله ده؟ اوزني كلامك!!
وفي تلك اللحظة كانت رحيل تقف أمام باب غرفتهم وسمعتهم رغماً عنها وتجمعت الدموع في عيونها بدون أن تشعر.
نهض عاصي من مكانه وانتظر حتى أتت إليه داليا وقال:
– بعد إذنك، هو فين الحمام؟
– آخر الطرقة على اليمين.
ابتسمت لها عاصي بِشُكر ثم تحرك من مكانه. وتركت هي القهوة له وعادت إلى المطبخ. ذهب عاصي إلى الطرقة وعندما وصل إلى نهايتها وجد رحيل متجمدة على شماله أمام إحدى الغرف وصوت أمينة وبدر يصدع من داخل الغرفة، خصوصاً وهي تقول:
– مش كفاية المصايب اللي هي كل شوية تجيبها على دماغنا؟ قولتلي أخويا ومراته اتوفوا والبنت دي بقت يتيمه، قولت وماله زيها زي داليا تعيش معانا. شوفت سكوتك على هزارها ومقالبها والعالم الوردي اللي هي عايشة فيه، قولت مش مشكلة البنت شافت كتير، لكن لحد هنا خلاص تعبت.
صاح بها بدر بصوت خفيض:
– طيب، ممكن توطي صوتك؟ ولا عايزاها تسمعك؟
– تسمع ولا متسمعش بقى، مش فارقة. ودي بتحس بحاجة؟ أنا كمان من حقي أنا وبنتي نعيش بهدوء مش توتر كل شوية. واهي دلوقتي هتاخدك وتمشي أنت كمان. أنا هعمل إيه أنا وبنتي؟
التفتت رحيل وعيونها غارقة بالدموع فتلاقت عيونها بعيون عاصي. مسحت وجنتها الغارقة بالدموع وتحركت بسرعة وعادت إلى غرفتها. شعر عاصي بغصة في قلبه عليها واتجه إلى الحمام بذهن شارد. وفي غرفة بدر طالعها هو بحزن وقال:
– يا خسارة يا أمينة! وأنا اللي كنت فاكرك بتحبيها فعلاً، بتضحكي عليا.
– أنا بحبها وهي بنتي، مقولناش حاجة. لكن أنا تعبت منها يا بدر، حس بيا.
– وأنا مش هسيبها لوحدها في المصيبة دي واديها ضهري وهروح معاها في أي حتة، لو لآخر الدنيا مش هسيبها لوحدها.
– طب وأحنا حقنا عليك فين؟
– لو أنتم اللي كنتم مكانها كنت هديكم حقكم برضو وأفضل معاكم. بلاش أنانية يا أمينة، أرجوكِ بلاش تخلي الشيطان يدخل ما بينا. استهدي بالله كده وتعالي أحضني بنتك قبل ما نمشي وادعي الأزمة دي تمر على خير.
نظرت له امينه للحظات ثم أشاحت بوجهها عنه وهي تتنهد. كانت رحيل في غرفتها تبكي بصمت حتى نهضت ووقفت أمام مرآتها وسرحت للحظات في وجهها الباكي وهُنا تذكرت والدتها التي كانت تقول لها دوماً.
فلاش باك.
نظرت والدة رحيل إليها وقالت:
– نعم ربنا كتير، ونعمة ربنا عليكِ هي الضحكة الجميلة دي، بلاش تسمحي لحاجة أنها تمحيها عن وشك. أوعديني إنك تفضلي مبسوطة دايماً وبتضحكي حتى لو هموم الدنيا كلها فوق دماغك.
ابتسمت رحيل وقالت:
– أوعدك.
– حبيبة أمها، تعالي في حضني يلاباك.
باك.
ابتسمت رحيل رغماً عنها ومازالت عيونها تبكي بقهرة وذلك عندما تذكرت كلمات والدتها. دق أحدهم على الباب وكانت تظنها داليا فقالت:
– أدخلي يا داليا.
ولكن الذي دخل كان عاصي. نظر إليها وقال:
– أنتِ كويسة؟
ضحكت رحيل ضحكة واسعة وقالت ومازالت الدموع في عينيها:
– في أحسن حال الحمدلله.
– مش باين عليكِ.
قالت بضحكة واسعة ولكن عيونها لم تعترف بتلك الضحكة، فمازالت تبكي بطريقة لا إرادية:
– نعم ربنا كتير ونعمة ربنا عليا هي ضحكتي الجميلة، عشان كده مش هسمح لحاجة أنها تمحيها عن وشي ومهما حصل هسعى عشان أكون مبسوطة دايماً وبضحك حتى لو هموم الدنيا كلها فوق دماغي.
نظر لها عاصي بعيون حزينة. شعر بغصة في قلبه بسبب كلماتها تلك التي أجبرته أن يشعر بها. دلف إلى الغرفة وترك بابها مفتوح ورغماً عنه وجد نفسه يمسك يدها ويقول بابتسامة:
– كله هيعدي وهتكوني مبسوطة وأنا موجود، متقلقيش.
ابتسمت رحيل بتعجب ودهشة وآفاق الآخر من لحظة الضعف تلك ثم قال بجمود:
– لو خلصتي ياريت تشوفي أستاذ بدر ونتحرك.
وعندما خرج الإثنان من الغرفة انتظروا للحظات ثم جاء إليه بدر وخلفه امينه وداليا. اقتربت داليا من رحيل وقالت بتوتر:
– أنتِ مش زعلانه مني وهترجعي صح؟
عانقتها رحيل بقوة وقالت:
– أكيد هرجع، أومال مين هيولع فيكِ غيري.
نظرت لها داليا بحده فقالت رحيل:
– أقصد يعمل مقالب، خلي بالك من نفسك، اتفقنا.
ابتسمت لها داليا ثم نظرت رحيل إلى أمينة فعانقتها الأخرى وقالت:
– خلي بالك من نفسك ومتنسيش تأكلي وتاخدي العلاج بتاعك.
ابتسمت رحيل بتوتر ثم تحرك الثلاثة من البيت واتجهوا إلى فيلا كريم صابر حيث تقيم ورد. دلفت رحيل بمفردها إليها وتركت بدر مع العاصي في السيارة في جو يكسوه التوتر. استقبلتها ورد بحرارة وفرحة وجلسوا سوياً للحظات.
قالت رحيل:
– فرحت جدًّا إني شوفتك.
– وأنا كمان والله في بالي دايمًا، بس أنتِ عارفه الدنيا بتلهي.
– أومال فين ريم وبسملة؟
– ريم يا ستي في الكلية عندها سكاشن متأخر، وبسملة خارجه شوية مع صحابها. أنتِ احكيلي إيه اللي بيحصل معاكي.
– والله ما عارفه أقولك إيه ولا إيه. كل ما أمشي أعمل مصيبة، أنا زهقت.
ضحكت ورد وقالت:
– أنتِ لسه برضو!
قالت رحيل وهي تلوح بيدها:
– مش عارفه من جمالي يعني، النحس ماسك فيا وحالف ما يسيبني.
– احكيلي طيب عشان أفهم.
تنهدت رحيل ثم قصت عليها كل ما حدث معها منذ أن دخلت تلك الشركة حتى ما وصلت إليه في النهاية. وعندما انتهت انفجرت ورد بالضحك، فضحكت رحيل رغماً عنها.
قالت ورد:
– وأنا اللي كنت فكراني حظي وحش، أنتِ الله يعينك.
صرخت رحيل بطريقة مضحكة وقالت:
– يا ستي أنا ناقصة وربنا، هقوم أروح.
توقفت ورد عن الضحك بصعوبة وقالت:
– خلاص يا ستي، امسكي.
ثم أعطتها مفتاح البيت. وقالت:
– أنا عرفاكي قوية، بس في الوقت ده بالذات لازم تكوني أقوى وتحاربي عشان توصلي لبر الأمان. هتلاقي الشقة زي الفل، أنا مخلية واحدة تروح تنضفها كل فترة. ولو محتاجة أي حاجة كلميني، اتفقنا، ومتقلقيش مش هقول غير لكريم بس أنكم هناك وهو مش هيقول لحد.
– أنا مش عارفه أقولك إيه بجد.
– ولا حاجة، بس خلي بالك من نفسك.
ابتسمت لها رحيل ثم ودعتها الأخرى. عادت إلى السيارة وتحركوا بها. وقبل أن يذهبوا إلى الشقة اشترى عاصي بعض الملابس له والطعام للجميع.
وبعد ساعتين وعندما جاء المساء كانوا جميعاً في شقة صغيرة بأحدي الحواري الشعبية ذات الأصوات العالية وكان عاصي يشعر بالانزعاج نوعاً ما.
قالت رحيل بسخرية:
– مش متعود على الأماكن دي، مش كده؟
قال عاصي ببرود:
– كفاية أنتِ متعودة.
ثم تحرك من أمامها وتركها تنظر له بصدمة بسبب رده هذا.
قال بدر بتعب:
– أنا ممكن أدخل أرتاح شوية، حاسس إن ضغطي عالي شوية. خليكي جنبي، أنا نومي خفيف ولو احتاجتي أي حاجة اندهيلي أنا.
– حاضر.
ثم دلف إلى إحدى الغرف لينام فيها. وعندما دخل صدع هاتفه رنيناً برقم غريب فنظر إليه بتساؤل. بحثت رحيل عن عاصي الذي اختفى فجأة لتجده يقف في إحدى الزوايا ويمسك هاتفه بيده. وقبل أن تتحرك من مكانها فكرت أن تحضر لوالدها كوب عصير عله يهدئ من ضغطه قليلاً، فذهبت إلى المطبخ لتحضره وتعطيه لوالدها ثم تعود إلى عاصي.
كان عاصي سوف يغلق هاتفه ولكنه رن برقم شادي. رد عليه:
– في حاجة مهمة؟
– جدًّا. هي بدأت تستجيب لينا وبدأت تفكر في مستقبلها كمان. هي بنفسها قالتلي أنها هتتغير وهتبدأ من جديد. لسه برضو شايف أنها متخرجش من المصحة.
قال عاصي بغضب مكتوم:
– أيوة، مش شايف.
– أنت كده بتظلمها بجد. لو أنت مسمحتش أنها تخرج أنا اللي هقف لك وقتها وأنا اللي هخرجها بمجرد ما تتحسن نهائياً!
صاح به عاصي:
– وأنا بس اللي أقرر إذا كانت تخرج من المصحة ولا لا!! وطول ما أنا موافقتش هتفضل موجودة في المصحة. انتهى الكلام!
ثم أنهى المكالمة في وجهه والتفت بضيق ليجد رحيل أمامه وتنظر له بصدمه. ثم قالت:
– مين اللي في المصحة؟!
رواية رحيل العاصي الفصل العشرون 20 - بقلم ميار خالد
التفت بضيق ليجد رحيل أمامه وتنظر له بصدمة.
– مين اللي في المصحة؟
نظر لها عاصي بعيون متسعة.
– وأنتِ مالك؟
ثم تحرك من مكانه. فذهبت الأخرى خلفه ووقفت أمامه.
– رد عليا مصحة إيه اللي كنت بتتكلم عليها ومين اللي هنا؟
نظر لها عاصي بحده وقال بعنف.
– أوعى تفتكري أن الوضع اللي إحنا فيه يديكي الحق إنك تدخلي في حياتي، ياريت تلزمي حدودك معايا.
ظلت تطالعه رحيل وتفكر بشيء ما، ولا تعرف لماذا ظهرت سلمى في ذهنها فورًا وتذكرت كلام حنان والدة عاصي عنها حين قالت: "محدش يعرف اختفت فجأة هي كمان.. بيقولوا سافرت معرفش هي كمان اتأذت أوي".
زفر عاصي بضيق وتحرك من أمامها حين وجد عيونها تتسع بصدمة حتى لا يسمع شيء آخر منها. وقبل أن يبتعد عنها سمعها تقول:
– سلمى اللي في المصحة مش كده؟
تسمر عاصي مكانه بصدمة. كيف عرفت من هي سلمى وكيف أدركت أنها هي الموجودة في المصحة؟
التفت لها بعيون متسعة وقال:
– أنتِ تعرفي سلمى منين؟
– مامتك حكتلي عنها هي ومريم وإحنا في المطعم، رد عليا هي اللي في المصحة؟
طالعها الآخر بتفاجؤ للحظات، ثم حاول أن يتمالك نفسه وقال:
– خليكي في نفسك وأنا مش مجبر أجاوبك.
أمسكته رحيل من ملابسه بعنف وقالت بعيون بغضب عارم:
– رد عليا! سلمى هي اللي في المصحة مش كده؟
– قولتلك مش عايز أرد!
صرخت به رحيل:
– سلمى هي اللي هناك في المصحة رد عليا!
صرخ بها عاصي:
– أيوة، عرفتي خلاص ياريت تسكتي بقى.
شهقت رحيل بصدمة وابتعدت عنه بخطوتين.
في غرفة بدر، صدع هاتفه رنيناً برقم غريب. فنظر إليه بتساؤل ثم رد عليه. وكان هذا الشخص هو فارس الذي قد اتصل به وقت اختفاء رحيل وقد نسى هو أن يعاود الاتصال به.
– الو مين معايا؟
– واضح أن حضرتك مسجلتش رقمي مش كده؟
– مش واخد بالي معلش.
– أنا فارس زميل داليا اللي كلمت حضرتك.
ضرب بدر رأسه بكف يديه بنسيان ثم قال:
– أنا محرج منك والله بعتذر جدًّا بس عندنا ظروف صعبة اليومين دول.
– لا والله يا عمي أنا بطمن على حضرتك بس عشان أخر مرة قولتلي أن عندك مشكلة.
– ربنا يخليك يا ابني فيك الخير.
ضحك فارس وقال:
– ربنا يخليك، طبعًا لو فاتحت حضرتك في الموضوع اللي كلمتك فيه هتقول عليا معنديش دم.
ضحك بدر وقال:
– والله مش هقول لا بس الوقت اللي إحنا فيه صعب جدًّا فعلاً بنمر بأزمة صعبة.
– طيب خير في حاجة أقدر أساعد حضرتك بيها؟
– فيك الخير والله.
– أنا مش بقول كلام وخلاص بجد، اجيلك طيب وموضوعي أنا وداليا سيبه على جنب دلوقتي.
– ربنا يخليك بس أنا مش في البيت أصلاً.
– مسافر يعني؟
– تقدر تقول كده.
– طيب الجماعة في البيت مش محتاجين حاجة؟
– أنا مش عارف أقولك إيه إيه والله بس شكراً يا فارس وعموماً لو احتاجت حاجة هكلمك.
– في أي وقت والله.
– فيك الخير تسلم.
ثم أنهى المكالمة معه. وهنا انتبه لصوت رحيل التي تصرخ ومن الواضح أنها تتشاجر مع عاصي. فتحرك من مكانه بسرعة وخرج إليهم ليجد رحيل تضع يدها على فمها بصدمة وعاصي أمامها.
– في إيه؟
نظر له عاصي وقال ببرود:
– مفيش حاجة، بس ياريت تخلي بنتك ولا بنت أخوك متدخلش في اللي ملهاش فيه.
نظر له بدر بضيق ثم تحرك من مكانه وسحب رحيل خلفه. ولكن الأخرى توقفت مكانها بإصرار وقالت:
– بابا بعد إذنك أنا وعاصي لسه مخلصناش كلامنا.
لم يسمع بدر كلامها وسحبها خلفه إلى غرفته وأغلق عليهم الباب.
زفر عاصي بضيق ثم خرج إلى الشرفة حتى يستنشق بعض الهواء. وعندما كان يقف في الشرفة والتي كانت تطل على البيت المقابل له تمامًا خرجت فتاة من الشرفة المقابلة له حتى تنشر بعض الملابس. ولكنها عندما وجدت عاصي أمامها شهقت بفزع وقالت:
– عفريت ده ولا إيه؟ أنت مين يا جدع أنت!
نظر لها عاصي بنفاذ صبر ثم عاد إلى الداخل.
دخلت الفتاة فورًا واتجهت إلى والدتها وقالت:
– هي شقة البت ورد اتباعت يا أما؟
– لا بتسألي ليه؟
– اومال مين الراجل اللي كان واقف في بلكونتهم ده؟
– تلاقيه حد من قرايبها إحنا مالنا.
– بس البت ورد معندهاش قرايب.
– ملكيش دعوة وروحي خلصي اللي قولتلك عليه عشان تخلصي معايا الأكل.
– يا أما ليكون حرامي ولا حاجة مش لازم نتطمن مع أنه مش باين عليه ده زي القمر يخرب بيته.
زفرت والدتها بضيق ثم قالت:
– عايزة إيه يعني؟
ابتسمت الفتاة بخبث وقالت:
– يعني يا أما لو طلع قريبها فعلاً مش المفروض نروح نزوره كده ونشوف لو محتاج حاجة ده من باب الواجب يعني عشان لما يكلمها لو طلع قريبها يعني يقولها أننا عملنا الواجب أنتِ شوفي دلوقتي ورد بقت فين وإحنا فين.
نظرت لها والدتها للحظات ثم قالت:
– طيب خلصي الأول بعدين بقى نشوف.
فابتسمت الأخرى بخبث وذهبت لتكمل عملها.
أغلق بدر عليهم الباب ثم التفت لرحيل وقال:
– ممكن أفهم في إيه؟
ضحكت الأخرى بعفوية وقالت:
– بيحصل إيه في إيه؟
– والله؟! إيه صوت الزعيق اللي كان برا ده في إيه؟
قالت رحيل بتأكيد:
– لالا مفيش حاجة إحنا بنتناقش بس ما لو في حاجة هقولك أكيد، أنت مش كنت هترتاح؟
زفر بضيق وقال:
– كنت هنام بس فارس اتصل بيا.
– فارس مين؟
– زميل داليا لحقتي تنسي، وقت ما حصلت المشكلة بتاعتك كان هو اتصل بيا و..
قالت رحيل بانفعال:
– وإيه قول!!!
– وطلب أيد داليا مني.
صرخت رحيل بفرحة ثم تحركت من مكانها بحماس وصعدت على السرير وقالت بصوت عالي:
– بجد!! طلب ايديها منك!! وربنا أنا حسيت من أول مرة شوفته فيها وهو عينه بتخرج قلوب.
– طب انزلي طيب واهدي.
نزلت رحيل وحاولت أن تتمالك نفسها قليلاً ثم قالت:
– احم آسفة، طيب وهي قالت إيه؟
– لسه معرفتهاش أصلاً.
وقبل أن تتكلم رحيل تذكرت الوضع الذي هم فيه لذلك صمتت بإحراج.
قالت:
– طيب نام وأنا هروح المطبخ آكل أي حاجة وهاجي أنام برضو يلا.
أومأ لها برأسه ثم ذهب ليرتاح قليلاً وخرجت رحيل من غرفته ولكنها لم تتجه إلى المطبخ، بل إلى غرفة عاصي.
كانت حنان تجلس في غرفتها وتحاول الإتصال بعاصي ولكن بدون فائدة.
دلتفت إليها ليلى واقتربت منها فأخذتها الأخرى في أحضانها وقالت:
– حياتي أنتِ لسه صاحية ليه كل ده؟
نظرت لها ليلى لتظهر عيونها المليئة بالدموع:
– مش جايلي نوم.
شهقت حنان ونظرت لها باهتمام وقالت:
– إيه الدموع دي بتعيطي ليه؟
قالت الطفلة بحزن:
– هو أنا ليه لوحدي، ماما مش معايا وممكن تكون مش عايزاني حتى بابا كمان عمره ما جه يشوفني يعني هو كمان مش عايزني، حتى خالوا اللي كان دايماً جنبي سابني ورحيل كمان هو ليه كله بيسيبني ويمشيني؟
نظرت لها حنان بقهره على حال تلك الصغيرة ثم أخذتها في أحضانها بقوة وقالت:
– لا يا حبيبتي خالوا موجود دايماً هو بس عشان..
قاطعتها ليلى وقالت:
– مشغول مش كده، طب ورحيل؟
– رحيل كمان أكيد مشغولة مينفعش نعطل البنت صح وهي غريبة عننا.
– لا رحيل مش غريبة عني.
ثم اعتدلت في جلستها وقالت:
– عارفه رحيل بتفكرني بماما مع أن ماما عمرها ما حضنتني بس لما رحيل بتحضني بحس ماما جنبي، عارفه أنا مش عايزة ماما بعد كده بس خلوا رحيل جنبي.
– طيب ممكن تنسي الكلام ده دلوقتي وتنامي وبكره نكمل كلامنا.
صمتت ليلى وقبل أن تنهض من مكانها قالت حنان:
– إيه رأيك لو تنامي جنبي بعد كده في حضن تيتا؟
ابتسمت ليلى وقالت:
– بجد ينفع؟
– طبعًا يا عيوني ينفع تعالي.
ثم نامت ليلى في أحضان جدتها وكانت حنان تبكي بصمت وقهره في نفس الوقت.
نهض شريف من مكانه بدهشة وقال:
– اختفوا إزاي يعني أنا مش قولتلك خليك متابعهم؟
رد عليه أحد رجاله:
– أنا آسف دي غلطة من عندي هما بعد ما اتحركوا من المستشفى طلعلي مشوار مهم ونسيت أخلي حد يراقبهم بدالي.
قال الآخر بغضب:
– أعمل إيه بآسف دي! أنت متخيل ضيعت عليا شغل كام يوم؟
– أوعدك إني هلاقيهم صدقني.
– تمام اقفل دلوقتي.
ثم أنهى معه المكالمة وزفر بضيق ثم فتح هاتفه مرة أخرى واتصل بأحمد فرد عليه الآخر:
– في إيه؟
– أنت فين؟
– بغير جو شوية ليه في إيه؟
– خمس دقايق وتكون قدامي.
وانتهت المكالمة بعد أن قال تلك الجملة وما هي إلا ثلث ساعة وكان أحمد أمامه.
– في إيه قلقتني؟
– شكلهم هربوا.
– هم مين دول؟
– عاصي والبنت.
ضحك أحمد وقال:
– طب ما طبيعي وأنت عايز بعد ما هي اتخطفت يفضلوا أكيد اختفوا فترة بعدين يظهروا.
ضرب شريف قدمه في الأرض وقال:
– مكنتش عامل حساب كل ده.
– طيب هتعمل إيه دلوقتي؟
– جه دورك أنت اللي تعمل.
– قصدك إيه؟
– قصدي أننا لازم نعمل أي حاجة تجبرهم أنهم يظهروا.
– زي؟
– أعتقد جه الوقت أننا نستفاد من بنتك بقى ولا إيه؟
تغيرت نظرات أحمد وقال:
– أنا قولتلك بنتي هتفضل برا الموضوع ده! لو اتأذت هتزعل مني.
– أنت غبي؟
– اومال قصدك إيه؟
– قصدي أنك لازم تخش بيت عاصي بأي طريقة وتاخد حاجة من حاجات البنت أو تعرف أي علامة قريبة ليها.
– عشان إيه؟
– أعمل كده وبس.
نظر له أحمد للحظات ثم قال:
– حاضر.
دقت رحيل على باب غرفة عاصي فنهض من مكانه وفتح لها الباب. وعندما وجدها أمامه زفر بضيق.
– وماله انفخ كمان.
– عايزه إيه؟
– كلامنا مخلصش هو إيه اللي عايزه إيه!
خرج عاصي واغلق الباب خلفه وجلس الاثنان على الأريكة في غرفة المعيشة.
– أنا عارفه أنه مليش حق إني أتدخل في حياتك وعارفه أن الفترة الأخيرة أنت وقعت في مشاكل كتير بسببي بس..
– بس إيه؟
– بس أنا مش بيكون قصدي أي حاجة صدقني، عارف أنا أكتر واحدة حظها وحش في الدنيا مع كل خطوة بمشيها بعمل مصيبة.
– واضح فعلاً.
ثم ضحكت ضحكة واسعة وقالت:
– بس عارف برغم ده أنا مش بخلي ضحكتي دي تروح عن وشي أبداً مهما يحصل في العالم بفضل أضحك كده، عارفه أن تصرفاتي عفوية حتى أنت في البداية كنت فاكرني بمثل مش صح.
– كنت فاكرك عبيطة ومازلت.
ابتسمت رحيل وصمتت للحظات ثم نظرت له وقالت:
– انت رافض أن سلمى تخرج ليه؟
– رحيل أرجوكِ مش عايز أتكلم في الموضوع ده.
شردت به للحظات ثم قالت وهي تنظر إلى عيونه بتمعن:
– أنت مقبرة أسرار ليه؟ عارف نفسي أسألك أنت مش بتحب باباك ليه ونفسي أسألك ليه بتعامل نفسك كده قبل الكل، نفسي أسألك ليه شايف الدنيا معقدة أوي كده.
– عشان هي كده فعلاً.
– إحنا اللي بنعكس التعقيد ده مش الدنيا..
نظر لها عاصي بصمت ولم يرغب في الرد عليها، حتى قالت رحيل:
– أنت ليه بتعاقبها على حاجة هي معملتهاش، مش عدل أنها تكون في مصحة ومريم هي اللي بره البلد حتى لو مش مسموحلها ترجع مصر على الأقل بتخرج وتتنفس لكن سلمى محبوسة.
وهنا خرج عاصي من صمته حين قال:
– كان لازم مريم تبعد تماماً عن هنا حتى لو العقاب غير مُرضي بالنسبالك.
– طيب وسلمى؟
توتر عاصي قليلاً وقال:
– سلمى خبت عليا!! هي مكنتش صريحة معايا وعشان كده هي كمان اتأذت زي مريم وخسرت شغلها وحياتها حتى أهلها تخلوا عنها بسهولة وسافروا هما كمان.
– تسمحلي أشوف سلمى مرة واحدة بس..
نظر لها عاصي ثم قال:
– روحي نامي الوقت قرب يتأخر.
ثم نهض من مكانه وهرب هو إلى غرفته، تنهدت رحيل بملل وقالت:
– ما هو أنا لازم أعرف إيه اللي حصل هنام إزاي دلوقتي.
لذلك نهضت وذهبت أمام غرفته ثم دقت على بابها وقالت بضحكة:
– أستاذ عاصي، متأكد إنك مش عايز تحكيلي خالص؟
– لا مش عايز.
– طب ما تفكر طيب ما يمكن عايز تحكيلي حاجة ومكسوف.
صاح بها:
– روحي نامي يا رحيل.
– طب احكيلي سر واحد بس.
– قولت نامي.
قالت بسرعة:
– اللي تشوفه حاضر.
ثم ذهبت إلى غرفة بدر لتنام هي أيضاً، ابتسم عاصي رغماً عنه ثم قال:
– مخها في عالم موازي والله.
ثم نام هو أيضاً فكان هذا اليوم حافل بالنسبة لهم.
وفي اليوم التالي استيقظ الجميع بفزع على صوت دق قوي على باب الشقة!
نهض الجميع بقلق ووقف بدر وعاصي وخلفهم رحيل وهم ينظرون إلى الباب لا يعرفون ماذا عليهم أن يفعلوا ولكنهم إذا انتظروا لحظة سوف يكسر الباب عليهم.