مضى يومين عليها كدهر. تغيبت عن عملها بحجة التعب والإرهاق. لم يخضع عقلها للنوم أو يتوقف عن التفكير في حال قلبها الأجوف الذي اعتاد الوحدة. لكنها هذه المرة لملمت شتات روحها سريعًا وقررت حجب الحزن والضعف عن حياتها، وأن تسير بعزم وقوة وتنظر للحياة بإيجابية وتتجاوز عقباتها. فهي أفضل من غيرها. تنهدت بعمق وهي تنظر حولها في حديقة المركز. قاطع شرودها صوت طاهر:
-شكله مركز كبير والحديقة بتاعته واسعة عشان شغلنا، بس قوللي أنا حاسك متضايقة مش فكرة ضغط بس. أنزلت كتفيها ثم همست بنبرة يغلب عليها الحزن: -شوية ضغوط كده بس تمام أنا أحسن دلوقتي. -المكان نور وزاد جمال على جماله.
كانت هذه كلمات ضياء وهو لا يصدق نفسه أنه يراها أمامه الآن. هز كنان رأسه من الخلف على أفعال صديقه ثم تقدم بابتسامة واسعة. انضموا يجلسوا في الطاولة معهم. فقامت هي بفتح الحاسوب وبدأت في شرح التنظيمات بمهنية عالية وهي تشير إلى أركان الحديقة. صدح رنين هاتف طاهر فنهض وقد استأذن ليجيب على هاتفه. ثوانٍ ونهض كنان وهو يغمز بعينيه خلسة لضياء الذي فهم مقصد صديقه وهو يقول: -طب ضياء كمل أنت مع الآنسة بيلا وأنا هتابع الشغل جوه.
ابتسم ضياء وأومأ بالإيجاب. قائلًا: -تمام. رحل كنان بينما ضياء وجه نظره إليها قائلًا: -تمام اتفضلي كملي. رفعت كتفيها ثم أجابته بنبرة هادئة: -كده خلصت خلاص. في أي تعديلات؟ -بعد اللي قولتي والعظمة ديه مافيش. ابتسمت لمجاملته. فتحمحم قائلًا: -بصراحة كنت ناوي أجي ليكي المكتبة بس للأسف مش بفهم في الكتب وماليش في القراءة. حسيت إني شكلي هيبقى وحش. ساد الصمت لثوانٍ ثم تحدثت قائلة: -أنا القراءة كل حياتي إدمان كده.
اعتدل في جلسته يقول مداعبًا: -كنان بيحب القراءة. حاول معايا فاداني كتاب من غير ما أقصد الأكل وقع عليه والعصير واتبهدل. وما كنتش قرأت منه غير ١٠ صفحات أصلًا واتخنقت. عرفت إنهم مش كاري ده بعد كنان ما نفخني. قهقهت على حديثه وهي تهز رأسها بيأس: -صعب أوي اللي أنت عملته ده. أنا ممكن أرشحلك كتب تقرأها هتشدك. ارتسمت ابتسامة على شفتيه ولمعت عيناه بوميض، كأنه كان ينتظر هذه الفرصة. فأجابها والحماس يسيطر عليه:
-ياريت. ومتقلقيش مش هوقع عليهم حاجة المرة ديه. ثم أكمل متسائلًا: -هو أنتِ اسمك الحقيقي بيلا؟ هزت رأسها بنفي قائلة بنبرة هادئة: -لأ اسمي نبيلة. -بيلا كله تمام. آسف الفون كان من البيت. أردف طاهر تلك الجملة بأسف، بينما هي هزت رأسها عدة مرات بتوتر. أما ضياء صر أسنانه بقوة يهمس بصوت يكاد مسموعًا لنفسه: -يعني أقوملك دلوقتي أسفلت وشك بالأرض. -بتقول حاجة يا ضياء؟! قبل أن يجيبه جاء أحد العمال من الداخل قائلًا:
-دكتور ضياء عايزينك جوه تشوف الشغل النهائي. تأفف بضجر بينما هي وقفت تحمل حقيبتها: -طب نسيبك لشغلك واحنا كمان نشوف شغلنا. هز رأسه على مضض. اتجه للداخل وانصرفا هما معًا. *** في السيارة تجلس بيلا بجوار طاهر ساكنة تنظر من النافذة بصمت. بينما هو قطع الصمت قائلًا: -مين عيد ميلاده الشهر الجاي وهنعمل له حفلة؟ أجابته بابتسامة شاحبة قائلة: -أنا بس بليز من غير حفلة.
بادرها برد سريع وهو يحدقها بنظرات تحذيرية قوية. أما هي حاولت تغيير مجرى الحديث فتحدثت قائلة: -أنا كلمت كيان عشان الشغل معانا. التفت إليها بملامح متلهفة: -بجد؟!! -وقالت لك إيه؟ حدقته بنظرة حزينة لكنه لم يفهم مغزاها فابتسمت قائلة: -وافقت. تبدلت ملامحه فور سماع كلمتها لتحتل السعادة ملامحه قائلًا: -طب ما تقولي على طول. إيه التشويق ده؟ رمقته بنظرة سريعة ثم نظرت أمامها تسأله بنبرة غالب عليها الحزن:
-ما كنتش أعرف إن الموضوع مهم كده. مش قصدي تشويق. التمس الحزن من نبرة صوتها. هو يعلم أنها شديدة الحساسية. فأكمل: -ولو حتى قصدك أنتِ. اعملي اللي أنتِ عايزاه. هزت رأسها على مضض تنظر أمامها في الطريق. *** أوقف كنان محركات سيارته أسفل البناية بعد أن صفاها جانبًا. لكن توسعت عيناه بصدمة حين رآها أمامه تقفز فوق دراجة بخارية. ترجل من سيارته مسرعًا يقف أمامها متسائلًا بصوت خشن: -أنتِ بتهببي أيه؟ نظرت إليه
كيان تجيبه بكل ثقة قائلة: -إيه أول مرة تشوف حد بيركب موتوسيكل؟ حدقها بنظرة مميتة ثم صاح بغضب: -أنتِ اتجننتي شكلك. هي الهانم بتركب موتوسيكلات؟ ارتجفت من نبرة صوته ثم هزت رأسها بنفي قائلة: -لا بس اللي هيوصل الأوردر اعتذر. اعمل إيه؟ -استأذنت طنط اللي في الخامس تقول لابنها إني آخد الموتوسيكل بتاعه أوصل الأوردر وأجي. بسطت له بغيظ وهو يصر أسنانه:
-وبس إيه البراءة ديه. أنتِ ناسيه أنتِ قايلة أنتِ مرات مين. انزلي من على الزفت قال موتوسيكل ابن الجيران وهتسوقي كمان. ما تطلبي أوبر أو تاخدي مواصلات. أجابته باستحياء قائلة: -المكان بعيد يعني أوبر غالي ويبقى الأوردر ما جابش همه. والمواصلات الأكل هيبرد والناس مش هيقبلوا يتعاملوا معايا تاني. أغمض عينيه بيأس قائلًا بحدة: -انزلي. سار أمامها وهي سارت خلفه بضجر حتى فتح باب السيارة قائلًا: -اتفضلي.
-أنت عايزني أوصل الأوردر بالعربية الفخمة ديه؟ -اركبي وخلصيني. إحنا في الشارع والناس ابتدت تتفرج علينا. أنهى جملته ورمقها بنظرات نارية. أما هي فامتثلت لأوامره واستقلت بجانبه السيارة. بعد مرور نصف ساعة من الصمت وهي تتابع البرنامج والخرائط على الهاتف قالت: -أيوه هنا. شكرًا أوي. ممكن تنزلني هنا وتروح. ممكن أرجع مواصلات عادي. فاجأها بسؤاله وهو يحمل كيس الأكل قائلًا: -في الدور الكام؟ توسعت عيناها بذهول وهي
تحاول خطف الأكياس من يده: -لا لا شكرًا أوي ميصحش. سحب نفسًا عميقًا في محاولة لتهدئة نفسه: -في الدور الكام انجزي؟ وضعت كف يدها أمامه قائلة: -الخامس. *** بعد مرور وقت تكتم ضحكاتها بصعوبة وهو يطالع بعض النقود في يده باستنكار: -أنتِ بتضحكي، أنا أخدت تيب؟ تحاولت التماسك قائلة: -حلال عليكم. مد يده لها بالنقود قائلًا: -اتفضلي فلوسك. -هزت رأسها بالنفي:
-لا والله أبداً. ده حقك لو مش عايز الفلوس شوف حد يتيم محتاجهم. أما أنا لأ مش هاخده. رمقها بطرف عيناه وهو يتابع الطريق أمامه متسائلًا: -هو أنتِ مش يتيمة؟ أجابته مندفعًة دون تفكير قائلة: -معرفش. فجأة سمعت احتكاك السيارة بالأرض وارتطام جسده للأمام. فخرجت آنة نتيجة الصدمة. نظرت له بتوجس: -إيه في إيه؟ فرك وجهه بيده قائلًا:
-بصي بقى أنا سيبتك على راحتك على الآخر. بس أنا ممكن أجيب كل حاجة عنك وسايبك بمزاجي. لحد هنا واستوب. في واحدة متعرفش إذا كان أهلها عايشين ولا لأ.
شعرت بغصة مريرة بحلقها وتجمعت الدموع في مقلتيها. أطرقت رأسها للحظات تحاول تمالك نفسها. فكم تمنت أن تولد للحياة يتيمة أهون من أن تترك طفلة وحيدة في الحياة. تعلم أنها بمجرد البوح بما يعتري صدرها سيفتح عليها أبوابًا من الجراح لن تتحملها. سبقتها دموعها للتعبير عن حالتها. تنهمر فوق وجنتها. باءت كل محاولتها للتسلح بالبرود والصمت بالفشل. حتى رفعت عيناها تسرد له ما عاشته:
-معرفش ومش عايزة أعرف. لأنها مش هتفرق عايشين زي مش عايشين. اللي المفروض هي أمي اتجوزت وهي ١٦ سنة تحت السن القانوني بورقة عرفي بس بعلم أهلها. يعني عملوا الإشهار أهم حاجة. بس أهل الراجل اللي خلّفني ماكنوش يعرفوا. كانت جوازة للترفيه لمزاجه لأنه هو كان متجوز. وطبعًا أهل أمي ما صدقوا عريس شارى بقى. عدت أول سنة تمام لحد ما عرفوا إنها حامل. نكر ومش بس كده شكك في أخلاقها وإني اللي في بطنها مش منه. الوضع كده فضل لحد ما أنا
اتولدت وبعد كده منفعة أسجل عشان هو رفض. واترفعت قضية نسب أربع سنين في المحاكم. أصلها مش قضية حد مشهور. لحد ما المحكمة حكمت بنسبي ليه. وللأسف كانوا أهله عرفوا وقالوا لأمي افرحي بالنسب. وإحنا متبريّن منها. حتى هو كمان. ومشوا وغيروا كل أماكن سكنهم. الصراحة واللي هي أمي مستنتش كتير. جالها عريس وهي كانت ٢٠ سنة. والكل قال حرام تضيع عمرها عليا إذا كان أبوها رماها. اتجوزت وطبعًا كان أول شرط أنا لأ. وهو كان راجل كويس معقولة
هتخسره عشاني. كملت حياتها وأنا فضلت في بيت أبوها. أترعب كل ليلة لوحدي. طفلة أربع سنين مش لاقية حد ولا حد يقول أكلت شربت. كنت أدور على أي لقمة أكلها ولما أتعب أنام في أي حتة. لحد لما كملت ٧ سنين. ساعات أمي كانت تيجي تشوفني ومعاها بنتها. كنت بقول أشمعنا. وكانت تقولي غصب عني.
على صوت شهقاتها وهي تحاول أن تكتمها بيديه. تمزق نياط قلبه على حالتها. ثم أكملت هي:
-ابتدأ اللي المفروض هو أخو أمي. يعني اللي هو الخال. يتحرش بيا. ماكنش ليا نصيب في الأبوة من الدنيا. لحد ما جدي مرة خد باله وقرر لازم أخلص منه. أحسن تحصل مصيبة وابنه يروح في داهية. فخد بعضه ونزل بيا القاهرة عند خالة أمي. ماما هدى اللي ربتني. وقالها عايز أوديها ملجأ. لأنها كانت ربنا مرزقهاش الخلفة. وكانت بتروح ملجأ كتير تعوض نفسها. لقت فيا العوض. وأنا كمان حسيت أول مرة من ٨ سنين بالأمان. هي اللي كبرتني وعلمتني. حتى الطبخ. الله يرحمها. لحد ما البيت اتهد منه لله المقاول. أنا ساعتها كنت بوصل أوردر. قولت هروح فين؟
اللي هي المفروض أمي متعرفش لحد دلوقتي. لأنها مش بتدور عليا أصلًا. بقى ليها حياتها مع جوزها وعيالها. أرجع عند جدي اتوفى. ولا أرجع لخالي عشان يكمل عليا. أصلًا أول ما حد يعرف إنها قضية نسب. وأهلي مش عايزني. يفتكروني رخيصة. ويبقوا عايزينينهشوا فيا. عشان كده الشقة كانت الحل. أنا مش حرامية والله. أنا عمري ما مديت إيدي على حاجة. بس خوفت من الناس. وأنا ماكنش معايا حاجة تثبت شخصيتي. كله ضاع في الشقة. قضايا النسب اللي بينتج منها ناس مش سوية. زي فكرة إن الأب رفض الاعتراف بيهم دية محتاجة عمراد عمرنا نتعالج علاج نفسي. وهنفضل مكسورين من جوانا برد.
نزلت كلماتها عليه كسِهام تخترق قلبه. فأي أب تجرد من الإنسانية ينكر أبوته طفلته ليتركها تواجه قسوة الحياة بمفردها. فدائمًا الأطفال يتحملون أشد وطأة للعلاقة الأسرية الفاشلة. رفع نظره يطالع دموعها تتساقط بغزارة ترتجف بشدة. ندم بداخله لنبشه في جرحها الغائر. بداخله فيض من المشاعر الغير مفهومة. لا يعرف كيف ضمها إلى صدره. فتلك الصغيرة احتملت ما لا يحتمل أحد. فربت على ظهرها لتهدئتها. أما هي تشبثت به وتكتم شهقاتها بصدره. ساكنة قليلًا بين أحضانه.
طرق على الزجاج. فزعها كان شرطيًا قائلًا: -انزلولي كده يا حلو أنت وهي. شاربين إيه عشان في عز النهار عمل فاضح في الطريق العام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!