الفصل 15 | من 90 فصل

رواية روح بلا مأوى الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سارة فتحي

المشاهدات
18
كلمة
3,676
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

فرك وجهه بضيق وهو يطالع تلك المرابطة في الزاوية. وكلما اقترب منها خطوة كادت أن تذوب داخل الحائط. تأفف من خوفها غير المبرر قائلًا: -ممكن أفهم إنتِ خايفة كده ليه؟! أنا عايشة معاك من شهرين، حصل مني حاجة تستدعي الخوف ده. أوعي تفتكري إن باب الأوضة كان ممكن يمنعني عن حاجة. هزت رأسها بنفي قائلة بحزن: -ده شيء بيبقى جوايا، بس أنا مش خايفة. يود أن يسحبها بين أحضانه، لكنه سينتظر حتى تعتاد عليه حتى لا يخيفها.

عزم أمره، أول شيء سيفعله عند العودة للقاهرة هو إخبار أهله بكل شيء. قاطعته هي قائلة: -طب أنا لازم أروح دلوقتي أشوف الاستعدادات، لأن طاهر كان مصمم أروح معاه، بس قولتلوا إني هكون هناك من أول اليوم. ضم قبضته بقوة حتى ابيضت مفاصله وقست نظراته: -أيوه يعني إيه مصمم حضرته دي؟ أجابته بحزم لتنهي النقاش قائلة: -يعني ده شغلي وأنا ملزومة بيه، وبالنسبة ليا أنا فرصة ما أقدرش أضيعها. عن إذنك.

طالعها بنظرات تحمل في طياتها وعد بالأمان، وعد أن لا تحمل عبئًا للظروف أو الضمائر. أجابته بنظراتها الممزوجة بالحيرة والتوتر والخوف. قطع الصمت قائلاً: -كده كده أنا وضياء رايحين ناخدك معانا. -بلاش كده أحسن. أجابته بنبرة يكسوها الحزن. انصرفت، بينما هو مازال على وضعه بداخله يتألم لأجلها. *** -بس كده، هو ده اللي جيت عشانه؟ قالت كيان جملتها باستغراب.

هو يعلم أن وجودها ليس له أهمية بالنسبة لحفل الزفاف، فطهي الطعام وإشرافه يخص الفندق، الحجز شامل كل شيء. لكن وجودها سيفرق معه. هو تنهد قائلًا: -المهم إنك تقولي المنيو، كده كويس ولا لأ؟ وبعدين يا كيان، إحنا تيم، ويا ستي طالما الأكل تمام، ساعديني. أنا مش شايفاني مسحول. ابتسمت بترحيب مردفة: -أوك تمام أوي، قولي أقدر أساعد إزاي. ظل يتأملها بإعجاب ثم قال: -المفروض إني أقولك نشرف على تصميم الورود، بس أنا مش شايف وردة غير.

ارتبكت وهي تحاول تضبط وضع حاجبها ثم قالت: -طب تمام، هروح أشوفه. كل هذا تحت نظرات كنان الذي وصل للتو بصحبة ضياء. ثم بدأت جلسة التصوير للعروسين على الشاطئ. انضم إليهم ضياء ومعه هاتفه، وبدأ في التقاط صور لبيلا. بينما هي كانت تطالع الجميع بنظرات متألمة. اعتصر فؤاده عليها. فوق كل هذا، هو مطلوب الابتعاد عنها كأنها لا تعنيه.

رسى يخت كبير على الشاطئ أمامه وصعدت العروسة وأصدقائها، وكان معهم ضياء، فهو لا يفارق بيلا، أصبح كطيفها. أما هي فمازالت على أعتاب الشاطئ. فجأة اقترب منها طاهر بخفة يقذفها بالماء. ابتسمت وهي تخبأ وجهها منه. بدأت محركات اليخت تعمل، وقبل أن تنطلق، سحبها معه على اليخت. انتفض كنان في جلسته، حاول اللحاق بهم، لكن كان اليخت انطلق يشق المياه. وقف كأسد جريح تم حبسه بالقفص.

لتوبعد مرور ساعتين، كان اليخت يقف على الشاطئ والجميع يهبطوا بسعادة. ساعتين مروا عليه سنين. اقترب منه ضياء سريعًا وهو يعلم بما يمر به صديقه: -كنااان، اهدى، محصلش أي حاجة، أنا كانت عيني عليه. تمتم كنان بقسوة: -ابن *****، مش عارف لازق فيها ليه. أقسم بالله أطلع بروحه قبل أن يرد. اقتربت بيلا بابتسامة لطيفة قائلة: -نورت يا دكتور، مبسوطة أوي إنكم جيتوا، يارب اليوم يعجبكم. ارتسمت ابتسامة شاحبة. وحده الله يعلم

كيف يحاول مالك أعصابه: -مبروك.. أكيد عجبنا. ابتسمت ثم انصرفت تلحق بصديقاتها. وهو عينه مثبتة على تلك التي تجلس في الخلف بمفردها شاحبة. قرر ضياء مشاكسته قائلًا: -نقتله ونخلص. رفع حاجبه بشر قائلًا: -السكينة تكون حامية. ماتخليش حد يشوف وأنت بتقتله عشان حرام. متفصلش راسه عن جسمه غير لما يطلع الروح. ضيق ضياء عيناه متسائلًا: -مش دية طريقة دبح ال... قاطعه كنان بحزم قائلًا: -ميفرقش عنهم. -اشطا، انطلق أنا.

بعد أن ابتعد ضياء بمسافة، ناداه كنان قائلًا: -بقولك، مش عايز دم كتير. ثم رمق مكانها، وجده خالياً. بحث عنها بنظره، وجدها تغادر. تنهد بحدة وتحولت ملامحه بغضب وقسوة وهو يسير خلفها ليرى ما الذي يبرر لها فعلتها. *** عاد لغرفتهم بعد أن انتظر ضياء، وجدها تجلس على الأريكة تطالع هاتفها. ما أن انتبهت حتى نهضت واقفة بارتباك. فعلتها هذه أشعلت فتيل غضبه، فقبض على معصمها قائلًا: -أااايه؟ هي الهانم مالها؟

ما كانت زي الفل وبيترشميه عليها على شاطئ الغرام، وكمان بيسحبها معاه على اليخت. مالك بقى وش الخوف ده أيه؟ بقرون؟ أنا فقدت قدرتي على النطق فقط. تهز رأسها بالنفي وقطرات دموعها تغرق وجنتيها. حاول النطق ببعض الكلمات غير المفهومة: -إيدي، معرفش، أنا ماليش دعوة، إيدي، أنا اتفاجأت. أنا بخاف من الميه أصلاً. قلبه يضعف أمام دموعها، يخشى عليها حتى من نفسه. ترك معصمها، رفعت يديها تدلكه وهي تبكي بحرقة:

-أنا ماكنتش عايزة آجي أصلاً، ماليش دعوة باللي بيعملوا وهو اللي شدني كده. أجابها بانفعال: -هو إيه اللي يخليه يتجرأ ويعمل معاكي انتي بالذات كده هاااا؟ همست بصوت ضعيف متقطع: -مش عارفة.. أنا مالي معرفش. اندفعت تفتح باب النافذة الكبيرة التي تطل على البحر، وجلست على كرسي خشبي صغير وهي تغطي وجهه بيدها. لم يحرك ساكنًا، بل ظل ينظر لها من بعيد وقلبه يثور عليه ويتمرد، لكن عقله يؤيد ثأر كرامته.

فهو كان ينوي الصراخ عليها، ربما صفعها، لكن بعد ما رأى حالتها يريد فقط ضمها إلى أحضانه. بعد صراع مع نفسه، قادته خطواته للخارج، يجلس على المقعد الخشبي الآخر وهو يطالعها. أما هي فكانت ساكنة تطالع أمواج البحر، وداخلها يتألم بسبب الكلمات التي بصقها في وجهها. لا تعلم لما كلماته جرحت كرامتها هكذا، فهي دائمًا تحاسب على ذنب لم تفعله، حتى أنها هي من دفعت ضريبة نزوة والدها وطمعه، وضريبة أم أرادت أن تكمل حياتها على حسابها.

تشعر بخواء روحها، أرهقها دور الفتاة القوية. تود أن تصرخ من قسوة العالم عليها، لماذا هي عليها أن تتحمل إهانة الآخرين. مضت الدقائق عليهما في صمت تام. نهضت واقفة، فحدثها مسرعًا: -كيان، لو سمحتي اقعدي. وقفت مكانها، رفع نظره مرة أخرى قائلًا: -اقعدي. جلست ثانية، ونظرت له بطريقة أول مرة قلبه يختبرها منها، نظرة معاتبة كطفلة لأبيها. حدثها: -أي حد مكاني كان هيعمل كده. ابتسمت بتهكم وسط دموعها التي مازالت تهطل.

فهو يتحدث وكأنه زواج حقيقي وأن غيرته على زوجته واجبة. هزت رأسها قائلة: -هو اللي عمل كده ومعرفش ليه؟ إيه اللي يخليه يتجرأ؟ معرفش، ممكن شافني واقفة لوحدي. بس الأكيد إني تعبت.. تعبت أشيل ذنب مش ذنبي. شلت ذنب الكل وماحدش في الدنيا فكر فيا لحظة. تعبت من التعب والوجع.. من إني أفضل لوحدي. أتحمل ذنب رد فعل أي حد. دخلت في نوبة بكاء مرير، وشهقاتها كانت تشق سكون الليل. سهام تخترق فؤاده.

نهض من مكانه، يجلس بجوارها على المقعد الخشبي الصغير، يضمها إلى صدره ويهدئها، زافرًا بحنق، ناقمًا على نفسه لما أوصلها إليه. أما هي فتشعر وكأن حضنه كقطعة الثلج التي تثلج نيرانها. تشبثت به أكثر وهي تكتم شهقاتها بصدره. فجأة كان الاثنان يقعان أرضًا بعد أن انكسر المقعد الخشبي ولم يتحملهما. انفجر هو ضاحكًا، وهي كانت تبتسم من بين دموعها. ساعدها على الاعتدال وهو ينفض الرمال عنها.

شعرت بلمساته تخترق روحها مما جعل جسده يتشنج تحت لمساته. *** -إنتي كنتي بتكلمي مين يا بيلا؟ كان هذا سؤال والدتها وهي تقف خلفها. أجابتها بيلا: -ده ضياء بيسأل الفرح إمتي، قولتله الساعة ٣ هيبتدي. ابتسمت والدتها هامسة بحب: -ضياء شاب هايل، لايقين أوي على بعض. تجعدت ملامحها بضيق قائلة: -إيه لايقين دية؟ إحنا أصحاب. برقت عين والدتها قائلة بحدة طفيفة: -إيه أصحاب دية؟

ضياء واضحة مشاعره من ناحيتك للكل، إذا كان كل اللي في الفرح بيقولوا خطيب بنتك من اللي هو عاملهُ معاكي. عينيه فضحاه، إنتي كده اسمك بتلعبي بيه يا بيلا. توسعت عيناها بصدمة من حديث والدتها وأجابتها بضيق: -لا عادي، إنتي بس اللي بيتهيألك عشان عاوزة كده. لكن هو عادي وأنا عادي.. لو سمحتي يا مامى، عايزة أنا. تنهدت والدتها تهز رأسها بيأس قائلة: -أنا مش هتكلم بعد كده، باباكي هو اللي لازم يتدخل. انصرفت والدتها، وارتمت هي على

الفراش خلفها تنحب قائلة: -عارفة كل ده، بس مش من حقي حتى أفرح يوم. استحالة بالذات ضياء يعرف، مش هستحمل يسيبني. هو أو حتى استحمل نظرة شفقة من عينيه، كله إلا كده. جففت دموعها قائلة: -كل شيء بعد الفرح يتظبط. *** يجلسوا على الرمال وأمامهم البحر بكامل سحره، لكنه مثبت نظره عليها هي الساحرة بكل ما بها من حزن وإغواء وبراءة. سألها فجأة قائلًا: -كيان، قوليلي نفسك في إيه؟ أشارت لنفسها ثم تنهدت تنظر أمامها قائلًا: -أنا نفسي؟

حاجات كتييير. نفسي ما حدش يعيش اللي عشته. نفسي ما أفتحش الفيس ألاقي إنهم لقوا طفل أمه رمته في الزبالة أو حطته في كارتونه يتحمل غلطتها هي وأبوه لحظة متعة وضعف منهم يدفعوا تمنها العمر كله. فين العدل؟ نفسي قوانين تنهي الجواز العرفي بين الأهل بحجة الأساس الإشهار. إنت عارف فيه واحدة اتجوزت زي ماما كده بعقد عرفي، جوزها اتوفى، حاولت توثق العقد العرفي ما عرفتش.

لجأت لأهل جوزها قالوا تمام نوثقه بس شرط التنازل عن الورث، وغيره كتير محاكم الأسرة مليانة. ولا جوازات العرب ويمشوا وتفضل الأم مش عارفة تطلع لابنها شهادة ميلاد. عارف الموضوع يبان من بره إيه التفاهة دية؟ هي البلد هتسيب كل البلاوي اللي وراها عشان تشوف الهبل ده. بس أبدًا والله، إحنا أغلبنا هنفضل مرضى نفسيين ليوم الدين. يعني لو في قانون ما كانش فيه عيال في الملجأ من غير أهل. لما يكبروا هيطلعوا إيه...

في كتير منهم هيضيع ويبقى قاتل، سارق، متحرش. هيبقوا جاني ومجني عليهم في نفس الوقت. يسمعها بقلب يأن، أقسم بداخله أن ما تتمناه سيحققه، لكن ماذا يفعل هو في ذلك. ابتسمت بألم قائلة: -مملة أنا. هز رأسه بالنفي قائلًا: -أبدًا. ما تيجي ننزل الميه. -لأ لأ، أنا بخاف، استحالة أنزل الميه. التفت لها وعيناه تطمئنها أنه هو أمانها، فقال بحنو وهو ينهض واقفًا ويمد يده يجذبها معه: -متخافيش وأنا معاكي. شعرت بدفء كلمته وصدقها.

نظراته اخترقت ثنايا روحها. سارت معه كطفلة مطيعة، وما أن لمست المياه قدمه تراجعت للخلف تشد على يده بخوف: -بلاش بلاش يا كنان، أنا خايفة. لمسات يديها ونطق حروف اسمه من بين شفتيها بعثرت ثوابته أكثر، فسحبها معه للمياه. أغمضت عيناها برعب، وفتحتها كانت المياه تغطي نصف جسدها. تشبثت بقميصه أكثر، فقال: -سيبى نفسك واستمتعي بالميه. -لأ هغرق، يلا نطلع. همس بخفوت قائلًا: -ده أنا اللي غرقت.

فجأة شبك يديه معًا خلف ظهرها كحصن لها، وباتت أنفاسه تلفح وجهها. انتفضت هي بين يديه تشعر برعشة تسري في جسدها. قلبها يخفق بجنون وانفاسه تحرق بشرتها، فابتسم هو: -كده مش هتغرقي، ممكن تسيبى نفسك في الميه، متقلقيش. رفعت عيناها إليه وسألته بصوت مجهد: -مش هتسيبني؟ هز رأسه بالنفي وزاد من ضمها إليه قائلًا بنبرة ذات مغزى: -استحالة يا كيان أسيبك. تمت كل شئ وقررت تسرق لحظات من الزمن معه، ستظل ذكرى لها مدى الحياة. ضحكت

وهي تلعب بيديها في الماء: -حلوة أوي. -إنتي الأحلى. أشاحت بوجهها بعيدًا عنه باستيحاء وهي تهمس: -كفاية كده، يلا نطلع. تابع حمرة خجلها، ابتسم لها بحنو وانصاع لها وخرج من المياه. *** -كيان، هطلب أكل. الكلمات نطقها كنان بعد أن أخذ حمامًا دافئًا، فوجدها نائمة على الفراش. اقترب منها يمرر يديه على وجنتها. أغمض عيناه وهو يقسم أن كل شئ سيتغير للأفضل. دثرها بالغطاء وظل بجوارها. *** في صباح اليوم التالي، بدأت تتململ في نومتها.

شعر بحركتها، طالعها بحنو. ونهض مسرعًا يتمدد على الأريكة موليًا ظهره حتى لا يثير ذعرها. فرقت جفونها، وجدت نفسها مغطاة. انتفضت تتحسس ملابسها، وضعت يديها على رأسها، وجدت نفسها بحجابها وثيابها كما هي. تنهدت بارتياح، ثم جابت الغرفة بعينيها، وجدته نائمًا على الأريكة. نهضت ترفع الغطاء، مقتربة منه تطالعه ببسمة صادقة. هي لا تعلم ماهية شعورها نحوه، فهو حلم مستحيل بالنسبة لها، وليس كل ما يتمناه المرء يدركه.

تنهدت بثقل، وتوجهت لحقيبتها، تفتحها وتختار منها ما يناسب اليوم، ثم توجهت للمرحاض. دقائق وكانت تخرج من المرحاض بعد أن انتهت من ارتداء ملابسها. كل هذا وهو يشعر بها. فتح عينيه بتكاسل، مدعيًا النعاس قائلًا: -صباح الخير. -صباح النور. هي الساعة كام؟ رفعت معصمها تطالع الساعة قائلة: -الساعة ١٢، والمفروض الفرح الساعة ٣. مط ذراعيه وهو يتثاءب وكأنه نام سنين، وهو لم يغمض له جفن. ظل يراقبها طول الليل. عقد حاجبيه:

-إنتِ لابسة ورايحة فين كده؟ أجابته وهي تضع أشياءها داخل حقيبتها: -الفرح. نهض واقفًا وهو يتوجه صوب المرحاض: -هنفطر الأول. ضيقت حاجبيها متسائلة: -أومال إيه نباتي دية؟ إيه اللي جرى؟ استدار لها ببسمة صادقة قائلًا: -البركة فيكي، من يوم ما شوفتك ونفسي اتفتحت على كل حاجة. كست الحمرة خديها من مغزى كلامه. قلبها ينبض بعنف، استدارت مولية ظهرها مدعية البحث عن شيء في حقيبتها. بعد مرور نصف ساعة كانوا قد انتهوا من الطعام.

فنهضت مسرعة صوب الباب، فأوقفها مناديًا قائلًا: -كيان، لو سمحتي خليكي بعيد عن طاهر عشان ما يبقاش فيه فرصة لأي احتكاك. هزت رأسها كطفل مطيع. *** الشاطئ مزين بورود، صديقات العروس جميعهم يرتدون نفس اللون. حتى بيلا ترتدي فستانًا طويلًا يرسم منحنيات جسدها ببراعة، ورفعت شعره للأعلى. اقترب منها قائلًا: -العروسة قمر. التفتت له بابتسامة جعلت قلبه يهوى بين قدميه: -أنا مش العروسة. غمز لها بطرف عيناه قائلًا:

-هو فيه عروسة غيرك هنا؟ متحاوليش تقنعيني، أنا مش ابن امبارح. قهقهت ثم أجابته: -لا ما هو باين عليك. اتسع بؤبؤ عيناه بصدمة: -قصدك إني كبير في السن؟ نظرت أمامها على العروسة وابتسمت نصف ابتسامة قائلة: -مش أوي. توه فمه وهو يتمتم بتهكم: -أقولك عروسة تقوليلى كبير في السن. انتهى حفل الزفاف وكل يستعد للرحيل، وهي تتجنب طاهر. كل هذا تحت نظرات كنان الذي كان يجلس على فوهة بركان نشط.

توجهت صوب مطبخ الفندق، فوجدت شخصًا كبيرًا في العمر، يبدو أنه في العقد الخامس من عمره يتجول في المطبخ. قطبت حاجبيها وهي تسأله: -حضرتك عايز حاجة؟ أنا أقدر أساعدك. زلزال ضرب كيانه، فهي فولة وانقسمت نصفين، نسخة مصغرة من أخيه. أصبحت أقدامه كالهلام، اهتز في وقفته، فاسرعت تسانده قائلة: -حضرتك كويسة؟ هز رأسه بالإيجاب قائلًا: -بخير الحمدلله.. إنتي شغالة هنا؟ -لا مش شغالة. سألها ثانية: -اسمك إيه؟ قطبت حاجبيها لكنها جاوبته:

-اسمي كيان عاصم. أغمض عيناه بألم، يود أن يضمها لصدره، لكن يبدو من هيئتها أنها تنعم بحياتها. فابتسم لها بحنو أبوي: -كيان، اسم حلو أوي. عاشت الأسماء يا بنتي. -أقدر أساعدك إزاي؟ أنا لازم أمشي دلوقتي أدور على دكتور هنا طيب. خرج تنهيدة حارة على حظ أخيه العاثر، يملك ابنة كهذه ولا يعلم عنها شئ. رفع بصره قائلًا: -إنتي ساعدتيني خلاص. *** استقل طاهر سيارته، فقد قرر زيارة صديقه في أحد الفنادق القريبة قبل نزوله القاهرة.

جلس في بهو الفندق ينتظر نزوله، لكنه شعر بنزول صاعقة من السماء عليه. كنان وكيان معًا؟ كيف؟ توجه للاستقبال يسأل عنهم، علماً أنهم نزلاء غرفة واحدة. لجمت الصدمة لسانه وعجز عن الرد. دقائق وكان كنان يخطو بخطواته خارج الفندق. وجدها فرصة، وبعد أن علم رقم الغرفة بصعوبة، طرق الباب. ثوانٍ وكان يطالع وجهها بمنامتها. ابتلعت ريقها الذي أصبح كالحنظل، شحب وجهها وفرت منه الدماء: -طاهر!!!!! أردف طاهر بحدة قائلًا:

-إيه الهانم اللي عاملة كيوت وبريئة، اتكشفت على حقيقتها وقد إيه هي واحدة سهلة ورخيصة. تساقطت دموعها بغزارة وحرقة. هزت رأسها بألم قائلة: -لو سمحت اسمعني. طالعها بنفور واشمئزاز وكأن قلبه يحترق: -اسمع إيه هااا.. اسمع إيه غير اللي شوفته. بس يا ترى بقى بالليلة ولا بالأسبوع؟ رفعت كفها لتصفعه بسبب كلامه، لكنه قبض على معصمها وهو يدفعها للداخل وأغلق الباب خلفه. فسقطت أرضًا تبكي قهرًا وهي تسرد ما عاشته:

-أنا مش كده، كل حاجة في حياتي ما حصلتش بإرادتي. أنا كنت تحت رحمة الظروف. عمري ما اخترت حاجة. انتهت من سرد قصتها المأساوية وهي شهقاتها تعلو. وهو يقف مكانه كالمصعوق. كيف تحملت كل هذا بمفردها؟ حتى أن كنان أيضًا استغل ضعفها. يشد خصلات شعره يكاد أن ينزعها من منبتها. حاول الاقتراب منها لتهدئتها، لكنها تراجعت للخلف برعب. أغمض عينيه بقهر على ابنة عمه وما عاشته. فقال: -أنا أسف، صدقيني أنا أسف، بس كل حاجة هتتحل.

لو سمحتي ممكن تقومي. طالعته وهي تكتم صراحتها في حلقها قائلة: -لو سمحت مش عايزة حد يعرف حاجة، واتفضل اطلع بره دلوقتي. علت وتيرة أنفاسه ثم قال بألم: -متقلقيش، وكل حاجة هتتحل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...