ممم، شكل فعلاً محدش يعرف بحاجة زي دي. حاجة إيه؟ أنه عنده ورم في المخ. حست روح بصدمة كبيرة وارتجف قلبها لسماع ذلك.
مكنش هنا كمتابعة، هو أصلاً مش مهتم بحالته. معرفش ينفع أقول لك ولا لأ عشان دي أسرار مريض، بس جايز كلامي معاكِ يطلع بنفع. هو أيامه معدودة، ولما جه دلوقتي كان بسبب الأعراض اللي بتظهر عليه فبيوقفها مش أكتر، بس الورم بيكبر وممكن التلت شهور اللي باقيين له ما يكملهمش. حاولت أقنعه بالعملية، بس هو مش عايزها ورافض. هي آه نسب نجاحها ضعيفة، بس أحسن ما يكون قاعد ومستني المرض ينهيه.
مكنتش روح مصدقة اللي سمعته وحاسة إن الأرض لا تتحملها، وكأنها صعقت خبر شقها لنصفين. كان قلبها بيدق بخوف ورعب. بصلها الدكتور من وشها اللي اتغير لونه. أنتِ كويسة؟ بعتذر لو تقلّت عليكِ بالكلام. كانت في حالة شبه لا واعية لتقول: مستحيل. بصلها وهي تردد في نفسها وتنفى براسها وعينيها مدمعة. مستحيل.
مشت سريعاً وتركته وهو يطالعها. خرجت روح من المستشفى وهي مصدومة وعينيها بترتجف. مسكت دماغها بكلتا يديها وبتفتكر كلام الدكتور. افتكرت يوم أما كانوا على السطح والتعب اللي ظهر عليه. افتكرت يوم أما كانوا هيعملوا حادثة ولقيت دم بينزل من مناخيره من غير سبب. هذا الضعف كان بسبب مرضه. الورم بيكبر، ممكن التلت شهور اللي باقيين له ما يكملهمش. "يحي! قالتها بصوت ضعيف. افتكرته وهما على السطح.
"حققتي انتقامك يا روح.. عايزك تستريح.. أنا بموت.. سمعتيني؟ نفيت برأسها بخوف وهي بتقول: لا.. أنا عملت إيه. افتكرته لما كان مش في وعيه. "عشت بتعذب على ذنب أنا ما عملتوش.. انتي نهيتيني ونهتيني معاكي.. أنا حبيتك بجد." سالت دمعة من عينها وايدها بتترعش واعصابها تتلف. عانيت قد إيه يا يحي.. عانيت عمرك كله عشان يحصلك ده في الآخر.. معقول أكون أنا سبب من ضمن الأسباب في مرضك؟
افتكرت نفسها قديماً، بكائها في الليل، انكماشها على نفسها، وقوفها وهي تردد دعائنا أن يقتص الله منه، سجودها ليلاً ونهاراً. دموعها اللي كانت بتتساوق وتدعي الله مع كل قطرة ألا تنزل هباءً. معقول.. ألن ينسى الله دعائها لحد هذا اليوم؟ أن الله حقق مبتغاها وقبل دعاءها بعدما شعرت أنه لم يتقبله، لكن لم تعلم أنه سيأتي هذا اليوم. إنها تتراجع.. هل بعدما أحبته سيسلبه منها كأي شيء أحبته؟
مش عايزة حقي.. مش عايزاه يا رب.. بعد أما خلتني أحبه هتاخده مني ليه.. بتعاقبني على إيه أنا عايزاه يفضل جنبي.. ليه ترد لي دعائي دلوقتي وتعاقبني على قسوتي بالشكل ده.. يبقى ظلم وأنت عادل مبترضاش بالظلم أبداً.. محدش اتظلم قد يحي.. اتظلم كتير ومني أنا.. إزاي كنت غبية كده وعيدت غلطتي للمرة التانية.
افتكرت والدتها، قسوتها، ورؤيتها لها وهي مسطحة على فراشها وتعانقها، وكان عناقها الأخير لها، رغم أنها لم تبادلها، لكن يحي كان السبب في أن تراها قبل مماتها. متعملتش من اللي حصل وإزاي خسرت والدتها وهي لم تراها وبعيدة عنها فترة كبيرة. دلوقتي عملت نفس الحاجة.. قسيت على يحي الشخص اللي رجعها من جديد واهتم بيها.. اللي ضحكها ومسبهاش لحظة وتحملها بكل تقلباتها.. هتخسره بنفس الطريقة لكن بالموتة الشنيعة. الموت.. ذلك الشيء اللي هياخده منها.. ماذا فعلت بحماقتها.. كيف أوصلتهم لهنا.. صارت تلعن نفسها في تلك اللحظة.. أنها عادت لرشدها لكن بعد ماذا.
وصلت روح لشركة وكانت تسرع إليه. قابلت أحمد استغرب من وجودها. روح. بصت له بحنق. تقدمت منه وقالت بغضب: انت كنت عارف.. صح.. كنت عارف ومقولتليش. أتكلم. عارف إيه؟ إن يحي مريض. يوم المستشفى كدبت عليا. سكت أحمد ومردش وحاسس بالضيق. صرخت في وشه وهي بتقول: ليه سايبه كده.. إزاي تخبي عليا حاجة مهمة زي دي.. محدش يعرف صح.. محدش يعرف غيرك.. إزاي تسكت عن حاجة مهمة زي دي.. ليه تكون عارف واحنا منعرفش.
يا روح افهمي.. يحي مش عايز حد يعرف.. هو أصلاً مقاليش.. أنا عارف من قريب يعني مش من أول يوم.. كنت معاه في المكتب ولقيت الأعراض اللي بتظهر عليه ووقع من طوله.. طلبت له الدكتور وودناه على المستشفى.. وقتها عرفت يعني مش هو اللي قايللي.. هو مكنش هيقول لحد.. أنا عملت اللي في إيدي واللي قدرت معاه بس هو مبيسمعليش. مش مبرر.. حرام عليك.. أنا لو مكنتش شفته النهاردة مكنتش عرفت.. هتقولنا امتى لما يموت. يا روح أنا...
مشيت وسابته وهي متوجه ليحي. بصله بشدة ولحقها. روح استني. مردتش عليه وكملت طريقها. فتحت الباب ودخلت المكتب بإندفاع. كان يحي بيشتغل ومعه اثنين من موظفينه. بصولها من دخلتها. دخل أحمد وهو بيقول: روح... بص يحي ليها من وجودها وبص لأحمد اللي كان يتبعها. قالت روح: عايزة أتكلم معاك. بصلها باستغراب. لم يبالي كثيرا. بص للموظفين، أومأوا له وذهبوا. بصلهم روح حتى خرجوا. وقف يحي ببرود وقال: إيه اللي جابك وإزاي تدخلي المكتب كده؟
بصتله روح ومردتش. استغرب من صمتها. لقى عينها بتدمع وهي بتبصله وبتندفع إليه بقوة لتنصدم بصدره وهي تعانقه. اتصدم يحي وبصلها بشدة من قربها منه والحواجز اللي لم تهتم بها. روح. لقاها بتنشج. اتصدم أكتر وبدأ صوت بكاها يعلو ويقدر يسمعه. بصلها بشدة وقال: مالك؟ ضمته إليه أكثر وهي تقول: متبعدش.. أرجوك.. انت وحشتني أوي. مكنش فاهم أي حاجة. واقف بصمت ويبصلها. لتقول: ليه مقولتش ومخبّي علينا حاجة زي دي؟ بعدت عنه
وضربته في كتفه وهي تقول: ليه معرفش بمرضك؟ فاكر إنها حياتك لوحدك؟ اتصدم من اللي قالته. هل باتت تعلم بمرضه؟ لكن كيف ومتى ومن أين؟ بص لأحمد ببرود اللي كان واقف، فهو من يعرف لا أحد غيره. مش أحمد اللي قالي.. أنا عرفت من عن طريق المستشفى اللي كنت فيها. مستشفى! أومأت له وهي تقول: آه.. كان عندي تدريب وشوفتك.. إحساسي إنّي أعرف سبب وجودك خدني بأني بحثت عليك لتكون من المرضى اللي هناك وقابلت دكتورك وهو اللي قالي.
حس بالضيق من تلك الصدفة. المستشفى اللي ذهب إليها ذاتها اللي كانت روح لديها تدريب اليوم بها. عادت لعناقه. نظر إليها ليقول من بين بكائها: كنت هتخبّي لحد إمتى؟ بص أحمد ليحي وروح اللي بتعانه. أحس بألم أيسر صدره. تنهد وخرج ليتفادى ذلك المشهد. فايا يكن إن قلبه لا يزال يحبها. كانت بتعيط وهي تطوق عليه بذراعيها وكأنها تريد أن تخترق صدره. ابعدي. قالها يحي بجفاف. بصتله بأعين دامعة وقالت: إيه؟
حط أيدها على كتفها وهو يبعدها. بصتله بشدة، فهذه المرة الأولى التي يبعدها عنه. قالت: عارفة إنك زعلان مني.. عارفة إني قسيت عليك وأذيتك بكلامي قبل أفعالي.. عارفة إنك استحمّلت كتير.. أنا آسفة.. سامحني. عايزاني أسامحك وأنا ملقيتش السماح منك رغم كل اللي عملته عشان سبتيني عشان كذبة.. بالسهولة دي أسامحك يا روح. أحست بالحزن والذنب الملتف حول عنقها. قالت: أنا.. أنا مقصدتش نكون هنا.. عارفة إني اتسرعت بس.. قاطعه وهو يقول:
بس إيه يا روح.. إيه هو اللي مقصدتوش.. كسرت قلبي ولا إني أعيش تلت شهور بتعذب وأنتِ بعيدة عني.. أعيش مع ذنب مرتكبتوش. سكتت ومردتش. ليردف:
كنت بسأل نفسي أنا بتحاسب على إيه ومش لاقيله إجابة.. عايش بتحاسب على إيه طول عمري ومحدش بيديني جواب مقنع.. بس انتي جيتي واديتيني إجاباتك وياريتني ما عرفتها.. شوفت نفسي مغفل أوي إن كل اللي كنت بعمله على الفاضي.. كرهك مقلش.. وجودك كان له سبب وهو الانتقام.. بتعيطي ليه دلوقتي.. إحساس بذنب.. بس افرحي.. أنا الشخص اللي بتكرهيه وهتستريحي من شوفته اللي لما بيجمعك مكان بس بتتخنقي لوجوده.. معلمي.. هترتاحي من كل ده.. زعلانة ليه؟
آسفة على كلامي اللي مكنش من قلبي والله.. كنت حاسة إني بقولك كده لرد كرامتي. قربت منه وهي بتقول: أنا حسيت معاك بكل حاجة.. انت عملتها عشاني.. أنا حبيتك بس.. مقدرتش أعترف بالحب ده لنفسي.. والله ما كان غرضي الانتقام.. أنا مش عايزة غيرك زي بالضبط.. والله بحبك. وأنا معدتش عايزك يا روح. حست إن قلبها بيتكسر من اللي قاله. ليكمل:
وأنا واقف قدامك شايفك كدابة بتخدعيني زي ما خدعتيني قبل كده.. حتى الكلمة اللي نفسي أسمعها منك بجد بقيت بضايق لما تنطقيها.. مش قادر أصدقك.. جوايا حاجة ماتت ناحيتك. كفاية يا يحي.. كفاية.. أرجوك. هو كفاية فعلاً.. امشي. بصتله بشدة. أعطاها ظهره وأكمل ببرود: امشي يا روح.. مش عايز أشوفك هنا تاني.
سالت دموع من عينها بحزن وقهر وعينها منكسرة وهي تشعر بألم شديد من ما فعلته به وبنفسه. لفت ومشيت وهي تتمنى أن يوقفها، لكنه لم يفعلها. ألم يعد يحبها؟ هل انطفأ تجاهها؟ إنها السبب في كل ذلك. يصلها أحمد من شكلها وهي تسير وحزينة، فظن أن الأمور ستتحسن بينهم. ماذا حدث؟ نزلت من الشركة. رن تليفونها وكان على. ردت عليه. إيه يا روح.. انتي فين؟ في حاجة. سبتي التدريب ورحتي فين؟ معلش.. كنت بعمل مشوار مهم. تمام.. أنا قلقت عليكي بس.
شكراً يا علي. على إيه.. أكلمك بعدين. وأنهت مكالمتها. بصت على الشركة من أعلى ناحية مكتب يحي، تتمنى أن تراه واقفاً يراها، لكنه لم يكن موجوداً. أحست بالخيبة ومشيت. كان يحي واقف في مكتبه يضع يده في جيبه بجمود. دخل أحمد. بصله وهو معطيه ظهره. يحي.. روح خارجة بتعيط ليه؟ بصله من سؤاله عنها. قال بتوضيح: أقصد.. حصل حاجة. رد بكل برود: لا.
تعجب أحمد، لكن لم يعلق. وذهب. أنه ظن أن وجود روح معه سيفرق معه كثيراً، وهذا ما يريده، لكن يبدو أنه فهم خطأ. أنه لا يبالي برؤيتها وعودتها له. في المساء توقف يحي بسيارته أمام منزله. ترجل ودخل، لكن تفاجأ كثيراً وتبدلت ملامحه لما شاف روح قاعدة على أول درجتين عند الباب وكانت ضامة ذراعيها وباين إنها قاعدة بقالها كتير. بصت ليحي ولاحظت وجوده. وقفت لما شافته. قربت منه، بس هو قال بكل برود: بتعملي إيه هنا؟
حست بالحزن ولم تقترب أكثر. قالت: مستنياك. ليه؟ محتاجة أتكلم معاك. مفيش حاجة نتكلم فيها. لا يا يحي.. أرجوك اسمعني.. في كتير اللي بينا مش قليل. لم يهتم بها. تخطاها وهو بيقول: روحي قبل ما الجو يقلب. بس أنا مش همشي غير ما أتكلم معاك يا يحي. وأنا معنديش كلام أقوله. اسمعني.. كفاية عناد.. مبيننا إحنا الاثنين.. أرجوك.. معدتش مستحملة.. كفايانا لحد هنا.
سمع تلك الكلمات. لم تتبدل ملامحه. دخل وهو يقفل الباب. تطلعت إلى الباب المقفول في وجهها وكأنه لم يعد منزلها. تنهدت بحزن. بصت للسماء وتلك الغيوم والرياح. في الليل كان يحي في غرفة مكتبه بيشتغل. سمع صوت الهوا يرتطم بزجاج والسحب تتصور. ليبدأ هطول المطر. تنهد وقام راح عشان يعمل قهوة، بس وقف فجأة. بص من الشرفة واتصدم لما شاف روح لسه قاعدة ضامة جسمها والمطر يهطل والرياح شديدة. رمى الأوراق اللي بيده بضيق.
كانت روح قاعدة وبدأت تتبلل. فتح الباب. لفت ورفعت عينيها ليحي. قال بغضب: ما مشيتيش ليه؟ قلت لك مش همشي غير ما نتكلم. قالتها بوجه يخلو من التعبيرات. تعصب يحي. مسك ذراعها وقفها. حست روح بألم. قال: أنا مش قلت لك مش عايز أتكلم معاكي.. انتي مبتفهميش.. قاعدة دلوقتي ليه؟ مرضتش عليه. بص يحي على ذراعها وغضبه. فهو ينفعل في الآونة الأخيرة. بعد يده عنها. ادخلي. بصتله روح بشدة. دخل وهو يقول:
اقعدي جوا لحد ما الدنيا تتعدل.. أبقى أروحك.. مش عايز حاجة تحصل زي المرة اللي فاتت.. ادخلي.. متخافيش. مش خايفة. سيصلها لوهلة. لم يهتم وذهب. كانت روح قاعدة تشعر بالبرد. حست بحاجة توضع على كتفها. وكان يحي أحضر غطاءً لها. بصت لتظاه وقربه منه، لكنه لم يكن ينظر إليها. ابتعد عنها وذهب. بصت على البطانية اللي حطها عليها ليدفأها، رغم أنه يشغل المدفأة.
كانت قاعدة لوحدها. عطست لما حست بزكام. لقت إيد بتمدلها وبها فنجان. بصت ليحي. خرجت أيدها وخدته منه وهي تقول: شكراً. مردش. جه يمشي. مسكت روح إيده بتمنعه. بصلها. قالت: اعقد معايا.. متسبنيش.. خلينا نتكلم.. أرجوك يا يحي. معنديش كلام أقوله. بس أنا عندي ولازم تسمعه. كنتي فين وأنا كان جوايا جبل عايز أقولهولك.. لقيتني لوحدي. دمعت عينها. قالت بحزن وندم:
أنا آسفة والله.. معترفة بغلطي إني سبتك من غير ذنب.. معترفة إني مكنش ينفع أقولك يومها الكلام ده.. بس أنا بخاف.. أنا بخاف من إني أظهر مشاعري الحقيقة.. ببان بقسوة مش فيا خوفاً على نفسي.. يحي.. انت أكتر واحد عارفني.. حط لي عذر.. انت شوفت خوفي ده بنفسك.. خوفي من الكل.. أنا كنت مضطربة نفسياً.. بس.. بس بيك رجعت زي الأول.. بس لما غلطت في حقك.. أنا معترفة بغلطي. وقفت قربت منه قالت:
بص لي يا يحي.. أنا روح اللي كنت بتعتبرها بنتك قبل ما تبقى حبيبتك.. مش عايز تسامحني.. قولت لي قبل كده إنك مبتزعلش مني.. معقول معدتش عايزني زي ما قولت الصبح؟ أنا حبيت واحدة مش موجودة.. بنيت شخصية وهمية انتي رسمتها لي. سالت دمعة من عينها وقالت:
والله كل اللي عشته معاك كان حقيقة.. مخدعتكش ولا كنت بمثل الحب عليك.. لو بصت لي هتعرف ده بنفسك.. روح لسه موجودة.. انت رجعتها.. وانت بس اللي بتكون معاها على طبيعتها.. محدش غيرك.. يحي.. بلاش نبعد أكتر من كده.. كفاية. معدتش له لزوم الكلام ده. مش عايز تسامحني يا يحي.. قولي أعمل إيه ونرجع. حس يحي بألم داخل رأسه وسمع صوت كصفير يعج رأسه. اعتصر عينيه بألم وهو لا يسمع شيئاً سواه. كان يراها تحرك فمها ولا يقدر على السماع. ابعدي.
سكتت روح. بصتله وقالت: إيه؟ ابعدي بقولك. اتخضت من صوته المرتفع وغضبه، فلت يده بقوة، تألم روح. مشي يحي وهو يحاول أن يتمالك حتى يبتعد عن ناظريها. يحاول ألا يظهر شيئاً به. دخل الأوضة مسك دماغه بوجع شديد وعروقه بارزة وجبهته تتعرق من ضعفه. كان لا يستطيع التنفس من الألم. سند بيده على المنضدة. فتح التيشيرت قليلاً.
تقدمت روح من الأوضة إلى يحي. دخلتها لا تعلم لماذا تشعر بالقلق عليه. طرقت الباب تستأذن بالدخول، لكن لم تجد رداً. تعجبت. فتحت الباب بتردد وأما دخلت لقت يحي يسند على الحائط وباين عليه التعب. قربت سريعاً قالت: يحي. مسكته برفق. قعدته. قالت: مالك.. انت كويس؟ أراح ظهره. حط دراعه على عينه. بصتله وتفاجأت حين وجدت دمعة تسيل على وجهه. قربت أيدها من يده ومسحت دموعها. لقته عينه مدمعة. قالت بهمس: يحي. من امتى وأنا كويس؟
حست بالحزن الشديد وهي تراه هكذا ونبرته الضعيفة. يبدو أنه يعاني من تلك الأعراض اللي تشتد عليه. مسك وجهه ومسحت دموعها وتتساقط دموعها هي، وكأنها لا تتحمل أن قلبها ينفرط من الحزن عليه. مش هقدر أسامح نفسي.. أنا السبب في اللي انت فيه.. سامحني أرجوك.. كل اللي قولتهولك كدب. بصلها. قربت منه واحتضنته وهي تقول:
أنا بحبك أوي يا يحي.. بحبك وبخاف أعترف بالحب ده.. أنا آسفة.. مش هقدر أبعد عنك أكتر من كده.. كفاية أرجوك.. كفاية نبعد عن بعض.. أنا محتجالك أوي.
بصلها وهي تحتضنه وتبكي بانهيار وتنشج. رأى خوفاً وارتجافاً في كلماتها اللي بتخرجها بصعوبة. رفع ذراعيه بتردد إليها. استسلم لقلبه، فلم يعد مكاناً لتمثيل البرود أكثر من ذلك. أيامهم محسومة. سالت دمعة من عينه وهو يحتضنها. ربت عليها لتهدأ وهو يرى خوفها. ضمته روح أكثر إليها وكأنها تطمأن نفسها أنه معها لن يتركها. لكن دموعها تستمر بالنزول. تدعو بقلبها ألا يسلبه منها، أن يجبرهم بعطائه الواسع. أنها خائفة.. هذا الشعور يقتلها. الرعب اللي يحل عليها. أن ترى ذراعيها خاليين. تتمنى أن يكون هذا كابوساً ويفيقون عليه وهم نائمين جنباً لجنب ويطمئنها كعادته. لكن يبدو أنه الواقع.. الواقع المؤلم اللي يعتادون عليه.
روح. همهم. بمعنى نعم. أبعدها عنه. نظر إليها وعيناها وأنفه احمران. ممكن تهدي؟ ابتعدت غصة حلقها وهي تؤمئ بالطاعة. لكن دموعها تستمر بالنزول. مسحت وجهها بيدها وقالت: مش عارفة يا يحي.. سامحني.. مش بإيدي. بصلها لثواني. مسك أيدها وهو يقول: لو بتحبيني بجد.. وقفي عياط عشان ده بيأثر عليا أنا. أحست بالحزن. قالت: بحبك. من قلبك. بصت في عيناه مباشرة وقالت:
محبتش حد قدك.. عمري ما كدبت عليك في الكلمة دي.. إذا كان زمان أو دلوقتي.. حبي ليك مقلش لحظة.. يا يحي.. كنت طول عمري بفكر فيك. قاطعها وهو يقول: بلاش نفتح القديم. حاضر. أنهت الأخرى تريد أن تنسى أي شيء في الماضي. عايزاني. سكتت وبصت في عينه اللي كانت مدمعة وكان هو الآخر حزين. أومأت إيجاباً دون تردد. حقيقي.. آخر أمنية ليا.. عايز أعيش معاك اليومين دول.. الله أعلم هكمل أو لأ. بصله في عينها وأردف: عايز أملكك.
شعرت بغصة في حلقها وكبحت دموعها. ابتسمت وقالت: هترجعني إمتى؟ يصلها. وكانت هذه كمواقفه منها. رأى ابتسامتها. بادلها ابتسامة خفيفة. دلوقتي. بصتله بشدة وقالت: إزاي هتلاقي مأذون دلوقتي والجو و.. سبيها عليا.. بس كلمي والدك وعرفيه بحاجة زي دي. ممكن يضايق عليكي من الطريقة.. ابقى هات لي أكلمه. هقنعه. أومأ له. مسح دمعة من على وجهها. بصت ليده وحنانه. وقف وتركها.
وفعلاً يحي عمل مكالمة من هنا لأحد مسؤوليه اللي بيعتمد عليهم. وبعد قليل أتى بمأذون. وقام يحي بإرجاع روح إليه. كانت لا تعلم هل تشعر بالسعادة أنه عاد إليها أم الحزن اللي يحل عليهم. لكن كانت ترسم ابتسامة صادقة نابعة من قلبها أنه أصبح زوجها. كانت واقفة في الشرفة تحدث والدها. معلش يا بابا.. معرفتش أكلمك. علي قالي إنك سبتي التدريب.. يعني المفروض تكوني هنا من الصبح.. انتي فين لحد دلوقتي ومبترديش على تليفونك ليه؟
معلش.. مسمعتوش.. حضرتك عارف إني بعمله صامت أيام التدريب.. فنسيت ألغي الخاصية دي. تنهد بضيق قال بهدوء: ماشي يا حبيبتي.. أنا بس قلقت عليكي.. ممكن أعرف انتي فين؟ عند يحي. قال بصدمة: يحي؟ آه. قال بغضب: عند يحي.. إزاي يعني انتي في بيته.. اتجننتي.. انتي فكراه لسه جوزك؟ بقى جوزي.. يحي رجعني ليه. إزاي تاخدي قرار زي ده من غير ما ترجعي لي؟ مقصتش أضايقك.. أنا بس..
مد يحي يده. بصتله. أدته التليفون. خده وكلمه بعيداً. وبعد قليل عاد إليها. بصتله. خدته منه. قال عماد: تمام يا روح.. خلي بالك من نفسك. مش مضايق مني. هضايق ليه.. أنا كنت عارف إنك لسه بتحبيه وبتكابري.. وفي الأول وفي الآخر هترجعوا.. بس ضايقت من الطريقة نفسها. أنا آسفة. خلاص.. حصل خير.. ميفرقش حاجة عندي غير إنك تكوني سعيدة.. وأنا عارف إن سعادتك مش هتلاقيها غير مع يحي.
ابتسمت وشكرته لأنه يفهمها. فعماد لطالما كان حنون معها، وكأنه يعوضها عن حنان الأبوة اللي حرمت منه ويعوض نفسه هو الآخر بحبيبته اللي فقدها وابنته اللي تبقت له. بصت ليحي اللي كان هادئاً. قالت باستغراب: انت قلت له إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!