تحميل رواية «رحيل العاصي» PDF
بقلم ميار خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
صدع صوت صرخات عالية من إحدى الغرف في المصحة النفسية، جاء على أثرها كل من في المستشفى من أطباء وممرضين. كانت تصرخ بصوتها المبحوح وتمسك بيدها قطعة حادة من الزجاج وتهدد بها كل من يقترب منها في ذعر وخوف. صرخت بهم: – ابعدوا عني مش عايزة حد هنا! اطلعوا برا! اقترب منها أحد الأطباء وقال: – اهدي.. صدقيني محدش هيقرب منك بس ابعدي اللي أنتِ ماسكاه ده! قالت بغضب عارم: – مستحيل المرة دي محدش هيقدر ينقذني.. خلاص كل حاجة انتهت. وفي تلك اللحظة جاء صوت من خلفهم يقول: – هيهون عليكِ تسبيني وتمشي؟ تغيرت نظراتها فجأة...
رواية رحيل العاصي الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ميار خالد
ظل يطالعها بغضب حتى وجد نظراتها تتغير إلى الرعب وكانت تنظر إلى شخصاً ما يقف خلفه.
وفجأة أمسكت يد عاصي بخوف ونظرت له بعيون دامعة.
طالعها عاصي بدهشة ثم استدار هو وسلمى لينظروا إلى الشخص التي تطالعه رحيل بكل هذا الرعب.
وكان هذا الشخص هو أحمد.
الذي كان يقف أمامهم بثبات وسط نظراتهم المصدومة.
تذكره عاصي على الفور فتحرك نحوه بسرعة وأمسكه من ملابسه بعنف وصاح به:
– أنت بتعمل إيه هنا!
قال أحمد ببرود:
– جاي اطمن على بنتي. بنتي اللي أنت مقدرتش تحميها.
وبعد كلماته تلك لم يستحق أحمد أن يرد عليه عاصي، بل استحق لكمة قوية توقعته أرضًا.
اتجهت إليه رحيل بسرعة وامسكته ليبتعد عنه، وكذلك سلمى.
وقد استدعت إحدى الممرضات التي رأت هذه المشادة العنيفة أفراد الأمن ليأتوا بعد لحظات.
وقد أمسكوا بأحمد ولكنه دفعهم عنه ونظر إلى عاصي وقال:
– بنتي كانت تحت حمايتك بس أنت مطلعتش قد المسؤولية.
نظر له عاصي بغضب عارم وقال:
– أنت أخر واحد تتكلم عن المسؤولية أنت فاهم!! أنت جاي بأنهي عين أصلاً.
ابتسم أحمد ببرود وقال:
– هرفع قضية وهاخد بنتي منك. أكيد الحكومة هتوافق أني أخد حضانتها خصوصاً لما يعرفوا إنك مش قد المسؤولية عشان كده بنتي حاولت تقتل نفسها!
طالعه عاصي بذهول وسأل نفسه، كيف عرف تلك المعلومات؟!
أقترب منه عاصي ثم قال بعيون قد أصابها الاحمرار من كثرة الغضب:
– لو متحركتش من قدامي دلوقتي هعمل اللي معملتهوش قبل سنين.
نظر إليه أحمد بدهشة فأكمل عاصي:
– هقتلك. أبعد عن وشي احسنلك.
فابتسم أحمد ببرود وأردف:
– تمام أنا همشي دلوقتي بس هرجع تاني عشان اطمن على بنتي.
ثم نظر إلى رحيل ولوّح لها بيده وتحرك من مكانه.
طالعها عاصي بذهول ليجدها تنظر إلى احمد الذي قد تحرك واختفى من أمامهم بصدمه.
عاد إليها عاصي فقالت له بعيون متسعة:
– هو ده!
قال عاصي بتساؤل:
– أنت تعرفيه منين؟!
– ده اللي خطفني. أنت اللي تعرفه منين!
التفت عاصي بسرعة وقد أدرك ما يحدث حوله.
ركض بسرعة خلف أحمد حتى يمسك به ولكنه لم يتمكن من اللحاق به لأن الآخر قد اختفى من أمامهم في ثواني.
وعندما وصل عند باب المستشفى بحث عنه كثيراً ولكن بدون فائدة.
أتصل بعز الدين فوراً وأخبره أنه قد تعرف على شخص من الاثنان الذين يبحثون عنهم، وقد أرسل معلوماته لعز حتى يبدأ الآخر في التحري عنه.
عادت حنان من الحمام لتجد سلمى ورحيل يقفان معاً بمفردهم.
فاتجهت إليهم بتساؤل وسألتهم أين عاصي فكذبوا عليها أخبروها حجة أخرى لغيابه.
وعندما عاد إليهم أقنع والدته أن تعود مع سلمى إلى المنزل من أجل مريم على الأقل حتى لا تبقى بمفردها.
ولكن حنان قد رفضت وبشدة حتى جاءت إليهم طبيبة ليلى مرة أخرى.
نظر لها عاصي باهتمام فقالت الطبيبة:
– الأخبار مش أحسن حاجه بس في نفس الوقت مش وحشه. أنا هسمح لحد واحد بس أنه يدخلها. مين أكتر حد الطفلة متعلقة بيه أو بتسمع كلامه.
قالت حنان بلهفه:
– رحيل. هي بتحبها جداً.
أومأت رحيل برأسها ونظرت إلى الطبيبة باهتمام فتابعت:
– طيب أنا عايزاكِ تفضلي جنبها وتمسكي أيديها بقوة. المشاعر دي المسؤول عنها المخ وبرضو هو المسؤول عن الاستجابات. حتى لو كانت في عالم تاني شعورك واحساسك هيقدر يرجعلها لينا تاني. وحبها ليكِ هيخليها تدرك وتتمسك بالحياة أكتر عشانك.
أومأت رحيل برأسها بسرعة وقالت:
– أنا موافقة هعمل كده.
وبعدها أخذتها الممرضة وجهزتها حتى تدلف إلى العناية المركزة حيث توجد ليلى.
وبعد دقائق كانت رحيل تجلس أمامها بعيون دامعة وتمسك يدها السليمة بين كفوفها وظلت تحدثها بأمل واشتياق أن تعود إليهم.
كان عاصي يتابع كل هذا من النافذة الصغيرة التي توجد في نصف الباب.
حتى شعر بيد سلمى التي وضِعت على كتفه.
التفت لها بعيون دامعة فحاولت الأخرى أن تهون عليه.
قالت:
– أنت لسه زعلان مني؟
مسح عاصي عينيه وقال:
– مش وقت الكلام ده.
كررت سلمى سؤالها وعندما لم تتلقى منه أي إجابة قالت:
– لو أنا مكنتش رجعت غصب عنك مكنش كل ده هيحصل. صدقني كل حاجه هتتصلح تاني. أنا وعدت نفسي وأنا راجعه أني أصلح كل حاجه.
أومأ عاصي برأسه وابتسم بفتور.
فقالت هي:
– أنت اتغيرت أوي على فكرة. هي السبب في التغيير ده مش كده؟
قالت تلك الجملة ثم نظرت إلى رحيل الجالسة أمام ليلى.
وطالعها عاصي بصمت أيضاً.
قالت سلمى:
– مين دي؟ وليه موجودة بينا دلوقتي مش فاهمه.
– لو هي مكنتش موجودة مكنش زمان في كلمة ” بينا ” اللي أنتِ بتقوليها دي.
– بتحبها؟
قالتها سلمى بفضول فصمت الآخر ولم يرد عليها.
وبعد دقائق من الصمت قال:
– روّحي أنتِ وماما دلوقتي عشان مينفعش مريم تكون لوحدها. وهاتي رقمك خليه معايا عشان لو احتاجتلك.
ابتسمت سلمى وأومأت برأسها ثم أخذت نمرة هاتفه واتصلت به من هاتفها.
وعندما اتصلت به نظر عاصي إلى الهاتف بعيون ضيقة وكأنه يحاول أن يتذكر متى رأى هذا الرقم.
قال بعدم تركيز:
– أنتِ اتصلتي بيا من الرقم ده قبل كده؟
– لا، بس غريبة. أنا لقيت رقمك على موبايلي بس مش متسجل.
هُنا جاءت فكرة لعاصي أن يرى تاريخ كل المكالمات التي جاءت إليه من هذا الرقم.
وعندما رأى اول مكالمة من هذا الرقم كان نفسه اليوم التي اتصلت به رحيل عندما تم اختطافها.
وفي ثواني استوعب ما حدث وقتها فقال لها:
– أنتِ نزلتي في فندق أول ما رجعتي مصر؟؟ كان قدامه محطة بنزين الفندق ده؟
طالعته بذهول وقالت:
– أنت عرفت منين؟
نظر لها عاصي بصدمة ثم ضحك بسخرية.
ما تلك اللعبة التي تتسلى فيها الحياة بهم، وكأن الحياة تلعب بهم جميعاً الشطرنج.
عقله البشري لم يستوعب كم تلك الطرق التي تتقابل عند نقطة معينه لتعود وتفترق عند نقطة أخرى.
لا يعرف ماذا تخبئ لهم الحياة في الأيام القادمة.
لا يعرف كيف ستنتهي لعبة الشطرنج تلك ومن هو المنتصر فيها.
مرت ساعات عادت فيها سلمى مع حنان إلى البيت.
ليجدوا أن مريم قد نامت مكانها ولم يكن شادي في المكان.
من الواضح أنه قد ذهب عندما غطت هي في النوم.
وفي المستشفى وعندما وجد عاصي أن الوقت بدأ يتأخر ذهب إلى رحيل التي كانت تجلس أمام غرفة ليلى وقال:
– تعالي اوصلك الوقت بدأ يتأخر.
– لا أنا مش همشي غير لما ليلى تفوق عشان لما تفتح عينيها تشوفني قدامها.
قال عاصي برفق:
– بس أنتِ تعبتي النهاردة وأنتِ أصلاً تعبانة، يلا.
– أبداً قولت مش همشي خلاص غير لما اطمن عليه.
نظر لها عاصي بقلة حيلة وأدرك أنها إذا صممت على شيء سوف تفعله.
فنهض من مكانه وغاب لوقت ثم عاد لها وقال:
– الممرضة هتجهزلك اوضة قريبة من ليلى عشان ترتاحي فيها. أعتقد كده ملكيش حجة.
ابتسمت رحيل ونهضت من مكانها بتعب ثم قالت:
– إذا كان كده ماشي بس أنت كمان لازم ترتاح. خليها تجهز سريرين في الاوضة دي.
ابتسم عاصي وقبل أن تتخطاه أمسك يدها فوقفت ونظرت إليه بتساؤل.
صمت للحظات ثم نظر لها بإمتنان وقال:
– شكرًا، شكرًا على كل حاجه وآسف برضو على كل حاجه.
طالعته رحيل بذهول وعيون متسعة:
– معقول عاصي بيشكر وبيعتذر من رحيل في نفس الجملة، أحلام العصر دي صح!!
ضحك الآخر رغماً عنه فقالت بابتسامة:
– صحيح في سؤال متأخر أوي بس عايزه أعرفه، أنت ليه أول يوم اتقابلنا فيه حبستني وقولتلي في الأول مين اللي باعتك؟
ابتسم عاصي وقال:
– شوفتك وأنتِ قدام الشركة نازلة من عربية راجل غريب وبعدها أداكِ الكارت بتاعه، وطبعاً بعد المصيبة اللي عملتيها قدام الفوج افتكرت إنك جاسوسة.
– جاسوسة مرة واحدة!! في جاسوسة بالعبط ده الله يخليك، اليوم ده حصل فيه مليون مصيبة أول حاجه نسيت أحط بنزين والعربية وقفت بعدين الراجل ده خبط عربيتي خبطة جامدة عشان كده وصلني لحد ما وصلت للناس الصينين دول، بجد أنا حظي وحش جداً.
– بس أنا حظي حلو عشان شوفتك.
كان يطالعها بعيون لامعة فتوترت الأخرى بشدة وقالت:
– ياااه على البني آدم ده أنت مكنتش طايقني في الأول يا راجل.
– معروفه المحبة بتيجي بعد العداوة، مع إني عمري ما كنت عدوك. أنا كنت عدو غباءك بس.
نظرت له بابتسامة خجولة وفجأة تغيرت تلك الابتسامة إلى العبوس وقالت:
– لو حصل وجرالي حاجه، هتفضل فاكرني؟
شدد قبضته على يدها وقال بنفي:
– مش هيجرالك حاجه بلاش الكلام ده. كلنا عايزينك معانا عشان كده هتحاربي أي مرض وتفضلي.
ابتسمت بحزن وقالت:
– بس الدكتور قال إن قلبي ضعيف أوي.
قال عاصي بابتسامة:
– مصدقش. القلب اللي قدر أنه يتخلص من العاصي اللي جوايا قوي جداً، أقوى مني أنا شخصياً.
– بجد؟!
قالتها رحيل بضحكة واسعة فضحك الآخر بطريقة لا إرادية.
وبعدها ذهبت رحيل إلى الغرفة التي جهزتها لها الممرضة ونامت على إحدى السريرين الموجودين بها وقد غطت في النوم بسرعة من كثرة تعبها.
وبعد فتره دلف عاصي إلى الغرفة أيضًا ونام على السرير المقابل لها.
استلقى على جنبه وظل ينظر إليها وهي نائمة أمامه.
ولأول مرة يشعر بكل هذا الخوف، يخاف أن يخسرها، يخاف أن تحقق المعني من أسمها وترحل عنه.
الكثير من الضغط العصبي الذي يتعرض إليه لذلك حاول أن ينام حتى يرتاح قليلاً.
وفي الصباح.
استيقظت رحيل أولاً وعندما وجدت عاصي نائم لم تود أن تيقظه.
لذلك خرجت من الغرفة واتجهت إلى العناية حتى تطمئن على ليلى.
ولكنها عندما وصلت لها وجدت غرفة العناية فارغه!!
عادت إلى عاصي مرة أخرى وايقظته رغماً عنها وعندما استيقظ قالت بقلق:
– العناية فاضية. ليلى راحت فين!
انتفض الآخر من مكانه واتجه إلى العناية فوجد كلام رحيل صحيح.
بحث كالمجنون عن الطبيبة المسؤولة عن حالتها حتى وجدها وكانت هي أيضًا تبحث عن ليلى التي اختفت فجأة!
قال عاصي بقلق:
– ليلى فين؟!
ردت عليه الطبيبة بقلق كبير:
– حالتها استقرت وإحنا نقلناها اوضة عادية. أنا كنت مستنيه حد فيكم يصحى عشان افرحه بالخبر. هي كانت موجودة في الاوضة. أنا مش فاهمه راحت فين!
وللحظة جال بذهن عاصي هذا الخائن الذي يُدعى أحمد.
حاول أن يهدأ قليلاً وهو يقول:
– في كاميرات في المستشفى صح؟
– أيوة بس لازم إذن من البوليس عشان تدخل الاوضة نفسها.
أومأ عاصي برأسه ثم نظر إلى رحيل وقال:
– هتتحركي معايا دلوقتي. هوصلك بيتك وأنا هشوف الموضوع ده.
حاولت رحيل أن تعترض ولكنه اسكتها ونفذت كلامه في النهاية.
وبعد أن اوصلها بيتها أتصل بعز الدين واستدعاه إلى المستشفى حتى يتمكنوا من الدخول إلى غرفة الكاميرات.
***
– هي كده مرتاحه صح؟
قالها أحمد بقلق. رد عليه الطبيب الموجود بجانب ليلى:
– كويسة الحمدلله بس هتاخد وقت لحد ما تستعيد وعيها تاني. عموماً الممرضة هتفضل معاها برضو ولو حصل أي حاجه كلمني.
ثم خرج من الغرفة. جلس أحمد بجانب ليلى وكان ينظر لها مشاعر كثيرة لا يفهمها.
وأفاق على صوت شريف الذي قد دلف إلى الغرفة وقال:
– محتاج حاجه تاني؟
نهض أحمد من مكانه وقال:
– أنا مش فاهمك بصراحه. أنا كنت فاكر لما اجي أقولك على الفكرة دي هترفض مش تساعدني.
ابتسم شريف وقال:
– بالعكس ده أنا اللي استغربت عشان أنت مكنتش عايز تدخل بنتك في أي حاجه.
– ولحد دلوقتي مش عايز أدخلها في حاجه بس عِناد في عاصي هخليها عندي لحد ما تخف وهخليها تكرههم كلهم.
– ركز أن البنت مش على اسمك وأنت معترفتش بيها أصلاً يعني أنت كده قدام البوليس خاطفها.
– عارف بس أنا عايزك تساعدني وإحنا في الأخر مصلحتنا واحده.
– وماله ماشيين.
وخرج شريف مرة أخرى.
ونظر أحمد إلى الطفلة النائمة وتذكر كيف انتشلها من تلك الغرفة ومن المستشفى بأكملها في ثواني.
فلم يشعر أحد به.
ولكن ما لم يحسب حسابه هو كاميرات المراقبة التي تمكنت من رصده.
وقد تأكد عاصي من شكوكه تلك عندما وجد وجه أحمد في الفيديو.
حاول عز أن يُهدأ من غضب عاصي قليلاً.
فقال الآخر:
– أنا مش فاهم البجاحه اللي هو فيها. زمان دمر حياة مريم ودلوقتي جاي يكمل عليها. بس أنا مش عارف مين الطرف التاني معاه.
قال الجملة الأخيرة بتفكير.
قال عز بتذكر:
– فاكر لما قولتلك في البداية إن طرف منهم ليك حساب قديم معاه بخصوص صفقة تقريباً. كده الصورة هتوضح بالنسبالك أكتر. حاول تفتكر.
ولكن عاصي لم يتذكر أي شيء بخصوص هذا الموضوع.
وظل الاثنان معاً يبحثون في هذا الموضوع.
حتى جاءت مكالمة لعاصي من الشركة فذهب إليها بعد فتره غياب طويلة.
في منزل عاصي.
استيقظت مريم من نومها بفزع لتجد حنان بجوارها وقد نظرت إليها بلهفه وخوف.
قالت مريم بقلق:
– عايزه أروح لليلى بنتي.
ابتسمت حنان وقالت:
– متقلقيش هي كويسة. أخر مره عاصي كلمني فيها امبارح قالي أنها كويسة. غير كده رحيل معاها وجنبها هي بتحبها.
أنهضت مريم من مكانها بهدوء ووقتها لاحظت تلك الغرفة التي تنام بها.
أخر مره تتذكر أنها نامت على الأريكة عندما كان شادي معها.
نظرت إلى الغرفة بشعور غريب عندما تذكرتها على الفور.
غرفتها البسيطة والهادئة التي تحمل في ثناياها العديد من الذكريات القاسية و السعيدة في نفس الوقت.
لم يتغير أي شيء بها ما عدا صورها التي قد اختفت منها.
وعندما لاحظت حنان نظراتها تلك قالت بابتسامة:
– الاوضة وحشتك صح.
لم ترد عليها مريم وظلت تطالع كل شيء بصمت حتى وصلت بعيونها إلى حنان.
ظلت تنظر لها بصمت وهدوء وكأنها تروي عطش عينيها برؤية والدتها وسماع صوتها بعد كل تلك السنوات.
قلقت حنان للحظات فقالت مريم:
– كنتِ واحشه عيوني مش عارفه لا أتكلم ولا أحس بأي حاجه غير إني عايزه ابصلك.
وتلك كانت الإشارة لدموع حنان حتى تنطلق.
بكت بقهرة وأخذت ابنتها في أحضانها وظلوا هكذا حتى قالت حنان بتوعد:
– قلبي مش هيسامح عاصي على اللي عمله ده، كدب عليا ودمر حياتك ودمر حياة ليلى إزاي هثق فيه بعد كده.
ابتعدت مريم عن حضنها وقالت:
– لولا عاصي مكنش زماني في الحياة أصلاً.
نظرت لها حنان بعدم فهم وتساؤل.
فتابعت الأخرى:
– اللي أنتِ متعرفيهوش إني حاولت أقتل ليلى وهي لسه صغيرة، كانت لسه مولودة جنبي في السرير بتاعها محستش بنفسي غير وأنا كنت هقتلها. كنت هقتلها وأقتل نفسي بعدها. النار اللي جوايا مكنتش هتهدى غير بموتي. عقاب عاصي كان تأديب بنسبالي. حتى لما دخلت المصحة حاولت أقتل نفسي كتير وكل مره كانوا بيلحقوني. أخر مره حاولت أقتل فيها نفسي عاصي هو اللي منعني. كان جوايا غضب كبير اوي ناحيته وكنت شايفه أنه السبب في كل حاجه. في اللحظة اللي قدرت فيها إني اتخلص من الغضب ده قدرت أقف على رجلي. الغضب ده كان حِمل تقيل اوي علي.
نظرت لها حنان بعد أن قالت الأخرى تلك الكلمات.
أي عقاب هذا أن تسمع تلك الكلمات من فوهة ابنتها الوحيدة.
أي عقاب هذا الذي يجعلها ترى نظرة الألم تلك في عيون أولادها.
ماذا فعلت في حياتها ليكن عقابها هو التألم على اولادها بهذا الشكل.
وكان جوابها على كلمات مريم هو عناق قوي ودموع.
في بعض الأحيان يكون علاج ألم الروح هو عناق بسيط من احبتنا.
عناق بسيط لا يدوم سوى بضع ثواني قد يكون الحل للكثير من الألم والأسى.
***
كانت تجوب غرفتها بتوتر.
حتى دلفت داليا إليها واخبرتها بموضوع فارس وأنه سوف يأتي لخطبتها بعد يومين.
فرحت رحيل لها ولكنها لم تبدي رد فعل قوي لذلك تعجبت داليا وسألتها إذا حدث معهم شيء ولكن الأخرى لم ترد عليها ولم تخبرها أي شيء بخصوص ليلى وما حدث.
تفهمت داليا أن من الممكن أن تكون رحيل تشعر بالضيق والتوتر من كثرة الاحداث التي تعيشها فقالت بمكر:
– إيه ده عاصي؟
وكأنه قد خرج من أفكارها لتسمع اسمه أمامها فقالت بلهفه وبسرعه:
– عاصي إيه بيتصل ولا جه؟!!
ضحكت داليا بصوتٍ عالٍ ففهمت الأخرى أنها تمزح معها.
قالت بضيق:
– أنتِ شايفه ده وقت هزار يعني.
قالت داليا بدهشه:
– والله؟! شوف مين بيتكلم، إيه التغيير ده كله.
ابتسمت بحزن وصمتت.
لا تعرف ماذا حدث ليحل الظلام على روحها هكذا.
برغم معرفتها لمرضها منذ شهور ولكن ولأول مره تشعر أنها خائفة، تائهة، حزينة، الكثير من المشاعر.
وعندما وجدتها داليا بهذا الضيق لم تود أن تزيد الأمر عليها فتركتها وعادت إلى غرفتها.
في شركة عاصي.
كان يقرأ العديد من الأرواق الموجودة أمامه بشرود.
عقله مع ليلى وقلبه خائف أن يحدث لها أي شيء.
وانتشله من مستنقع الخوف هذا هاتفه الذي صدع رنيناً برقم غريب.
نظر إلى الهاتف بعدم تركيز ثم رد عليه.
قال:
– ال.
وقال الطرف الآخر:
– أنت عاصي القاضي ؟؟
– أيوة خير؟
– أنا عارف ليلى بنت اختك فين. أنا متصل بيك عشان أساعدك.
انتفض عاصي من مكانه وقال بلهفه:
– فاعل خير صدقني نيتي الوحيدة أني اساعدك. أنا أعرف أحمد هو صاحبي وعارف هو وليلى فين، بس مش هنقدر نرجعها النهاردة. هو لسه خاطفها النهاردة احتمال تتعب أو يجرالها حاجه. أنا هديك ميعاد نتقابل بكره وهنروح وهات البوليس معاك احتياطي.
قال عاصي بدون تصديق:
– دي لعبه جديدة مش كده؟
قال الآخر بصدق واضح في كلماته:
– صدقني ولا لعبه ولا حاجه ولو ليلى مرجعتش لحضنك أعمل اللي أنت عايزُه. أنا هقفل دلوقتي وبكره الساعة ٢ هتلاقيني قدام الشركة عندك جهز نفسك عشان نتحرك.
– أنت مين؟
– قولتلك فاعل خير وعموماً بكره هنتقابل.
ثم أنهى المكالمة ونظر عاصي أمامه بشك كبير.
ولكن جزء صغير بداخله اطمئن لهذا الشخص لا يعرف السبب.
شعر وكأنه يقول الحقيقة فعلاً.
ترا ماذا سوف يحدث؟؟
رواية رحيل العاصي الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ميار خالد
قال عاصي بدون تصديق:
– دي لعبه جديدة مش كده؟
– صدقني ولا لعبه ولا حاجه ولو ليلى مرجعتش لحضنك أعمل اللي أنت عايزُه، أنا هقفل دلوقتي وبكره الساعة ٢ هتلاقيني قدام الشركة عندك جهز نفسك عشان نتحرك.
– أنت مين؟
– قولتلك فاعل خير وعموماً بكره هنتقابل.
ثم أنهى المكالمة ونظر عاصي أمامه بشك كبير، ولكن جزء صغير بداخله اطمئن لهذا الشخص لا يعرف السبب، شعر وكأنه يقول الحقيقة فعلاً.
لذلك أتصل بعدها بعز الدين وأخبره بما حدث واتفق معه أن يكون أمام الشركة في الوقت المحدد، حتى يروا نية فاعل الخير هذا، وهل سوف يساعدهم حقاً أم يخدعهم.
لم يعلم عاصي كيف يعود إلى بيته، ولم يعلم كيف سوف يقترب النوم وصغيرة قلبه بعيدة عنه هذا غير مرضها وحالتها الصحية، كان يشعر بعجز كبير بسبب ما يحدث.
كان يقنع نفسه أن أحمد في النهاية والدها مهما وصلت به الحقارة لم يقدر على ايذائها.
وعند احمد.
لم يتحرك من جوار ابنته كان ينظر لها فقط، ولوهله تمنى لو كان أبًا حقيقياً لها، أباً تخبر أصدقائها عنه بكلم فخر وسعادة.
وقطع جلسة تأنيب الضمير تلك دخول شريف إلى الغرفة.
نهض الآخر من مكانه فقال شريف:
– جهز نفسك ممكن بكره نتحرك من هنا.
قال أحمد بتساؤل:
– ليه؟
– احتمال المكان ده يتعرف خليك جاهز لأي حاجه في أي وقت.
أومأ أحمد برأسه ثم تركه الآخر وخرج من الغرفة.
مر وقت ولم تستعيد فيه ليلى وعيها لذلك شعر أحمد ببعض القلق وقبل أن يتصل بالطبيب وجدها تفتح عيونها ببطيء.
جلس بجوارها بسرعه وانتظر منها أي ردة فعل ولكن حدث عكس ما توقعه، وكان صمت الطفلة التام، لم تفتح فمها لتقول كلمة واحده قط، استكفت بالنظر إلى السقف لدقائق ثم أغمضت عيونها وعادت إلى راحتها، فاطمن عليها أحمد وظل بجانبها طوال اليوم.
في اليوم التالي.
وأكاد أجزم أن اليوم السابق كان أطول وأصعب يوم يمر على عاصي وكذلك رحيل التي كانت تجلس بقلق كبير تنتظر أي خبر من عاصي، حتى أخبرها عن فاعل الخير هذا والذي سوف يدلهم إلى مكان ليلى.
وفي الصباح قد تفاجئ عاصي أن رحيل أمام باب منزله!
رحبت بها حنان ودلفت إلى الداخل، وقد خرجت سلمى إليها ورحبت بها أيضًا.
قال عاصي:
– جيتي ليه المفروض ترتاحي؟
قالت بإصرار:
– هاجي معاك.
قال الآخر يتهكم:
– تيجي معايا فين؟
وللأسف لم يخبر عاصي أحد أن ليلى تم اختطافها من قبل أحمد، بل فقط أخبرهم أنها مازالت في المستشفى وقد تركها تحت رعاية إحدى الطبيبات.
وبكلام رحيل هذا قد دمرت كل ما فعله في الأمس حتى لا يعرف أحد ما حدث.
قالت حنان بتساؤل:
– وفيها أي يا عاصي لو جت معاك المستشفى عندها حق، أصلاً كلنا جاهزين عشان نروح.
قالت رحيل بسرعه:
– لاا مش هينفع.
وفي تلك الأثناء كانت مريم قد انتهت من ارتداء ملابسها وظلت في غرفتها برهبه، حتى خرجت واتجهت إلى الصالة حيث يتحدثون.
قالت رحيل وهي تُحدّث عاصي:
– أنت مقولتش لحد تاني؟!!
حاول عاصي أن يُسكتها ولكن بدون فائدة، فعندما وصلت مريم إليهم قالت رحيل بعفوية:
– أحمد خطف ليلى من المستشفى امبارح.
– نعم؟!!
قالتها حنان ومعها سلمى بصدمة.
زفر عاصي بضيق وقد انتابه الغضب بسبب تصرف رحيل ولكنه صمت عندما استدار ووجد مريم تقف عند بداية الصالة تطالعهم بعيون متسعة على أخرها.
استداروا جميعاً حتى ينظرون إلى مصدر صدمة عاصي ليجدوا المسكينة الأخرى أمامهم تطالعهم بصدمة ثم قالت:
– أحمد مين اللي خطف ليلى، مين أحمد؟!!
اتجه إليها عاصي وحدثها بهدوء حتى تلتقط أنفاسها ولكن بدون فائدة، وكأن هناك بركان قد انفجر بداخلها.
صرخت:
– رد عليا أحمد مين؟!!
صاح بها عاصي:
– ممكن تهدي!!
صرخت الأخرى:
– إيه اللي رجعه بعد كل السنين دي، وهو ماله بليلى أصلاً مش هو اللي أتخلى عني راجع تاني ليه، عايز يدمر اللي اتبقى من حياتي.
أمسكها عاصي وأحكم قبضته على ذراعها وقال:
– مش هخلي ده يحصل ومش هسمحلك إنك تدمري نفسك تاني، خليكِ واثقة فيا ليلى النهاردة هترجع.
نظرت له مريم بدموع محبوسة في عيونها وصمتت بقلة حيلة.
التفت عاصي إلى رحيل وعيونه مليئة بالغضب، فنظرت هي له بخوف ولكنه لم يترك لها الفرصة أن تتكلم وامسكها من يدها بعنف وخرج بها من البيت.
وبعد خروجه وقفت أمامه وقالت بأسف وندم:
– أنا أسفه والله مكنش قصدي.
ولللحظة غضب عاصي قد خرج عن سيطرته وصاح:
– أنا تعبت من تصرفاتك! تعبت من أفعالك اللي بتعمليها من غير ما تفكري! حقيقي أنا تعبت.
نظرت له بدموع وقالت:
– أنا والله مكنش قصدي أنا بس عشان خايفة على ليلى وقولت لازم كلهم يكونوا عارفين.
صاح عاصي:
– ليه!! أنتِ مالك ومال عيلتي ملكيش دعوة بكل ده، بتحبي ليلى ماشي ومحترم ده بس مش من حقك تفكري في عائلتي بالنيابة عني!
قالت بدموع مجمدة في عيونها:
– أنا فعلاً مكنش قصدي.
– كل مره مش بيكون قصدك برضو، اللي حصل حصل.
صمتت رحيل بحزن وندم فقال الآخر:
– روّحي دلوقتي أرجوكِ وأنا هبقى أقولك اللي هيحصل.
وقبل أن يتحرك أمسكت يده وقالت:
– المرة دي حاسة إني لازم أكون موجودة، لو ليلى ملقتنيش جنبها مش هتثق فيا تاني، أنا أخر حد بتثق فيه بعد اللي سمعته عن مامتها وبُعدك عنها، أرجوك عشاني.
نظر لها عاصي للحظات وظل يفكر بكلماتها، واتصل به عز وقتها حتى يلتقوا في شركته، فابتعد عنها قليلاً وقال لعز:
– رحيل مصممه تيجي.
– كده كده كل حاجه أمان متقلقش وأنا عامل حسابي، هاتها عشان ليلى متخافش على الأقل تطمن لما تشوفها، لسه بدري دلوقتي بس لازم تكون قدام الشركة في الوقت المحدد تمام.
أومأ عاصي برأسه وعاد إليها فكررت كلامها:
– أرجوك وافق والله ما هعمل حاجه تبوظ الدنيا.
– فطرتي؟
قالها عاصي وهو غاضب وقد قطب حاجبيه، فقالت هي بعفوية:
– ملحقتش لا.
– اتحركي طيب.
قالت بفرحه وحماس:
– بجد هتاخدني معاك!!
– اخلصي يا رحيل إحنا مش رايحين نتفسح.
محمت بإحراج ثم تحركت أمامه، وكانت سلمى تتابعهم من النافذة بفضول، وحتى الآن لا تفهم طبيعة علاقة عاصي مع تلك المجنونة.
استقلت رحيل السيارة بجانب عاصي وتحرك بهم إلى الشركة، وفي الطريق قال لها:
– عايزه تفطري إيه؟ لازم تأكلي عشان دواكي.
– أي حاجه.
ثم وقف عاصي أمام إحدى المطاعم واشتري لها بعض الطعام وبعد وقت طويل كان الاثنان في الشركة ينتظرون الساعة المحددة للانطلاق.
***
كان أحمد يشعر بالضيق ولأول مره بسبب كل ما فعله في حياته، لا يعرف كيف استيقظ ضميره فجأة بعد كل هذا، هل تأثير هذه الطفلة قوي لدرجة أن يحرك قلبه الذي يضاهي الحجر في قسوته.
كان يقف في الشرفة فلاحظ خروج شريف من البيت فانتابه الفضول قليلاً نحوه، فلم يشعر بنفسه إلا وهو يخرج من البيت خلفه وقد ترك ليلى تحت رعاية الممرضة، استقل سيارة أجرة وذهب خلفه حتى وصل الآخر بعد فتره إلى المقابر.
ترجل شريف من السيارة ودلف إلى الداخل وانتظر أحمد للحظات ثم دخل خلفه، ظل يتابعه عن بُعد حتى أقترب منه ووقف خلفه تماماً وكان وجهه أمام التربة المقابلة لظهر شريف، فلم يراه الآخر ولم يلاحظ حتى وذلك بسبب وجود العديد من الزائرين لأحبائهم المتوفين، هذا غير حالة شريف النفسية التي كانت واضحه أنها سيئة للغاية.
كان يظن أحمد أنه قد جاء إلى أدهم والده الذي قد تبناه حتى بدأ شريف في التحدث حيث قال وقد ترقرقت الدموع في عينيه:
– وحشتيني.. عدت سنين ولحد دلوقتي مش عارف اتأقلم على الحياة من غيرك، أنا تايه وجوايا نار، نار خلتني أتغير لدرجة إني مبقتش عارف نفسي، بس عارف حاجه واحده وهي إني مش هسيب حقكم، عاصي قتلني قبل ما كان سبب في موتك، وجه قتلني مره تانية لما كان سبب في موت الراجل الوحيد اللي ساعدني واللي خلاني أقف على رجلي، لو في بني آدم أنا بكرهه في حياتي فهو عاصي، عارف إنك زعلانه مني عشان اتغيرت وبقيت شخص وحش، بس أنا مش هرتاح غير لما أرجع حقكم، هحرق قلبه واعيشه في الفقر عايز أشوفه بيشحت، زي ما حرق قلبي على فراقك وكسر ضهري لما أدهم مات، هحرق قلبه على أي حاجه بيحبها، أنا عمري ما قتلت حد ولا هقتل عشان وقتها عارف إنك عمرك ما هتسامحيني، مش هقتل عشان وقتها هكون خسرت نفسي زي ما خسرتكم.
كان أحمد يسمع تلك الكلمات بعيون متسعة!! وقد تأكدت شكوكه حول شريف فالموضوع ليس مجرد صفقة قد أخذها عاصي لصالحه، بل الموضوع أكبر وأعمق بكثير مما يظن، ولوهله شعر بالخوف والخطر من شريف.
مسح الآخر عيونه وتحولت نظرته إلى البرود مرة أخرى وتحرك من مكانه، وعندما تأكد أحمد أن الآخر قد ذهب التفت ليرى الاسم الموجود على المدفن ولكنه كان مدفن جماعي وبه العديد من الأسماء، فلم يعرف من كان يقصد شريف بكلامه، ولكنه بعد وقت من التفكير خرج من المدافن وعاد إلى البيت، وقرر أن يأخذ ليلى من هذا المكان في أسرع وقت ويختفي بها.
في البيت التي توجد به ليلى.
بدأت الصغيرة في استعادة وعيها مرة أخرى، ظلت تنظر أمامها بعدم تركيز واغمضت عيونها عدة مرات وفتحتها مرة أخرى.
وعندما لاحظتها الممرضة اتجهت إليها بابتسامه وقالت:
– حمدالله على السلامة كل ده نوم.
نظرت لها ليلى بعيون متعبه، وفحصتها الممرضة فوجدتها في أحسن حال ماعدا يدها ورجالها المكسورين.
قالت ليلى ببكاء:
– دماغي وجعاني أوي.
جلست الممرضة بجانبها وقالت بحنان:
– عشان فيها تعويره صغيرة بس أنتِ باين عليكِ بنوته جميلة وشجاعة، أنسي الوجع ده وارتاحي بلاش تتعبي نفسك.
نظرت لها ليلى بدموع تملئ عيونها ثم اقفلتهم مرة أخرى ونامت من تعبها.
***
كان يجلس في مكتبه بتوتر، ورحيل أمامه لا تعرف كيف تهون عليه، كان ينظر أمامه بتركيز وكأنه يجمع كل الخيوط في رأسه حتى يصل إلى شيء ما يفيده.
نظرت له رحيل بقلة حيلة وقالت:
– محتاج حاجه؟
أشار برأسه بالنفي فصمتت ثم قالت بعد ثواني:
– بتفكر في إيه طب؟
– بحاول افتكر أي حاجه تساعدني.
صمتت رحيل وفكرت معه بصوتٍ عالٍ فقالت:
– أنا مسألتكش بعد ما نشرت خبر خطوبتنا، إيه اللي حصل؟
زفر عاصي ثم قال:
– حرقتلهم موضوع الصور فعلاً.
– أيوة يعني معرفتش هما عملوا كل ده ليه؟
قال عاصي بتفكير:
– عشان أتنازل عن صفقة المول.
قالت رحيل بسرعه:
– يبقى أكيد في حاجه في الصفقة دي هتحل الموضوع ده.
وقبل أن تُكمل كلامها اتسعت عيونها فجأة عندما استوعبت شيئاً ما فنهضت من مكانها بصدمة وقالت:
– لقيته.
نظر لها عاصي بعدم تركيز وتساؤل فأكملت:
– لما عز كان عندنا في البيت قال إنه الموضوع مش بس صور أو تهريب، قال إنه فيه حساب قديم بينك وبين حد منهم، قال إن واحد فيهم خسر أبوه بسببك وبسبب الشركة بتاعتك وأكيد الشخص ده مش أحمد، يبقى أكيد الشخص التاني ده ليه علاقة بموضوع صفقة المول وبالذات لما طلب منك إنك تتنازل عن الصفقة.
نظر لها عاصي فجأة وهب من مكانه وكأنها قد وضّحت الصورة أمامه، من كثرة الأحداث التي حدثت له لم يبقى به عقل ليفكر في كل تلك الأشياء.
نهض من مكانه هو الآخر ونظر لها بتمعن ثم قال:
– يعني أكيد لو أنا دورت ورا الصفقة دي والشركات اللي كانت بتسعى ليها هوصل مين اللي خسر ومات، وساعتها هكون حليت كل حاجه!
– بالظبط!!
وفي تلك اللحظة دلف رامي إلى مكتب عاصي وبيده العديد من الأوراق التي تنتظر إمضاء عاصي عليها، اتجه إليه وقال:
– مستر عاصي ده شغل الفترة اللي فاتت كلها.
قال الآخر:
– صفقة المول، تقدر تعرفلي وتدورلي من اللي كان بيسعى للصفقة قبل الشراكة اللي تتم بيني وبين شركة الرحاب؟
– أكيد أقدر.
– كويس جدًّا، عايزك تعرف كل الشركات دي وبكل تفاصيلها، حتى لو معلومة بنسبالك مش مهمه أنا عايز أعرفها.
قال رامي بدهشه:
– حاضر بس ليه؟
– الموضوع مهم جدًّا نفذ بس.
أومأ الآخر برأسه وترك الأوراق على مكتب عاصي وقبل أن يخرج التفت إليه وقال بابتسامه:
– صحيح أنا نسيت أبارك لحضرتك ولأنسه رحيل على الخطوبة، ألف مبروك ربنا يتمملكم على خير مع أنه كان خبر صادم للكل بصراحه.
نظرت له رحيل بتهكم وقالت:
– والله؟؟ وخبر صادم ليه يعني.
ضحك رامي رغماً عنه وقال:
– بسبب الحادثة اللي حصلت أول ما دخلتي الشركة، كله كان متوقع أن أستاذ عاصي يعمل تصرفات أقسى من اللي حصلت بس أنتِ محظوظة جدًّا، أستاذ عاصي مش بيسامح حد زي ما سامحك بسهوله كده.
نظرت الأخرى لعاصي بغضب مكتوم فوجدته يبتسم بهدوء، فناظرت رامي مرة أخرى ثم ظهرت ابتسامة صفراء على وجهها وقالت:
– طيب باقي الموظفين مش عايزين يباركوا ولا إيه؟!
ثم أمسكت يد عاصي عنوة وخرجت معه أمام جميع الموظفين، الذين طالعوهم بنظرات مختلفة إحداها غيره والأخرى حقد ونظرات أخرى سعيدة لهم وتتمنى لهم الخير، هكذا هم الناس.
قالت رحيل وابتسامة صفراء على وجهها:
– عيب مش معقول رامي بس اللي يباركلنا هو مش كلنا عيلة هنا ولا إيه.
ثم وضعت يدها في ذراع عاصي ونظرت له بضحكة جميلة، ووقتها أتجه إليهم بعض الموظفين والذي كان معظمهم رجال، وكانت رحيل تطالع الموظفات بنظرة صفراء وغيظ في نفس الوقت، وتركت يد عاصي ثم اتجهت إلى بعضهم وقالت:
– سمعت من رامي أنكم مستغربين الخطوبة ليه كده.
وإحداهم كانت على قدر كبير من الجراءة فقالت بسخرية:
– يعني، مكنش باين عليكِ إنك ذوق مستر عاصي.
نظرت لها رحيل بابتسامة صفراء وقالت:
– والله ويطلع إيه ذوق مستر عاصي؟
قالت الأخرى بضحكة سخرية:
– تكون البنت طبيعية على الاقل، أحنا مش فاهمين إزاي ده حصل بعد اللي عملتيه مع الفوج بصراحه، أنا أسفه بس أنا صريحه شويه مش عارفين خطبك على إيه.
نظرت لهم رحيل بغيظ وقبل أن تمسك شعرها بيدها امسكها عاصي من يدها بسرعه.
نظرت له وقالت بصوتٍ خفيض:
– سيب أيدي!
– اوعي تعملي اللي بتفكري فيه.
ولكن رحيل قد تملكها الغضب وقبل أن تبدي رد فعل عنيف قال عاصي:
– مش وقته دلوقتي، خلينا نخلص من كل حاجه الأول وأنا هخليكي تنزلي فيهم تلطيش براحتك.
نظرت له الموظفة التي كانت تتكلم مع رحيل بصدمة وقالت:
– مستر عاصي حضرتك بتقول إيه؟
– والله لما أنتِ تحترمي نفسك الأول وتركزي أنتِ بتتعاملي مع مين هبقى أخد أنا بالي من كلامي.
ثم أمسك يد رحيل وتحرك بها، فالتفتت الأخرى وطالعتهم بشماته ورفعت حاجبيها وانزلتهم بسرعه مع لسانها التي قد أظهرته لهم ليشعروا جميعاً بالغيظ.
وقف عاصي مع رحيل أمام الشركة وجاء لهم عز الدين وكان يتابع مع يوسف حتى إذا حدث أي شيء غير متوقع يتدخل فوراً.
قال عز:
– الساعة جت ٢، واضح أن فاعل الخير رجع في كلامه.
ظلوا جميعاً على أعصابهم، حتى شعر عاصي بيد توضع على كتفه، التفت بسرعه وكذلك عز ورحيل ليجدوه يقف امامهم.
قال عاصي:
– أنت مين؟
قال الآخر بابتسامة ودوده:
– فاعل الخير.
– أسمك إيه؟
صمت للحظات ثم قال بنظرة خبيثة:
– شريف المحمدي، أنا هوصلك لمكان احمد!
رواية رحيل العاصي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ميار خالد
ظلوا جميعاً على أعصابهم، حتى شعر عاصي بيد توضع على كتفه.
التفت بسرعة وكذلك عز ورحيل ليجدوه يقف أمامهم.
قال عاصي:
– أنت مين؟
قال الآخر بابتسامة ودودة:
– فاعل الخير
– أسمك إيه?!
صمت للحظات ثم قال بنظرة خبيثة:
– شريف المحمدي، أنا هوصلك لمكان أحمد!
طالعه عاصي بتردد ثم قال:
– وأنت تعرف أحمد منين؟
– دي حكاية طويلة ياريت نتحرك دلوقتي عشان عرفت منه أنه ناوي يغير مكانه هو وليلى
وافق عز على كلام شريف وتحرك الأربعة معاً، شريف بسيارته والثلاثة في سيارة عاصي.
كان أحمد بجانب ليلى يفكر في كلمات شريف الذي سمعها وتأكد أن وراءه شيئاً ما.
نظر إلى ليلى وقال:
– حقك عليا أنا أذيتك كتير، من قبل ما تيجي الدنيا وأنا بأذيكي، ودلوقتي بأذيكي تاني عشان أخدتك من وسط ناس بتحبيها، حقك عليا
وقتها استيقظت ليلى من نومها العميق، نظرت لأحمد الذي كان يتحدث معها بدون أن ينتبه أنها قد استيقظت وقالت الطفلة على الفور بتعب:
– أنت عمو اللي أخد مني الصورة
نظر لها أحمد بلهفة وقال:
– أنتِ كويسة سمعتيني؟!
قالت ليلى وقد تكونت الدموع في عيونها:
– أنت عمو وحش أنا مش بحبك متتكلمش معايا، أنا عايزه رحيل هي فين
قال أحمد بسرعة:
– مين قالك كده أنا ماخدتش الصورة خالص بلاش تظلمني
ثم مسح دموعها بطرف أصابعه، قالت ليلى بشك:
– بجد؟! اومال هي راحت فين
– صدقيني مش عارف، بس أنا مش عايزك تزعلي مني، عارفه أنا يومها جيت عشان أشوفك أنتِ
نظرت له ليلى بعدم فهم وقالت:
– يعني إيه؟
– فاكره الرسالة اللي قولتيلي عليها اوصلها لباباكِ يومها
اتسعت عيون ليلى فجأة وقالت:
– أيوة
فرد عليها الآخر بابتسامة:
– أنا وصلتها وهو فرح بيها أوي
ضحكت ليلى بفرحة وإرهاق وقالت:
– بجد! يعني بابا مش عند ربنا هو معانا هنا
– هو معاكِ هنا فعلاً
نظرت ليلى حولها بسرعة ثم قالت:
– بس مفيش حد هنا غيرك يا عمو
صمت أحمد فأكملت الصغيرة:
– هو جاي دلوقتي صح؟
قال أحمد بدون مقدمات:
– أنا باباكِ يا ليلى
نظرت له الطفلة بتفاجؤ حتى تستوعب كلماته ثم قالت:
– مش فاهمه، يعني أنت بابا؟
– حقك عليا إني بعدت عنك كل السنين دي، بس بابا مكنش عارف يوصلك
لأول مرة تقول الطفلة بقسوة:
– مش مصدقاك، عشان أنت جيت عندي الأوضة بتاعتي يعني كنت تقدر تيجي تشوف ليلى أنا في أي وقت
طفلة بعمر الخمسة أعوام تفوهت بتلك الكلمات وبتلك النبرة القاسية فقط بسبب ما فعله والديها بها، فهذا ذنب مريم أيضًا، نعم وضعها وحالتها النفسية لم تسمح لها حتى تعتني بابنتها ولكن ما ذنب الصغيرة؟؟ ما ذنبها حتى تقضي أول سنوات عمرها التي من المفترض أن تكون أسعد لحظاتها بمفردها، لماذا طفلة بعمر الخمسة أعوام تحسد أصدقائها على أهلهم ووالديها على قيد الحياة، ما ذنب تلك العيون الصغيرة أن تبكي على شيء ليس لها ذنب فيه، قبل أن تفكروا في الإنجاب تذكروا أن هناك أرواح صغيرة تحترق بسبب الاختيار الخاطئ..
قال أحمد بدموع:
– صدقيني كان غصب عني، عارفه اليوم ده أنا عرفت أجي ليه، عشان خالك عاصي مكنش موجود لو كان هناك مكنش هيخليني أشوفك
نظرت له ليلى بدون تصديق وقالت:
– إزاي خالوا بيحبني وأكيد مكنش هيخليني أبعد عن بابا
– والله العظيم ده السبب!! خالك عاصي مش بيحبني هو عايز يبعدك عني
ثم صمت للحظات وقال بحزن وعيون صادقة:
– بس أنا مش هقدر أبقى زيه وابعدك عنه، عايزه ترجعي البيت عند خالوا عاصي ورحيل صح؟ أنا هوديكي بس قوليلي ليه عملتي كده اذيتي نفسك ليه
نظرت له بعيون دامعة وفم معكوس للأسفل، كانت تمنع نفسها عن البكاء فلم يقدر الآخر وأخذها في أحضانه بسرعة، مدت ليلى يدها السليمة وعانقت والدها ولأول مرة في حياتها وانفجرت في البكاء، ثم قالت من بين بكائها الهيستيري:
– مش عايزه أشوف ماما هي رجعت البيت تاني، هي مش بتحبني حتى زمان كانت عايزاني أروح عند ربنا عشان زعلانه مني مع إني معملتش ليها حاجة
ثم استمرت في البكاء وقالت:
– أنا بحبها لكن هي لأ، أنا محدش بيحبني ولا عايزني هنا، حتى خالوا عاصي ورحيل سابوني ومشوا هما كمان أنا لوحدي مليش صحاب ولا حد بيهتم بليلى، عشان كده لما سمعت صوتها بره كنت عايزه أمشي بسرعة وأروح في أي مكان بعيد، كنت عايزه أنزل من الشباك زي الكارتون بس معرفتش ووقعت
قال أحمد بنفي:
– مين قال كده، أنتِ تعرفي أني أول ما جالي الخبر جريت على المستشفى بسرعة عشان أشوفك، حقك عليا إني كنت بعيد عنك كل السنين دي بس أنا رجعت خلاص واوعدك مش هبعد عنك تاني وهجبلك حاجة حلوة زي صحابك وهعملك كل اللي أنتِ عايزاه
ابتسمت ليلى وقالت:
– بجد يا بابا؟!
ضحك أحمد بدموع بسبب كلمة ”بابا” الذي قالتها وأردف:
– أوعدك، بس أول حاجة لازم ترجعي للبيت وأنا هكلم خالوا عاصي عشان أشوفك على طول اتفقنا
قالت ليلى بحزن:
– لا أنا مش عايزه أرجع، خليني هنا
ابتسم أحمد وقال:
– أنا نفسي تفضلي هنا أكتر منك بس عشان عاصي ميقلقش، كفاية اللي أنا عملته
قال الجملة الأخيرة تلك بصوتٍ خفيض فقالت ليلى بابتسامة:
– خلاص اتفقنا
ضحك أحمد ثم قبّلها في جبينها وقال في نفسه:
– لازم أصلّح كل حاجة على الأقل عشان ليلى، أنا هقول لعاصي كل حاجة عن شريف وهقوله ليه بيعمل كده، وهسيب كل حاجة تمشي بقى المهم إني أشوف بنتي وبس، وأكيد عاصي هيوافق أشوفها لو ساعدته عشان كده لازم أرجع لليلى البيت تاني ولعاصي..
ثم نهض وجهز نفسه وكذلك ليلى قد بدّل لها ثيابها، تعجب قليلاً بسبب اختفاء رجال شريف من المكان، كان بمفرده في البيت لذلك حمل ليلى ووضعها على كرسي متحرك صغير وتحرك بها، وعندما خرجوا من البيت كانت الابتسامة على وجه ليلى وكذلك أحمد ولكنها اختفت تماماً حين التفت الاثنان ووجدوا المسدس في وجه أحمد!!
وبعدما أخبر بدر زوجته عن فارس الذي سوف يأتي لخطبة ابنتهم قررت أن تأخذ ليلى وتنزل معها حتى تشتري لها فستان جديد، كانت داليا تشعر بفرحة غريبة وكأن فارس هذا هو أول حب لها، ربما تمكن ببساطته أن يخترق قلبها في وقت قصير، ويكفي أنه قد أعطاها فرصة أخرى لتكون نسخة جيدة من نفسها، دلفوا إلى إحدى المولات الراقية وبدأوا في رحلة بحثهم عن فستان هادئ ورقيق بنفس الوقت..
حتى دلفوا إلى أحد الأماكن الراقية ولحسن حظهم أن صاحبة المكان كانت هناك يومها، فاتجهت إليهم امرأة في العقد الخامس من عمرها ولكن برغم كِبر سنها إلا أنها تبدو أصغر بعشرين عام، أنيقة للغاية في لبسها وشكلها لذلك عندما اقتربت منهم لم يكن صعب عليهم تحديد هويتها، اتجهت إليهم نسرين بابتسامة جميلة وقالت:
– نورتوا
قالت أمينة بابتسامة:
– المكان منور بيكِ
قالت نسرين بابتسامة:
– شكلك عروسة صح، أكيد اللف ده كله عشان فستان حلو وشيك
قالت داليا بابتسامة بشوشة:
– بالظبط عايزة فستان يكون هادي أهم حاجة، ويكون لونه فاتح شوية
ابتسمت لها نسرين وقبل أن يتحرك الثلاثة سمعت داليا من يقول خلفها:
– وليه لون فاتح، خليه غامق هيكون أنسب للي جاي
تعرفت على صوته بسرعة والتفتت لتجد حازم أمامها يطالعها بحنق وغضب كبير، قال أمينة:
– نعم؟؟ خير حضرتك فيه؟
اقترب حازم من داليا وكأنه لم يسمع كلمات أمينة وأمسك يدها فسحبت الأخرى يدها منه بسرعة، صاحت به أمينة ودفعته عن ابنتها ونظرت نسرين لما يحدث أمامها بعدم فهم وصدمة، وتحركت في ثواني حتى تطلب أمن المول، قال حازم بغيظ:
– فرحانة وبتجيبي فستان كمان ده إيه البجاحة دي
نظرت له داليا بغضب وقالت:
– أسكت!
صاحت به أمينة:
– أنت شخص قليل الأدب اتفضل أطلع بره قبل ما الأمن يطردك بطريقة وحشة
قال الآخر بضحكة ساخرة:
– لو في حد قليل الأدب هنا فهي بنتك
ثم نظر إلى داليا وألقى قنبلته حين قال:
– هي ماما مكنتش تعرف إني بجيلك البيت لما هما يخرجوا ولا إيه؟؟
وفي لحظة رفعت أمينة يدها وانزلتها على وجه حازم بقوة ثم قالت بغضب عارم:
– احترم نفسك!! أنت بني آدم مش متربي وأنا هرفع عليك قضية!
كانت داليا تطالعه باشمئزاز ثم قالت رغماً عنها:
– حقيقي أنت بني آدم قذر
نظرت لها أمينة بصدمة، وأدركت أن داليا تعرف هذا الشخص وسكوتها هكذا يدل على أن ما يقوله هذا صحيح، لذلك لم تشعر بنفسها إلا وهي تصفعها بقوة ثم سحبتها خلفها وخرجت من المكان، وبعدها خرج حازم وعلى وجهه ابتسامة شامتة..
كانت نسرين تقف بصدمة مما حدث أمامها قبل لحظات ثم قالت:
– ربنا يحمينا إيه البنات دي!
وبعدها صدع هاتفها رنيناً برقم ابنها، ردت عليه بابتسامة وقالت:
– فارس! أتأخرت ليه مش قولت هتيجي عندي الاتيليه..
قال فارس بضحكة:
– حقك عليا يا ست الكل بس اتشغلت، بكره يوم مهم أوي بالنسبالي لازم أكون مجهز نفسي ولا إيه
ضحكت نسرين وقالت:
– طبعاً يا حبيبي، عندي فضول أعرف مين دي اللي وقعتك على وشك كده
– هتحبيها صدقيني، داليا تتحب..
– إن شاء الله يا حبيبي أنت خلص مشوارك وتعالى طيب
ثم ابتسمت وأنهت معه المكالمة، وللأسف الشديد كان ابنها فارس هو نفسه زميل داليا الواقع بحبها، تلك الدنيا أصغر بكثير مما تظن، تُرا ماذا سوف يكون رد فعل نسرين عندما ترى داليا مجدداً أمامها..
كانت مريم تجلس بغرفتها تنتظر أن يأتي عاصي ويحقق وعده لها، وبعدها شعرت بباب الغرفة الذي يُفتح ودخول حنان إلى الغرفة، وأخبرتها أن شادي بالخارج ويريد أن يطمئن عليها فنهضت من مكانها بسرعة وبدلت ثيابها ولبست حجابها وخرجت إليه، كان وجهها بنفس الشحوب ولكنه أراد أن يعطيها طاقة إيجابية فقال:
– وشك مرتاح كتير عن إمبارح الحمدلله
قالت مريم بدون مقدمات:
– هو ليه الدنيا بتتعامل معايا كده؟ كل ما أقول اتصالحت مع دنيتي تديني قلم تاني على وشي
– مامتك قالتلي على اللي حصل، بس أنا عندي اعتراض على حاجة
نظرت له مريم فأكمل:
– ليه مروحتيش مع عاصي، ليه رحيل هي اللي راحت معاه
قالت مريم بتساؤل:
– مين رحيل أصلاً اللي مع عاصي دي
– انسي رحيل دلوقتي
نظرت له مريم بنظرات معينة ترجمها هو على الفور ليقول:
– خايفة من ليلى؟
أومأت مريم برأسها وقالت:
– خايفة من رد فعلها لما تشوفني، هي ممكن تكون وقعت من الشباك بإرادتها معقول مكنتش عايزة تشوفني؟
– أكيد لا بلاش كلامك ده، ليلى هتتجن وتشوفك أصلاً معقول تعمل كده، تلاقيها وقعت بالغلط
– ليه أحمد رجع، رجع عايز إيه بعد كل السنين دي وبنت مين اللي بيدور عليها، ده هرب من قبل ما يحس بيها بتكبر في بطني أصلاً
أمسك شادي يدها وأسكتها حتى تهدأ وعندما سكتت قال:
– أنسي كل ده، أنسي أي حاجة خلي ليلى بنتك بس اللي في دماغك، أنا معاكِ وجمبك مش هسيبك
– بس أنت مش الدكتور بتاعي دلوقتي
صمت شادي وهو يطالعها بعيون لامعة ثم قال:
– بس أنتِ قولتيها قبل ما تخرجي من المصحة، أننا مش علاقة مريضة بالدكتور بتاعها، وأنا مش هسيبك
طالعته مريم بتفحص وقالت:
– مش هتسيبني إزاي؟
– مش وقت الكلام ده، قومي جهزي نفسك عشان لما عاصي يرجع مع ليلى تكوني أول حد يستقبلها
وقبل أن ينهض من مكانه أمسكت يده وقالت:
– خليك وقتها بلاش تمشي
ابتسم لها حتى يبعث بداخلها بعض الطمأنينة وقال:
– مش همشي متقلقيش
ثم خرج من الغرفة وتركها حتى تهدأ وتستعد لاستقبال ليلى، اتجهت إليه سلمى عندما وجدته يتحرك باتجاه الجنينة وأوقفته، قالت:
– هي عاملة إيه دلوقتي؟
– كويسة، أو بتحاول تكون كويسة، ده أكتر وقت لازم نكون جنبها فيه
– أكيد الخمس سنين اللي فاتوا كانوا صعبين عليك بسبب حمل مريم
قال شادي بوجه مبتسم:
– أبدًا كانوا أجمل خمس سنين في عمري، كفاية أني كنت بشوف وشها كل يوم الصبح
طالعته سلمى ببعض الغموض ثم قالت:
– أنت بتحبها؟ مش كده
نظر لها بذهول واتسعت عيونه بسبب كلماتها وصمت، ففهمت الأخرى أنه يحبها بالفعل لذلك قالت وبدون مقدمات:
– تتجوز مريم؟
ردد شادي بذهول:
– نعم؟؟ مريم مين اللي اتجوزها، إيه كلامك ده ركزي أنتِ بتقولي إيه
– مش أنت بتحبها؟ وفيها إيه لما مريم تفتح صفحة جديدة معاك
– أنا شايف إنك بتسبقي الأحداث جدًّا، مش وقت الكلام ده خالص
– تمام بس لعلمك أنا هعمل كل اللي أقدر عليه عشان مريم تكون مبسوطة، يعني تقدر تقول إني أنا وأنت في صف واحد
نظرها شادي بفتور وأردف:
– وأنا كمان يهمني فرحة مريم قبل أي حاجة لأنها في الأول وفي الأخر مريضة عندي أو كانت مريضة عندي ياريت أنتِ متنسيش كده، أنا ومريم صعب نكون سوا، وعموماً محدش عارف بكرة مخبي إيه
وفي تلك اللحظة جاء صوت مريم من خلفهم وهي تردد:
– عندك حق،
محدش عارف بقى مخبي إيه..
التفت الإتنين بسرعة ليجدوا مريم تطالعهم بنظرات ليست مفهومة، أو قد تكون مفهومة بالنسبة لهم ولكنهم ينكروها.
كانت نظرات مليئة بخيبة الأمل والكبرياء المكسور، وظل هم يطالعوها بذهول..
رواية رحيل العاصي الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ميار خالد
ثم نهض وجهز نفسه وكذلك ليلى قد بدّل لها ثيابها. تعجب قليلاً بسبب اختفاء رجال أحمد من المكان. كان بمفرده في البيت لذلك حمل ليلى ووضعها على كرسي متحرك صغير وتحرك بها.
عندما خرجوا من البيت كانت الابتسامة على وجه ليلى وكذلك أحمد، ولكنها اختفت تماماً حين التفت الاثنان ووجدوا المسدس في وجه أحمد.
وكان صاحب المسدس هو عز الدين. نظر له أحمد بتوتر كبير، ولكن توتره هذا تحول إلى صدمة عندما وجد شريف يقف بجانب عاصي.
"كيف؟! ماذا؟! ما هذا الذي يحدث هنا؟!"
عاصي بجانب شريف.
قال عز الدين بصوت خفيض:
– أبعد عن البنت بهدوء.
قال أحمد بسرعه:
– أنا مش هأذيها صدقني دي بنتي!
– قولت أبعد عنها بهدوء! كفاية الرعب اللي هي فيه.
طالعها أحمد بعيون ترقرقت بها الدموع وابتعد عنها ببطء. فأمسكه العساكر الموجودين مع عز بسرعه.
نظرت له ليلى وقالت بتعب:
– بابا أنت رايح فين؟
نظر لها عاصي بتفاجئ وكذلك رحيل، ثم ركضت إلى ليلى بسرعة ونظرت لها بعيون دامعه، وظلت تحتضنها باشتياق. ولكن ليلى لم تُبدي أي ردة فعل وعيونها ظلت مُعلقة بأحمد ابيها.
وقبل أن يتحرك العساكر بأحمد ظل يصرخ:
– أنا معملتش حاجه أنا كنت هرجع ليلى دلوقتي لبيتها مكنتش ههرب بيها والله العظيم ده اللي كنت هعمله.
ولكن للأسف لم يصدقه أي شخص، وكان شريف يطالعه بشماته. ظل يدفع العساكر عنه وقال بصراخ:
– اللي جنبك ده كداب وبيخدعك!! بلاش تثق فيه هيغدر بيك هو نيته مش كويسة عايزك تتهد وتخسر! هو بينتقم منك بسبب…
ولم يُكمل جملته بسبب اللكمة التي أخذها من عاصي على وجهه. قال بعنف:
– ليك عين تتكلم بعد كل اللي عملته! أنت والحيوان التاني اللي بيساعدك هتعفنوا في السجن، مش هيهرب مني.
ووقتها اقترب منه شريف ووضع يده على كتف عاصي وقال:
– بلاش توجع دماغك بيه سيبه للبوليس وهو هياخد جزاءه.
نظر له أحمد بغضب عارم يكاد ينفجر من كثرة غليانه، صاح به أحمد:
– أنت بني آدم كداب!! وأنا مش هسيبك وهفضحك!
ثم نظر إلى عاصي وقال برجاء:
– أرجوك صدقني المرة دي الشخص ده بيخدعك والله هيأذيك بلاش تثق فيه دوّر وراه هتلاقي مصايب.
نظر عاصي إلى عز الدين وأشار له بعينيه فتحرك له العساكر. والتفت أحمد وظلت عيونه معلقة بليلى التي كانت تبكي بحزن. وطالعها هو بقلة حيلة.
نظرت لهم رحيل بضيق. ورغم كُرهها الشديد لأحمد إلا أنها تعاطفت معه وللحظة شعرت أنه يقول الحقيقة.
ركض عاصي إلى الطفلة بسرعه حتى يطمئن عليها ليجدها تنظر له بصمت والدموع مُعلقة بعيونها. قال بلهفه:
– أنتِ كويسة؟! حد عملك حاجه؟
قالت ليلى بدون مقدمات:
– أنا بكرهك.
عاد عاصي خطوة للوراء بصدمة من كلامها. كانت تنظر له بعيون قاسية اختفت منها كل معاني الحياة.
أكملت ليلى بقسوة:
– أنت أخدت ماما مني، ودلوقتي أخدت بابا، أنا مش بحبك بكرهك، بابا كان صح أنت اللي كنت بتمعنه أنه يشوفني.
ثم نظرت إلى رحيل وقالت:
– وأنتِ كمان بكرهك عشان ممنعتيش خالو.
وقالت رحيل بسرعه:
– أنتِ فاهمه غلط صدقيني محدش ليه ذنب في كل ده.
جثى عاصي على ركبتيه ونظر بعيون ليلى وقال:
– باباكِ اتخلى عنك من قبل ما تتولدي، ومامتك حاولت تقتلك وأنتِ عندك ساعات، وأنا اللي اخدتك في حضني وبعدتك عن كل ده، دلوقتي تكرهيني!
نظرت له رحيل بذهول كيف تفوه بتلك الكلمات أمام تلك الصغيرة. ولكن ذهولها قد اكتمل حين ردت عليه:
– لو بتحب ليلى كنت خليتهم يعرفوا غلطهم ويرجعولي بدل ما تبعدني عنهم.
صمت عاصي وكل الموجودين أمام كلمات تلك الطفلة. فتابعت ليلى:
– بابا كان هيرجعني البيت وأنا اللي قولتله لا عايزه أفضل معاك أنتم جيتم ليه انا مكنتش عايزه حد فيكم، لو رجعت البيت هلاقي ماما عارفة أنا سمعت صوتها في البيت عشان كده كنت عايزه أهرب من الشباك بس وقعت.
أخذها عاصي في أحضانه ولأنها كانت ضعيفة للغاية وكذلك صغيرة لم تقدر على دفعه. مسح الآخر على شعرها وقال:
– أنسي أي حاجه دلوقتي، خالوا غلطان بس عقاب زعل ليلى منه ده كبير اوي، أنتِ كنتِ بتعملي حاجات كتير تزعلني بس أنا كنت بسامحك عشان بحبك، معقول مش عايزه تسامحني المرة دي.
نظرت له ليلى بعيون حزينة ثم اشاحت بوجهها عنه بضيق طفولي. وعندما اشاحت بوجهها التقت عيونها برحيل فأشاحت بوجهها في الجهة الاخرى. فصاحت رحيل:
– وأنا مالي أنا طيب بتزعلي مني ليه!
قال عاصي للطفلة:
– أوعدك إني هصلح كل حاجه، يلا.
نظرت له ليلى للحظات ثم قالت:
– بجد؟
– أيوة بس اضحكي.
ظلت ليلى تنظر له وهي قاطبه حاجبيها ولم تبتسم حتى. فقالت رحيل بعفوية:
– مبدهاش بقى.
ثم داعبت بطن ليلى فضحكت الصغيرة رغماً عنها. ضحكت رحيل هي أيضًا.
ثم نهض الثلاثة وأخيراً وحمل عاصي ليلى بين يديه وخرجوا من المكان. ثم جلست رحيل بالسيارة وأخذت ليلى بجانبها واستقرت في احضانها. وفي تلك الجلسة الدافئة اعتذرت ليلى الأخرى بسبب ما قالته قبل قليل. فردت عليها رحيل بقبلة طويلة على رأسها.
وقف عاصي أمام شريف وقال:
– أنا مش عارف أشكرك إزاي حقيقي.
قال شريف بابتسامة خبيثة:
– ولا حاجه صدقني، أتمنى دي تكون بداية صداقة قوية.
أبتسم عاصي وقال:
– اكيد أنا مش هنسى جميلك ده وهستناك تشرفني في الشركة في أي وقت لازم نتعرف أكتر ولو احتاجت حاجه كلمني.
– اكيد حمدالله على سلامتها.
أبتسم له عاصي ثم تحركوا جميعاً من المكان وتركوا شريف خلفهم يبتسم بخبث ولأول مرة تنجح خطة له على عاصي.
قالت مريم بتوتر:
– متأكدة أن عاصي قالك جايين؟
– هيروح المستشفى الأول عشان يطمن على حالتها وحالة رحيل برضو عشان تعبت الأيام اللي فاتت بعدين هيرجعوا متقلقيش.
قالت سلمى عندما فُتِحت سيرة رحيل:
– هي مين رحيل دي أنا مش فاهمه؟ أصلها داخله في حياتنا أوي اكنها واحده مننا، دي هي الوحيدة اللي قدرت تقنع عاصي أنه يخّرج مريم! أنتِ متخيلة أن أنها قدرت تسيطر على عاصي! مين دي وقدرت تعمل كل ده ازاي!
ابتسمت حنان وقالت:
– طب الحمدلله أن ربنا بعتلي حد يعرف يسيطر على عاصي، دي شريكته في مشروع تبع الشغل.
– بس علاقتهم أكبر من علاقة شركاء وبس.
ابتسمت حنان وقالت:
– أتمنى يكون كده والله.
نظرت لها سلمى للحظات ثم قالت بضيق:
– شكلك بتحبيها أوي؟
قالت بنفس الابتسامة:
– البنت تتحب، ومن ساعة ما ظهرت وكل حاجه في عاصي بتتصلح وأنا أهم حاجه عندي أن أبني يكون مرتاح، مش كده يا مريم.
ثم نظرت إلى الصامتة بينهم حتى تتكلم. فقالت مريم وهي تنظر إلى سلمى:
– عاصي اللي هيقرر في الأخر كل حاجه، أنا متعاملتش معاها أوي ومستغربة تدخلها برضو بس شكلها كويسة، كفاية أن ليلى بتحبها أكتر مننا.
وقالت الجملة الأخيرة بحزن. وفي تلك اللحظة صدع جرس المنزل رنيناً فنهضوا جميعاً بترقب. وأمسك شادي يد مريم والذي كان يقف بجوارها حتى يدعمها.
ذهبت حنان بسرعه ومعها سلمى وفتحت الباب فطلت عليها ليلى الجالسة على الكرسي المتحرك ويدها ورجلها محاطين بجبيرة طبية، والشاش الذي يغطي رأسها بجبينها ووجهها الذي يميل الى الشحوب.
قالت حنان بلهفه:
– عمري أنتِ، في حاجه وجعاكي أنتِ كويسة.
أومأت الصغيرة برأسها فقط. ونظرت حنان إلى رحيل وسألتها عن حالتها فأومأت الأخرى برأسها حتى تطمئنها عن حالتها.
أمسك عاصي يد رحيل ونظر لها بخوف من اللحظة القادمة. فنظرت له رحيل بابتسامة جميلة واغمضت عيونها وفتحتها كأشارة حتى يطمئن. وكانت سلمى تتابع كل هذا وبداخلها شعور غريب.
اقتربت مريم من ليلى وجثت على ركبتيها. كانت تنظر لها بصمت ولكن تنبعث من عيونها نظرات بألف معنى. نظرات يكسوها الفرحة والخوف والندم والحزن والأمل. كل المشاعر التي قد وصل إليها الإنسان تجسدت بعيون مريم وهي تنظر إلى ابنتها. وفجأة نزعت حجابها لتظهر خصلاتها الذهبية ذات اللون المميز والذي كانت تتطابق مع ليلى.
وعندما لاحظ شادي أنها تخلع حجابها التفت واعطاها ظهره حتى لا يراها. فنظر له عاصي باحترام وربّت على كتفه.
نظرت ليلى إلى شعر والدتها ورغماً عنها قد لمعت عيناها. ومدت يدها السليمة وامسكت خصلات والدتها برفق وابتسمت رغماً عنها. ولكنها قالت بعدها:
– لما شوفتيني في المطعم ليه معرفتيش أنا مين؟
تساقطت الدموع من عيونها بحزن وقالت:
– كنت تعبانة، الأدوية اللي كنت باخدها خلتني معرفش بنتي من أول لحظة.
قالت ليلى بإصرار:
– طب وشعري! أنتِ يومها قولتيلي أنه بيفكرك بحد.
– نفسي، الحد ده كان نفسي، من كتر ما أنا مكنتش عارفه أنا مين أو أنا إيه كنت شايفاني حد غريب عني، بقيت شخصية مش قادرة أتعرف عليها ولا أفهمها.
نظرت لها ليلى ثم ترقرقت الدموع في عيونها وقالت بصوت مخنوق من البكاء:
– أنتِ مش بتحبيني.
صاحبت مريم رغماً عنها وامسكت يد ليلى وظلت تردد:
– حقك عليا، أنا أسفه، أنا كنت غبية لما فكرت أفرط فيكِ حقك عليا يا ليلى، أنا بحبك أكتر من نفسي صدقيني أنا بحبك أكتر ما أنتِ بتحبيني كمان بس والله أنا مكنش قصدي ازعلك ولا اخليكي تعيشي كل ده، أنا كان نفسي تعيشي أسعد بنت في الدنيا بس كل اللي حصل غصب عني.
– يعني أنتِ أسفة بجد وبتحبيني؟ يعني مش هتسبيني وتمشي تاني؟
أومأت مريم برأسها بسرعه وقالت:
– أيوة والله ما هسيبك تاني.
ضحكت ليلى وقالت:
– خلاص أنا مسامحاكي، رحيل قالتلي مادام حد قالك آسف وأنه بيحبك لازم تسامحيه علطول، وأنتِ أسفه وبتحبيني.
ضحكت مريم ببكاء ثم أخذت ابنتها في أحضانها. وبعد مرور أعوام منذ أن ولدتها، شعرت ليلى بدفء غريب انبعث بداخلها. شعور بالأمان والطمأنينة ولأول مره تشعر به طوال حياتها.
وبعد دقائق ابتعدت عن ابنتها بدموع. ونظرت مريم إلى رحيل لتجدها تطالعهم بابتسامة عريضة وعيونها تلمع بفرحه. فنهضت من مكانها وبدون مقدمات اتجهت إليها وعانقتها فوراً. نظرت لها رحيل بذهول وكذلك عاصي. ولكن رحيل عانقتها هي أيضاً بقوة.
وبعد لحظات ابتعدت مريم عنها وقالت بابتسامه واسعه:
– أنتِ السبب في كل حاجه حلوة حصلت معايا، بسببك رجعت البيت ده، وبسبب كلامك دلوقتي بنتي سامحتني، وبسببك ليلى لسه عايشه بسبب دعمك ليها دايماً، مع أني أمها بس أنتِ كنتِ أحسن مني معاها، أنا عمري ما هنسى فضلك عليا، مش عارفه طلعتي منين بس أنتِ بجد صلحتي كل حاجه، شكراً يا رحيل شكراً أوي على كل حاجه شكراً إنك موجودة.
ولم تُكمل كلامها لأن رحيل قد بكت بصوتٍ عالٍ وقالت:
– خلي بالك أنا دمعتي قريبة وهعيط منك كده.
ضحكت مريم وقالت:
– أسفه والله خلاص، أنا بس عايزه أقولك شكراً أنك صلحتي كل حاجه.
نظرت لها رحيل بدهشه وذهول وقالت:
– بجد! يعني أنا طلعت بصلح الأمور أهو مش ببوظ بس!
ثم نظرت لعاصي وقالت:
– شوفت مطلعتش مع كل خطوة مصيبة أهو طلعت بصلح الدنيا، أتصدق بالله الناس نوعين، نوع شايفني ببوظ كل حاجه ونوع شايفني بصلح كل حاجه.
قال عاصي باعتراض:
– طب ما أنتِ كل خطوة بمصيبة فعلاً إيه تنكري؟
فاقتربت منه وجادلته وردت:
– تعرف تتخانق؟ عاركني يلا.
ضحكت مريم وكل الموجودين على رحيل وكلماتها المرحة وكذلك عاصي. إلا سلمى التي كانت تنظر لهم بضيق.
وفي تلك اللحظة جاءت لرحيل رسالة من داليا ذكرتها فيها أن اليوم سوف يأتي فارس مع أهله حتى يتقدموا لطلب يدها. ضربت رحيل رأسها بكف يدها بنسيان. فنظر لها عاصي بتساؤل. فقالت:
– النهاردة في حد جاي يتقدم لداليا أنا نسيت خالص لازم أكون معاها.
فرد عليها:
– تمام يلا اوصلك.
أجابت برأسها ثم سلّمت على الجميع وخرجت مع عاصي حتى تعود معه إلى بيتها.
وصل عاصي إلى بيت رحيل وأثناء الطريق قصت له عن فارس وكيف تعرف على داليا وكيف عوضها الله عن هذا المخادع الذي يُدعى حازم. قال عاصي:
– مش عايز كل ده يخليكي تنسي صحتك ونفسك، أنتِ وعدتيني إنك هتوافقي تعملي العملية لما مريم تخرج، واديني نفذت طلبك جه وقتك بقى عشان تنفذي.
ابتسمت رحيل وقالت:
– أنت مش واخد بالك من حاجه؟
نظر لها بتساؤل. فاعتدلت في جلستها وأكملت:
– الحكاية بتخلص، العقدة بتتحل وحده وحده، قربنا نخلص من كل المشاكل، وأنا أمشي وكل واحد يرجع لحياته.
نظر لها عاصي بإدراك وقال:
– أنا مش هسيبك غير لما تكوني كويسة.
قالت تكمله لكلامه:
– ولما أبقى كويسة هتمشي عارفه، يعني بمجرد ما افوق من العملية مش هلاقيك صح؟
هرب بعيونه عنها وقال بتردد:
– مش للدرجادي يعني لما تفوقي واطمن عليكِ هب.
وهُنا أعطته قنبلة فجرت عقله حين قالت:
– مش حاسس إنك بتحبني؟ ما يمكن مثلاً يعني مش حقيقة بس، ما يمكن أكون أنا حبيتك؟ وقتها هتمشي برضه.
سعل عاصي بتوتر شديد وظل يهرب بعيونه عنها وقال:
– بلاش تفهمي اهتمامي غلط، لو أي حد مكاني كان هيتصرف كده مفيش حب ولا حاجه بلاش تفكري في حاجات مش موجودة.
ابتسمت رحيل وقالت:
– بجد؟ يعني لو اتقدملي حد مثلاً أوافق عادي.
قالت الآخر بانفعال وغضب:
– متوافقي أنا مالي!! أنا بعتبرك زي مريم عموماً.
طالعته ضاحكة وقالت:
– أختك؟ شايفني زي أختك بجد، خلاص اتفقنا وأنا من النهاردة مش هقولك غير يا أخويا عاصي، تمام!
نظرت لها بغضب وقال:
– يلا عشان هتتأخري.
ابتسمت رحيل وقبل أن تترجل من السيارة قال عاصي:
– خلي بالك من نفسك وخدي علاجك ولو حسيتي بأي تعب كلميني على طول.
ابتسمت الأخرى ابتسامة صفراء وقالت:
– طب وربنا أخويا، حاضر من عيوني يا أحلى أخ في الدنيا.
زفر بغضب ثم تحرك من مكانه وضحكت هي ثم صعدت إلى بيتها. وعندما صعدت وجدت بعض الناس الذين يساعدون والدتها في تجهيز البيت. فذهبت هي إلى داليا وظلت معها وسط جو يملئه البهجة والضحك وجهزتها بنفسها. حتى جاءت اللحظة المنتظرة وهي وصول فارس مع والدته ووالده وأخيه. رحب بهم بدر وجلسوا معاً. وظلت أمينه مع بناتها في المطبخ وقد جهزت لداليا صينية العصير وامسكتها هي جيداً ثم تحركت من مكانها ورحيل خلفها ووقفت عن بُعد ودلفت امينه مع داليا.
قالت نسرين والدة فارس بابتسامة قبل أن ترى داليا:
– وأخيراً جت عروستنا الجمي.
ولكنها عندما التفتت ورأتها أمامها نظرت لها بصدمة وعيونها قد اتسعوا على أخرهم. تسمرت داليا أمامها وطالعتها بنفس النظرات ولكن زاد على نظرات داليا الخوف من ردة فعلها.
قالت نسرين بصياح:
– أنتِ!!
رواية رحيل العاصي الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ميار خالد
نظرت داليا إلى والدتها بصدمة، واتسعت عيونها على آخرهما. تسمرت في مكانها وطالعتها بنفس النظرات، لكن الخوف زاد على نظرات داليا من ردة فعلها.
قالت نسرين بصياح:
– أنتِ!!
وقعت صينية العصير من يد داليا بتوتر. نظرت إلى والدتها بسرعة، لتجد بعيونها نفس نظرة الصدمة. خرجت رحيل على صوت التكسير وركضت نحو داليا.
قالت رحيل:
– في إيه!!
نهض بدر من مكانه بإحراج واتجه إلى ابنته، لكنها ظلت تطالعهم بعيون متسعة.
قال فارس بقلق:
– أنتِ كويسة، في إيه؟!
قالت نسرين بحنق:
– هي دي اللي أنت عايز تتجوزها؟! ملقتش غير دي يا فارس.
نظر لها فارس بانفعال وقال:
– ومالها دي في إيه، أنتم تعرفوا بعض؟!
– ويارتني ما عرفتها.
قالتها نسرين بغضب. فرد عليها بدر بقسوة:
– ياريت تاخدي بالك من كلامك، اللي بتتكلمي عنها دي بنتي.
قالت نسرين بغضب:
– قبل ما تدافع عنها كده، أعرف الأول بتعمل إيه من وراك. أنا مستحيل أقبل بالجوازه دي.
وقبل أن تتحرك من مكانها، أمسكها زوجها من يدها بعنف وقال:
– ممكن تهدي شوية وتسيبنا نتكلم! إيه اللي أنتِ بتعمليه ده.
نظر فارس إلى داليا بخذلان وقال:
– داليا إيه اللي حصل؟
طالعته بدموع وقالت:
– والله ما حصل حاجة، ده سوء تفاهم صدقني.
طالعها فارس للحظات ثم نظر إلى بدر وقال:
– عمي بعد إذنك، ممكن أتكلم مع داليا على انفراد لو مش هيضايق حضرتك.
نظر له بدر بضيق، وطالع والدته بنفس الضيق، ثم تحرك من مكانه وتركهم. نظرت أمينة إلى فارس وأومأت له برأسها. فذهب إلى الشرفة هو وداليا، وكانت نسرين تجلس بتوتر وتهز أرجلها.
عندما دلف الاثنان، قال فارس:
– ممكن تفهميني إيه اللي بيحصل؟
كانت داليا تبكي بشدة. فتردد قليلاً، ثم أمسك يدها وقال:
– ممكن تهدي وتفهمني! سوء تفاهم إيه؟
مسحت داليا دموعها وقالت:
– أنا مكنتش أعرف أن مامتك عندها أتليه. أنا روحت لها امبارح عشان أجيب فستان وماما كانت معايا. وبعدها الحيوان ده كان ماشي ورانا، وطلع قدامي وفضل يقول كلام ملهوش لازمة. عشان كده مامتك أخدت فكرة وحشة عني.
أردف فارس بقلق:
– قال إيه بالظبط؟
– أنه كان بيجيلي البيت من ورا أهلي.
قالتها بعدم تركيز. وعندما أدركت، نظرت له لتجده يطالعها بخذلان وكسرة، وقال بصوتٍ مهتز:
– والكلام ده صح ولا لا؟
نظرت له داليا بصمت ثم قالت:
– هو إحنا مش اتفقنا نقفل أي حاجة قديمة؟
– أيوة، بس عايز أعرف. أو مش محتاجة تجاوبي، هي واضحة. عشان كده قال قدامي أنكم كنتم زي المتجوزين. طبيعي كان بيجيلك البيت من ورا أهلك، بس يا ترى هيبقى نفس الشيء معايا؟
نظرت له بذهول وقالت:
– يعني إيه!
– يعني لما أخرج، هتجيبي واحد البيت من ورايا. هسيب بيتي وعيالي وشرفي أمانة عندك إزاي؟
بكت داليا بقهرة وقالت:
– والله العظيم ما حصل حاجة. إحنا كُنا بنتقابل في البيت بس عشان كُنا بنخاف حد يشوفنا برا سوا، عشان في مشكلة بين أهل حازم وأهلي.
– مش عارف أصدقك. مش عارف أبص في وشك حتى.
بكت داليا ونظرت له بصمت، وذكّرت نفسها أنها قالتها من قبل، أنها لا تستحق شخص مثله، لا تستحق كل هذا الحب.
وقبل أن يتحرك فارس من مكانه، وقفت رحيل أمامه، والتي قد استمعت لكلماتهم تلك. نظر لها فارس بعيون قد ترقرقت الدموع بها.
قالت رحيل:
– أنا عارفه أن داليا غلطت، بس حقيقي متستاهلش كل ده. مينفعش تعاقبها على حاجة قديمة. حقك تزعل لو عملت كده وهي معاك، لكن كده أنت بتظلمها.
مسح عينيه وقال:
– مش هعرف أثق فيها بعد كده.
– هتعرف، مع الأيام هتنسى والثقة دي هتتبني. بلاش تكسرها قدام أهلك، دي أهم حاجة. أنا مش بجبرك تعمل حاجة، لكن أنت وداليا تحبوا بعض. حرام تنتهي بسبب واحد حيوان ميستاهلش.
طالعته فارس بصمت وظل يفكر بكلماتها.
***
في غرفة ليلى..
ظلت مريم بجوارها وكانت تتطلع لها بعيون قد كساها الاشتياق، حتى جاءت سلمى ببعض الطعام لليلى. وأخذته منها مريم ثم أيقظت ابنتها برفق. فتحت ليلى عيونها بتعب وحملتها مريم بين يديها وأجلستها في حضنها. وأمscت الملعقة ثم أطعمتها بيدها. كانت ليلى تنظر إلى والدتها مريم بعيون متسعة وبراءة كبيرة. طالعتها بعيون صادقة تُرسل لها الآلاف الكلمات التي تعني جميعاً ” أشتاق إليكِ “.
ورغماً عن الطفلة، ترقرقت الدموع في عيونها وهي تتناول الطعام. فقالت مريم بقلق وتوتر:
– بتعيطي ليه، في حاجة وجعاكي؟
قالت ليلى بدموع تتساقط مثل اللؤلؤ:
– صحابي لما كانوا بيقولولي أن مامتهم بتأكلهم بأيديها، كنت بزعل أوي عشان معنديش ماما تأكلني بنفسها زيهم. وفضلت أكلم ربنا كتير ومش مصدقة أن ربنا جابلي مامتي زيهم ومحرمنيش من حاجة. أنا بحب ربنا أوي، وهفضل أدعيه على طول وأنا مش خايفة، هفضل متأكدة أنه ربنا مش هيزعل ليلى أبدًا. وبحبك أنتِ كمان.
ضحكت مريم بفرحة ثم عانقتها بقوة وقالت:
– أنا عملت إيه حلو في الدنيا عشان ربنا يرزقني ببنت جميلة زيك كده، أنا محظوظة أوي وتأكدت أن ربنا بيحبني عشان كده بعتك ليا.
ثم أكملت إطعامها لتقول ليلى:
– لما أخف، عايزه أرجع الحضانة وأنتِ اللي توديني كل مرة وتيجي تاخديني عشان صحابي يعرفوا أن ليا ماما زيهم، عشان محدش فيهم يضايقني تاني.
– إيه رأيك أنا وأنتِ نروح نتخانق معاهم؟
– بس دول عيال صغيرة، هتتخانقي معاهم إزاي يا ماما؟
– أنا أعيل منهم عادي.
ضحكت ليلى بقوة وعانقت مريم مرة أخرى ثم قالت:
– ماما، أنا بحبك اوي. عارفه إني قولتلك من شوية كده، بس حاسة إني عايزه أقولك كل شوية إني بحبك.
ترقرقت الدموع في عيون مريم وازدادت نبضات قلبها حين سمعت كلمة ” ماما ” من أفواه ليلى. وظلت تقبلها في رأسها برفق، وظلت تحمد ربنا ألف مرة أنه لم يحرمها من تلك النعمة التي على هيئة بنت صغيرة.
***
في المديرية..
تم احتجاز أحمد بسبب اتهامه بخطف ليلى. جلس مكانه على الأرض بدموع، يقسم بالله أنه كان ينوي للخير، كان ينوي أن يصلح كل الأمور. ندم بشدة لأنه وثق بهذا الخائن، وتذكر كلماته في المقابر. ولولا ما حدث هذا، لكان أخبر عاصي بكل شيء.
وفجأة، دلف إليه إحدى العساكر وأخذوه إلى إحدى الغرفة. وعندما دلف، وجد شريف يقف أمامه ويناظره بشماتة. ولولا القضبان التي يقف خلفها، لكان قد فتك به من شدة غضبه.
قال شريف ببرود:
– متعصب ليه، متروق كده.
صاح به أحمد:
– أنت واحد جبان! أنت عملت كل ده عشان خوفت أروح أكشفك قدام عاصي، بس لو فاكر إنك خلصت مني تبقى غلطان.
قال شريف باستفزاز:
– مش هيصدقك، أنا كسبت ثقة عاصي وأنت لوحدك اللي خسرت.
– ليه عملت كده؟ أنا كنت في صفك ويساعدك!
أبتسم شريف بخبث وقال:
– تقدر تقول إن الفكرة دي جاتلي متأخر أوي. دلوقتي أنا كسبت ثقة عاصي، وبكره هكسب صداقته، بعدين هكسب شركته وحياته، وهو هيخسر! هو كده الغدر مش هيجيلك غير من أقرب حد ليك، وأنا عايز أكون أقرب حد لعاصي.
– ليه كل الشر ده لعاصي!
– عشان بسببه خسرت أغلى ناس في حياتي، خسرت أمي بسببه، ودلوقتي خسرت أبويا اللي مد أيده ليا!
نظر له أحمد بدهشة وقد تذكر الكلمات التي سمعها منه في المقابر، وقد فهم لماذا يحقد شريف على عاصي إلى هذه الدرجة. ولكن ماذا فعل عاصي؟ وكيف تسبب في موت والدة شريف؟ كيف، وقد قال شريف أنه ترعرع في ملجأ. وفي النهاية، تحرك شريف وترك للآخر آلاف الأسئلة.
ولكنه عندما سار بضع خطوات، عاد إليه مرة أخرى وقال:
– أنا عارف إنك كنت ماشي ورايا وأنا في الترب، وعارف إنك سمعت كلام.
طالعه أحمد بذهول، فأكمل الآخر بابتسامة ماكرة:
– لو فكرت تتكلم وتقول أي حاجة عني، مش محتاج أعرفك إيه اللي هيحصل في بنتك. متفتكرش أنها هتكون بعيدة عني، بالعكس، دلوقتي بقت أقرب مني جدًّا. ممكن تتأذي في أي وقت ولسانك هو اللي هيحدد ده. لو متكلمتش في حاجة، هتفضل بنتك بخير. لكن لو اتكلمت وقولت حاجة عني، أنت عارف الباقي.
– أنت بتهددني؟!
– شايف إيه؟ أنا قولت اللي عندي وأنت حر.
ثم طالعه ببرود وتحرك من مكانه. وعندما ذهب، وصل لعز خبر أنه قد أتى شخصاً ما لزيارة أحمد. فاتجه إلى المديرية بسرعة حتى يلحق هذا الشخص، ولكنه لم يلحق به.
في منزل بدر..
جلست نسرين بتوتر وقالت إلى زوجها بعد أن قصت عليه ما حدث في الأتليه الخاص بها، ولكن زوجها ظل مقتنع أن هذا سوء تفاهم.
قال لها:
– البنت شكلها محترمة وأهلها ناس ذوق يا نسرين، حرام عليكي. أكيد سوء تفاهم.
– لا مش سوء تفاهم.
تدخل في الحوار ضياء أخو فارس وقال:
– بابا عنده حق، أدي فرصة للبنت تتكلم. غير كده، فارس بيحبها أوي، بلاش تعقديها بقى.
وقبل أن تتكلم، خرج فارس إليهم وخلفه داليا ورحيل. وفي تلك الأثناء، ذهبت أمينة وخرجت مع بدر هي أيضاً.
قال فارس:
– أنا اتكلمت أنا وداليا وفهمت كل حاجة.
نظرت له داليا بخوف وكذلك رحيل. فقال الآخر:
– الموضوع كله سوء تفاهم. حازم ده كان زميلنا في الكلية وعمل كل ده عشان يوقع بيني وبين داليا من أكتر.
قالت نسرين بإصرار:
– مش مصدقة.
وهُنا تقدمت رحيل وتكلمت:
– أنا مع حضرتك بصراحة. حقك تضايقي وتاخدي موقف زي ده.
نظرت لها داليا بذهول وكذلك أهلها بسبب كلماتها تلك. ونظرت لها نسرين بابتسامة لأنها أكدت على كلامها. ولكن رحيل أكملت:
– حقك طبعاً تتكلمي وتقولي كده لأنك شايفة جانب واحد بس من الصورة. لكن في جوانب تانية بتقول أن اللي شايفة ده غلط. ودي طبيعتنا كبشر، عشان كده في حاجة اسمها نقاش، عشان نفهم وندرك ونشوف الصورة صح. فارس بيحب داليا، معقول هتكسري قلب ابنك عشان سوء تفاهم وحاجة مش حقيقية؟! غير كده، ده مش عدل. أنتِ حتى مدتيش فرصة لنفسك إنك تعرفي داليا.
نظرت لها نسرين بتردد، ولكن تغيرت نظراتها إلى القسوة. وقبل أن تتكلم، ذهبت رحيل إلى جوارها وقالت بضحكة مرحة:
– اتصديقي بالله، أنتِ شكلك لطيف اوي. يعني أنا مش متخيلة هتكوني حماه إزاي، ده أنتِ اللي يشوفك يقول أصغر من داليا.
ضحكت نسرين رغماً عنها بسبب كلمات رحيل. وقد نظر ضياء أخو فارس إليها بأعجاب شديد. وقد انبهر الجميع من ذكائها في تدارك الأمور. بكلمات بسيطة منها وبتصرفاتها العفوية، حلّت وضع معقد جدًّا.
وعندما وجدت نسرين تضحك، قالت رحيل:
– وضحكتك جميلة كمان، لا براحه على قلبي مش كده.
ضحكت نسرين أكثر ثم قالت من بين ضحكاتها:
– ممكن تديني فرصة أتكلم طيب.
صمتت رحيل بتأدب وتركت الفرصة لنسرين حتى تتكلم. صمتت الأخرى قليلاً ثم أردفت:
– أولاً، أنا آسفة على رد فعلي العنيف ده، بس مخي اتشوش. لولا البنت دي، أنا مكنتش هعرف أفكر صح. أنا موافقة، معنديش مشكلة، بس برضو فترة الخطوبة دي هتكون بنسبةالي إختبار ليكِ.
وقد وجهت كلامها في النهاية إلى داليا. ضحكت داليا بفرحة وأومأت برأيها وجلسوا سوياً ثم قرئوا الفاتحة وسط فرحة وضحكات رحيل التي قد سلبت عقل ضياء.
ولكنه لم يحتمل حتى يعود إلى بيته، فقرر أن يعرض على رحيل أن يخطبها هو أيضاً حتى يعرفوا بعض أكثر، ولعل يكون هناك نصيب بينهم. ولكنه قبل أن يتكلم، رن أحدهم جرس الباب. فذهبت رحيل وفتحت الباب لتجد عاصي أمامها! نظر لها بتوتر وقال:
– أنتِ كويسة، مش محتاجة حاجة؟
ضحكت رحيل وأشارت برأسها بالنفي. قالت:
– اتفضل.
قال عاصي بسرعة:
– لالا، أنا جيت أطمن عليكِ بس.
قالت رحيل بمزاح ومكر:
– ياااه، أد إيه أنت أخ عظيم.
أبتسم عاصي ابتسامة صفراء وقال بغيظ:
وفي تلك اللحظة، أتى بدر بحثاً عن رحيل حتى وجدها تتحدث مع عاصي عند باب الشقة. اتجه بدر إليهم وقال بسرعة:
– أنت واقف على الباب ليه، اتفضلوا.
وقبل أن يتكلم عاصي، وجد من يسحبه من يده حتى يدخل. دلف عاصي وبدر وكذلك رحيل إلى الصالون حيث يوجد فارس مع أهله. وما أن دخلوا، قال ضياء بسرعة:
– عمي، بصراحة أنا كنت عايز أكلم حضرتك في موضوع تاني.
طالعه فارس وعائلته بدهشة، ثم نظر له بدر بتساؤل وانتظر سؤاله حتى قال:
– لو مفيش مانع، ممكن أطلب إيد آنسة رحيل. يعني بدل الفرحة تبقى اتنين.
وقبل أن يرد بدر، قال عاصي بغضب وغيظ:
– تطلب إيد مين؟؟
رواية رحيل العاصي الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ميار خالد
قال ضياء بسرعه:
– عمي بصراحه أنا كنت عايز أكلم حضرتك في موضوع تاني.
طالعه فارس وعائلته بدهشه ثم نظر له بدر بتساؤل وانتظر سؤاله حتى قال:
– لو مفيش مانع ممكن أطلب أيد آنسة رحيل، يعني بدل الفرحة تبقى اتنين.
وقبل أن يرد بدر قال عاصي بغضب وغيظ:
– تطلب أيد مين؟؟
قال فارس بسرعه ومن الواضح أنه قد تفاجئ من طلب ضياء هذا، وقال بسرعه:
– مش تسألني الأول طيب، معلش يا عاصي هو ميعرفش إن رحيل مخطوبة أصلاً.
قالت رحيل بذهول:
– قول والله كده.
قال ضياء بدهشه:
– بس هي مش لابسه دبلة!
نظرت رحيل إلى يدها بسرعه ثم خبأتها وراء ظهرها فأكمل فارس وهو يشير إلى عاصي:
– هي وعاصي مخطوبين، معلش يا جماعة أنا آسف على الإحراج ده.
فقال ضياء بضحكة غيظ:
– بس هو كمان مش لابس دبله غريبة يعني.
قالت نسرين بتهكم:
– ما شاء الله خطوبة من غير دبل حتى، ولا مفيش خطوبة أصلاً وأنتم بتقولوا كده.
نظر إليها بدر بتوتر وللحظة هرب كل الكلام عن لسانه، وساد الصمت حتى قال عاصي بضحك:
– معقول نسيتي دبلتك تاني هفضل افكرك بيها لحد امتى.
نظرت له بعدم فهم وظلت ترفع حاجبيها بدهشه ولكنها في نهاية الأمر استوعبت ما يحاول أن يفعله فقالت بابتسامة بلهاء:
– ااااه دبلتي.
أبتسم عاصي وقال:
– من يوم الخطوبة وهي بتنسي دبلتها في كل حته افتكري بقى شلتيها فين.
نظر له أهل فارس بشك نوعاً ما، واصطنعت رحيل التفكير حتى قالت بكذب:
– أيوة افتكرت شكلي نسيتها في العربية عندك.
قال عاصي بسرعه:
– استأذنكم شوية بس نروح نجيب الدبلة ونيجي عشان تقتنعوا مع إني مش شايفها مشكله يعني.
ثم تحرك مع رحيل بسرعه وخرجوا من المنزل، وما أن وصلوا إلى سيارة عاصي تنفست رحيل الصعداء وقالت بتوتر:
– هنعمل إيه دلوقتي.
قال بطريقة عادية وهادئة:
– عادي هتلبسي الدبلة ؟
نظرت له رحيل بذهول وقالت:
– عاصي أنت بهزر!! دبلة إيه اللي بتتكلم عليها ما أنت عارف إن كل دي لعبه، غير كده هنجيب الدبلة منين.
قال بنفس الهدوء:
– نشتريها، محل دهب ده تقريباً صح؟
ثم أشار بيده على احدى المحلات الراقية الموجودة قريبة من منزلهم، وقبل أن تتكلم رحيل قال:
– مفيش وقت، ولا أنتِ عايزه تبوظي خطوبة اختك؟
تأففت بضيق ثم تحركت معه بسرعه، كان يشعر بسعادة غامرة مختبئة بقلبه، دلف مع رحيل إلى محل الذهب ورحب بهم صاحب المكان وقال بابتسامه مجاملة:
– الف مبروك ليكم.
قال عاصي بجمود وعبوس:
– عايزين نشتري دبلتين لو سمحت.
نظر له الرجل بذهول وقال:
– يا ستار في إيه ده وش عريس برضو، الله يكون في عونك يا بنتي.
قطب عاصي حاجبيه وتجاهل كلامه حتى قالت رحيل ببكاء مصطنع:
– شوفت يا عمو أهو على طول كده كاسر فرحتي حتى يوم ما هنجيب الدبل بص وشه عامل إزاي.
أبتسم صاحب المكان وقال:
– بقى حد يكون معاه بنت زي القمر كده ويكشر بوشه.
قال عاصي بغضب:
– زي القمر أه كانت بتتخطب مني من شوية.
– بسببك حالي وقف بقولك إيه طلقني.
– أنتِ هبله يا بنتي أنا اتجوزتك أصلاً!!
– اتجوزني وطلقني.
وقد تركهم صاحب المحل في شجارهم هذا واستغل هذا الوقت وبحث لهم عن دبل عصرية كثنائي مميز، وفي النهاية جاء لهم بزوج من الدبل وكان النقش الداخلي لدبلة الرجل مطرزة بنفس الشكل الموجود على دبلة الفتاة وكأنهم مكملين لبعضهم تماماً.
عاد إليهم ليجدهم مازالوا في شجارهم هذا فقال:
– طيب ممكن تسببوا الخناق شوية وتشوفوا الدبل دي.
وعندما وقع نظر رحيل عليهم قُيد قلبها من جمالهم، نظرت لهم بأعجاب شديد وبدون أن ينتبه لزوج الدبل قال بسرعه:
– تمام هاخده.
نظر له الرجل بتهكم وقال:
– نعم؟ أنت مكسوف تلبسها الدبلة ولا إيه، يلا يا عريس ربنا يسعدكم.
نظرت له رحيل بتوتر وقالت :
– مش لازم أنا هلبسها لوحدي.
وقد صمم الرجل أن عاصي هو من سيضع الخاتم في إصبعها، نظر لها عاصي بابتسامة هادئة ثم انحني وأمسك يدها وأخذ الخاتم، ثم وضعه في إصبعها برفق وظل يحتفظ بيدها بين كف يده، نظرت له رحيل بقلب مهتز يكاد يخرج من مكانه من فرط التوتر والفرحة، ثورة من المشاعر قامت بداخلها وقد تشوش عقلها فلم تشعر بها إلا وهي تحدق له لفتره طويلة، حتى أفاقت على صوت صاحب المكان وهو يشجعها أن تضع دبلته في إصبعه ايضًا، فأمسكت رحيل الدبلة ووضعها في إصبعه بخجل.
وهُنا جاءت إحدى السيدات التي تحافظ على نظافة المكان والتي تتميز ببساطتها واطلقت ما يسمونه بال ” زغروطه ” بصوتٍ عالٍ جعلهم يضحكون بفرحه، ثم خرجوا من المكان بسرعه بعدما أخذ عاصي فاتورة الخواتم ووضعها في جيبه بعدم تركيز، صعدوا إلى البيت بسرعه وقد حُلت الأمور وأخيراً وخصوصاً عندما وجدوا الخواتم في إصبعهم واعتذر ضياء من عاصي وبدر، وبعدها قرروا أن يقرأوا الفاتحة مرة أخرى ووافقت نسرين على هذا الزواج ولكن على مضض.
وبعد ذهابهم طلب بدر أن يجلس مع عاصي قليلاً، فخرجوا جميعاً وبقى في الغرفة بدر وعاصي فقط، أقبل بدر:
– طبعا شكراً أنك لحقت الدنيا النهاردة بس أنا عايز أعرف اللعبة دي هتكون مستمرة لحد امتى.
قال الآخر بعدم فهم:
– لعبة إيه ؟
– لعبة الخطوبة، يعني حاسس أنها طولت شوية.
نظرت له عاصي للحظات وشعر ببعض التوتر فأكمل بدر:
– يعني أنت شوفت النهاردة لولا الخبر الكذاب ده كان زماني فرحت ببناتي الاتنين مع شباب كويسين.
تكوّن بعض الغضب في قلب عاصي بسبب كلمات بدر تلك، وشعر ببعض الغيظ ولم يمنع نفسه فقال بغيظ:
– نعلن أننا فركشنا على طول يعني عشان رحيل تلحق العريس اللقطة ده.
ضحك بدر وقال:
– هو عريس لقطة فعلاً واضح أنه بني آدم محترم باين من كلامه أنه أخلاق وعارف أنه هيحافظ على رحيل و..
وهُنا صاح به عاصي:
– لا!
– هو إيه اللي لا ؟
تنهد عاصي بإحراج وقال:
– يعني أنا شايف أنه لسه بدري على الموضوع ده لرحيل، خصوصاً عشان تعبها أنت نسيت هي مش هينفع لا تتجوز ولا تبدأ حياة جديدة غير بعد شهور، تكون عملت العملية وخفت ورجعت أحسن من الأول ولا أنت شايف إيه؟
نظر له بدر بإدراك وأومأ برأسه بالإيجاب وكأنه قد نسى تلك النقطة تماماً، فأكمل عاصي:
– أول ما رحيل تخف وتعمل العملية وتكون كويسة أنا هعلن أن محصلش نصيب وكل واحد راح في طريقه وخلاص، وساعتها هي تقدر تكمل حياتها.
وقال أخر جملة بحزن واضح في صوته، فربّت بدر على كتفه ثم نهض الآخر وجاء ليخرج من الغرفة ولكنه وجد رحيل أمامه تطالعه بعيون دامعة ووجه كساه الحزن، ففهم عاصي أنها قد سمعت كلامه مع والدها، في تلك اللحظة صمتت افوهتهم عن الكلام وبدأت عيونهم في سرد ما يجول بخاطرهم، كانت عيونها تتحدث وتقول له هل ستذهب بعد كل هذا، هل عمليتي هي تذكرة رحيلك عني؟! لترد عيون الآخر وتقول أنكِ قد افقدتيني نفسي، عقلي وغضبي فلم أخضع تحت سيطرتك أكثر..
وبعدها ابتسم لها وخرج من البيت.
في اليوم التالي..
ولأول مره منذ وقت طويل يستيقظ عاصي على صوت مريم أخته حتى يتناولون جميعاً فطورهم معاً، وبعد دقائق كانوا كلهم على المائدة وعاصي كان على رأس المائدة وأمامه مريم وسلمى ووالدته وكانت ليلى في غرفتها نائمة بتعب، ظل ينظر لهم بدون تصديق ولو كان أخبره شخص قبل فترة أنه سوف يرى هذا المشهد أمامه مرة أخرى لكان قال عنه أنه مختل ليس عاقل.
أنهى فطورة وذهب إلى شركته حتى يهتم بعمله مجدداً بعد فترة الانقطاع تلك، وعادت مريم بجوار ابنتها التي لم تتخلى عنها لحظة منذ أن عادت إليها، حتى أنها كانت تتناول فطورها بسرعه حتى تعود لها، وبالفعل ما أن أنهت طعامها عادت إليها وبعد فترة دلفت سلمى إليها واخبرتها أن شادي قد أتى لزيارتها، فابتسمت بفرحه وجهزت نفسها بسرعه وخرجت إليه في الجنينة حيث كان يجلس، اتجهت إليه بابتسامة جميلة وقالت:
– حلوة المفاجأة دي.
نظر لها الآخر بعيون لامعه وقال:
– طاقتك جميلة اوي شايفك اتحسنتي كتير.
قالت بابتسامة وتلونت وجنتيها باللون الوردي، أقبلت:
– جدًّا الحمدلله، أنا قررت أفتح صفحة جديدة في حياتي وهنسى كل حاجه قديمة.
أبتسم هو ومد يده لها بعُلبة مغلفة ويبدو عليها هدية فنظرت لها بتساؤل، قال:
– دي بمناسبة خروجك من المصحه وبصراحه هي هديه هتفديني جدًا.
ضحكت مريم وأخذت منه العُلبة وفتحتها لتجدها هاتف جديد فنظرت له بتفاجئ فتابع الآخر:
– فيه خط جديد ومتسجل عليه رقمي عشان أعرف أكلمك في أي وقت.
قالت هي بشكر:
– أنا مش عارفه أقولك إيه بجد شكراً جداً.
– مفيش شكر ولا حاجه أنا عملت كده عشاني مش عشانك، أنا اتعودت أشوفك كل يوم حاسس إن فيه حاجه ناقصة، على الأقل كل ما توحشيني أكلمك.
– اوحشك؟
أبتسم وقال:
– توحشيني أه، طبيعي جداً.
– ليه طبيعي، عشان اتعودت تشوفني.
– لا عشان بحبك..
حدقت به بصدمة ولم يستوعب عقلها ما قاله قبل لحظات حتى تجرأ هو وأمسك يدها ثم قال:
– أنا بحبك وعايز اتجوزك، ومش هضغط عليكِ خالص خدي وقتك أنا مش عايز رد منك دلوقتي، ووقت ما تحسي أنك تمام وجاهزة للخطوة هتلاقيني موجود.
ثم ابتسم وذهب من أمامها وظلت هي تطالعه بصدمه وعيون جاحظة، هل ما قاله قبل لحظات حقيقي أم أنها مجرد مزحه ثقيلة منه، لم تتخيل في يوم أن يحدث كل هذا وأن يقول لها مثل تلك الكلمات، ولكن الكارثة الأكبر كان في قلبها الذي كان ينبض بقوة، تلك المشاعر والتوتر اللطيف الذي قد هجروها قبل سنين، تشعر وكأنها مراهقة في الثانوية وأنها لم تمر بكل تلك الاحداث، جانب منها قد شعر بسعادة ولكن جانب آخر شعر بخوف كبير، وللأسف خوفها كان أكبر من سعادتها فنفضت كلماته من رأسها ووعدت نفسها أن تعيش إلى ابنتها فقط.
وصل إلى الشركة ودلف إلى مكتبه ليتفاجأ بوجود شريف! نظر له بتساؤل وابتسم له ثم قال:
– مستني من بدري؟ مبلغتنيش ليه أنك جاي؟
أبتسم له شريف ثم استدار وقال:
– كنت معدي من قدام شركتك قولت أسلم عليك يا سيدي واطمن على ليلى.
– كويس أنك جيت كنت عايز أفهم منك كذا حاجه.
طالعه شريف باهتمام فسأله الآخر من أين تعرف على أحمد ولماذا قرر أن يساعده في الوصول إلى ليلى وما هو دافعه لكل هذا، رد شريف:
– أنا عرفته من شغل، أنا كان عندي شركة استثمارات، مش عارف الظروف اللي جمعتني بيه كانت إيه بالظبط بس ده اللي فاكره، وبعدها فضل كل شوية يطلب مساعدتي في حاجه مره في فلوس ومره في واسطه لحاجه كذا مره يعني، لحد ما في النهاية أحتاج مساعدتي أنه كان عايز بيت يستخبي فيه هو وبنته مع إني عارف حكاية بنته كلها وعارف المعاناة اللي مريم مرت بيها، هو اللي حكالي كل ده، ده غير أنه مره طلب مني أعرف أختك مريم فين وأنا وقتها مرضيتش اساعده عشان مليش دعوة.
كان عاصي ينظر له في نصف عينيه ليعرف هل هو صادق أم لا وكان الآخر على قدر كبير من الاقناع لدرجه أنه لم يترك شك لو بنسبة صغيرة داخل قلب عاصي، فأكمل شريف بمغزى:
– بس أنا حاسس أنه في حد تاني معاه.
انتبه له عاصي وقال:
– ليه؟؟
رد الآخر:
– مش هيتحرك بالثقة دي غير وفي حد بيساعده، وبصراحه أنا عارف من الأخبار أد إيه بنت أختك غالية عليك عشان كده قررت اساعدك، وأهو أكون اتعرفت عليك واتشرفت بيك.
أبتسم له عاصي وقال براحه:
– مش عارف أقولك إيه بس شكرًا، أنت جيتلي من السما حقيقي، وجميلك ده أنا عمري ما هنساه لو احتاجت أي حاجه في أي وقت أعرف أن بابي مفتوح ليك دايمًا.
أبتسم شريف بسخرية وحاول أن يسيطر على ملامحه وخصوصاً أمام عاصي حتى لا ينتبه، ثم وقف مكانه وقال:
– أكيد هحتاجك الفترة اللي جايه، حاجه أول مره تعرفها عني إني كاتب، وموضوع كتابي اللي جاي الأمراض النفسية وإيه هي العقدة اللي بتتكون جوه المريض، حسب ما عرفت من الأخبار أن أختك أنا آسف يعني بس كانت موجودة في مصحه، هي أكتر واحده ممكن تفيدني في كتابي وهتقدر توصلي المريض عموماً بيفكر إزاي وليه اختارت تفضل هناك بإرادته.
نظر له عاصي بتفاجئ وتغيرت نظراته إلى الآخر ثم قال بغموض:
– واضح إنك متابع الأخبار جداً.
قال شريف:
– صدقني دي هتكون مساعده صغيرة ليا بس هتفرق معايا جداً، خصوصاً أني مش هذكر في الكتاب أي حاجه عن أختك هكتب بس تجربتها دي، أرجوك بلاش ترفض.
صمت عاصي وظل يطالعه بغموض ثم رد:
– تمام معنديش مشكله، بس أنا هكون موجود في المقابلة دي.
قال شريف بابتسامه.
في المديرية..
كان أحمد يجلس في تلك الغرفة الصغيرة نوعاً ما، وكان يطالع هذا الباب الحديدي الذي يمنعه عن الحياة في الخارج، كان ينتظر أن يتم تحويله إلى النيابة ولكنه بداخله قد نشأت ناراً بسبب هذا الذي يدعى شريف، وفجأة شعر وكان الباب يُفتح فوقف مكانه فجأة وعندما وجده أحد العساكر عاد إلى مكانه مرة اخرى، ولكن ما لم يحسب حسابه هو تقدم هذا العسكري إليه وقبل أن يفتح أحمد فمه طعنه العسكري في صدره بقوة! ثم أخرج السكين وطعنه مرة أخرى فسقط الآخر غارق في دماءه وفر العسكري هرباً!
رواية رحيل العاصي الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم ميار خالد
ولكن ما لم يحسب حسابه هو تقدم هذا العسكري إليه وقبل أن يفتح أحمد فمه طعنه العسكري في صدره بقوة! ثم أخرج السكين وطعنه مرة أخرى فسقط الآخر غارق في دماءه وفر العسكري هرباً!!
ولكن عند فراره وركوضه بعيداً اصطدم بشخص ما بقوة، وكان هذا الشخص هو عز الدين!! وقبل أن يتحرك أمسك به عز وقال:
– في إيه بتجري كده ليه
تلعثم العسكري وهو يقول:
– حصل عندي حالة وفاة لازم أمشي
نظر له عز بشك ثم تركه فركض الآخر، ولحسن الحظ أن عز كان في طريقه الى أحمد، وعندما وصل إلى الزنزانة الخاصة به أصابته الصدمة حين وجده غارق في دماءه ولو تأخر عز كان الآخر سوف يلفظ أنفاسه الأخيرة، تحرك بسرعه واتصل بالإسعاف وبعد فتره ليست قصيرة كان أحمد قد وصل إلى المستشفى ودلف إلى العمليات فوراً.
في شركة عاصي..
وصلت رحيل إليها بعد أن أقنعت أهلها أن تخرج بسبب حالتها الصحية، أخذت نفساً عميقاً قبل أن تدلف إلى مكتبه ثم فتحت الباب ودخلت ولكنها توقفت مكانها حين وجدت سلمى هنا أيضاً، والتي قد وصلت إليه بعد خروج شريف ونظرت رحيل على المكتب فوجدت علبة طعام، فعاودت نظرها إلى عاصي لتجده يتفحصها بتساؤل ثم قال:
– جيتي ليه أنا مش قولتلك ترتاحي؟!
ابتسمت رحيل ابتسامة صفراء ثم دلفت ووقفت أمامهم ثم قالت:
– مش عارفه حبيت الشركة فجأة بقيت أحس أنها بيتي التاني
ثم جلست أمام سلمى ومدت يدها إليها وخصوصاً التي توجد بها الدبلة، وقد قصدت أن تُظهر الدبلة إليها فسلمت عليها الأخرى وتجاهلت محاولتها تلك، ثم أخذت سلمى عُلبة الطعام وقدمتها إلى رحيل، ولكن الأخرى وكالعادة كان معها عُلبة طعامها فرفضت بلطف، ولم تستطع سلمى أن تكتم سؤالها فقالت:
– بس إيه حكاية الدبل اللي في أيديكم؟
قال عاصي بشكل هادئ:
– الخطوة دي كانت متأخرة أصلاً المفروض أول ما كنت أعلنت الخطوبة كُنا نلبسهم عشان الناس
قالت سلمى بسرعه:
– بس الخطوبة دي أي كلام صح ؟
نظر عاصي إلى رحيل للحظات ولم يعرف كيف يرد، وفجأة قال:
– دي إشاعة، طبيعي مش هتكون حقيقية
ابتسمت سلمى وقالت:
– طب كويس، طب وهتنهوا الموضوع ده أمتى؟ أقصد عشان رحيل تكمل حياتها برضو وتشوف نصيبها
قال عاصي بضيق:
– ممكن نقفل الموضوع ده دلوقتي
طالعته رحيل بغيظ ثم نظرت إلى سلمى بضيق، وساد الصمت للحظات حتى هبت رحيل فجأة وقالت:
– أنا همشي مش عايزه اعطلكم أكتر
قال عاصي بسرعه:
– تعطلينا عن أيه مش بنتكلم في حاجه أصلاً
– معلش عن أذنكم
ثم نهضت من مكانها وهي تشعر بألم حاد في قلبها وخرجت من المكتب، وبعدما خرجت قالت سلمى:
– واضح أنها زعلت، هي مصدقة الخطوبة دي ولا إيه؟
طالعها عاصي بصمت وقد قطب حاجبيه بضيق فكررت سلمى كلامها فصاح بها:
– يا ستي مصدقه ولا لا دي حاجه بتاعتنا، لو في حاجه جديده في حياتي أكيد هتعرفوا يعني
قالت سلمى بهدوء:
– لا أقصد يعني عشان أنت قولتلي إنك مش بتحبها فأكيد هي كده برضو فاستغربت أنها اضايقت من كلامي
نظر لها عاصي بضيق وغضب ثم نهض من مكانه وتحرك خلف رحيل، وكانت الأخرى قد وصلت إلى الجراچ حيث توجد سيارة بدر التي قد تحركت بها من بيتهم، وقبل أن تستقلها شعرت ببعض الدوار فوقفت مكانها وامسكت رأسها، قد ارتفع ضغطها بسبب ما حدث قبل لحظات، وقفت أمام السيارة وأخذت شهيق و زفير عدة مرات حتى تنظم دقات قلبها، وقبل أن تتحرك أمسك بها عاصي وقال:
– أنتِ مشيتي ليه؟
قالت رحيل بغضب مكتوم:
– وجودي ملهوش لازمه خليني أمشي
أمسكها من ذراعيها فمنعها من الحراك قال:
– كلام سلمى ضايقك في حاجه؟
صمتت رحيل بحزن ثم قالت بانفعال:
– إحنا ممكن ننهي اللعبة دي دلوقتي، أنا مش عايزه أكمل في حوار الخطوبة ده، وموضوع الصور والتهديد خلص خلاص، أنا عايزه نعلن الإنفصال
نظر لها عاصي بتفاجئ وقال:
– أنتِ ممكن تهدي! في إيه وليه الكلام ده، ما أنتِ عارفه أنه كل ده غصب عني
قالت بانفعال:
– غصب عنك؟!! ومن أمتى أنت بتعمل حاجه غضب عنك؟ بعد أذنك سيبني عايزه أمشي
طالعها عاصي بعدم فهم وحقاً لم يعرف ما الذي يحدث، لماذا تتكلم معه بتلك النبرة وهذا الانفعال، نظر لها بضيق وقال:
– أنا مش بحب حد يتكلم معايا كده ركزي لكلامي
نظرت له بغضب وقالت:
– أنا زهقت من كل ده، ومش عايزه أكمل، مش أنت مستني العملية بتاعتي عشان تبعد عني؟ أنا بقولك من دلوقتي أبعد أنا مش عايزه أشوفك تاني!
انفعل عاصي قليلاً من كلماتها تلك، ثم قال:
– يعني إيه الكلام ده؟
قالت بغضب وصوتٍ عالٍ:
– يعني أبعد عني زي ما أنت ناوي تعمل، وملكش دعوة بحياتي زي ما دخلنا حياة بعض بالغلط هنخرج برضو
ثم تحركت من مكانها فامسكها من يدها عنوة وقال:
– مش بمزاجك تدخلي حياتي وقت ما تحبي وتخرجي وقت ما تحبي!
سحبت يدها بعنف وقالت:
– لا بمزاجي، أنا بريحك من الحِمل بتاعي أنت مش ملزم تتحمل كل ده، لو بتشفق عليا أنا بشيل عنك الإحراج أهو وبقولك أمشي..
طالعها بغيظ وانفعال ثم قال بغضب عارم:
– تمام اللي تشوفيه، براحتك
ثم تركها وتحرك بضع خطوات ولكنه وقف مكانه مجدداً ولم يستدير لها، زفر بضيق وأمسك رأسه بيديه وأخذ نفساً عميقاً و قال ومازال يعطيها ظهره:
– بس أنا مش عاوز أمشي.. ولا عاوزك تبعدي، بقول كلام وقلبي بيقول كلام تاني وأنتِ قولتيلي ادي فرصة لقلبك أنه يقرر، وهو قرر من فتره بس أنا مش عارف أتقبل ده ..
ثم التفت إليها وانقطع كلامه حين وجدها على الأرض فاقدة الوعي! ركض نحوها بهلع وأمسك وجهها ليجده شاحب جداً، ضربها على وجنتها برفق ولكن بدون فائدة لم تستجيب، وفي تلك اللحظة كانت سلمى هي أيضاً وصلت إلى الجراچ وخصوصاً عندما وجدت أن عاصي قد تأخر قليلاً، فوجدت أمامها هذا المشهد فركضت نحوهم بسرعه وقالت:
– في إيه مالها!
قال عاصي بخوف وقلق:
– أكيد تعبت تاني أنا قولتلها ترتاح لكن هي مش بتسمع الكلام
ثم حملها بين يديه واستقلت سلمى السيارة معه بسرعه وذهب برحيل إلى أقرب مستشفى وكان بين الحين والآخر يطمئن على دقات قلبها وعندما وجدها منخفضه أسرع في طريقه.
كانت تفكر بكلمات شادي بشرود فلم تنتبه لحنان التي قد جلست أمامها وطالعتها بابتسامة جميلة، وبعد ثواني انتبهت لها مريم فابتسمت، سألتها حنان ما الذي يشغل بالها فلم ترد عليها، وبعد لحظات قالت بدون مقدمات:
– تفتكري هيجي يوم وهفرح وهحس أني زي البنات ؟
– يعني إيه ؟
– أقصد الخطوبة والجواز والحب الصح، كل الحاجات دي عيشهاا؟
ابتسمت وقالت:
– طبعاً يا حبيبتي و ليه ميحصلش كده
– مش عارفه
– أنت بس عشان مقابلتيش حد صح
نظرت لها مريم وقالت:
– ولو قابلته؟
– لو قابلتيه اوعي تفرطي فيه، الشخص اللي يقبلك بكل عيوبك واللي هيقبل بيكِ وأنتِ في أسوء حالاتك زي أحسن حالاتك، هو ده اللي يستاهل تكملي معاه..
نظرت لها مريم بصمت وتنهدت بضيق، ثم نهضت بعدها وذهبت حتى تطمئن على ابنتها ليلى فكانت الأخرى قد تحسنت كثيراً، غير اعتناء مريم بها يكفي شعورها واحساسها عندما تنام بحضنها كل ليلة، وعندما كانت في غرفة ليلى انتبهت أن ادويتها أصبحت فارغة، فعادت إلى حنان وقالت:
– الصيدلية اللي قريبة من هنا لسه موجودة ولا لا؟
– آه لسه زي ما هي بس ليه
– أدوية ليلى خلصت ينفع تبعتي عم منصور يجيب
– استني شوية طب أنا بعته يجيب حاجات تانيه
– مش هينفع فاضل نص ساعه على ميعاد الدوا بتاعها
فكرت حنان للحظات ثم قالت:
– اخرجي أنتِ هاتيه طب، عشان كمان سلمى مش عارفه هترجع أمتى وكذلك عاصي
نظرت لها مريم برهبه وطلبت منها أن تأتي معها لأنها تشعر ببعض الخوف، ولكن حنان رفضت فوراً لأنها كانت تريد أن تكسر الرهاب الإجتماعي لدى مريم، وفجأة جالت فكره في رأس مريم فأمسكت الهاتف الذي قد أحضره لها شادي وقبل أن تتصل به قالت حنان بدهشه:
– جبتيه أمتى ده؟
– ده شادي جابهولي النهاردة، عشان لو احتاجت حاجه أكلمه
- ذوق أوي دكتور شادي ده، هو متجوز؟
نظرت لها مريم بتوتر وحركت رأسها بالنفي فابتسمت حنان بهدوء، اتصلت هي بشادي فرد عليها بابتسامة، قالت هي بتوتر:
– ينفع تيجي معايا نروح نجيب دوا ليلى عشان خايفه أروح لوحدي؟
– ده فرصة مقدرش افوتها عشان أشوفك بس لا، خدي الخطوة في المرة الأولى لوحدك
– بس أنا خايفه ولازم أجيب الدوا
– يبقى اكسري خوفك ده زي ما كسرتيه الفترة اللي فاتت وخدي الخطوة لوحدك، أنا واثق فيكِ يلا، أنتِ هتجيبي من الصيدلية اللي قريبه من بيتك أنا شوفتها وأنا جايلك مش بعيدة، يعني الموضوع مش صعب خالص بلاش تتوتري
أخذت مريم نفساً قوياً ثم أومأت برأسها واستعدت حتى تذهب وتأتي بدواء ابنتها، وبعد لحظات خرجت من المنزل واتجهت إلى الصيدلية وهي تنظر حولها برهبه وقلق، وبعد وقت قصير وصلت إلى وجهتها واشترت ادويتها ثم خرجت من المكان ووقفت توضب الأغراض التي تحملها، وفي هذا الوقت اقتربت منها رجلاً ما وعندما انتبهت له ابتعدت بخوف! مد يده هذا الرجل برسالة مغلقة وقال:
– دي من أحمد
قالت مريم بهلع:
– مش عايزه حاجه أبعد عني !
ثم وضعها أمامها على الأرض وقبل أن يتحرك قال:
– ياريت تقرأيها، فيها كلام مهم
ثم تحرك من مكانه! ظلت هي مجمده مكانها لوقت طويل وتردد هل تأخذ الرسالة أم تتركها وتذهب في طريقها وكأنها لم ترى أي شيء، ولكن فضولها قد غلبها في النهاية واقنعت نفسها أنه من الممكن أن يكون هذا الكلام يخصها هي أو ليلى! لذلك أخذت الرسالة ووضعتها في جيبها وتحركت إلى بيتها، أعطت ليلى الدواء وجعلتها تتناوله وعندما اطمأنت عليها قررت أن تعود إلى غرفتها ولكنها توقفت حين سألتها ليلى:
– هو بابا فين؟ هو وعدني أنه مش هيسبني تاني
عادت إليها مريم وقالت بتساؤل:
– يعني أنتِ مش خايفه منه؟
قالت ليلى برفق:
– خالص، بابا اتأسف مني وقالي أنه هيصلح كل حاجه وهيكلم خالوا عاصي عشان يشوفني على طول وقت ما يحب، بس من ساعتها مجاش هو خالوا عاصي مش عايز أنه يجي صح؟
– لا أكيد مش كده
– اومال إيه؟ عارفه أنا كنت مش بحب بابا بس لما شوفته وهو اتأسفلي وكان بيعاملني حلو أوي أنا حبيته، وقالي أنه هيجيب ليا حاجه حلوة ويخرجني زي اصحابي
نظرت لها مريم بشرود ثم جعلتها ترتاح قليلاً حتى تغلق هذا الموضوع وذهبت إلى غرفتها فوراً حتى تقرأ تلك الرسالة!
– أنا بجد مبسوطة جداً مش متخيله أن يوم امبارح عدى!
قالتها داليا بفرحه كبيرة وهي تحدث فارس على الهاتف، حاول الآخر أن ينسى ما حدث والكلمات التي قد سمعها، لذلك حدثها بنبرة سعيدة حتى لا يكسر قلبها، قالت هي بحزن:
– بس أنا مضايقة عشان مامتك، مكنتش عايزه أول انطباع ليا عندها يكون كده
– خير بلاش تزعلي نفسك، إيه رأيك تعملي لها مفاجأة ونروح لها الاتيليه دلوقت
قالت بتردد:
– تفتكر هتكون فكره كويسة مش عارفه خايفه من رد فعلها
– أنا أمي أطيب من كده بكتير، صدقيني هي تهدي بس وكل الأمور هتتصلح
– طيب بص أنا بفكر أعمل حاجه، ايه رأيك اجبلها هديه مثلاً وأروح أقعد معاها شوية في الاتيلية؟
– حلو جداً قومي البسي وأنا شوية وهكون عندك، ومش عايزك تخافي ولا تقلقي من حاجه أنا معاك
فابتسمت براحه وحب ونهضت من مكانها وجهزت نفسها، وقد أخبرت أمينه أنها سوف تذهب لزيارة نسرين وخصوصاً بعد أحداث البارحة علها تُصلح الامور، ولم يكن بدر في البيت بل في عمله ليتابع ما يحدث به، وبعد فتره وصل فارس أسفل بيتها ونزلت هي إليه، أمسك يدها وقبل أن يتحرك وجدها متسمره مكانها لا تتحرك، نظر لها بتعجب وقال:
– وقفتي ليه اتحركي؟
– أنا بحبك
أبتسم الآخر ثم ضحك ضحكة خلابة وطالعها بعيون لامعه ثم قال:
– واشمعنا دلوقتي قولتيها؟
ابتسمت هي بخجل ثم ضحكت وقالت:
– مش عارفه، كنت مكسوفه كويس أني قولتها صح أصلاً
ابتسم قليلاً ثم قال بحب:
– وانا كمان بحبك
ثم شدد قبضته على يدها وتحرك الاثنان، ذهبوا أولاً واشتروا هديه إلى نسرين ثم اتجهوا إلى الاتيلية..
وعند والدته نسرين..
كانت تجلس في مكتبها تتابع مبيعات هذا الأسبوع وتراجع كاميرات المراقبة، وعندما وصلت إلى اليوم الذي حدث فيه مشكلة حازم مع داليا انتابها الفضول قليلاً، فضغطت في الحاسوب ليظهر أمامها تسجيل الكاميرا الخارجية لأتيليها والتي تُظهر المتحركين في المول بشكل كبير، ولاحظت أن حازم كان يسير خلف داليا ووالدتها وبرغم دخولهم العديد من المحلات المجاورة لها والتي تظهر في كاميرات المراقبة لم يُحدث ضجة كما أحدث في الأتيليه الخاص بها، لذلك شعرت أن فارس أبنها محق نوعاً ما وخصوصاً عندما أخبرها أن حازم قد فعل كل هذا عن قصد حتى تتدهور صورة داليا في عيونها، وايقنت أنها من الممكن أن تكون قد ظلمت تلك الفتاة وهي لا تحب أن تظلم أي شخص..
وأثناء تلك المعركة الذهنية دلفت إليها إحدى الفتيات التي تعمل في المكان وقالت:
– أستاذ فارس موجود بره مع خطيبته قالي أناديكِ
ابتسمت لها نسرين ثم شكرتها ونهضت من مكانها وخرجت لهم، نظرت لها داليا بترقب ثم ابتسمت لها ابتسامة واسعة، نظرت نسرين إلى أبنها وقالت:
– إيه المفاجأة الحلوة دي
طالعتها داليا بتوتر وقلق ثم مدت يدها إليها حتى تسلم عليها، كانت يدها ترتجف من التوتر فضحكت نسرين رغماً عنها وقالت:
– أنتِ إيدك بترتعش ليه أهدي
ثم عانقتها نسرين! نظرت لها داليا بذهول ثم طالعت فارس لتجده يبتسم بفرحة، ابتعدت عنها نسرين وقالت:
– أكيد اللي حصل امبارح كان سوء تفاهم فعلاً عشان كده أنا بقول أننا ننساه ونبدأ من أول وجديد صفحة نضيفه
صاحت داليا بحماس:
– أيوه ياريت ده اللي كنت عايزه أقوله لحضرتك، أنا والله مش وحشه بلاش تكوني أخده فكرة عني مش لطيفة
فضحكت نسرين، مدت داليا يدها بالهدية إلى حماتها وقالت:
– دي هدية بسيطة مني ولو حضرتك قبلتيها هعتبرك قبلتيني في عيلتكم
قالت نسرين برفق:
– المفروض أنا اللي اجبلك الهدية دي مش أنتِ، بس ملحوقة
ثم خلعت أحد الخواتم الموجودة بيدها، كان من الذهب الراقي ذو تصميم رقيق وهادئ وامسكت يد داليا ثم وضعته بها ونظرت لها بترقب لترى ردة فعلها، وما كان من الأخرى سوى البكاء بفرحه وقد عانقت نسرين مجدداً وبعفوية وقالت:
– هديتي الحقيقة أن حضرتك تحبيني وننسى اللي فات بجد، والخاتم ده بقى في قلبي من كتر ما هو غالي عليا شكراً أوي بجد
ضحكت نسرين برفق وربّتت على كتفها وقضى الثلاثة يومهم سوياً، ولم تنكر نسرين أنها قد أحبت تلك الفتاة وشعرت كم هي بسيطة ولطيفة، والأهم أنها تفهم في الأدب والذوق، لذلك قد نالت اعجابها..
وصل عاصي إلى المستشفى برحيل التي كانت تحتضر بين يديه، ودلفت إلى غرفة العمليات بسرعة بعدما اسعفوها، ربّتت سلمى على كتفه وقالت:
– متزعلش نفسك هتكون كويسة بلاش تشيل نفسك الذنب
– مينفعش رحيل يجرالها حاجه! مش هعرف أكمل
– هي زعلت ليه أنا مش فاهمه كلامنا مكنش فيه حاجه
صمت عاصي وقال بحزن:
– حاجات كتير بنكون فاهمنها بس منقدرش نتكلم فيها، أنا ورحيل فاهمين كل حاجه بتحصل معانا بس مش قادرين نتكلم، مش عارف ده خوف ولا تردد، مش عارف حقيقي
واثناء حديثهم هذا لاحظوا ضجة قد حدثت في غرفة العمليات ثم خرجت الممرضة بسرعه و عادت مع جهاز الصدمات الكهربائية! نظر لها عاصي بخوف وقد فهم ما الذي يحدث بالداخل..
لا ترحلي.. لا تتركيني..
قلبك الوهن سوف يقتل معاني الحياة بداخلي إذا ترك يده عن الحياة..
لقد شهدتي بداخلي رحيل العاصي، هل ستتخلين عني الآن بعدما تحررت من براثن ذلك الوحش، بسببك..هل ستسمحين له أن يفتك بي مرة أخرى
لا ترحلي.. لا تتركيني..
رواية رحيل العاصي الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ميار خالد
عندما اطمأنت عليها عادت إلى غرفتها فوراً حتى تقرأ تلك الرسالة!
امسكتها بيدها برهبه ثم فتحتها ببطيء وبدأت في قراءتها.
"عارف إني أذيتك كتير، وأذيت ليلى برضو، بس أنا حسابي مع عاصي عشان بعدني عن بنتي، عارف إني مكنتش معترف بيها بس في الآخر هتفضل بنتي، الكلام اللي أنا قولته على شريف كله أفتراء، هو صاحبي لكن خانني وساعد عاصي، طول عمره كان كويس وكنت متوقع أنه يساعد عاصي عشان كده أنا حاولت أخلص منه بس معرفتش، وأنا في المكان ده لو عايز حد ياخد باله من بنتي فهيكون شريف، وأي حاجه هقولها عنه هتكون كدب، حبيت أنتِ بس اللي تعرفي الموضوع ده، شريف كويس أنا اللي وحش."
نظرت مريم إلى الرسالة بعدم فهم وذهول، أول سؤال خطر في بالها من هذا شريف ولماذا يتحدث أحمد بتلك الطريقة، شعرت بشيء غريب ولكنها لم تقدر على تحديده واخفت الورقة بمكان في غرفتها.
***
اثناء حديثهم هذا لاحظوا ضجة قد حدثت في غرفة العمليات ثم خرجت الممرضة بسرعه وعادت مع جهاز الصدمات الكهربائية!
نظر لها عاصي بخوف وقد فهم ما الذي يحدث بالداخل.
"لا ترحلي.. لا تتركيني..
قلبك الوهن سوف يقتل معاني الحياة بداخلي إذا ترك يده عن الحياة..
لقد شهدتي بداخلي رحيل العاصي، هل ستتخلين عني الآن بعدما تحررت من براثن ذلك الوحش، بسببك..
هل ستسمحين له أن يفتك بي مرة أخرى.
لا ترحلي.. لا تتركيني.."
كانت تلك الكلمات التي تجول بخاطر عاصي عندما شاهد كل تلك الاحداث، ونظر أمامه بشرود وعدم تركيز، وأفاق من حالة شروده تلك على مكالمة عز الدين الذي قد أخبره فيها عن ما حدث.
فصاح به عاصي:
"يعني إيه حد حاول يقتله!! مين اتجرأ يوصل لجوه المديرية أصلا."
"حد من العساكر اللي عملها، ودلوقتي أنا بدور عليه وهلاقيه بأذن الله."
"طيب هو مات؟"
"لا لسه عايش الحمدلله، بس معني أنه حد حاول يقتله أنه يعرف حاجه."
"أكيد الطرف التاني اللي معاه هو اللي عملها."
صمت عز للحظات ثم قال:
"أنت مش شاكك في حد؟"
"لا."
"ولا حتى شريف."
قال عاصي بذهول:
"شريف؟ بالعكس ده ساعدنا نوصل لمكانها، لو هو فعلاً اللي معاه مكنش ساعدنا وظهر بكل حرية كده."
"بس أنا كلام أحمد حاسس إني مصدقه، وخصوصاً لما قالك بلاش تثق فيه وتصدق كلامه، حصل حاجه تاني من شريف ده؟"
"أحمد بيقول كده عشان يخرج نفسه من كل حاجه مش أكتر."
"بس لو أخدت بالك ليلى مكانتش خايفه منه، يعني هو فعلاً نيته كانت خير."
صمت عاصي بتفكير، ولكنه لم يصدق كلمات أحمد لذلك لم يشك في شريف، ولكنه يثق برأي عز جداً، لذلك قال:
"ليه شكيت فيه طيب؟"
"حوار فاعل الخير ده مش داخل دماغي، أكيد في غرض ورا كل اللي بيعمله ده."
"هو جالي الشركة النهاردة، قالي أنه كاتب ودلوقتي بيجهز لكتاب عن الطب النفسي عشان كده عايز يقابل مريم."
"اوعي! خلي مريم بعيدة عن كل حاجه."
"أنا كنت متردد في الخطوة دي فعلاً، أنا ما صدقت مريم اتخطت مش عايز أفكرها تاني بكل حاجه عاشتها."
"أنا مش واثق فيه وهثبتلك إن ورا حاجه."
أومأ عاصي برأسه ثم أنهى المكالمة معه، وقبل أن يتحرك اتصلت به مريم! ولكن رقمها كان غريب بالنسبة له فرد عليها بدون أن يعرف هويتها، ووقتها أخبرته أنها مريم وأنها تتحدث معه من الهاتف الذي قد أهداه لها شادي.
وبعدها دخلت في صُلب الموضوع وقالت:
"أحمد بعتلي رسالة!"
نظر عاصي أمامه بتفاجؤ وقال بذهول:
"بعتها لك ازاي؟"
"الدوا بتاع ليلى خلص عشان كده روحت أجيب من الصيدلية، وأنا قدامها لقيت راجل جه سابلي الرسالة على الأرض ومشى وقالي أنها مهمه."
"قرتيها؟"
قالها عاصي بتساؤل فقالت هي:
"مين شريف ده؟"
"أنا جاي حالاً."
وبالفعل بعدها تحرك عاصي بسرعه وترك سلمى في المستشفى وذهب إلى بيته ليعرف موضوع تلك الرسالة.
***
وصل شادي إلى بيت عاصي لأنه كان يريد أن يطمئن على مريم وخصوصاً خطوتها تلك في شراء للدواء، ولأنه كان يريد أن يرى ليلى ولأول مرة.
فتحت له حنان عندما دق على الباب ورحبت به ثم نادت مريم التي جاءت إليه بشرود.
قال شادي بحماس:
"عملتي إيه روحتي جبتي الدواء صح؟"
أومأت برأسها بابتسامة صغيره ولكنه شعر أنه يوجد شيئاً ما فطالعها بتساؤل وفهمت هي نظراته فتنهدت بضيق وأخبرته ما حدث.
وقد شعر ببعض الضيق بسبب هذا أحمد ولأنه يضغط على مريم كثيراً، لا يريدها شادي أن تتذكر أيامها القاسية بل تستمر في التخطي.
قال:
"وحصل إيه؟"
"عاصي جاي دلوقتي وهنتكلم في الموضوع ده، عايزه اطمن على ليلى بس."
"ممكن أشوف ليلى؟ حابب أتكلم معاها."
"هتقولها إيه؟"
قالتها مريم بقلق كبير فضحك الآخر وقال لها أنه لم يخبرها أي شيء بخصوصهم، فاطمأنت قليلاً وأخذته إلى غرفة ليلى فوجدتها تجلس على سريرها بملل وما أن رأتها قالت بضيق:
"ماما أنا زهقت أوي بقى."
ضحكت لها مريم وجلست بجوارها وحاولت أن تهون عليها قليلاً بسبب مرضها، فاقترب منها شادي وجلس على طرف السرير.
نظرت له ليلى بتساؤل وقالت:
"ماما مين ده؟"
قال شادي بضحكة:
"كلمة ماما منك حلوة أوي على فكرة."
ضحكت ليلى له وقالت:
"بجد."
"وضحكتك أحلى كمان."
ازدادت ابتسامة ليلى اتساعاً وظل يحاورها شادي على هذا الاساس، حتى قالت ليلى:
"عمو شادي ممكن تقنع ماما تخليني أخرج من الاوضة أنا زهقت."
"بس أنتِ إيدك ورجلك محتاجين يرتاحوا، أقولك حاجه حلوة."
نظرت له باهتمام فأكمل:
"لو ارتاحتي النهاردة بكره هاجي واخدك نخرج سوا."
قالت ليلى بحماس:
"وماما معانا؟!"
"وماما معانا يا ستي."
ضحكت ليلى بحماس وظلت تتحدث مع شادي بفرحه، وقد ارتاحت مريم نوعاً ما لتقبل ابنتها لشادي، كصديق على الأقل دون الدخول في أي تفاصيل.
وفي تلك الأثناء وصل عاصي إلى البيت فتركت مريم ابنتها مع شادي وخرجت إلى عاصي الذي وما أن رآها قال بقلق:
"فين الرسالة؟"
اتجهت إلى غرفتها وذهب خلفها ثم أحضرت الرسالة واعطتها له، أمسكها هو وقرأ الرسالة بتركيز وشعر بالتعجب أيضاً مثلها.
قال بذهول:
"إيه التناقض ده؟! مش ده كلامه وقت ما مسكناه."
"يعني إيه؟"
"يعني وقتها فضل يصرخ أن شريف مش كويس وبلاش نثق فيه، وأنه نيته كانت خير وكان ناوي يرجع ليلى أصلا."
شردت مريم للحظات فقال عاصي باهتمام:
"بتفكري في إيه؟"
تنهدت وقالت:
"أنت عارف موقفي من أحمد وحقيقي لو في حد بكرهه في الدنيا دي فأكيد هو، بس من ناحية تانية حاسة إني مصدقاه، ليلى النهاردة سألتني عنه، بتقول عنه كلام كويس جداً، أحمد مش هيستفاد حاجه من كل اللي هو بيعمله ده هو مجرد لعبه لحد تاني."
صمت عاصي، ظل يفكر ويربط الأحداث ببعضها، ظهور شريف المفاجئ ومحاولاته المستمرة حتى يتقرب منه، وبعدها ما حدث لأحمد وتلك الرسالة، وجد نفسه فجأة يقول لمريم:
"ركزي في الخط كده، ده خط أحمد؟"
نظرت له مريم بدهشه ثم أمسكت الورقة ودققت بها، ثم اتسعت عيونها فجأة حين أدركت وركزت أن هذا ليس خط أحمد.
قالت بذهول:
"لا مش خطه."
"الرسالة دي أكيد مبعوته من برا مش من عند أحمد، وخصوصاً حالته."
طالعته بتعجب وقالت:
"ليه ماله؟"
"الصبح حصلتله محاولة اغتيال، عسكري حاول يقتله ضربه بالسكينة مرتين بس الحمدلله عز لحقه، هو عايش لسه."
شهقت مريم بفزع وصمتت، وقد سمعت الخبر وكأنه شخص غريب عنها لم تحزن أو تفرح، لم تشعر بأي شيء.
وبعد فتره تركها عاصي وخرج من البيت وعاد إلى المستشفى بعد مرور ساعات حتى يطمئن على رحيل.
وعندما وصل لم يجد سلمى أمام غرفة العمليات فعاد مكانه حين وجد أن العلامة الحمراء الموجودة أعلى باب العمليات مازالت تُنير.
انتظر بقلق وخصوصاً أنهم استغرقوا الكثير من الوقت.
ثم خرج الطبيب وعلى وجهه ملامح الحزن وفقدان الأمل، اتجه إليه عاصي بسرعه وسأله عن وضعها ولكنه لم يرد عليه.
وبعدها خرج طبيب آخر كان معه بالعمليات ووجهه لا يُفسر، نظر لهم عاصي بقلق أكبر وصاح بهم حتى يطمئن على وضعها ولكن الطبيب قال:
"أنا آسف جدًّا، البقاء لله .. ياريت تجهزوا حاجات الجنازة."
نظر له عاصي بعدم فهم وقال:
"جنازة مين أنا مش فاهم حاجه."
"أنا آسف، مقدرناش ننقذ الآنسة."
ثم تركه الاثنان وذهبوا من مكانهم، وقف مكانه بذهول وصدمة، عقله لم يستوعب تلك الكلمات التي قالها له الطبيب، جنازة؟ من ؟! أين رحيل!
صمت.. يصحبه صوت أنفاس عالية..
وكأن عاصفة قوية تحضر نفسها لتدمير كل شيء..
كيف ترحل وتتركه هكذا! كيف ترحل قبل أن تسمع من فوهته كلماته المحبة، كيف ترحل تُنهي قصتهم هكذا قبل أن تبدأ..
لم يستوعب عقله بعد، ظل يردد أنه بالتأكيد هناك خطأ ما، ثم شهق بقهرة وعاد خطوتين إلى الوراء ولأول مره ترقرقت الدموع في عينيها وبكى بشدة، وقلبه يتمزق بألم كبير، أكثر من أي شيء، يشعر وكأن أحدهم غرس بقلبه سكين حاد وملتهب.
وفجأة وسط دموعه وبكاءه هكذا سمع صوتها المتعب:
"عاصي!"
توقف عن البكاء ونظرت أمامه بصدمة، ظل هكذا للحظات حتى يستوعب هل ما سمعه هذا حقيقي أن أنه مجرد تخيل من عقله لأنه لا يستوعب، ولكنها رددت اسمه مره أخرى، التفت برهبه ونظر إليها ليجدها تقف أمامه بتساؤل ووجهها يميل للشحوب.
أخرج تنهيدة حارة وقوية من صدره وكأنه كان يحبس أنفاسه منذ ألف سنه، ولم يشعر بنفسه إلا وهو ينهض من مكانه ويركض نحوها ثم عانقها بسرعه!
نظرت له رحيل بقلق وقالت:
"أنت كويس؟! حد حصله حاجه."
لم يرد عليها عاصي وظل يعانقها بقوة ولم يتوقف عن البكاء، يشعر وكأن قلبه عاد إلى صدره مرة اخرى، يشعر وكأن أنفاسه المسروقة قد عادت إليه مرة أخرى، يشعر بحرارة زائدة بجسده بسبب هذا التوتر والقلق والخوف الذي عاشهم منذ لحظات، مدت يدها وعانقته بقلق وبعدها ابتعد عنها قليلاً ليظهر لها وجهه الباكي وعيونه الحمراء، قال بقلق:
"أنتِ كويسة فيكِ حاجه! كنت متأكد أنه فيه حاجه غلط كنت عارف إنك مش هتمشي كده."
قالت رحيل بذهول:
"أنا كويسة مفيش حاجه، لما خرجت من العمليات ملقتكش فودوني اوضة عادية عشان أرتاح بس أنا كنت قلقانه عليك فقومت أدور عليك."
مسح عاصي عينيه بفرحه وارتياح، ضحك بشدة وحمد ربه بداخله ألف مره.
قالت رحيل بقلق:
"في إيه، انت كويس؟"
"لما جيت كنت فاكرك لسه في العمليات، ولما خرج الدكتور قالي أنك اتوفيتي، وأجهز حاجات الجنازة، لما سمعت الكلام ده محستش بأي حاجه حواليا لحد ما سمعت صوتك، كنت فاكر إني عيشت أوقات كتير صعبه لحد اللحظات اللي عيشتها لما سمعت الكلام ده، عرفت يعني إيه خوف وقهرة."
ابتسمت رحيل بحزن ثم أمسكت يده وقالت وهي تنظر له بعيون لامعه:
"أنا موجودة صدقني مش هيجرالي حاجه أنا واثقة في ربنا، أكيد الحالة اللي دخلت العمليات بعدي هي اللي اتوفت ربنا يرحمها."
قال عاصي بسرعه:
"لازم تعملي العملية في أسرع وقت."
تنهدت رحيل وقالت:
"الدكتور حدد ميعاد العملية بتاعتي خلاص."
"هتكون امتى؟"
"بعد تلت أيام، بس أنا خايفه."
أمسك عاصي كف يدها ثم قبّله وقال بأمل:
"أنا عارف ومقدر خوفك ده، بس أوعدك خلال التلت أيام دول أنا هخلي الخوف ده يختفي، خلال التلت أيام دول لا هنتكلم في مشاكل ولا هنتكلم في أي حاجه تزعلك، كل اللي أنتِ عايزاه هتلاقيه عندك أي حاجه عايزاها في الدنيا هجبها لحد عندك، بس أنتِ تكوني مبسوطة ومرتاحة."
نظرت له رحيل بذهول وتعجب، هل عاصي خاصتها من يقول تلك الكلمات، هل ما تسمعه هذا حقيقي؟ ابتسمت رغماً عنها ونظرت له بحب، قد فضحتها عيونها كما فضحته هو كلماته.
أتصل عاصي بسلمى فردت عليه وأخبرته أنه عندما خرجت رحيل واطمأنت عليها ظهر لها عمل آخر لذلك اضطرت أن تذهب ولكن عاصي قد فهم أنها لا تحب رحيل، وفهم أيضاً سبب عدم حبها لها.
ثم خرج معها واوصلها إلى بيتها، وقد أخبرت أهلها عن ميعاد العملية فشعروا جميعهم بالخوف والقلق.
وطلبت هي من داليا أن تتم خطبتها على فارس يعد يومين على الأقل حتى تحتفل معهم قبل دخولها العملية، وبرغم إصرار داليا أنها سوف تخرج بخير وسوف تحضر معها كل مناسباتها إلا أنها وافقت في النهاية أن تتم خطبتها عليه بعد يومين، وخصوصاً عندما اتصلت به وسألته فما كان من الآخر إلا أنه شجع فكرة رحيل تلك، وبدأت التجهيزات من هذا اليوم لخطبة هذا الثنائي اللطيف، وصمم عاصي أن تتم الخطبة في جنينة منزله لأنها أكبر وأوسع وسوف تساع الكثير من الناس.
وبعد إلحاح شديد وافق بدر على تلك الفكرة.
في اليوم التالي ..
وعندما استيقظ عاصي وجد مكالمات من شريف لم يرد عليها، فعاود الاتصال به ليرد عليه الآخر بابتسامة:
"شكلك نسيت ميعادنا خالص."
"ميعاد إيه؟"
قالها عاصي بحنق فرد الآخر:
"طلبت منك أني أعمل حوار مع أختك مريم عشان كتابي."
يرد عاصي ببرود:
"لا آسف مش هينفع."
"نعم؟ طب ليه ما أنت وافقت وقتها."
رد بنفس البرود:
"مش عايز أفكرها بذكريات هي نسياها، معلش بقى مش هقدر."
صمت شريف حتى لا يتكلم بغيظ واضح في صوته ولا غضب يفتك بهذا عاصي، فابتسم ابتسامة صفراء وقالت:
"حقيقي كل يوم بتكبر في نظري أكتر، أحسن حاجه عملتها فعلاً مع أنك كده هتيجي عليا بس مش مشكله المهم مصلحتها فعلاً أنا هبقى أشوف حالة تانية."
نظر عاصي أمامه بتمعن وتركيز ثم قال:
"أنت ممكن تشرفني في الشركة ونتكلم أكتر."
صمت شريف بتفكير وفهم أنه يوجد شيئاً ما في عقل عاصي، فابتسم وقال:
"أكيد ساعة وهكون هناك."
"تمام."
ثم نهض عاصي من مكانه وقال بإصرار:
"أنا هعرف دلوقتي مين فيكم اللي كداب!"
***
في المستشفى ..
كان عز يجلس أمام غرفة أحمد بنفسه كحماية له، لأنه شعر أن محاولة الاغتيال تلك قد تتكرر مره اخرى، حتى خرج له الممرض وأخبره أن المريض يستعيد وعيه ببطيء فهب الآخر من مكانه واتجه إلى غرفة أحمد بسرعه ودلف إليها ليجده قد بدأ في استعادة وعيه وكانت قدرته على الحراك ضعيفة جداً، ولكنه يقدر على الكلام.
جلس عز أمامه وانتظر حتى بدأ في استيعاب الأمور قليلاً، نظر إلى عز وقال بتعب:
"أنا فين؟"
"أنت كويس وفي المستشفى."
تأوه أحمد بألم كبير ثم قال:
"أكيد الحيوان ده هو اللي عملها."
وهُنا نظر له عز بتركيز وقال:
"هو مين ده؟"
قال الآخر بألم:
"شريف.."
"عايزك تحكيلي كل حاجه تعرفها عن الشخص ده!"
صمت أحمد بقلق ثم قال بتوتر:
"توعدني أن بنتي ميحصلهاش حاجه، لو اتكلمت دلوقتي هتضمنلي سلامة بنتي؟"
"أوعدك محدش هيقدر يقربلها أصلاً."
نظر له أحمد للحظات بخوف ثم فتح فمه وبدأ في الكلام.
رواية رحيل العاصي الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ميار خالد
نظر له أحمد للحظات بخوف ثم فتح فمه وبدأ في الكلام.
أردف:
– أكيد أنت عارف إن كان في طرفين ورا اللي بيحصل مع عاصي، الطرفين دول كانوا أنا وشريف! هو كدب عليا في البداية لما قالي سبب كُرهه لعاصي وغدر بيا لما عمل كل ده عشان متكلمش ومقولش حاجه عنه، وهو اللي كان بيخطط وينفذ وهو اللي دبر موضوع الصور وكان عايز يدبس عاصي في موضوع تهريب السلاح عشان يبلغ عنه يوم التسليم وكل حاجه تدمر.
نظر له عز للحظات وكان الصدق يملئ عيون الآخر فصدقه رغماً عنه ولأنه لم يصدق في شريف هذا يوماً لم يشك بكلماته.
قال:
– ليه بيعمل كل ده؟ إيه السبب؟
– هو قالي أن عاصي كان سبب في موت أمه وأبوه اللي رباه، بس هو على كلامه أنه متربي في ملجأ وواحد أسمه أدهم هو اللي تكفل بيه.
– هو شريف سنه أد إيه؟
– حوالي ٢٥ سنه.
– يعني أصغر من عاصي بأربع سنين، بس أنا مش فاهم حاجه برضو.
– ولا أنا بس صدقني ده اللي أعرفه، ارجوك ساعدني أنا نويت اتغير والله أنا معترف أني عملت حاجات غلط كتير، بس والله فوقت لنفسي وناوي أغير كل ده صدقني.
نظر له عز للحظات ثم ربّت على كتفه وقال:
– أنا هحترم حتة أنك جيت وقولتلي كل حاجه، وده يبين حسن نيتك فعلاً وعشان أنت ساعدتني أنا هساعدك.
– ازاي؟
– ممكن اخليك شاهد في القضية، ده طبعاً لو مفيش أي دليل ضدك.
– أنا مش عايز بنتي تعرف أن أبوها وحش بس، عايز أكون شخص كويس عشانها، عايز أصلح كل حاجه.
– كل حاجه هتتصلح بأذن الله، أنت ارتاح بس ولو احتاجت معلومات تاني هجيلك.
أومأ أحمد برأسه ثم خرج عز من الغرفة وقد ترك أحد العساكر على بابه حتى يحميه من أي محاولة أخرى لقتله.
في اليوم التالي..
كان عاصي في الشركة ينتظر قدوم شريف، الذي جاء إليه بعد ساعة من وصول الآخر إلى المكان.
دلف بابتسامة فنهض الآخر من مكانه بابتسامة هادئة وسلّم عليه، ثم جلس أمامه وظل يتحدث معه عاصي حول أموره وأمور عمله، حتى قال:
– صحيح أنا معرفتش مجال شغلك إيه، يعني قولتلي كان عندك شركة استثمارات، ليه كان هي خسرت؟
أبتسم شريف بغيظ وقال:
– نصيب، مفيش حاجه بتكمل.
– عشان كده كملت في موضوع الكتابة صح، عندي فضول أشوف حاجه من كتاباتك.
ثم أخرج ورقة وقلم من درج مكتبه ووضعهم أمام شريف وقال:
– اكتبلي حاجه كده، عشان اقيمك يمكن اغير رأيي في موضوع المقابلة.
أومأ شريف برأسه وأمسك الورقة والقلم وترجل أي جملة وكتبها له، ابتسم له عاصي وأخذ الورقة وعندما قارن خطه مع الرسالة التي أتت لمريم وجد أنها مكتوبه بخط شريف وليس أحمد! إذا الآخر كان محق في كلماته.
أبتسم له عاصي وأبدى إعجابه على ما كتبه، ولكنه عاد إلى موضوعهم الاصلي وقال:
– طيب ورد فعل أهلك على الشركة بتاعتك كان إيه؟
كان الآخر ذكي، يفهم ما الذي يحاول عاصي أن يفعله، لذلك ظل يراوغه ويخفي عنه الحقيقة فقال له أن عائلته قد ماتت منذ طفولته وأنه يعيش بمفرده.
وأثناء حديثهم هذا أتصل به عز الدين، أستأذن عاصي ونهض من مكانه حتى يرد عليه فاقترب من النافذة وحدثه.
ووقتها قال عز بسرعه:
– في حاجه حصلت لازم تعرفها!
– أتكلم؟
قالها عاصي بفضول فتحدث عز وأخبره بكل شيء عن شريف حسب كلام أحمد.
وعندما ربط عاصي كلمات عز مع مراوغه الآخر منذ قليل ومع الكلام الذي قد توصّل إليه من بحثه خلف شريف وخصوصاً منذ لحظات عندما لم يكن يرد على اسئلته بصراحه أدرك أن شريف هو رأس الحيه!
قال عاصي:
– هو عندي دلوقتي في المكتب، أنت عارف الباقي.
أومأ عز برأسه ثم أنهى المكالمة مع عاصي وتحرك من مكانه.
عاد عاصي إلى شريف الذي كان يجلس بتوتر نوعاً ما.
ابتسم له بثقة وقال:
– أتأخرت عليك معلش، كنا بنقول ايه؟ اه قولتلي أن أهلك اتوفوا قبل سنين ربنا يرحمهم.
ابتسم له شريف بتوتر فأكمل عاصي:
– شركتك كان أسمها إيه؟
نظر له شريف بقلق ثم قال مغيراً الموضوع:
– أنا لازم أمشي دلوقتي عندي مشوار مهم.
فنهض من مكانه ولكن قبل أن يتحرك أسرع عاصي وأمسكه من كتفه وقال:
– كلامنا لسه مخلصش، أقعد.
ثم ضغط على كتفه فأجلسه بالقوة.
عاد عاصي إلى مكانه وقال بثقة:
– الأدهم، مش كده؟
نظر له شريف بصدمة وعيون متسعه ثم أومأ برأسه.
أكمل عاصي:
– بس غريبة أنت قولتلي إنك أهلك متوفين، مع أن الشركة دي بتاعت أبوك حسب الكلام اللي وصلي، ده قبل ما يموت بسبب أنه خسر صفقة المول التجاري اللي مع شركة الرحاب، اللي أنا أخدتها.
نظر له بذهول ثم قال:
– أنت عرفت كل ده منين؟!
ابتسم عاصي بسخرية وصمت للحظات وقال:
– أنت بتعمل كل ده؟ عملت موضوع الصور عشان تدبسني في حوار أكبر وتخليني أخسر كل حاجه، ليه كل الغل ده؟
ووقتها كان استنفذ شريف أخر ذرة لطف وطيبة بداخله، فتحولت عينه إلى الغضب والغل وقال:
– نسيت فعلاً أني بتعامل مع عاصي القاضي.
– تعالى دوغري وبلاش لف ودوران، خليك راجل وجاوبني ليه بتعمل كل ده؟ أنا عملتلك إيه؟ وليه بتقول أني كنت سبب في موت أبوك وأمك، وليه كذبت وقولت أنك اتربيت في ملجأ والكلام ده غلط!
رفع شريف حاجبيه بأعجاب وقال:
– حتى دي عرفتها، المفروض اسقفلك فعلاً.
لم يرد عليه، فوقف شريف مكانه ثم ابتسم بسخرية وقال:
– عشان أنت تقوم وتقف على رجلك في شغلك دوست عليا وعلى أمي، أنت كان عندك كل حاجه بس إحنا مكنش عندنا غير الشقة اللي قاعدين فيها، الشقة اللي أنت أديت أمر أنها تتهد عشان تبني على الأرض دي مشروع من مشاريعك.
ثم ترقرقت الدموع في عينيه وهو يقول:
– أمي جت لحد عندك واترجتك عشان تسيب البيت اللي ملكنا، وأنت حتى مسمعتهاش وطردوها من باب الشركة.
تغيرت نظرات عاصي فجأة ونظر له بعيون متسعه.
فأكمل شريف:
– أمي اتقهرت على شقتنا اللي اتهدت وأننا بقينا في الشارع، وفي الآخر جيتوا رميتوا لينا شوية فلوس ميجوش تلت تمن الشقة أصلا، بحجة أنها كده كده كانت هتتهد عشان مخالفة، أمي ماتت على أيدي وأنا مقدرتش أعمل حاجه ماتت مقهورة بسببك!
ظل يطالعه عاصي بصدمة من كلماته تلك.
ثم ابتسم الآخر بسخرية وأقبل:
– مستغرب ليه بقول إني اتربيت في ملجأ، أني أقول كده أحسن ما أقول إني اتربيت في الشارع وكنت باكل من الزبالة، وفي يوم حياتي اتغيرت لما قابلت أدهم اللي كان بنسبالي أحسن من أبويا، مد أيده ليا ووقفني على رجلي وساعدني لحد ما بقيت إنسان تاني، وتاني أنت جيت ادتني قلم على وشي لما مات بسببك وبسبب صفقة المول، شركة أبويا كانت بتخسر وقرب يفلس والبنك كان هيستولي على كل حاجه، صفقة المول الوحيدة اللي كانت قادرة تخرجه من كل المشكلة دي، لحد ما شركة الرحاب سحبت الصفقة مننا وأنت اللي أخدتها، أدهم مقدرش يستحمل كل ده ومات بقهرته برضو!
قال عاصي بسرعه:
– بس ده شغل! أنتم لو كنتوا مكاني كنتم هتعملوا نفس اللي أنا عملته.
قال شريف بصياح:
– لا!! ادهم كان أنسان قبل ما يكون رجل أعمال لكن أنت عمرك ما كنت ولا هتكون أنسان، وبتسألني ليه بكرهك، أنا لو اطول اقتلك بأيدي كنت عملتها.
قال عاصي بانفعال:
– موضوع والدتك أنا مش فاكرُه أصلاً، وأكيد لو أنا كنت أعرف كنت هوقف كل ده، لكن مش أنا اللي نزلت الموقع كل الشغل كان مع السمسار اللي رشحلي الأرض وموقعها.
قال شريف بإصرار:
– مهما تقول هتفضل أنت المذنب الوحيد، وللأسف لحد دلوقتي مقدرتش اسببلك أذي، لحد دلوقتي معرفتش ادوقك نص اللي أنت دوقتهولي، بس الدنيا دوارة وهتتوجع يا عاصي في أقرب الناس ليك وهتحس بيا وبالنار اللي جوايا.
– أنا سبق وتأذيت، أنا قولتلك أني مليش ذنب في كل ده وأنت مصمم إني سبب كل حاجه برضو.
– بيني وبينك الايام!
وقبل أن يخرج من المكتب أمسكه عاصي وقال:
– مفيش خروج من الشركة دي! وأنت فاكر أني هسمحلك تمشي بعد كلامك ده.
ابتسم شريف بثقة وقال:
– لازم تخليني أمشي، غصب عنك لو عايز حبايبك يكونوا بخير.
نظر له عاصي بعدم فهم وتساؤل.
فأكمل الآخر:
– خلال ربع ساعه لو مخرجتش من هنا، رحيل هيتم اغتيالها، وهي قلبها مش ناقص ومش هيستحمل أي وجع اضافي، فأحسنلك تخليني أخرج.
ترك عاصي يده وعيونه متسعه على أخرها.
فأكمل شريف:
– هي دلوقتي بتدور على فستان مع أختها، بلاش الفرح يتقلب عزا.
وعلى الجانب الآخر..
خرجت رحيل مع أختها حتى يبحثوا معاً على فساتين لخطبة داليا.
ظلوا يبحثون كثيراً ويتنقلوا من اتيلية إلى الآخر وفي نهاية الأمر قرروا أن يذهبوا إلى اتيلية والدة فارس وقد تشجعوا للذهاب لأنهم علموا أن نسرين ليست في المكان، فيصبح الفستان مفاجأة لفارس وعائلته.
ظلوا يبحثوا لوقت أيضاً حتى استقروا على فستانين رقيقين وهادئين واشتروهم ثم خرجوا، ولكن رحيل قد تعبت قليلاً فجلست هي وداليا في إحدى الكافيهات حتى ترتاح قليلاً.
ولم ينتبه الاثنان أن هناك من يلتقط لهم بعض الصور، وتلك الصور وصلت إلى شريف فوراً فأمسك هاتفه وعرضه على عاصي!
أكمل شريف:
– لو عربية من غير نمر خبطتها ومشت محدش هيعرف يوصلها وهات دليل بقى ضدينظر له عاصي بغضب وانفعال ثم قال:
– أنت حسابك معايا أنا بتدخلها ليه!!
– أنت اللي مصمم تتأذي بسببها، ما أنت لو بعيد عنها هتكون هي بعيدة عن كل حاجه.
أمسكه عاصي من ملابسه بعنف.
وفي تلك اللحظة وصل عز الدين إلى الشركة ومعه دعم من المديرية حتى يقبضوا على شريف، بتهمه محاولة قتله لأحمد وخطفه لرحيل كما أنه قد هدد عاصي بتلك الصور وكان يريد إجباره على تهريب السلاح.
فتح عز باب المكتب ليجد عاصي يمسك شريف من ملابسه.
وعندما دلف عز الدين أبتعد عنه.
وفي تلك اللحظة فتح شريف هاتفه بسرعه وكتب رسالة إلى الشخص الذي أرسل إليه الصور وكتب بها ” نفذ ” ثم ضغط على شيئاً ما بهاتفه تم مسح كل شيء بعدها.
أمسك به العساكر وأخذوا الهاتف من يده، ولكنه قبل أن يخرج من المكتب نظر إلى عاصي بشماته وسخرية، ولكن عاصي كانت تملئ نظراته الخوف والقلق.
نظر له عز وقال:
– في إيه؟ قالك حاجه؟
– رحيل في خطر لازم أتحرك دلوقتي، الحيوان ده هددني بيها.
– متقلقش رحيل في أمان!
نظر له عاصي بدهشة وذهول ورد:
– إزاي في أمان؟
– رحيل من ساعة ما خرجت هي وأختها وفي حرس حواليهم تبعي بس هما مش عارفين ولا واخدين بالهم ولا هيلاحظوا حتى، اطمن أنا عامل حساب كل حاجه ومكنتش مرتاح للي اسمه شريف من البداية.
ولكن عاصي ظل يشعر بالقلق لذلك قرر أن يذهب لها أيضاً.
وقد تركه عز الدين وأخذ شريف إلى قسم الشرطة ليتم احتجازه والتحقيق معه.
خرج عاصي من الشركة واتصل برحيل الذي ردت عليه فوراً وأخبرته بمكانهم وتحرك هو من مكانه وذهب إليهم.
وعندما علِمت رحيل أنه قادم إليهم نهضت من مكانها وسارت هي وداليا ببطيء حتى وصلوا إلى البوابة الخارجية للمول وساروا قليلاً ثم انتظروا عاصي على الشارع، وتركت سيارتها في جراچ المول حتى تعود لأخذها لاحقاً.
وصل عاصي إلى المكان وترجل من سيارته ليرى رحيل وأختها على الجانب اليمين من الشارع وكان هو على جانب اليسار، فأشار لها بيده أن يظلوا مكانهم ولا يتحركوا، وسار هو في طريقهم.
ولكن رحيل لم تفهم إشارته تلك وتحركت مع داليا بحماس باتجاهه.
وفجأة ظهرت شاحنه كبيرة في منتصف الطريق، كانت تسير بسرعه لدرجة أنها كادت أن تهد الأرض تحتها.
وعندما نظر عاصي بجانبه ورأى تلك الشاحنة صرخ برحيل حتى تقف مكانها!
فتوقفت الأخرى بسرعه ونظرت بجانبها لترى الشاحنة التي تأتي مسرعة في اتجاههم.
فأمسكتها داليا من يدها وتحركت بها بسرعه بعيداً عن الطريق ولكن تلك الشاحنة كانت تقصدهم تحديداً فانحرفت معهم.
ووقتها ظهروا رجال عز واطلقوا النار على عجلات الشاحنة فانحرفت أكثر.
نظرت داليا الى رحيل بخوف ثم دفعتها بقوة بعيداً عن الشاحنة وتلك الدفعة قد أبعدت رحيل عن موقع الحادثة، تلك الحادثة التي لم تقدر داليا على تفاديها فوقعت ضحية جنون شريف القاتل، وتسرع رحيل الغير مدروس، وعدم سرعة رجال عز في التصرف، وبرغم أنها قد ابتعدت عن الشاحنة إلا أنها لم تقدر على تفاديها فصدمتها في جانبها والقت بها على جانب الطريق، ووقع منها فستان خطبتها على الأرض فتلوث بالطين، ثم انقلبت الشاحنة رأسا على عقب بمن فيها.
صرخ عاصي بانفعال بسبب تلك الحادثة التي حدثت في ثواني فقط، وعندما التفتت رحيل كانت أختها على الأرض تنزف دماً من رأسها، ظلت واقفة مكانها بعدم تركيز واستيعاب لما حدث، وكان عاصي هو أول من ركض نحوها، أمسك رأسها بين يديه وفحص نبضات قلبها ليجدها في وضعها الطبيعي فاطمئن نوعاً ما.
وأثر تلك الحادثة تجمع الكثير من الناس ولحسن الحظ كان من ضمنهم طبيب فاتجه إلى داليا بسرعه وفحص بؤبؤ عينها ثم نبضات قلبها والجرح الموجود برأسها وقال لعاصي:
– الحمدلله جرحها سطحي مفيش حاجه، بس لازم نتأكد أن مفيش نزيف داخلي، نبضات قلبها معدلها كويس وبؤبؤ عينيها بيستجيب للضوء.
تنفس عاصي الصعداء وحمد ربه بشده وكانت رحيل واقفة على مسافه منهم تنظر حولها بصدمة وعيون متسعه.
فنهض إليها عاصي بسرعه، أردف:
– داليا كويسة أهدي مفيش حاجه، اتنفسي صدقيني مفيش حاجه خلاص.
نظرت له بعيون دامعة وكانت تستغيث به أن ينقذها من هذا الكابوس، ظل يهون عليها.
وفي تلك الأثناء وصلت الإسعاف وأخذت داليا الى المستشفى وانطلق خلفها عاصي ورحيل، والحمدلله لم يكن جرح داليا عميق وفقدان الوعي هذا كان مجرد إغماء ليس أكثر من كثرة التوتر.
وبعد ساعتين..
كانت داليا استعادة وعيها مرة أخرى وجاء إليها فارس بهلع عندما وصل إليه الخبر ولم يخبروا بدر أو أمينه حتى لا يقلقوا أكثر.
كانت عيونه قد أدمعت وهو يجلس أمامها على السرير ويده ظلت بيدها لم يتركها للحظات، وكانت هي تنظر له بابتسامه وتحاول أن تجعله يهدأ قليلاً ولا يقلق عليها.
قالت:
– أنا كويسة صدقني مفيش حاجه.
– والكدمات اللي في وشك دي إيه؟
– دي حاجات بسيطة الحمدلله، العربية كانت قصدانا كويس أننا قدرنا نفلت منها بأقل الخسائر كده، المهم رحيل كويسة ومحصلهاش حاجه أنا استحملت الخبطه لكن هي مكنتش هتستحمل.
قال فارس بدموع وقلق:
– ولو كان جرالك حاجه أنا كنت هعمل إيه.
– أنا على قلبك أهو مش رايحه في حته.
ابتسم الآخر وظل يطالعها بقلق.
وفي الخارج كان عاصي يجلس بجوار رحيل ويحدثها أن الآن داليا بخير.
قال:
– شريف هو اللي ورا كل حاجه وهو الطرف التاني اللي كنا بندورة عليه، بس دلوقتي هو اتمسك وهياخد جزاؤه، وداليا كويسة أهي وأنتِ كلها أيام وهتعملي العملية وتبقي زي الفل، كل حاجه وحشه بتخلص أهي.
نظرت له بدموع وقالت:
– وأنت هتمشي.
ظل يطالعها للحظات ثم أمسك يدها وقال بابتسامه:
– وأنتِ فاكره إني هعرف أمشي بعد كل ده.
نظرت له بتساؤل وعدم فهم.
فاتسعت ابتسامته أكثر وقال:
– في كلام كتير لازم تعرفيه، بس ده لا وقت ولا مكان مناسب عشان أتكلم فيه.
– ليه مش مكان مناسب، أتكلم!
– صدقيني هتعرفي كل حاجه، بس حالياً لازم نروح البيت عشان داليا ترتاح.
– أنا عايزه أشوف ليلى بقالي كتير مروحتش أشوفها.
طالعها بذهول وقال:
– أنتِ بجد والله!! مش كفاية أحداث اليوم كده عليكِ عايزه تروحي لليلى كمان.
– أيوة عشان متزعلش مني.
أومأ عاصي برأسه بقلة حيلة ودلفت رحيل إلى أختها وقد أخذتها في أحضانها أكثر من خمسة دقائق وبكوا الاثنان من تلك الفاجعة التي حدثت لهم.
وبعد وقت خرج الاثنان وعادت داليا إلى بيتها وكان فارس معها، وطلبت منه أن يظل أمر تلك الحادثة سر بينهم، وإذا سألتهم أمينه ما تلك الكدمات والضمادة يخبروها أي شيء مثلاً أن داليا قد وقعت من أعلى السلم في المول.
وقرروا أن تتم الخطبة في معادها في اليوم التالي، وتلك الكدمات سوف تختفي بالمكياج.
وفي يومنا هذا لم يترك المكياج شيء إلا وأخفاه، وكانت داليا تحتاج إلى الراحة لأنها تشعر وكأن جسدها كله ثقيل وتؤلمها كل عظمه به.
وتحرك عاصي مع رحيل إلى بيته حتى ترى ليلى.
وعندما وصلوا كانت أول من فتحت لهم هي سلمى.
طالعت عاصي بابتسامة وقالت:
– حمدالله على السلامة.
ابتسم لها عاصي وأردف:
– الله يسلمك.
ثم دلف إلى الداخل ورحيل خلفه وبعدها ألقت عليها التحية بفتور.
وبعد لحظات دلفت رحيل إلى ليلى وقالت بمزاح:
– هو من لقى أحبابه أنسى صحابه بجد ولا إيه.
انتفضت ليلى من مكانها بحماس وهتفت بإسمها ثم دلفت إليها رحيل وعانقتها ورحبت بها مريم التي كانت تجلس بجوار ابنتها، فنهضت وابتسمت لرحيل ثم خرجت من الغرفة وتركت الاثنان سوياً يتناقشون بحماس.
وذهبت مريم إلى عاصي حتى تتحدث معه، فوجدته في غرفته فدلفت إليه وتركت الباب مفتوح.
تقدمت منه وقالت:
– حصل إيه؟
– شريف اللي مكتوب في الرسالة هو اللي ورا كل حاجه، وهو اللي بعت الرسالة كمان عشان يحسن من صورته، الغبي بعتها بخط أيده كمان.
نظرت له مريم بصمت.
وفي تلك اللحظة خرجت رحيل من غرفة ليلى وكانت تبحث عن عاصي لتخبره أنها تريد الذهاب لأنها قد شعرت ببعض التعب، حتى وجدت غرفته بابها مفتوح وكانت تقف مريم وهو بها وكان يعطيها ظهره.
وقبل أن تدق على الباب توقفت وتسمرت مكانها حين قالت مريم:
– مش ناوي تنفذ الوعد اللي أنت اديتهولي زمان وتتجوز سلمى.
نظر لها عاصي بصدمة وقال:
– الكلام ده عدى عليه كتير أوي.
– بس أنت وعدتني! ولا أنت مبقتش تحبها؟!
فصمت عاصي ولم يرد عليها.
ترقرقت الدموع في عيون رحيل وشعرت أن قلبها قد كُسر من تلك الكلمات، فدقت على الباب قبل أن يرد عليها والتفت هو إليها وعندما تلاقت عيونهم نظر لها بتفاجئ وعيون متسعه.
قد وقعت أسيرة الحيرة، هل أصدق كلمات عيونك إلى قلبي أم كلمات فوهتك إلى عقلي، كلمة واحدة منك قادرة على تحريري من هذا السجن، كلمة واحدة منك سوف تنتزعني من الجانب الرمادي وتستقر بي في الجانب الابيض.
كلمة واحدة.
رواية رحيل العاصي الفصل الأربعون 40 - بقلم ميار خالد
فصمت عاصي ولم يرد عليها. ترقرت الدموع في عيون رحيل وشعرت أن قلبها قد كُسر من تلك الكلمات. فدقت على الباب قبل أن يرد على مريم. التفت هو إليها وعندما تلاقت عيونهم نظر لها بتفاجؤ وعيون متسعة.
حاولت أن تتمالك نفسها فقالت:
– آسفة، سمعتكم من غير قصد. أنا عايزة أمشي، حاسة إني تعبانة شوية ولازم أرتاح عشان بكرة.
صمت هو للحظات ونظر لها بتوتر ثم قال:
– طيب استنيني في العربية وأنا جاي.
تراجعت رحيل بصدمة وذهبت إلى السيارة. وما أن خرجت من البيت حتى انفجرت في البكاء. لعنت حظها ألف مرة الذي يكسر قلبها دائماً. أصبحت الشاشة سوداء أمامها ولا يوجد أي أمل لها.
وفي تلك اللحظة اعترفت لنفسها أنها تحب عاصي بالفعل! نظرت إلى الدبلة الموجودة بيدها اليمين ودققت بها ثم ابتسمت بحزن وقالت:
– معقول بعد كل ده منكونش لبعض؟ معقول بعد كل ده أمشي وأسيب الدنيا وأنت تتجوز سلمى زي ما وعدت أختك؟ أو أعيش وتسبني برضو زي ما قولتلي من فترة؟ معقول بعد كل ده أسمي واسمك مش هيتكتبوا جنب بعض؟
ثم صعدت إلى السيارة بصمت ولكن دموعها لم تتوقف.
وفي غرفة عاصي، عاد إلى مريم التي قد طالعته بدهشة وقالت:
– هي عيطت ليه؟
مسح رأسه بيده وقال بتنهيدة:
– كان لازمته إيه الكلام ده دلوقتي.
– أنا كنت عايزة أفهم بس.
– أنا مش هتجوز سلمى. ولو وعدتك بحاجة فده كان زمان. دلوقتي حاجات كتير اتغيرت وأهمهم رحيل.
ابتسمت مريم بمكر وقالت بمزاح:
– قول كده بقى. ده اللي أنا كنت عايزة أوصله. إيه حكاية رحيل دي؟
– طب بالنسبة للبنت اللي مستنية في العربية دي إيه؟
وقبل أن يتحرك أمسكته من يده وقالت:
– بتحبها صح؟
ابتسم عاصي ونطق أخيراً:
– بحبها دي كلمة قليلة عليها. لو في حاجة بعد الحب هكون وصلت ليها. عشان كده مش هفرط فيها ولا هخسرها. أنا بقالي فترة كبيرة في معركة مع عقلي لحد ما اعترفت لنفسي، أني بحب رحيل. وربنا ما عارف إزاي وامتى. في البداية مكنتش بطيق أسمع اسمها، بس رحيل الوحيدة اللي قدرت تكون ليا دوا ونجحت تعالجني فعلاً.
اتسعت ابتسامة مريم وقالت بفرحة:
– يا سلام يا سلام. ده العاصي وقع ومحدش سمى عليه.
ابتسم عاصي ثم قبلها من رأسها وخرج من غرفته واتجه إلى السيارة ليجد رحيل تجلس في الأمام بشرود وأصابع يدها اليسار تمسك بالدبلة الموجودة بإصبعها. استقل السيارة بجوارها وانطلق بصمت.
وأثناء الطريق كانت هي تنظر من النافذة بشرود وصمت. كان عاصي يختلس النظر إليها من وقت لآخر حتى قال:
– مش متعود منك على السكوت.
قالت بدون أن تنظر له:
– اتعود عليه من دلوقتي.
صمت بضيق ثم فكر للحظات وقال بانفعال:
– على فكرة أنا وسلمى مفيش بينا حاجة، ومش هتجوزها. زي ما سمعتي ده كان وعد قديم جداً، ودلوقتي كل حاجة اتغيرت.
قالت بنفس الهدوء:
– بس أنا مسألتكش. أعمل اللي يريحك واللي أنت عايزه.
ضحك عاصي بغموض وقال:
– بس اللي أنا عايزه مش هيعجبك على فكرة. متأكدة؟
نظرت له بعيون منتفخة وقالت بإصرار:
– قولت أعمل اللي يريحك واللي أنت عايزه خلاص!
وفي ثواني أوقف عاصي السيارة ثم ترجل منها والتف إلى جانب رحيل وفتح الباب ثم أنزلها هي أيضاً وسط نظراتها المذهولة. كانوا يقفون في منطقة خالية من الناس على الطريق. نظرت له بدهشة وقالت:
– في إيه!
ظل يطالعها للحظات بدون كلام، ثم ابتسم وقال:
– مش أنتِ قولتيلي أعمل اللي يريحك؟
طالعته بدهشة فأكمل:
– أنا راحتي معاكي.
طالعته بتوتر ثم ابتعدت عنه قليلاً وقالت:
– مش فاهمه تقصد إيه.
وقف عاصي أمامها عنوة ثم أمسك يدها وأردف:
– إيه اللي مش مفهوم في كلامي؟
نظرت له رحيل بضيق ثم سحبت يدها منه وقالت بانفعال:
– لو عندك كلام تقوله سمعاك. لو معندكش خلينا نتحرك عشان تعبانة عايزة أرتاح.
طالعها الآخر بصمت فابتسمت هي بحزن وتأكدت أنه ليس لديه أي كلمات ليقولها. فتحركت من مكانه وعندما وصلت إلى السيارة وقبل أن تفتح بابها نطق عاصي وأخيراً:
– أنا بحبك.
توقفت مكانها فجأة، تشعر وكأن تلك الكلمة جاءت من أعماقه. أيعقل أن يكون العاصي قد وقع في حبها! التفتت إليه بعيون دامعة واقتربت منه فأكمل عاصي بابتسامة عريضة:
– أنا مش مصدق أني بقولك الكلام ده دلوقتي وخصوصاً ليكِ. مش عارف إزاي حبيت واتغيرت. أنا عامل زي اللي مضروب على دماغه مش فاهم ولا مستوعب أي حاجة. الحاجة الوحيدة اللي مدركها هي أنتِ.
بكت رحيل وهي تقول:
– أنت بتضحك عليا عشان أعمل العملية. أنا سمعتك بتقول لبابا أني لما أخف همشي من حياتي وكل واحد منا هيروح في طريقه.
شدد قبضته على يدها واقترب منها قليلاً وقال بانفعال:
– أنتِ فاكره أنه سهل عليا إني أقولك الكلام ده دلوقتي. أنا بقالي فترة كبيرة في حرب بيني وبين نفسي. غير كده أنا بكلمك دلوقتي وبقولك الكلام ده وأنا لأول مرة أكون خايف. خايف من رد فعلك. خايف أنك ترفضي كلامي ده.
صاحت به رحيل:
– وارفض ليه كلامك!
– عشان غبية مثلاً؟ زي دلوقتي أهو كان ردك عليا إني بضحك عليكِ عشان العملية. يا ستي أنا كنت بكذب على نفسي وعليكم لما قولت الكلمتين دول.
نظرت له بدموع في عيونها وقالت:
– يعني أنت مش هتمشي؟
وضع عاصي يده على وجهه بقلة حيلة ثم صرخ بها:
– مستحيل أمشي. بقولك بحبك! أنا بحبك همشي إزاي وأنا بحبك!
ضحكت رحيل رغماً عنها ومسحت دموعها ثم قالت بحزن:
– مش خايف أني أنا اللي أمشي.
ضحك الآخر بمزاح وقال:
– لا. أنتِ بتحبيني فأكيد مش هتمشي.
نظرت له بحاجبين مرفوعين وقالت:
– والله؟ إيه الثقة دي؟ أنا لسه مقولتش حاجة على فكرة.
ضحك عاصي بمكر وخبث وقال:
– رحيل أنتِ باين عليكِ من فترة. خليني ساكت. فاكرة الشركة ولما كنتِ هتجيبي الموظفة من شعرها؟ وبعدها غيرتك من سلمى؟ ودلوقتي زعلك من الكلام اللي سمعتيه؟ وقبلها مواقف كتير.
حمحمت بإحراج وقالت:
– احم. كان للدرجادي بجد.
أمسك عاصي رأسها بين كفيه وقبلّها في جبينها ثم قال بابتسامة:
– كل حاجة وحشة خلصت. من النهاردة مفيش بُعد ولا في حزن ولا زعل. بمجرد ما تعملي العملية وتقومي بالسلامة هنعمل كتب كتابنا على طول. وإحنا أصلاً مخطوبين.
نظرت له بذهول وقالت:
– بس الخطوبة دي كانت كده كده.
ثم غمزت بعينها وهي تقولها فضحك الآخر وقال:
– بالنسبالك، لكن بالنسبالي لا.
طالعه بمكر ثم ضربته على كتفه بخفة وقالت:
– يا لئيم.
ضحك عاصي عليها وظل محتفظ بيدها بين كفيه. قال:
– دلوقتي لازم تروحي عشان ترتاحي. بكرة خطوبة داليا. أنا كمان عايز أبدأ أجهز في الجنينة عندي. ولو احتاجتي أي حاجة أبقي كل..
ولم يكمل جملته لأن الأخرى قد عانقته بقوة واردفت:
– وأنا كمان بحبك.
ضحك الآخر بسرور ثم أمسك كف يدها وقبّلها به. وتحرك معها إلى بيتها. وعندما وصل أسفل البيت ودعها وانتظر حتى تترجل. ولكنها كانت تطالعه بعيون لامعة وقالت:
– هو أنا قولتلك أني بحبك؟
ضحك عاصي وقال:
– أنا اللي جبته لنفسي. قولتيها خلال الطريق عشرين مرة.
ضحكت وقالت بمرح:
– كده بقوا واحد وعشرين. كلك نظر بقى يعني أنت قولتها مرة لكن أنا واحد وعشرين. إيه بقى؟
ضحك عاصي من كلماتها المجنونة، ثم قال:
– تحبي أنتِ تقولي لعمي بدر ولا أقوله أنا؟
– لا. قوله أنت. أنا هتكسف.
ثم أحست بدوار فجأة وزاد معدل تنفسها. فنظر لها الآخر بقلق، وترجل من سيارته وانزلها من السيارة وتركها حتى تهدأ قليلاً. نظرت له بوجه شاحب وقالت:
– أنا كويسة. متقلقش.
ظل يطالعها بخوف وقلق ثم صعد بها إلى منزلها وتركها بعدما اطمئن عليها. وخرج من المكان وذهب إلى عز الدين فوراً ليعرف التطورات التي حدثت معه ومع شريف.
في غرفة داليا.
دلفت رحيل بحماس لتجد الأخرى ترتاح في سريرها بتعب. فذهبت إليها واطمأنت عليها. فكانت الأخرى بحال أفضل. فظلت تطالع رحيل بصمت ثم قالت بصمت:
– عينك بتلمع كده ليه؟ احكيلي.
نظرت لها بعيون لامعة وتشع بالحب والخجل ووجه شاحب وقالت:
– قالي أنه بيحبني.
نظرت لها داليا بعدم فهم واقبلت:
– هو مين ده؟
– عاصي!
قالتها رحيل بفرحة وخجل. فنظرت لها داليا بصدمة كبيرة وقالت بذهول:
– عاصي!! أبو الهول نطق يعني.
ضحكت رحيل بقوة. فتابعت داليا بحماس:
– لا أنتِ تحكيلي كل حاجة حصلت بالتفاصيل.
فتنهدت رحيل وبدأت في سرد ما حدث لها.
وفي القسم.
وأثناء التحقيق مع شريف الذي قد أنكر كل شيء وصل عاصي ودلف إلى مكتب عز الدين. كان الآخر يجلس بقلق فقال له عاصي:
– حصل حاجة جديدة؟
– مش عارف أقولك إيه.
جلس عاصي أمامه وقال بقلق:
– في إيه؟ قلقتني!
– للأسف مضطرين نفرج عن شريف.
نهض الآخر من مكانه بصدمة وصاح به:
– نعم!! تفرجوا عنه إزاي؟
– مفيش ولا دليل ضده. حتى رجاله محدش فيهم يعرفوا لأنه مكنش بيظهر قدامهم. واللي كانوا بيظهروا قدامهم مش عارفين نوصلهم. موضوع الصور والتهريب والشركة كل ده مفيش ولا دليل في أيدينا يثبت ده. حتى الموبايل بتاعه لما فتحناه لقينا ممسوح من عليه كل حاجة. حتى المحادثات والرسايل. حتى مكالماتك معاه معرفتش تسجل ولا واحدة منهم.
– بس أنا عندي الدليل!
نظر له عز فجأة فأكمل عاصي:
– كل أوضة في شركتي فيها كاميرا مراقبة مع سماعة وكمان مكتبي. وهو قال كل حاجة في مكتبي. يعني الفيديو ده لوحده دليل ضده؟ صح؟
نظر له عز الدين بدهشة وهب من مكانه ثم قال:
– متأكد من كلامك ده؟
أومأ عاصي برأسه. فتحرك الاثنان بعدها وذهبوا إلى الشركة. ولكن كما هو متوقع وجدوا أن هذا التسجيل حتى تم حذفه من سجل التسجيلات. فهم عاصي أن هناك شخصاً ما يساعد هذا الخائن من داخل شركته. فترك عز الدين ليحقق مع كل الموظفين بالشركة. ولكن مهلا!! لا أحد يعرف عن تلك الكاميرات الموجودة في كل غرفة سوى شخص واحد! وهو رامي مساعده الشخصي. مهلا أين رامي؟
دلف إلى غرفته فلم يجده بها ولكنه لاحظ رسالة فقط على مكتبه. ذهب إليها بسرعة وامسكها ليقرأها فوجد بها تلك الكلمات:
"أنا آسف جداً أني خونتك بس والله كان غصب عني. هما هددوني بعيلتي وأنا كان لازم أساعدهم واديهم أخبار عنك، بس أنا مش هقدر اخونك بعد كده عشان كده أنت مش هتشوفني تاني. أنا آسف بجد على الأذية اللي كنت سبب فيها. أنا آسف على كل حاجة. أنا مش هقدر ابص في عينك تاني. أنت وثقت فيا وكنت سايب الشركة في أمانتي وأنا طلعت مش جدع. بس والله كان غصب عني."
ضرب الأرض بغضب عارم ودلف إليه عز الدين فقال عاصي:
– رامي اللي عملها.
– رامي مين؟
– مساعدي الشخصي. اقرأ.
ثم مد يده بتلك الرسالة إليه. وقرأها عز الدين فأصابه نفس الغضب. نظر إلى عاصي وقال:
– أنا آسف، بس مضطر أفرج عن شريف.
نظر له عاصي بغضب وقال بصراخ:
– بس هو اللي عمل كل ده!! ده كان هيقتل رحيل النهاردة. إزاي يخرج!
– مفيش دليل. مقدرش أعمل حاجة.
ضرب الأرض مجدداً بغضب وظل يتنفس بغضب كبير. ثم نظر أمامه وأدرك أن رامي هو مفتاح هذا اللغز الآن. بالتأكيد معه دليل ضد شريف. لذلك أقسم بالله أن يصل إلى هذا الخائن بأي ثمن!
وفي نهاية هذا اليوم كان شريف قد تم الإفراج عنه. فنظر إلى عز الدين بشماتة وسخرية.
في اليوم التالي.
بدأت التحضيرات في بيت عاصي على قدم وساق حتى ينتهوا قبل المساء. وكانت تساعد في التحضيرات مريم بكل حماس وفرحة وكأنه زفاف أختها هي وليست أخت رحيل. وكانت رحيل متواجدة في المكان أيضاً ولكن عاصي لم يتركها للحظات. ظل يسير خلفها حتى يتأكد أنها لا تفعل شيئاً يتعبها واهتم براحتها.
وفي الصبح جاءت نسرين إلى داليا ومعها خبيرة تجميل. كما أنها أحضرت لها فستان رقيق من الأتيليه الخاص بها بدل الآخر الذي قد تم تدميره أثر الحادثة. وظلوا معاً وسط جو يكسوه الفرحة والبهجة. واستطاعت خبيرة التجميل أن تُخفي كل الكدمات الموجودة في وجه داليا عن طريق المكياج لتظهر في النهاية بشكل مبهر. ولكن المكياج كان مبالغ به نوعاً ما حتى تُخفي كل الكدمات ولكن النتيجة في النهاية كانت رائعة.
في بيت عاصي.
كانت رحيل تريد أن تزين الكراسي الذي سوف يجلسون عليها في المساء. ولكن عاصي كالعادة رفض بشدة. قالت بضيق:
– أنت هتفضل ماشي ورايا كده. أنا مش عيلة صغيرة.
– رحيل مش عايز نقاش. قولت لا. أنا سمحت أنك تيجي بس عشان تفرحي بالتحضيرات. أنتِ العملية بتاعتك بكرة. مشي الدنيا بالله عليكِ. وخليكي فاكرة أننا بعد الخطوبة هنطلع على المستشفى عشان هتتحجزي من بليل لحد ما يخلصوا التحاليل بتاعتك.
أكملت بضيق:
– إحنا بدأنا تحكمات من دلوقتي ولا إيه؟
ابتسم ببرود واقترب منها قليلاً وقال:
– أنا لو عليا مش عايز اخرجك من البيت ده. وأنتِ تقوليلي تحكمات.
نظرت له بخجل واشاحت بوجهها عنه. وفي تلك اللحظة جاءت إليه والدته حتى تسأله عن شيئاً ما. فاستغلت رحيل الوضع وهربت من أمامه. ضحكت بفرحة وكانت تود أن تتجه إلى غرفة ليلى. ولكنها قبل أن تصل إليها أوقفتها سلمى. نظرت إليها بابتسامة وقالت:
– مبروك.
طالعتها رحيل بتساؤل ودهشة فأكملت الأخرى:
– أقصد عشانك أنتِ وعاصي. مريم قالتلي أنه بيحبك أنتِ. أكيد قالك يعني.
ابتسمت لها رحيل بضيق وحنق وقالت:
– الله يبارك فيكِ. النصيب بقى.
وقبل أن تتحرك قالت سلمى بنفس الابتسامة:
– أتمنى المرة دي ينفذ وعده بجد. أنتِ تستاهلي كل خير.
وقفت رحيل مكانها ونظرت لها بعيون متسعة وقالت:
– يعني إيه ينفذ وعده؟
– يعني أقصد أنه كان واعدني برضو قبل سنين وفي الآخر منفذش وعده. أكيد هو قالك بعد العملية بتاعتك هتتجوزوا فبقولك يعني أتمنى أنه ينفذ وعده ليكِ ومتحصلش أي حاجة. لأن لولا اللي حصل مع مريم كان زماني أنا وهو متجوزين من زمان وخلفنا كمان. لكن النصيب.
– مش فاهمه. هو مش أنتِ كنتِ صاحبتهم وزي أختهم كمان يعني مكنش فيه حاجة بينك وبينه؟
– ده اللي كان يعرفوا كل الناس. لكن في الحقيقة كان في مشاعر لطيفة بيني وبين عاصي ووعد مريم أني هبقى مراته وكلنا هنبقى عيلة بجد. لحد اللي حصل بسبب الحيوان اللي اسمه أحمد ده.
كادت رحيل أن تشعر ببعض الضيق ولكنها نفضت كلامها عن رأسها وقالت بابتسامة جميلة:
– زي ما قولتلك النصيب. اللي مكتوبلك مش هيروح لغيرك. يعني أكيد مكنش مكتوبلك أصلاً.
قالت سلمى ببعض الغل:
– بس أنا استنيت كل السنين دي في كندا على أمل أني لما أرجع هنتجوز. محدش هيضحي بسنين عمره كده زي ما أنا ضحيت.
قالت رحيل بنفس الابتسامة:
– والله دي مشكلتك أنتِ مش مشكلتي. وعاصي أنا بثق فيه وعارفه أنه مش هيخذلني ولا هيتخلي عني. زي ما قولتلك هي مسألة نصيب.
ثم ظهرت ابتسامة صفراء على وجهها وتخطتها وذهبت إلى غرفة ليلى لتجلس معها لدقائق ثم تعود وترى التجهيزات. وعادت سلمى إلى غرفتها بضيق.
وفي المساء.
كان كل شيء مزين ومرتب على أكمل وجه. وقد خرجت سيارات عائلة فارس وبدر حتى تأتي بالعروس والعريس إلى بيت عاصي حيث يقام الأحتفال. وقد بدأ المعازيم في الحضور. كانت رحيل ترتدي فستانها الذي قد أحضره لها عاصي بدل الآخر في غرفة مريم. ومعها الأخرى أيضاً تحضر نفسها. كان فستانها اللون الأحمر المطفي الذي قد أضاف إلى لون بشرتها البيضاء جمال من نوع خاص. وكان ذو تصميم مميز محتشم للغاية ضيق نوعاً ما من الأعلى وواسع للغاية من الأسفل وقد ظهر خصرها الصغير في هذا الفستان بشكل مثالي. اكتفت بوضع ملمع شفاه أحمر اللون وحددت عيونها بالكحل واضافت بعض مساحيق التجميل على بشرتها واطلقت شعرها للعنان وانزلت غرة من أحد الجانبين ورفعت الغرة الأخرى بزينة على شكل اللؤلؤ. كان شكلها في النهاية مبهر ليس جميل فقط.
طالعتها مريم بأعجاب وقالت:
– ما شاء الله عليكِ شكلك حلو أوي.
قالت رحيل بابتسامة:
– دي عيونك بس اللي حلوة عشان كده شيفاني جميلة.
ابتسمت لها مريم. وعندما سمعت رحيل صوت السيارات خرجت من الغرفة بحماس فاصطدمت بعاصي الذي ظل ينظر لها بعيون متسعة وذهول لمدة خمسة دقائق على الأقل. ظلت تطالعه بدهشة ثم لوحت بيدها أمامه ووقتها انتبه لها. كان عيونه تشع بالحب والاعجاب من شكلها. كانت فاتنة ليست جميلة فقط. قال بحشرجة:
– إيه رأيك في الفستان؟
ابتسمت رحيل وقالت:
– وأنا حبيتك. أحم أقصد يعني حلو عليكِ.
ضحكت بخجل. وقبل أن تتحرك أمسك يدها وقال:
– ما تخلينا واقفين شوية. مستعجلة على إيه يعني؟
– العربيات وصلت. عايزة أنزل.
– ما توصل وفيها إيه؟
– تلاقي بابا جه كمان هيدور عليا.
– يدور.
ضحكت رحيل بخجل وظل ينظر في عيونها بحب حتى خرجت مريم فقطعت تلك اللحظة الرومانسية بابتسامة. ثم أمسكت رحيل ونزلت بها إلى الأسفل. ضحك عاصي وتنهد بحب. وقبل أن يتحرك جاءه اتصال مهم فرد عليه فوراً ليتغير وجهه الضاحك إلى العبوس والغضب!! ثم تحرك من مكانه وخرج من البيت بأكمله واستقل سيارته وذهب بها!
وعند شريف.
وعندما علم بأمر تلك الخطبة قرر أن يفاجئ عاصي بهدية صغيرة ولكن على طريقته.
ترا ماذا سوف يفعل؟