في قسم الإسعافات وصلت روفان وهي تبحث بعينيها عن ابتسام. سمعت صوت بكاء شهد، والذي تعلمه جيدًا. امتعض قلبها وهي تقترب رويدًا رويدًا لترى ممرضة تمسك بها وطبيب يخيط الجرح بدقة. على الجانب الآخر، ابتسام تحاول تهدئة الطفلة بمواساتها ببعض الكلمات اللطيفة. اقتربت منهم وهي ترى طفلتها تبكي أمامها بألم. بلعت ريقها وهي تنطق: "شهد". كانت الأخرى قد نظرت لها وهي تبكي وتتفوه بعبارة متقطعة من البكاء: "ماما".
مسحت على شعرها محاولة تهدئتها، ولكن ارتفع صوتها أكثر حين شد الطبيب الخيط. انتهى من عمله، ثم قامت الممرضة بتضميد الجرح. جلست روفان بجانبها وهي تقول بصوت هادئ: "ألف سلامة عليكي يا حبيبتي." حضنتها شهد وهي تحاول وقف البكاء: "وقعت على الرخامة يا ماما.. مش عاوزاها في البيت بعد النهارده." حضنتها روفان وهي تنظر لابتسام وقالت: "حاضر يا حبيبتي.. هتمشي من البيت." قامت روفان وهي تنظر لابتسام ثم تحدثت:
"خلي بالك منها على ما أروح أحاسب المستشفى." ابتسمت ابتسام وهي تجلس بجانب شهد وتلعب معها لتُنسيها الألم. *** بعد أن دفعت تكلفة جراحة الخيط وكانت في طريقها إليهم، سمعت صوت الأمن وهو يصرخ في أم لطفل ويهددها بالاتصال بالبوليس لعدم استطاعتها سداد تكاليف المستشفى الخاصة بابنها. وقفت روفان وهي ترى الأمن يمسك السيدة من ذراعها لحين أن يتصل أحد آخر بالشرطة. وقفت وهي تسأل موظفة الدفع عن تلك الحالة. نظرت الموظفة
للمرأة بحزن وهي تقول: "ست غلبانة ابنها مريض سكر وكل شوية تجيله غيبوبة سكر ويحتاج ييجي هنا. صرفت اللي وراها واللي قدامها عليه وجوزها سابها لوحدها.. ودلوقتي مش عارفة تدفع حساب المستشفى." نظرت روفان لحالة الأم وهي تترجى الأمن بأن يتركوها هي وطفلها. أرجعت نظرها للموظفة وهي تتسائل مجدداً عن حساب تلك السيدة، لتجيب الموظفة بأن المبلغ ألف وخمسة وعشرون جنيهاً. نظرت روفان للأمن وهي تقول في استهجان لطريقة
التعامل مع الأم وطفلها: "هي الرحمة انعدمت من قلوبكم للدرجادي؟ ماسكينها عشان متخرجش من المستشفى ومقيدنها عشان فلوس.. أنتوا بجد بني آدمين؟! وقفت المرأة وهي تبكي على حالها وتنظر لطفلها الذي يجلس على كرسي متحرك ويبكي على حالة والدته. أكملت روفان حديثها: "عاوزة أعرف فين مدير المستشفى اللي سمح بالمهزلة دي؟ يعني المريض لو مش معاه فلوس يموت؟ وانت واقف تطلب البوليس عشان شوية فلوس مش قادرة تدفعهم.. مش مكسوف من نفسك؟
حطيت نفسك في الموقف ده قبل ما تطلع تليفونك من جيبك وتفكر تطلب الرقم؟! فتحت حقيبتها وأخرجت بعض المال وهي تعطيه للسيدة وتقول: "ادفعي حساب ابنك يا أمي وأنا ليا تعامل تاني مع المستشفى دي." نظرت للأمن وهي تقول بامتعاض: "حد يندهلي مدير المستشفى." بعد أن انتهت السيدة من دفع المال أمام أعين الجميع، وقفت روفان أمامها وهي تقول بلطف:
"انتِ شخصية طيبة وقلبك أبيض.. كفاية إنك واقفة مع ابنك الوقفة دي وإن شاء الله ربنا هيجازيكي خير." نظر الطفل لها وهو يقول بتعب: "هو فيه حد هياخد ماما يا طنط؟! نزلت إلى مستوى الطفل وهي تنظر لبراءته ثم هزت رأسها بالنفي وهي تحاول التغلب على دموعها. وضعت يدها على وجه الطفل وهي تقول بحنان: "لا يا حبيبي.. انت وماما هتروحوا مع بعض ولو احتاجتوا أي حاجة هتتصلوا بيا.. ماشي؟
هز الطفل رأسه بفرح موافقاً لحديثها. حينها أخرجت كارت به الرقم الشخصي لها وهي تعطيه للطفل. وقفت مجدداً وهي تكلم الأمن: "فين المدير بتاعكم؟ سمعت من خلفها صوت رجل أربعيني يقول: "فيه حاجة يا أستاذة؟ التفتت له ثم قالت: "عايزة أعرف المكان اللي أنا واقفة فيه ده مستشفى ولا بنك هدفه الفلوس وخلاص؟! نظر المدير إلى جميع الواقفين والذين كانت نظراتهم بها اشمئزاز من تعامل المستشفى مع المرضى. تكلم المدير بعد أن عدل نظارته:
"مستشفى بس." روفان بتهديد: "مفيش بس.. يبقى التعامل مع أهل المريض يكون بلين ولطف خصوصاً لو كان المريض بيستمر على علاج معين وبيطر إنه يسجى هنا كتير." تحدث الآخر وقد اكتفى بنظرات الناس إليه: "وحضرتك مين عشان تفهميني شغلي في المستشفى؟ نظرت روفان له ثم بدأت تنظر حولها إلى أن نطقت السيدة التي في يدها الكارت الشخصي لروفان: "روفان أحمد عبد العزيز." بدأ الجميع يتهامس إلى أن قال رجل من بين الحضور:
"حضرتك اللي كسبتي آخر قضية رأي عام في الدولة!! صمتت قليلاً إلى أن سمعت صوت شهد وهي تركض إليها، وابتسام تركض خلفها. أمسكت روفان بيدها ابتسمت لها ثم رفعت نظرها للمدير وهي تقول بتحدي: "من الأفضل ليك بقى تشوف شغلك بعد كده في المستشفى كويس.. علشان أنا هتابع الموضوع بنفسي ولو حصل كدا تاني هرفع قضية على المستشفى وفيه بدل المريض ألف اللي هيشهد بتعاملكم القذر معاه هو وأهله." رفعت شهد إلى مستواها وهي تمشي بها وتقول بضحك:
"تعالى بقى عشان هقضي معاكي اليوم كله." نظرت لابتسام وهي تنادي عليها لتأتي. استقلوا معًا السيارة حتى وصلوا المنزل. صعدت روفان منزلها ثم أدخلت شهد غرفتها لتستريح. خرجت من الغرفة لتجد ابتسام واقفة في الخارج تنتظرها. ما إن خرجت حتى بادرت ابتسام بالحديث: "يا أستاذة أنا.." أوقفتها روفان بيدها وهي تقول:
"أنا عارفة إنه مش قصدك دي حادثة، عموماً قدر الله ما شاء فعل.. شيلى بس الرخامة دي من البيت عشان شهد متتضايقش من وجودها.. أنا هدخل أرتاح في أوضتي." هزت ابتسام رأسها بفرحة وهي تدعو لروفان بالعمر الطويل والرزق الوفير. ثم ذهبت لتكمل عملها. *** في غرفة روفان
فردت جسدها المُهلك على السرير وهي تحاول النوم بدون تفكير، ولكن هيهات فعقلها دائمًا ما يحوم حوله الماضي بكل تفاصيله. أغمضت عينيها لعلها تنام، ولكنها كانت ترى دائمًا ذلك اليوم في أحلامها. فتحت عينيها مرة أخرى وهي تحاول عدم التفكير في شيء.. أي شيء يعكر صفوها. سرعان ما استسلمت إلى النوم لترى ماضيها الذي يعكر صفوها.
بعد أن استلمت المال مقابل السلسلة، ذهبت لتستأجر غرفة في فندق. وقد كان فندقًا عاديًا تكلفة الليلة الواحدة به خمسمائة جنيه فقط. حجزت 4 ليالٍ ليتبقى معها خمسة آلاف جنيهًا. صعدت إلى غرفتها وهي مرهقة فقد استغرقت ما يقارب الساعتين لتعثر على فندق بهذا السعر. ما إن رأت السرير حتى تمددت فيه وهي تريح جسدها المُهلك من أثر اليوم. *** صباح اليوم الثاني
كانت قد استيقظت على ضوء الشمس يداعب وجهها. للحظة تذكرت أنها في هذا الفندق. نظرت إلى ساعة الحائط لتجد الساعة الثامنة والنصف. قامت سريعاً وهي تستعد لمحاضرة اليوم والذي أخبرهم الدكتور في آخر لقاء بأهميتها بالنسبة لهم. في خلال نصف ساعة كانت تنزل من سيارة أجرة لتكون أمام كليتها "كلية الحقوق".
نظرت إلى الكلية وهي تصبر نفسها بسنة واحدة لتصبح محامية. دخلت الجامعة وهي تبتسم حول لا يلاحظ أحد عبوسها. ما إن تقدمت خطوتين حتى سمعت صوت شخصًا ينادي عليها. التفتت لها لتجده خالد صديقها. اقترب منها قليلاً وهو يحييها ثم قال: "أول مرة تيجي متأخر.. مش عادتك." أكملت سيرها بجانبها وهي تقول: "راحت عليا نومة." توقف قليلاً وظهر عليه الارتباك من أمر ما. نظرت إليه في استعجاب ثم قالت: "هستأذن أنا عشان متأخرة."
قبل أن تنسحب كان يناديها: "روفان." وقفت وهي تنتظر حديثه. ابتسم بود ثم قال: "كنت عاوز لو نقعد النهاردة في أي كافيه بعد الجامعة.. كنت عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم." لاحظ صمتها المبهم ببعض الأسئلة فأكمل حديثه: "موضوع مهم جداً ولو مش مهم ما كنتش هكلمك.. أرجوكي."
صمتت قليلاً وهي تفكر، ثم رفعت رأسها بقلة حيلة له. ظهر على وجهها القبول فهي تعرف خالد لطالما كان من الطلاب الذين لا يداعبوا الفتيات ولا يتحدثون معهم في أمور غير الدراسة. هزت رأسها بإيجاب، فأبتسم وهو يرحل ويذكرها بالمحاضرة. ابتسمت وهي تهرول سريعاً إلى المدرج. سرعان ما انتهى اليوم لتخرج من مبنى الكلية منهمكة من اليوم. قابلت خالد في وجهها. ابتسم ثم قال:
"هنروح أي كافيه برا الجامعة عشان عارف إنك مش هترضي تقعدي معايا في الجامعة." هزت رأسها بإيجاب وهي تتبعه. ظلت الصمت بينهم إلا أن جلسوا في كافيه يبعد عن الحرم الجامعي بحوالي نصف ساعة. طلب هو قهوة بينما هي اكتفت بالماء، فهي تريد أن تسمع ما يود قوله وترحل حتى تنام. ظل ينظر لها في توتر إلى أن اكتفت من الانتظار فتحدثت: "أرجوك قول عايز إيه عشان تعبانة وعايزة أروح." شعر بالإحراج فحمحم وهو يبدأ حديثه:
"بصراحة يا روفان.. أنا.. أنا معجب بيكي." جحظت عينيها وسرعان ما أنزلت كوب الماء من يدها وهي تنظر له بدهشة. تكلم مرة أخرى: "عارف إنك مستغربة.. بس أنا مش قصدي حاجة.. ممكن أطلب إيدك من والدك وبعد ما اتخرج نتجوز.. وتقضي آخر سنة بيتك و.." قبل أن يكمل حديثه كانت قد وقفت وهي تقول: "آسفة يا خالد بس مش هقدر." وقف أمامها وهو يقول:
"طب سبيني أكمل كلامي.. صدقيني مش همنعك عن كليتك ولو حبيتي تعملي ماجستير أو دكتوراة مش همنع.. ده بالعكس هساعدك." أمسكت حقيبتها وهي تقول بتفهم: "آسفة لكن فعلاً مش هينفع." غادرت المكان قبل أن ينطق بأي شيء آخر، بينما هو جلس يحاول أن يفكر بطريقة أخرى للتحدث معها أو إقناعها بالأمر. *** الساعة التاسعة مساء استيقظت روفان على صوت هاتفها يرن. نظرت لاسم المتصل فكانت ندى. أجابت ليأتيها صوت ندى المرح دائمًا:
"مساء الفل يا يا محامي الكل." ابتسمت روفان رغماً عنها. ثم ضحكت بصوت مسموع وهي تقول لندى: "المداعب الشخصي بتاعي عامل إيه؟ "بخير يا كابتن.. المهم الأمورة الصغيرة.. قوليلي عاملة إيه؟ ضحكت روفان وهي تقول: "الحمد لله بقت كويسة." "طب كويس.. هاتيها معاكي بكرة عشان عايزة أشوفها وألعب معاها." ابتسمت روفان: "من عنيا.. بس انتِ اللي هتخلي بالك منها طول اليوم." ضحكت ندى: "أكيد يعني فيه غيري." ابتسمت روفان
ثم صمتت لتكمل ندى حديثها: "هيكون فيه بكرة مقابلات كتير شوية.. فكويس إنك ملغتيش اليوم." انتهت المكالمة وأغلقت روفان الاتصال. قامت من مكانها حتى تذهب إلى غرفة شهد، وتجدها في الصالون تلعب بألعابها. فأبتسمت وهي تذهب لتلعب معها. إلى أن سمعت صوت هاتفها يرن. ذهبت لتجيب فقد كان رقمًا غريبًا. "الو.. أستاذة روفان معايا؟ "أيوا! مين!؟ "إحم، أنا اللي جيت لحضرتك الصبح." "آه تمام افتكرتك." "الف سلامة على بنت حضرتك." "الله يسلمك."
"كنت عايزك في قضية مهمة وللأسف مش هعرف أحكي معاكي القضية في التليفون لكونها طويلة شوية ومهمة." روفان بإستفسار أكثر: "ممكن تقولي طيب أي حاجة عن القضية عشان آخد فكرة." "قضية خلع." "رأيكم مهم بالنسبالي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!