رواية روح بلا مأوى الفصل الثاني والخمسون
وقف فجأة يلهث انفاسه يجذب خصلات شعره بعنف
متذكرًا حديث الطبيب النفسى المعالج لحالتها فى أخر
زيارة له
**كيان رفضت أن تصدق أنه من الممكن أن يكون هناك
أمل للتخلص من الماضى الأسود، او بمعنى أدق خافت
أن تثق فى الحب فهربت وخسرت
لكن هذا لا يعنى أنها لا تحبك لكن هى ليست مستعدة
لتكشف نفسها اكثر أمامك خصوصًا بعد موقفك الأخير
متخوفة من وجع جديد لا تشفى منه وقد يبدو الأمر
تافهًا بسيطا لبعض البشر، لكن ما تمر به من خراب
وقهر لا يعلمه إلا من عاش نفس ظروفها، ولكى تتجاوز عقدتها
يجب أن تكون لديها رغبة بداخلها للبدء من جديد
مع شخص تراه امانها، دون ضغط كما سبق تختار
بإرادتها
فرك وجهه وهو يتنهد فهو اتبع تعليمات الطبيب ولم
يضغط عليها، لكنه الآن بين النعم واللا، الرفض والقبول
الإحساس بالندم والإشتياق، هز رأسه بالنفى سريعًا وهرول فى أتجاهها يلحق بها، توقف بعد دقائق من المشى والتفت خلفه وقلبه ينبض بفزع يسمع آهات
مكتومة، حاول تمالك نفسه والخوف يكاد يوقف قلبه
عندما وجد فتاة صغيرة متكومة على الأرض جثى
على ركبته سريعًا ليتفحصها، فرمشت بعيناها ثم
رفعت يدها لتشير له لكن قبل أن يُدرك مقصدها شقت
صرخة سكون المكان لكنه يعرفها، نهشه الخوف مع الرعب المجسد فى عين الصغيرة، نهض مسرعًا
على الجانب الأخر، توقفت لمساته القذرة قبل أن يسقط
امام عيناها الذاهلتين التى رفعتهما عنه بعد ثوان تنظر
للواقف امامها ورددت بإرتجاف:
-كنان، كنان دا كان عايز
شهقت برعب عندما لكم ذلك الرجل كنان وخيط من
الدماء يسيل من انفه، انقض عليه كنان باللكمات حتى
أوقعه أرضًا وبدأ يركله بقدمه في بطنه والأخر يتأوه
والدماء تسيل من أنفه وفمه
اما هى كانت تنتفض بقوة داعية برجاء أن ينتهى الأمر
بسرعة قبل أن تفقد قدرتها على الصمود، فجأة وجدت
تامر يقترب منها وهو يصرخ متسائلًا بفزع:
-انتِ كويسة كيان أيه اللى حصل
كانت تهز رأسها بهيستريا وهى تنظر فى إتجاه كنان
فقبض على كفيها لتهدأ بعد ما علم من هيئتها المبعثرة
ماسار معاها هامسًا:
-اهدى انتِ كويسة متقلقيش
ثم خلع سترته يضعها فوق كتفاها، لكن فجأة ترنح
ووقع على الأرض أثر لكمة من كنان فتراجعت هى للخلف شاهقة بصدمة، كان كنان كالليث الجريح لا يريد أحد بجوارها الآن اقترب منها بهدوء وهو يمسح الدماء من انفه هاتفًا:
-متقلقيش كل انتهى انتِ بخير، أنا اسف ماكنش لازم اسيبك
لوحدك ياكيان
مع همساته المهدئة بكت بحرقة وهى تنتفض قائلة:
-لا مش بخير أنا، أنا حاسة تانى كل حاجة
قبل أن يقترب منها ليضمها جاءت اسرة الطفلة وطاهر
وكرم وساهر يهرولوا، وقف طاهر أمام تامر الذى ينزف
قبل أن يفهم وقف امامه بشرار عيناه يصرخ:
-انت عملت أيه؟!
-انت اتجنتت يا طاهر؟؟ الزفت اللى على الأرض
دا هو اللى حاول يتهجم عليها أنا كنت ماشى لقيت
العيلة دية بتجرى من هنا جيت اشوف فى أيه؟
اقترب ساهر من اخته يضمها هو يتفحص وجهها:
-ايه اللى حصل يا كيان فهمينى، طمنينى
شهقة خافته من الخلف كانت من فتاة فى نفس عمرها
هامسة:
-كيان عاصم معقولة؟!
رمقها كرم بطرف عيناه قائلًا:
-ايوة هى، تعرفيها؟!
اجابتها الطفلة الصغيرة:
-هى يا عمتو هى يا تيتا اللى انقذتنى لولاها كان الحيوان دا
ولم تستطع اكمال جملتها وانفجرت فى البكاء لكن الصدمة الأكبر كانت من نصيب جدتها التى اقتربت
منها قائلة بتوسل:
-انتِ فاكرانى، سامحينى، سامحينى لأن ربنا وبعد العمر دا كله منسيش اللى عملتوا زمان وحفيدتى كانت هتضيع
منى لولاكِ
راقب الجميع الموقف فى صمت، أما هى كانت تحاول
أن تستوعب هذه القنبلة وهى تدقق النظر فى وجه هذه
السيدة التى ملأت التجاعيد وجهها ثم رمقت الفتاة التى
تقف خلفها وانهمرت دموعها وهى تشير للطفلة الصغيرة:
-كنت اصغر منها صح، والكل اترجاكِ إنى طفلة وماليش
ذنب، لكن اصريتى أن واحدة زى المفروض متكملش فى
المدرسة وأن اروح أماكن تأهيل للي زى صح، قولتى
دية مش طفلة دية فاهمة كل حاجة دية كانت بتتعرض
للتحرش وبيئتها اللى جاية منها هتضيع عيالنا، احب اقولك أن من يومها مدخلتش فصل تانى بمتحن بس
عشان تحافظى على بنتك انتِ واللى زيك، على فكرة أنا لو كنت عارفة انها حفيدتك كنت بردو هنقذها عشان اللى عشتهُ متمناش حد يعيشُهُ، لكن لو على مسامحتك عمرى
ما هسامحك عمرى
انهت جملتها وسحابة سوداء تلفها وقبل أن تسقط للأرض كان يلتقطها ساهر بين يديه، أما كنان يصرخ حتى كادت
احباله الصوتية أن تنقطع ثم توجه نحو هذه السيدة:
-امثالك هما اللى عار وغلط أنهم يختلطوا بالناس
ودا تفكرهم هى احسن منك ميت مرة
صرخ كرم قائلًا:
-اطلع بيها يا ساهر معاه يا طاهر وأنا هسلم الك.لب دا
بإيدى
******
-وحشتينى يا بيلا
تلك الجملة قالتها هويدا وهى تنظر لبيلا مما زاد من توترها فشعرت هويدا بالشفقة لأجلها، فاسبلت أهدابها قائلة:
-أنا جيت انهاردا عشان أنا وبيلا ننزل مع بعض
نشتري حاجات للبيبي واتمنى انها مترفضش طلبى
فاجابها هاشم مسرعة دون تفكير وهو يقول:
-لا طبعًا انتِ منقدرش نرفض ليكِ طلب
توسعت أعين والدتها بغضب قائلة:
-ازاى يعنى يا هاشم بنتنا تعبانة انا مش بخليها تتحرك
من مكانها وأنا اللى بشترى حاجات البيبى لوحدى خوفًا
عليها
-هى كويسة والدكتور طمنا اخر مرة ودا كان من التوتر
هى دلوقتى كويسة، اطلعى اجهزى يا بيلا وانزلى مع
مدام هويدا
هزت رأسها بالموافقة وتحركت للأعلى وما أن اختفت
وجهت هويدا حديثها إلى لبنى هاتفة:
-أنا فاهمة ومقدرة خوفك عليها كأم، ولازم تبقى متأكدة
انى اللى مش هرضاه على بنتِي مش هرضاه على بنات
الناس، مابالك بيلا اللى بعتبرها بنتى اللى وقفت جنبى
فى محنتى أنا وبنتى، ابنى حالته ماكنتش متزنة ومازالت
مش هو ضياء أبنى، وهو بيحب بيلا أكتر من روحه
اللى حصل لحظة ضعف وانتِ عارفة كدا
-حتى لو فاهمة بنتى حاليًا نفسيتها مدمرة
ضياء خذلنى انا كنت بعتبره ابنى
ابتسمت هويدا بهدوء قائلة:
-هو ابنك والام بتزعل من ابنها وتعاقبه لكن متستغناش عنه
انهت كلامها تزامنًا مع نزول بيلا التى اصبحت شاحبة
كالأموات، فنهضت هويدا وهى تنظر إلى لبنى، اطرقت
لبنى بصرها هى تعلم أن ابنتها أصبحت كالوردة الذابلة
***★**
-يارب
يهمسها كنان بمناجاة وهو يقف بالخارج
اقترب من باب الغرفة يستند برأسه عليه، يهمس باسمها
وكأنه يناجيها؛ يناجيها بضعف، بضعف يؤلم قلبه، خرج
الطبيب من الداخل فتحشرج صوته بكلمات مخنوقة:
-هى كويسة؟
-متقلقش هى كويسة بس ممكن الضرب والصدمة سبب
الإغماء
كان طاهر وكرم يقفا مستمعان وما أن انصرف الطبيب تقدم
طاهر فجذبه كرم:
-رايح فين انت مش شايف الجدع بينهار قدامك هتدخل
قدامه عندها
-ما ساهر جوه، وبعدين بنت عمنا واللى حصل لازم نطمن
عليها
-اهدى بقى
ساعة مرت دون أن يفتح باب الغرفة الذى يفصل
جسد بالداخل عن اجساد بالخارج يقفون كأنهم يقفوا
على جمر مشتعل فتحمحم كرم قائلًا:
-طب يا جماعة يلا بينا أحنا اكيد هى مش هتفوق
ومعها ساهر جوه يلا بينا الوقفة هنا مش حلوة احنا
فى فندق مش مستشفى
كان الانتظار مميت بشكل هالك للأعصاب فاجابه كنان:
-أنا مش همشى من هنا غير لما ادخل اطمن عليها
حك كرم مؤخرة رأسه قائلًا:
-كان على عينى يا دوك والله بس انت شايفنا ايه
تدخل اللى هو ازاى يعنى، أنا مرضتش ادخل طاهر
توحشت عيناه وهو ينظر لطاهر قائلًا بحدة:
-طاهر يدخل عندها بتاع إيه
زمجر طاهر لكن قاطعه كرم وهو يقول:
-والله ولا انت ولا هو ولا أنا هى معاها اخوها ومش
مسموح لحد تانى الدخول يلا اتفضلوا
ابتلع كنان يواجه الحقيقة المرة هى لم تعد زوجته تحرك
فى صمت، خائر القوي ، ضعيفاً، هزيلًا
أما بالداخل
كان ساهر يجلس بجوار فراشها يراقب انفراج جفنيها
بضعف، يراقب ملامحها الراقدة هامسًا:
-كيان سامعانى
خرج صوتها متقطعًا بضعف يوجع قلبه:
-ايوة يا ساهر
-انتِ كويسة؟ الحيوان دا قرب منك
-ملحقش ضربنى الأول بس
ضيق حاجبيه متسائلًا:
-روحتى هناك ليه؟
مش كان عندك تصوير
سكتت لا تعلم كيف تجيبه خزيها يملأها ليس عيب بها لكن من خزيها من الموقف الذى وضعت به فهمست
-النصيب
اتقبضت عضلتى فكيه كأنه يطحن ضروسه بضراوة متحمكًا فى نفسه بشِق الأنفس ثم ارتمى عليها يحتضنها بقوة قائلًا:
- ربنا بيجيب ليكِ حقك من كل حد اذاكِ
انهمرت دموعها متجاهلة الرد عليه وهى تنظر إلى
الأعلى، فابتعد غامزًا لها وهو يقول:
-بس كنان طلع الرجل المجنح طاح فى الكل
الحب ولع فى الدرة
اغمضت عيناها كإشارة لتعبها وإرهاقها:
-عايزة اخد دش وانام ياساهر ممكن
حاول أن يمازحها:
-هو أنا بطرد استحالة مش همشى
صمتت ولم تعقب على حديثه، كان هدوءها غامض لكنه
اراد أن يمنحها بعض الخصوصية فنهض قائلًا
-هطلع وهرجع بسرعة تمام
******
فى المساء
بعد يوم صاخب كان كلا من طاهر وكرم وتارا فى المطعم الخاص بالفندق يتناولون العشاء فى اجواء خيم عليها الحزن حينما
وصل الوفد الثانى فتوجه ضياء وكارما وبيسان وبدر
للمطعم وبعد أن ألقوا التحية جلسوا فى الطاولة
التى امامها وكان كرم كمن يجلس على حطب
مشتعل وهو يراقبها تضحك لذلك السمج فهمست
تارا بجوار اذنه بطريقة ملفته:
-غبية
قطب حاجبيه متسائلًا:
-نعم!!
-تقصدى مين؟
ابتسمت بسخرية وهى تلعب بخصلات شعرها:
-ياعم الشباب وأنا غبية، على العموم اللى عينيك متشعلقة
بيها من أول ما دخلت، كارما
-ليه بتقولى كدا؟
تنفست بعمق ثم تناولت كوب الماء الذى امامها ترتشف منه
بضع قطرات قائلة:
-هى كدا واخدة الغباء هواية، حتت واد ولا يسوى
مجرد ما سبل ليها اختنا بقت خلاص العاشقة، رغم
انه كان باين للكل بس هى ما صدقت، رغم أنه مش
ناقصها اهتمام ولا حنان بس غبية قولتلها لو كدا خليها
خطوبة بس يا كارما لكن ما سمعتش الكلام
-انتوا كنتوا اصحاب
صمتت تنظر للأرض بضعف ثم رفعت عيناها واجابته ببرود:
-كنا، وأول حاجة عملها البيه عشان فهم أنى فقسته بعدها
عنى وهى بكل سهولة بعدتت، لدرجة انى اتصلت بيها فى
مرة وقالتلى انها نايمة ومش قادرة تخرج معايا
خرجت ولقتها فى نفس المطعم معاه، غبية
على فكرة أنا كنت عارفة انها مش بتنزل الكلية ومش
بتدفع المصاريف ومقولتش لحد
رمقها بصدمة قائلًا:
-انتِ ازاى كدا؟
مش شايفة انك كدا بعتيها
باغتها بسؤاله الغير متوقع فرفعت عيناها إليه مستنكرة:
-أنا اللى بعتها بعد دا كله، كانت صاحبتى الوحيدة لكنها
اصرت واصرت واصرت تخسرنى
-تارا انتِ بتغيرى منها
كانت تناظرها من تحت رموشها ثم ابتسمت قائلة:
-ممكن ليه لأ بس مش عشان هى كارما عشان ضياء وكنان
هز رأسه متعجبًا وهو يقول:
-غريبة رغم أن بيسان أى حد يتمناها اخت ليه، أنا
ليا بنات عمتى وعمى لكن بيسان شخصيتها مافيش
كدا ازاى مش فاهم تغيرى عشان عندها ضياء
احتقن وجهها ثم زفرت قائلة:
-أنا وبيسان موضوعنا كبير، أنا اتخنقت من هنا
تعالى نتمشى على البحر
نهضت واقفة وهو معاها فالتقت عيناه بعيناها التى كانت
تراقبهما ضغط على كفها بقوة، ولكنه تابع اللعبة مستفزًا
لها، بينما نهض طاهر هو الأخر ليقف امام الطاولة قائلًا:
-بيسان لو سمحتِ عايزك
نهضت تجلس معاه على الطاولة فساد الصمت هو يضيق
ما بين حاجبيه بتساؤل غير منطوق فهمست:
-ممكن افهم ايه اللى غير رأيك فى اخر وقت
ومتجيش معايا
-عادى السفر كان هيتعبنى بالعربية
جز على اسنانه وهو يتمتم بحدة:
-السفر هيتعبك ولا حضرتك اتفقتى مع دكتور بدر
وحبيتوا تسافروا مع نفسكم والدنيا تبقى فل
قال ما قاله بدفعة واحدة وبشكل عنيف مما جعلها تنتفض
واقفة وهى ترمقه بعتاب، وقف مسرعًا هاتفًا بإعتذار:
-اسف، أنهاردا اليوم كان صعب، غير أنى كنت قلقان
عليكِ من امبارح لو سمحتى ممكن تقعدى يا بيسان
رغم الوجع من كلماته لكنها اسعدتها نعم سعيدة، أول مرة تجد من يقلق عليها، فجلست فهى أيضًا ضربها الحنين لوجوده، لدفء علاقتهم
اعطت لنفسها الحق لتسأله عم حدث فاجابها بكل اسف
بينما اغمضت عيناها بألم ثم همست:
-هى كيان دية المصايب وراها وراها
طاهر تعال ودينى لأوضتها اطمن عليها
استقام طاهر وهو يرمق بدر شزرًا اراد لو يحطم وجهه
وابتسامته السمجة:
-يخربيت سماجتك
*****
وقفت امام غرفة كيان متسائلة:
-هتدخل؟!
-لأ كفاية انتِ هستناكِ تحت تمام
بعد دقائق بالداخل كانت تجلس امامها بيسان
إن منحتك الحياة فرصة لإعادة الماضى، لكى تثأر لنفسك
بنفس الاحداث لكن مع انقلاب الأدوار والشخصيات
لتنال ثأرك، وتتخلص من ضعفك، حينها ستسطيع
أن تمضى بحياتك
فهمست بيسان قائلة:
-أنا مش متخيلة حكمة ربنا انتِ لازم تفرحى حقك كله
بيخلص حواليك ناس كتير بتحبك واهلك، هنا يا كيان
والنهاردا بالذات نقطة ومن أول السطر، كيان جديدة
عارفة لسه فى حاجات بس واحدة واحدة إدى لنفسك
فرصة، طاهر زعلان جدًا عليكِ تعالى ننزل نتعشا تحت
زفرت بانفاس مغلفة بالألم
-مش قادرة هنام بكرة معنديش تصوير عشان وشى
روحى انتِ وطمنيهم عليا
****
هبطت للأسفل وجدت طاهر مندمج مع تارا وكأنهما
يعرفان بعض منذ زمن للمرة العاشرة انبت نفسها
لغباؤها وتهورها والوقوع فى حبه، تشعر كما لو كان
قلبها، وسط النيران،رمقها فتوجه صوبها يسألها
فطرفت ثغرها بابتسامة حزينة، باهتة كروحها:
-كويسة هى متقلقش
-انتِ كويسة؟
صمتت تفكر تحاول أن تجد جملة مناسبة لأول مرة
تود وجود شخص بحياتها تلجأ إليه، صدح صوت
من خلفها:
-بيسان بدور عليكِ
استدارت لتجده كنان قطب طاهر حاجبيه بينما مدت
يدها له بابتسامة واسعة:
-حمدلله على سلامة يا دكتور
ابتسم لها كنان بسعادة وهو بالفعل يحترمها ويقدرها وأن
لم يقع فى عشق كيان كان سيتزوجها، لا ينكر أنه يتألم
لأجلها لم يقابل بحياته أهل يخلقوا بابنتهم تلك الاضطرابات
النفسية بدون سبب، كان طاهر يطالع ايديهما المتشابكة ويجز على
اسنانه، واخيرًا همس كنان:
-فاضية نتكلم شوية
هزت رأسها بابتسامة يائسة، وهى ترجع بعيناها لطاهر،
الذى حاول أن يتماسك نفسه لكنه لم يستطع فسأله:
-خير يا دكتور مش شايفها واقفة معايا
قبل أن يكمل جملته كانت تارا تتعلق بيده قائلة:
-طاهر عايزة اكل أيس كريم
هزته مرة ثانية وهو مثبت بصره على بيسان، اما هى
رغم إرتجافها وارتعاشها وقلبها الذى اصبح موشوم
بعشقه إلا انها حدثته بملامح باردة:
-عن إذنكم يا جماعة
ظلت عيناه مثبتة عليهما حتى اختفى من امامهم، وقلبه
يهدر بنضات عنيفة لا تتوقف ابتسم لتارا بتكلف وهو
يسير معاها
******
-بتحبيه؟
هذه الكلمة التى نطق بها كنان اربكت خلاياها، هزت رأسها
مسرعة قائلة:
-لا طبعًا طاهر اخ وصديق
قهقة كنان وهو يميل بجزعه للأمام:
-يانهار مش فايت أنا مقولتش طاهر اصلا
يعنى الدنيا خلصت من الرجال رايحة تحبى الدب القطبى دا
هربت من اهلها كى لاتخسر معركتها لكنها خسرت هنا
قلبها وروحها، فالحب خسفها لسابع أرض فهل هو
سيمد يده ويحلق بها لسابع سماء، همست بانزعاج:
-بس متقولش دب قطبى
-يانهار ابيض، امته دا حبتيه امته؟
جبتك يا عبد المعين
-أنا مش بحبه أنا مرتاحة ليه
-بتحبيه وباين فى عينيك، هو جدع على فكرة
بس
الصمت يخيم علي كل شئ تشعر هى بثقل وهو يريد
إخبارها بشئ حتى همست بوجوم:
-بس قلبه مع واحدة تانية
قهقت بصوت عالى، بينما هى منهمكة ومتعبة الحياة
تصيبها بخيبات متتالية، صمتت ثم استدارت له قائلة:
-طب خلينا فى المهم هى كويسة، وأنا شايفة اللى حصل
دا على قد ما هو صعب بس فى مصلحتها
-عايزة اشوفها
-هى راحت تنام وانا كمان، وغدًا ألقاك يا كنان تصبح
على خير
****
كان القلق ينهش قلبه طوال الليل لم يستطع النوم
والآن يقف أمام غرفتها كالطير المذبوح، فالذبح كان اهون
عليه من أن يراها منتهكة هكذا، وما أن فتحت الباب نظر
إليها لتمنحه بعض الحياة، لكنه تذكر اغماءها بين يد اخيها، وليس بين يده لكنه كان يحملها هو بقلبه، يشعر الآن بما تصارعه، قلبه
يئن لأجلها وكأنما صدى وجعها ينتقل إليه بصمت ليهمس
اسمها بصوت خفيض حتى إلتقت اعينهما ليسألها:
-انتِ كويسة؟
طأطأت رأسها بوجع وهى تفرك اصابعها بيدها كأنما تود
اقتلاعها، ابتلع غصة خانقة وهو يبصر صراعها
الداخلى قائلًا:
-كيان أنا معرفتش أنام من امبارح أنا تحت لسه حتى
مطلعتش، هتجنن أنك مش فى حضنى، خلينا نتكلم
احنا محتاجين نتكلم بالغقل مع بعض
-هنتكلم فى أيه انت شفت كل حاجة انا عايشة شبه
انسانة
-طب خلينا ننزل نفطر ونتكلم مع بعض لو سمحتِ
مترفضيش
قبل أن تجيبه كان يهرول فى الردهة كرم، طاهر، ساهر
تامر وفى لحظة كان يقفوا امام الغرفة متسائلين:
-انتِ كويسة؟ مالك؟!
رمقهم كنان باستنكار متسائلًا:
-هو فى ايه؟
اجابه كرم:
-ضياء اتصل بيا وقالى كيان بتصرخ وتصوت فى اوضتها
توسعت عيناها بصدمة ثم نظر حوله فوجد ضياء يقف
فى الزواية بيبتسم بشماتة، اغمض عيناها محاولا كبح
غضبه، ثم رمقها بكل ثقة واجابة بعلو وهو ينظر للجميع:
-كيان هستناكِ تحت
رمقه كرم باستنكار قائلا:
-القميص الكروهات دا مجمد قلبه اقوى
اربع تيران واقفين ولا هزه وبيقولها استناكِ تحت
ثم اعاد بصره لكيان قائلًا:
-خشى يا بت جوه ومفيش نزول من هنا هنبعتلك الأكل
هنا خشى جوه
****
فى الاسفل
خلع كنان سترته بانفعال، ولكم ضياء بعنف ليرميه على
الارض ويجثم فوقه منهالا عليه بالضرب ليستوعب
الاخر ما يحدث ليبادله اللكمات بعنف وهما يتبادلان
السباب والشتائم كانهما ثوريين شرسيين، بالأخير
نهض كنان متسائلًا:
-عايز ايه يا ضياء انا سيبتلك الدنيا كلها، بتتدخل
فى حياتى ليه؟
-سيبتها بعد ما خربتها انت وابوك صح، بعد ما موتوا
ابويا وعشان شوية فلوس
صرخ كنان بهياج قائلًا:
-انت ابوك مات حتى لو مقتول مات بشرفه، أنا ابويا
مات وانا عارف حقيقته المره, اللى أنا وانت كنا بنفتخر
به، أنا كمان مت عايش من غير روح عايش شبه بنى
أدم ،انا لما احتاجتك يا ضياء خذلتنى ماكانتش صاحب
جدع ليا
-أنا مش جدع انا اللى مت بسببكم حياتى ادمرت
اتحولت لبنى ادم تانى، مبقاش عندى ثقة فى حد،
مراتى حامل مش قادر اضمها فى حضنى نفسى أنزل اشترى حاجات لأبنى معاها، نفسى اسندها وهى تعبانة مش عارف، مين اللى خذل مين أنا بموت
-دا عشان غباء مش عشانى، عشان لغيت عقلك
بقولك اهو أنا قدامك لو ليك حق خده عايز تموتنى
يلا، لكن بعد كدا لو ظهرت فى طريقى يا ضياء
هفرمك وهنسى اللى بينا وحياتى أنا هرجعها
أما أنت صعب تبدأ عشان غبائك
-أنا بتحداك أنى هرجع حياتى قبلك يا كنان وساعتها
هاخد بردو حقى منك
تناول سترته وهو يرمقه بنفور لكنه كان لابد من المواجهة
****
ولج هاجد للداخل وهو يحمل بيده صينية البقلاوة
متمنيًا بداخله أن تمنحه السماح والغفران
****
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!