بابا انا جاهزة اروح المدرسة. فتح بدر والدها عينيه بكسل، وجد راما كعادتها متأنقة وعلى وجهها نفس الملامح الطفولية، رغم أنها كانت تحاول إخفاء ابتسامة باهتة ارتسمت على شفتيها الصغيرة. ثواني وهكون جاهز يا راما. اغسل وشي وأغير هدومي من فضلك. وتصلي يا بابا. متنساش صلاة الصبح. أنا صليت من بدري. ابتسم بدر وهمس: حاضر يا روح بابا. في الطريق، بدر يمسك يد راما ويعبر الشارع. سيارات. ضوضاء. حياة طبيعية.
لكن راما كانت تنظر للخلف كل ثلاثة خطوات، ولم يكن هناك أحد. مرة واحدة فقط، للحظة صغيرة كوميض، لمحت ظل صغير يسير خلفها. لم تلحق أن تميزه، اختفى فوراً. ابتسمت راما لوالدها بدر لما سألها: مالك يا راما؟ قالت: مفيش. بس بحس إن فيه حد ماشي ورايا. ضحك بدر: طبيعي. لسه متعودتيش على المكان الجديد. لكنها كانت تعرف. هذا الإحساس ليس جديد عليها.
عند العودة إلى المنزل، فتحت حنان الباب. دخل الجميع إلا راما. وقفت لحظة عند المدخل. الشقة لها رائحة جديدة. رائحة تشبه عطر لا يستعمله أحد فيهم. بارد خفيف، يشبه صدى رطوبة قديمة. لم تقل شيء كالعادة. المشاعر المتداخلة للأطفال لا يعبرون عنها. يشعرون بها فقط. انتهى وقت الغداء. راما في غرفتها ترتب ألعابها. والدها ووالدتها في الصالة يشربون الشاي ويتحدثون بصوت خافت. رصت راما لعبها على الأرض، ثم جذبت الصندوق وفتحته.
العروسة في الصندوق الزجاجي كانت في مكانها تحت السرير. تسمرت راما لدقيقة مرعوبة، تفتح فمها بخوف. أمسكت راما اللعبة وشعرت ببرودتها، ثم همست: انتي إيه إلى جابك هنا تاني؟ مش بابا خدك امبارح وحبسك في دولابك؟ ساد الصمت ذهول دقيقة في غرفة راما، قبل أن يرتفع صوت والدها بدر من الصالة: فيه إيه يا راما؟ بتكلمي مين؟
رفعت راما صوتها: مفيش بابا. مش بتكلم مع حد. بتخانق مع لعبي لأنهم مش بيسمعوا الكلام. بس خلاص هما وعدوني يسمعوا الكلام. واصلت راما كلامها وهي بتبص على العروسة وعلى وشها ابتسامة طفولية. قبل النوم، حنان غطت راما بالبطانية. قبلت جبينها. تمنت لها ليلة سعيدة. ثم خرجت حنان وأغلقت الغرفة. راحت راما تنظر إلى السقف تحاول أن تنام. لكن من تحت السرير صعد هواء بارد للغاية.
هواء لا يتناسب مع حرارة الغرفة. ثم شعرت بأن أحد يمرر إصبعه الخفيف جداً على جانب السرير. لمسة لا تشبه اليد البشرية، لكنها غير مؤذية. لكن قوية بما فيه الكفاية لتجعل قلب طفلة يرتعش. ثم جاء الصوت. صوت لم يكن هامساً. كأنه يقال من داخل رأسها: لا تدعيه يأخذني بعيداً عنك. أريد فقط أن أبقى قريبة. لقد عذبني أنا أيضاً.
راما. لم تصرخ. لم تتحرك. بل أغلقت عينيها بقوة كأنها تخاف أن تفتحها فترى شيئاً يتحرك. الظلام يغطي كل ركن في غرفة راما بعد أن أطفأت والدتها نور الصالة. لأول مرة منذ حضورهم للشقة الجديدة. لازالت راما تاركة عينيها مغلقة على أمل أن تنام. الشقة ساكنة إلا من همسات والدها ووالدتها في غرفتهم التي لا تصل إليها.
انفتح الصندوق تحت سرير راما. شعرت به مع تحريك الهواء لطرف البطانية. ثم سمعت صوت خطوة قدم تخرج من الصندوق، ثم أخرى وأخرى. وبعد دقيقة، عندما فتحت راما عينيها من تحت الغطاء ورفعت البطانية ببطء شديد. فتحة صغيرة بالكاد تسمح لها برؤية ما يحدث. وجدت راما ألعابها. الدبدوب. والعسكري. والعروسة. يجلسون على التسريحة. أعادت راما الغطاء بسرعة. تكورت على نفسها في رعب. ثم سمعت. سمعتهم يتحدثون لأول مرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!