الفصل 34 | من 41 فصل

رواية روح جحيمي الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم هايدي سيف

المشاهدات
26
كلمة
9,263
وقت القراءة
47 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18

فى غرفه بيضاء بمستشفى كان يحي جالسا على السرير. –استاذ يحي، حالتك بتسوق ولو اتأخرت أكتر من كده ممكن.. نزل يحي قدميه وقال بوجه يخلو من التعبيرات: –شكرًا. هم يمشي، وقفه الدكتور قدامه وهو بيمنعه وقال: –اللي حصل ممكن يتكرر، لـيه مستسلم للموت كده؟ اعمل العملية وإن شاء الله هتنجح. بص يحي للدكتور وقال ببرود: –ضامن إني أعيش؟ سكت الدكتور وملقاش كلام يقوله بعده. يحي ومشي. فقال الطبيب:

–مش ضامن إنك هتعيش، بس ضامن إنك لو معملتهاش هتموت. العد التنازلي من حياتك بدأ، وأيامك متتعداش الأربع شهور، والله أعلم ممكن متكملهمش. سكت يحي شويه، بصله بطرف عينه وقال: –يبقى أعيش الأيام اللي فاضلين لي. استغرب الدكتور من رده. بص يحي قدامه ومشي بلا مبالاة. بهذا الوجه البارد الذي يخلو من التعبيرات، خرج من المستشفى وهو يرتدي نظارته الشمسية. ليقترب من سيارتان المصطفة، يوجد عليه حراسة. فتحوا له الباب ليركب ويغادر.

فقد مرت ثلاث سنوات، وكانت تلك المدة كفيلة لأن يعيد يحي شركته ويضخمها بشكل فائق. ليس قوة.. لا أحد يعلم، ربما كان يرى في ذلك انتقاماً لذاته وليس لأن يعلو شأنه لنجاحه الباهر.

لكن في تلك السنتين تغير الكثير. لم يعد فيه شيئاً كما كان. تحطم وأطفأت عيناه من جديد، لكن هذا الانطفأ كان من الجميع. ارتدى ذلك الوجه الجامح البارد الذي لا يبالي بأحد. كانت حياته مكترثة على شيء واحد وهو عمله الذي أخرجه من القاع الذي كان ليغمر نفسه فيه. أصبح يحي شخصيته باردة، لكنه لم يأخذ خصاله السيئة التي بغضها، وليس أيضاً شخص جيد. إنه أصبح انطوائياً حاداً لا يبالي بأحد غير نفسه. رن هاتفه لما كان في العربية. رد عليه:

–أي يا يحي، انت فين؟ الوفد جه وانت لسا وبيسألوا عنك. –في الطريق. –يعني قدامك قد إيه عشان بدأوا يضايقوا؟ –أي حد مش عاجبه أديله العقد بتاعه. –بس.. أنهى يحي المكالمة بجمود لا يبالي للأستغناء عن شيء آخر. فهو بات لا يستمع لأحد سوا نفسه، وكلماته تخرج من فمه حاسمة. يص أحمد لتلفونه بضيق بعدما أغلق الهاتف في وجهه. بص للوفد اللي كانوا مستنينه. تنهد وراح لهم وقال: –Mr. Yehia apologizes for the delay and says he is on the way.

مستر يحي يعتذر لكم على التأخير ويقول إنه في الطريق. أومأوا له بتفهم، وهو كان يريد إصلاح الوضع. وبعد مرور وقت، جه يحي. تقدم منهم ببرود وجلس دون أن يقول شيئاً. بدأ يمسك الأوراق يعاين العقد ليدخل في عملهم. وبعدما انتهوا: –يسرنا أن نتعامل مع شخصية ناجحة مثلك سيد يحي. قالها أحد رجال وهو يصافح يحي باحترام بعدما استمعوا لخبرته، ثم غادروا. جلس يحي على كرسي متحرك وهو يمسك بقلم. قاطعه أحمد وهو بيقول: –مالك؟

رفع يحي عيناه ببرود وقال: –مالي!! –شكلك غريب النهاردة. حصل حاجة تاني ولا إيه؟ مردش يحي وعاد لتحريك ذلك القلم لشرود. فقال أحمد: –هترجع إمتى يا يحي؟ بقيت أغرب من الأول ميت مرة. حتى سايب نفسك للموت ليه؟ مش عاوز تسمع لحد غير نفسك. –بص لي كويس يا أحمد. شايفني متمسك بالحياة دي قوي؟ –بس يا يحي.. –اقفل الموضوع ده. سكت أحمد بضيق وقلة حيلة. فماذا ظن أنه سوف يستمع له هذه المرة؟ تنهد وقال: –هتروح الافتتاح الخاص؟ –لازم؟

–انت أكبر مساهم في المستشفى، لازم تكون موجود. تنهد يحي وهو ليقول: –بيتهيألي هروح. أنا سهّمت فيها عشان اللي هيتكتب في اليوم ده. قام وسابه ببرود وهو بيمشي. –بتضحك على مين؟ وقف يحي، بص له أحمد وقال:

–بتقول إنك ساهمت في مستشفى عشان تعلي مكانتك بالمقالات اللي هتنزل عنك، وانت مش محتاج لده. بتظهر إنك مبتهتمش بحد وأفعالك بتبين عكس كده. إنك سهمت في المستشفى اللي اتبنت عشان هتساعد ناس كتير. عملت كده من جواك مش عشان تاخد اللقطة وشكليات انت عمرك مهتميت بيها. بس ليه شايف إنك لما تعمل حاجة كويسة بتخبيها وتقلّبها إنك بتعملها لصالح نفسك، وكأنك مش عاوز حد يشوف مشاعرك الحقيقية؟ –مشاعري!! مش شايف إن الكلمة دي مش لايقة عليا.

–ليه بقيت كده؟ بسبب روح؟ تبدلت ملامحه لذكر اسمها. أكمل أحمد: –مشيت من هنا وانت بقيت بني آدم تاني من هنا. قال ببرود: –وأنا اللي اخترت البني آدم ده. بصله أحمد ومشي وسابه. تنهد بخيبة وقلة حيلة منه في الحديث. فلقد بلغ قاعة كان يجلس على طاولات ناس مسؤولين.

–طبعاً كل اللي هنا المساهمين واللي ساعدوا في إن المستشفى تتم بدورها على أكمل وجه. وجينا نحب نشكرهم، لأن بفضل الله وبفضلكم المستشفى بقت جاهزة من مجامعها وتكنولوجيا فائقة هتفرق ده كتير للممرضين. دلوقتي أقدم لكم أستاذ يحي إبراهيم الفاخرى، أكبر مساهم فيها. نشكره على المساعدة الكبيرة اللي كلنا مقدرينها وهتفرق لناس هنا كتير. صفق الحاضرين ليحي باحترام، وتوجهت الكاميرات الصحفية عليه. كان يقف لا يبالي بكل هذا.

بعدما انتهى الترحيب، كان يحي مع ذلك الرجل المسؤول عن المشفى اللي رحب به للتو. كان يحدثه عن المشفى: –الأجهزة كلها موجودة، لو تحب حضرتك تعاينها بنفسك. –مفيش داعي. هتستقبلوا إمتى؟ –هنثبت الموظفين بعد يومين وهنبدأ إن شاء الله. جبنا دكاترة متكافئين يقدروا يرفعوا اسم المستشفى. –يرفعوا اسم للمستشفى! ولا يهتموا بالمرضى اللي المستشفى معموله عشانهم؟ توتر الرجل وقال: –آآ.. آه، ده قصدي طبعاً. حياة المريض مهمة.

لم يبالي يحي، وكان بارد في ملامحه. –قصدي إن الدكاترة مش هينتج منهم خطأ. أومأ يحي بغير اهتمام. بص الرجل على أحد وقال: –دكتور علي. ليقترب شخصاً منه ويصافحه باحترام. قال ليحي: –ده يا أستاذ يحي دكتور علي، دكتور هنا إن شاء الله. فرصة تتعرف عليه. بصله يحي، لكن تبدلت ملامحه لما شافه. فكان هو على ذاته الذي يعرفه. –من الدكاترة الشاطرين اللي درسوا برا، عمل بحوثات لمجال الطب. –آه، منا عارف. قالها يحي ببرود.

فرد عليه علي وهو بيقول: –إزيك يا.. مستر يحي. قال الرجل بدهشة ليحي: –حضرتك تعرفه؟ لم يرد، وكان ينظر لعلي ببرود. بصلهم الاثنين من نظراتهم، بس ملامح يحي اتبدلت لصدمة حين التقطتها عيناه وهي تتقدم وتقف بجانب علي لتنظر له وتلتقي عيناهما وتحمل معهما لقاء سنين. ينظر كل منهم للآخر وكيف أصبح لهذا اليوم والصدفة التي جمعتهم.

كانت روح لابسة بنطال كلاسيك أسود وتوب أبيض وبليزر أسود مع تناسق جسدها. التي اكتسب وزناً وسار كبقية الفتيات، فهي لم تعد تلك الصغيرة. إنها حقاً تغيرت. وكان يحي مش مصدق إنه شايفها. بص علي لروح، ابتسم وقال: –دكتورة روح، من أفضل الطلبة المتدربين عندي. ابتسم الرجل وقال: –عارفها. شوفت ملفها من ضمن اللي هيمسكوا المستشفى بعد تخرجهم. أي رأيك يا مستر يحي، كويس إن يكون عندنا شباب متميزين بالعلم اللي هينفعوا بيه ناس كتير.

بصوا ليحي التي كان صامتاً. قال علي بتعريف: –مستر يحي يا روح، هو أكبر مساهم في المستشفى دي. بصت روح لعلي، ابتسمت وقالت: –عارفه. مش شفت إزاي الكل صفق له؟ وكنت أنا كمان من ضمنهم. بصت ليحي وأردفت: –شرف ليا إني أتعرف على حضرتك وأشارك عمل خيري زي ده. بصلها ببرود وقال: –لسا النتيجة ما اتحدتش. ليه نسبق الأحداث؟ بصتله من ذكر تلك الجملة الأخيرة التي عادت بذاكرتها للوراء. أومات وقالت:

–معاك حق. أوقات بتكون النتيجة عكس ما بنتوقعها، ولا إيه يا مستر يحي؟ –إنتي أدرى. قالها بلا مبالاة وهو بيمشي ويسيبهم. بصوا له باستغراب. وقف يحي لما حس بصداع جامد وصوت يعج رأسه كصفير. ولا يسمع شيئاً. تبدلت ملامحه إلى إرهاق وتعرق جبهته والرؤية تتلاشى. أسند بجسده. لقى حد بيقرب منه وبيسنده. –يحي. بص لصوت واتفاجأ لما لقاها ساندي. وكانت تفرد شعرها ولابسة فستان يفوق الرائع. –انتي بتعملي إيه هنا؟ ابتسمت وقالت:

–دي مقابلة برضو. أنا مساهمة في المستشفى دي. صدفة مش كده؟ بصلها بلامبالاة وأكمل سيره وهو يحاول التماسك. راح الحمام. سند بأيده على الحوض وهو حاسس بألم في دماغه. تنهد بضعف حتى بدأ الألم يتلاشى شيئاً فشيئاً ويعود لجسده. فتح الصنبور ودفع بمياه باردة على وجهه وهو يلهث.

خرج وراح الأسانسير المبنى وطلب آخر دور. كان حاسس بالخنقة لحد ما وصل. طلع السلالم الباقية ووصل للسطح حتى التقط أنفاسه وفتح أزرار قميصه ليدخل الهواء لصدره بترحاب. كان الجو بارد وكان وشه مبلول. حيث لم يجففه برغم هذا وبرودة جسده إلا أنه يشعر بالاسترخاء. سمع صوت في المكان. استغرب. مشي خطوتين يشوف في حد ولا لأ. لقى واحدة واقفة. استغرب من وجودها. بص حواليه وقال ببرود: –بتعملي إيه هنا؟

لفت وبصتله. وكانت هي روح. تعجب من رؤيتها. ألم يتركها بالأسفل؟ لما هي هنا؟ –واضح إننا الاتنين جينا لنفس السبب. بس هرد عليك بشكل فردي. طلعت عشان حسيت بخنقة نوعاً ما. كان حاسس إنها بتلمح له إنه هو تلك الخنقة. بس افتكر ذلك اليوم لما قالها: "لما تحسي بالخنقة روحي لأقرب مكان ليكي يكون واسع وخالي هتحسي بالراحة هناك". تساءل هل ما زالت تتذكر؟ لم يهتم وقال: –اختيارك للأماكن غلط زي قراراتك كلها غلط. مشي ببرود وقال:

–ابقي انزلي. الجو مش أحلى حاجة النهاردة. مشي وسابها. وقفته وهي بتقول بصوت مرتفع: –مالها قراراتي يا يحي؟ نسيت تضيف إن كمان اختياراتي غلط زي وجودنا دلوقتي. قال وهو لا يزال يعطيها ظهره: –اتحكم علينا إننا نتقابل زي ما اتحكم علينا حاجات كتير زمان. لا انتي ولا أنا اخترنا التاني، بس القرارات إحنا بس اللي بناخدها. كبرتي بس تفكيرك لسا زي ما هو. أناني.

–بتتكلم وكأنك ضحية. بتتقمص دور مش دورك وكأنني أنا الظالمة وانت المظلوم. بتتكلم ببرود وكأنك تعرفني. نسيت إنك مبدع في التمثيل. –دي أكتر حاجة أنا بعرف أعملها. بس أنا فعلاً معرفكيش. حست من جملته الأخيرة بحزن. بس استغربت جداً. ماذا يقصد؟ هل هو يمثل الآن هذا البرود؟ مشي، وقفته وهي بتقول: –عشان كده انت وحيد يا يحي. بلكنة الحقيقة، اسمك مخادع.

عم الصمت قليلاً ولم يعلق على كلامها. استغربت من هدوئه. استدار مقابلها واتقدم منها. استغربت. رجعت خطوة لورا. لكنه وضع ذراعه حول وسطها وقربها منه وهو يدفن وجهه بوجهها ويقبلها. اتسعت عيناها من الصدمة ولا تستوعب ما يحدث وهذا الاقتراب والتجاوزات الشديدة. فهو لم يعد.. لم يعد زوجها، إنه محرم عليها. حطت إيدها على صدره وهي تبعده عنها وتقول: –ابعد يا يحي، بتعمل إيه؟ انت مبقتش جوزي، ده حرام. ابعد.

لكن عيناه احمرت غضباً وبرود طغى على وجهه مخيف. قربها منه أكثر والتهم شفتيها بعنف. تألمت من قبضته وإحكامه أنها متبعدش. رجعت لورا وهو بتقدم لخطواتها حتى لم يعد بإمكانها الرجوع. حين وصلت حد السور، حطت إيدها عليه ويحي مايل عليها. دمعت عينها بخوف وهي مش عارفة تاخد نفسها وكأنه يسلب قوتها. بص يحي لدمعتها التي نزلت. فاق ووقف عن تقبيلها. بص لنفسه وبعد عنها. اتعدلت روح وكان ضهرها بيوجعها. بصتله بحنق وغضب شديد

وقالت بصوت يجهش بالبكاء: –انت إزاي زبالة كده؟ أنا كنت غلطانة لما بحسبك اتغيرت. انت بقيت أسوأ. ابتسم بسخرية وقال: –ليه شايف الصدمة في عينك من اللي حصل؟ وانتي عارفة إنّي كده كده مش هتفرق معايا إن كنتي مراتي ولا لأ. بصتله بشدة ليرفع عيناه ببرود ويقول: –أو ليه نقول إنك مكنتيش شايفاني كده أصلاً؟ اتفاجأت من اللي بيقوله. قالت: –انت بتقول إيه؟ –اللي سمعتيه يا روح. عايزة تفتحي في الدفاتر القديمة؟

هفتحهالك. اللي عملته عشان أوريكي الصدمة اللي انتي فيها دلوقتي مني. مش انتي شيفاني خاين؟ ليه مصدومة؟ أحب أقولك ليه، عشان انتي قلتي الكدبة وصدقتيها. –مش فاهمة كدبة إيه؟ متحاولش تطلع غلطك. انت السبب، مفيش حد غيرك. –مش بقولك صدقتي الكدبة اللي وهمتي نفسك بيها. كنتي عارفة ومتأكدة إني مخنتكيش، بس اخترتي تبعدي. حددتي مصيرنا بقرارك. خدتيه لوحدك. سكتت روح ومردتش. ارتسمت ابتسامة جانبية على وجهها وقالت:

–آه يا يحي. انت صح. القرار اللي خدته مش كعقاب ليك على خيانتك اللي أنا مش معترفة بيها. لا دي حاجة ترجعلك. مكنش يفرق معايا تخونى أصلاً. أنا بس كنت بحقق انتقامي منك. انتقامي اللي منستوش وكنت عايشة معاك وأنا مستنية اللحظة اللي أنتقم فيها منك. حتى حبي ليك كان كله كدب في كدب. –ليه يا روح؟ قالها بصعف، ليردف بغضب: –عملت لك إيه؟ ليه تأذيني بالبشاعة دي؟

أنا كنت بتمنالك الرضا، ترضى. لو كنتي مبتخونيش كنتي سبيني من أولها. عملت كتير عشان أرجعك وأخد مسامحتك. ياريتك ما تكلمتي وفضلت ساكتة، على الأقل مكنتش هحس إني مغفل زي دلوقتي. بس إنتي كان معاكي حق. حققتي انتقامك بالطريقة الصح. أنا عيشت السنتين دول بعاني في بعدك. عيشت وأنا نادم على حاجة أنا معملتهاش لدرجة إني بقيت أشك فيا وإني فعلاً خونتك بجد. خلتيني أشك في نفسي وإني ظلمتك ومستحقكيش. خلتيني أتعذب بدل المرة ألف. شايفه وصلتين لـ إيه؟

قرب منها، وقف قدامها مباشرة وقال: –أتمنى تكوني ارتحتي بعد ما انتقمتي. –ليه بتتكلم كده كأنني الظالمة؟ ليه؟ نسيت اللي عملته فيا؟ –منسيتش. ولو جه يوم إني أنسى هلاقيِك بتفكريني زي عادتك. إنتي متعرفيش يعني إيه تسامحي. –وليه المفروض أسامح اللي قتلني؟ مسكها بغضب من ذراعها وقال: –نسيتي كل اللي عملته عشانك؟ إنتي شوفتي ندمي بنفسك، شوفتي حبي اللي عمره ما كان قليل. عايزك تستريحي. أنا بموت، سمعتيني؟

كان منفعل كثيراً، بس روح استوقفها آخر جملة قالها. يحي وقالت: –يعني إيه بتموت؟ بعد يحي يده عنها وعاد لرشده. بصله بخذل وخيبة. بعدين مشي وسابه ويشعر بألم وإرهاق. وقف فجأة لما سمع صوت صفير يعج برأسه. حس بوجع كبير وضعف. مشي خطوتين بيكمل بس وقف. مسك دماغه بألم وكان هيقع. بس روح سندته وقالت: –مالك؟ مردش عليها. بصت لوشه وتعرق جبهته وتغير لونه. بعدها عنه عشان يمشي، بس إحنا توازنه. مسكته روح ومال عليها. قعدته وقالت:

–يحي، انت كويس؟ لم يرد عليها. حركت يدها على وشه بتبعت له هوا. بصت بملابسه. فتحت قميصه قليلاً وأبعدته عن صدره ليحاول أن يقبل الهواء. راحت عشان تجيب له مياه، بس لما رجعت لقيته اعتدل في جلسته ويخفض رأسه. قربت منه وهي تتفحص وشه: –يحي، بقيت أحسن. أخذ شرب. رفع عيناه إليها ببرود وبيبص للمياه. وقف ومشي. قالت: –انت كويس؟ كان مالك؟ –ده هيفرق معاكي؟ بلاش الاهتمام الكداب ده عشان كل حاجة وضحت قدامي. بصتله بشدة وقالت: –بس أنا..

سكتت وهي مش عارفة تقول إيه. مشي يحي وسابها وهي تتذكر كلماته وحديثها معه. نزل يحي شاف أحمد وكان واقف مع علي. بصوله الاثنين. قرب أحمد منه وقال: –كنت فين؟ لسا جاي وملقيتكش. تقدم علي وهو بيقول: –روح فين؟ بصله يحي ببرود وهو يسأل عنها كأنه يتهمه أنه يعرف مكانها. بصوا وراه لقوها جايه. قرب علي منها وقال: –روحتي فين؟ كان يحي يرى اهتمام علي بها وعيناه التي لا تبدو قلقاً عادياً بل كحب. قالت: –كنت بشم شوية هوا.

بصت روح ليحي. مشي بلامبالاة. تبعه أحمد. خرج من المبنى. وقف حراسه باعتدال وفتحوا له الباب. تقدم منهم. وقفه أحمد وقال: –رايح فين؟ –الافتتاح خلص وحضرته هبقى ليه. قال أحمد بتردد: –انت.. اتكلمت مع روح؟ مردش يحي. بس بص لقاها مع علي وبتتركب العربية. بصتله هي كمان. أبعد عيناه ببرود. ركب عربيته وأمر السائق أن يذهب. وقف علي وبص لروح وقال: –مش هتركبي؟ مش قلتي عايزة تروحي؟

كانت باصة ناحية تانية. لف لقى أحمد وشاف سيارات يحي وهي تغادر. بصلها. ركبت. تنهد وتبعها. في مكان آخر كانت ساندي في منزلها في شدة ضيقها. مسكت الكوباية وكسرتها بغضب شديد وبتفتكر روح اللي شافتها مع يحي. –مستحيل يرجعوا لبعض تاني. هي اللي سابته المفروض يبقى ليا أنا. بعد ده كله ترجع وتاخده مني تاني؟ معقول ممكن يرجع لها؟ مش هيحصل. أنا استنيت كتير عشان مشوفكيش معاه. إيه اللي رجعك يا روح؟ هقتلك.

رجعت روح الفيلا وكان عماد ينتظرهم. سلمت عليه. ابتسم لهم الاثنان. بس شاف ملامحها متغيرة. طلعت وسابتهم. قال عماد: –هو حصل حاجة يا علي؟ إنت زعلتها؟ –لا طبعاً يا عمي. –أمال مالها متغيرة عن ما مشيت؟ تنهد عليه وقال: –النهاردة روح قابلت يحي. المستشفى طلع هو أكبر مساهم فيها. تفاجأ عماد كثيراً وقال: –يحي؟ وحصل حاجة يعني اتكلموا؟

–معرفش. في الأول لما شافته اتكلموا برسمية عادي كأنهم ميعرفوش بعض. وبعدها مشي. روح قالتلي إنها هتخرج تشم هوا عشان مخنوقة. قولتلها أجي معاكي؟ رفضت. فسبتها على راحتها. لما اتأخرت بصيت حواليا ملقتش يحي هو كمان موجود. استغربت. خرجت عشان أشوفها فين. ولما شوفت يحي سألته بس هو مردش عليا. ولقتها جاية وراه وكانت متغيرة. معرفش إن كانوا مع بعض واتكلموا ولا لأ. تنهد عناد وأومأ برأسه بخيبة وقال:

–تعرف أوحش حاجة في روح إنها متعرفش هي عايزة إيه. مبتسمعش لقلبها وكأنها بتتعمد تتجاهلها. سكت علي ومعلقش على كلامه. بس حس بالحزن. بصله عماد ابتسم وقال: –شكراً يا علي إنك خليت بالك منها السنين دي لحد أما رجعت. –على إيه بس يا عمي؟ أنا لازم أمشي. –طب اعقد دنتا لسا جاي. –معلش. استأذن وغادر.

كانت الثلاث سنوات الماضية روح سافرت مع علي تكمل تعليمها معاه في الخارج تحت موافقة عماد واستأمنه عليها بأنه مسؤول منها هناك ويثق في علي أنه لن ينظر لها غير أنها أخته. لكن هل المرء يملك سلطة على قلبه؟ فهو وقع في حبها سهواً. يخاف أن يخبر عنه فيهم خاطئاً أنه نظر إليها في الغربة بطريقة سيئة ويمتغن منه أنه غير مسؤول على أمانته. لكنه يقسم أنه عاملها كأخت له وخشي عليها من أي مكروه.. واهتم بها كحبيبة.

كانت روح في أوضتها. حطت يدها على شفتاها وهي بتفتكر قبلة يحي. كانت شفتاها متورمة منذ ذلك الحين. لم تكن كقبلة يحي الحنونة التي وعدها بها، بل كان وكأنه يشفى غليله منها. كانت تلك الفترة قضيتها بالخارج لتبتعد عن ما سيسبب لها في تلك البلدة التي عانت فيها. وعندما عادت.. كان هو الذي لم تتمنى أن تقابله حتى لا تكن مثل الآن. تتذكر الماضي.. لكن كلمات يحي تشعرها بالذنب. ذنب لا تعلم ما هو.

مر أسبوع. وفي يوم كانت روح في زيارة في مستشفى. قالت نرمين بابتسامة: –بقا دي اللي هنتعين فيها لما نتخرج؟ جامدة مش كده؟ –مستعجلة ليه؟ لما نتخرج الأول. يحلها ربنا. –أي الإحباط ده؟ هتفضلي كده طول عمرك؟ ابتسموا ومر اليوم وهم لا يزالون يعاينون أمور المشفى والدكاترة لحد أما يسمحوا لهم بالذهاب ومشوا.

في الليل خرجت روح. وقفت وهي تبص على الطقس. كانت الدنيا بتطر والرياح شديدة. مسكت تلفونها عشان تتصل بوالدها بس التلفون فصل منها لأنها استعملته اليوم كله. اضايقت. إزاي هترجع دلوقتي؟ وقفت وهي بتبص حواليها على أي تاكسي بس مكنش فيه. كانت عايزة تشتري مظلة حتى بس هتكون اتغرقت. لقت في ديسك. تنهدت وراحت قعدت عليه عقبال ما الدنيا تقف.

مر وقت قليل. بصت في الساعة. حست بظل جنبها. بصت فوقيها. لقت مظلة. واتصدمت لما لقته يحي. كان واقف بجمود. قال وهو لا ينظر لها: –إيه اللي أخرك كده؟ استوعبت أنه يتحدث معها. قالت: –كنا بنعمل معاينة على قسم التشريح فتأخرت. لم يبالي كثيراً وقال: –معاكيش حد؟ نفيت برأسها. بصلها. تنهد وقال: –تعالي. –على فين؟ –هوصلك. عايزة تقعدي هنا؟ بصتله. لقيته ماشي ببرود. وقفته وهي بتقول: –استنى.

خدت شنطتها وقربت منه سريعاً تحتمي بمظلته كي لا تتبلل. بص لها يحي وهي قريبة منه. رفعت وشها ليه واستقبلت عينهما. بص يحي قدامه ببرود ومشي وهي حست بالحرج. مشيت معاه بصمت. ركبت ومشي. في العربية قالت روح: –معكش حراستك زي المرة اللي فاتت؟ –المرة اللي فاتت عشان افتتاح مجرد شكليات. –من إمتى وانت بتهتم بالشكليات؟ –من زمان. مفيش حد بيفضل على حاله.

بصتله شوية وسكتت وكأنه بيقولها إنه بقى كده بسببها. عم الهدوء بينهم. كانت بتسمع صوت رعد والأمطار ترتطم بالنافذة. كان يحي باصص قدامه. حس بألم. بصتله روح قالت: –انت كويس؟

أومأ لها. كان حاسس بالغثيان والرؤية تتلاشى من عينه. ويحاول أن يعيد ناظريه لكن لا يستطيع. لعن ضعفه ويحاول التماسك. بصت روح ليحي وكانت العربية بتمشي في مسار منحرف. لقيته باين عليه هيغمى عليه وبيحاول يتحكم في العربية. بس الأمطار والرياح شديدة فانصدمت السيارة بعمود نور. اتخضت جدا. رفعت وشها. كانت بخير. فيحي أوقف السيارة قبل أن يصبح حادث. بصتله لقيته منزل وشه على عجلة القيادة. قربت منه وقالت: –يحي. مردش عليها. قلقت وقالت:

–يحي، مالك؟ انت كويس؟ –أنا كويس. هنقف هنا شوية بس. استغربت من نبرته. اتعدل وهو بيرجع رأسه لورا بتعب ويغمض عيناه ويتنهد. اتصدمت لما شافت دم بينزل من مناخيره من غير سبب. أصاب قلبها الرعب وقالت بخوف: –ي.. يحي.. دم.. انت بت*نزف! خدت مناديل ودموعها نزلت على وشها بقلق. قربت منه وهي خايفة عليه. بصتله يحي قال: –أنا كويس يا روح. أهدي. –ل.. لا.. انت مش كويس. فيك إيه؟ وإيه النزيف ده؟

شاف دموعها التي لا تعرف تفسيرهم. قرب أيده منها. بصتله بحزن وقربت وشها من أيده وهي تشعر بلمسه. مسح دموعها وقال: –متخافيش. بصتله بحزن وأومأت برأسها بالطاعة. وكان ذلك الوقت وفي تلك اللحظة يتكلمون زي زمان. ما كانش عارف إن كان بيتخيل أم لا. ولي خايفة عليه؟ بصت روح لقيته قفل عينه ويده نزلت بارخاء. اتصدمت. قربت منه وهي بتقول: –يحي.. يحي فوق.

لكنه لا يستمع لندائها. بصت حواليها ومكنش فيه حد ما بين هذه الرياح والأمطار الغزيرة. حتى تلفونها مقفول. مكنتش عارفة تعمل إيه وحاسة إنها محتاسة وخايفة عليه. دورت على تلفونه وخدته عشان تتصل بحد بس مكنتش عارف تتصل بمين. شافت في المكالمات بتاعته رقم أحمد. فاتصلت بيه من غير تردد. رد عليها وقال: –إيه يا يحي؟ فينك؟ –أحمد، أنا روح. –روح؟ مش ده رقم يحي؟ إنتي معاه؟

–مش وقته. إحنا في العربية بس يحي.. يحي اغمى عليه وحالته وحشة وأنا مش عارفة أعمل إيه ولوحدي. –طب أهدي. أنا جاي. ابعتيلي المكان بسرعة. قفلت معاه وبعتتله اللوكيشن. وبصت على يحي بحزن من شكله. وفي داخلها ألف سؤال مما عاناه هو. بعد شوية سمعت صوت عربية بتتركن. وحد بيقرب منها وبيطرق على الأزاز. فتحت علطول وكان أحمد. بصلها وبص ليحي. اتصدم قال: –يحي.. ماله؟ حصل إيه يا روح؟ –معرفش. أنا لقيتُه اتغير فجأة. أنا خايفة عليه أوي.

–طب أهدي. خديه ورجعي ورا. أومأت له. ساندت يحي وهي رجعت لورا وقعدت مكان السواقة ورجع بالعربية ومشي وهو متجه للمستشفى. بص لروح في المرايا وعينها المدمعة وهي باصة ليحي الممدد على قدماها. تنهد ونظر أمامه. في المستشفى كانت روح قاعدة في الأوضة اللي فيها يحي. رجع أحمد. بصتله وقالت: –الدكتور قالك إيه؟ سكت شوية. بص ليحي. استغربت من سكوته. قال: –شوية إرهاق. استغربت. بص ليحي. فهل ما رأته إرهاق؟

وفي ذلك اليوم كان يبدو أنه متعب أيضاً. بص أحمد لروح وقال: –لسا بتحبيه؟ اتفاجأت روح من ما قاله. قالت بلا مبالاة: –ملهاش علاقة. –إزاي ملهاش علاقة؟ خوفك عليه وقلقك يبقى اسمه إيه؟ سكتت بضيق ومردتش. قرب أحمد منها وقال: –أتمنى تعترفي لنفسك وتشيلى القسوة اللي فيكي دي وكفاية لحد هنا. قبل أما يفوت الأوان وتندمي ندم عمرك إنك استمريتي في انتقامك. بصتله بشدة وقالت: –انتقام؟ انت متعرفش حاجة فمتتكلمش.

–أنا عارف كل حاجة. افتكري إني قولتلك يحي بيحبك. ويحي لما يحب ما بيخونش. أنا الوحيد اللي شفت إزاي يحي عانى من وهو صغير لحد النهارده. بس معاناته زادت بسببك. يخسارة يا روح، انتي فيكي قسوة مكنتش أعرف إنها ممكن تكون موجودة فيكي. ابتسمت بسخرية وقالت: –بتحاسبوني على القسوة اللي أنا فيها وانتوا السبب؟ أنا جبت القسوة دي منكم. أنا اتأذيت كتير ومش عايزني أكون كده. –ويحي؟ يحي ذنبه إيه؟ يحي اللي حبك. شوفتي منه إيه؟

إنت شوفتي اهتمام وحب قادرين ينسوكي اللي عمله. ولو مكنتش صادقة معاه من الأول ومش هتسامحيه، سبتيه ليه؟ كنتي تسبيه طول عمرك يا روح، على الأقل مكنتش هتكونوا هنا زي دلوقتي. مردتش عليه. بص له بخيبة وقلة حيلة. وبعدين مشي. وعندما أصبحت بمفردها سالت دمعة من عينها: –أنا اللي بقيت وحشة. أنا اللي بقيت ظالمة دلوقتي. أنا اللي اتخنت مش هو. أنا اللي قلبي اتحرق وأنا بتخيله مع غيري. بعد ده كله هو المظلوم. عملت إيه؟

أنا بعدت عشان أستريح من وجعي. بس ليه.. ليه لما رجعت شيفاه زي ما هو؟ مرجعش لطريق ده تاني مع إني بعدت ومعدش بحاجة إنه يفضل على حاله وليه الحرية إنه يرجع ويعمل اللي عايزه.. معقول تكون مظلوم يا يحي؟ معقول تكون مخونتنيش؟

افتكرت أحمد وهو بيقولها إنها تكون صادقة مع نفسها. استمعت لقلبها. فهي لطالما تشعر في تلك الفترة التي ابتعدت أنه لم يخونها. وكلماته لها تتردد في أذنيها وهو يقسم بحبه وهي بكل قسوة لم تتنازل ونفرته بعيداً عنها. هل كان هذا انتقاماً منها حقاً؟ إنها لم تعد تعرف من تكون. مر وقت ويحي بدأ يفوق. بص للأوضة اللي هو فيها. حس بحاجة. وقعت عيناه على روح. وكانت ماسكة إيده. بصتله قالت: –عامل إيه دلوقتي؟

بص لإيده فبعدتها روح بحرج واعتدلت في جلستها. قعد يحي: –إيه اللي جابني هنا؟ –أنا يا يحي. بص يحي لصوت. وكان أحمد. بص لروح وقال: –شوية إرهاق من الشغل. ابقا استريح شوية. فهم يحي نظرته كأنه يطمئنه. أومأ له بتفهم. نزل رجله. قالت روح: –خليك لحد ما الدكتور يجي يشوفك وتخرج. قال ببرود ولا مبالاة: –مفيش داعي. كانت هتتكلم بس سكتت. خرج يحي من الأوضة. قابل عماد اللي بصله وقاله: –عامل إيه يا يحي؟ –الحمد لله. بص لروح. قالت:

–اتصلت ببابا عشان يعرف أنا فين وميقلقش. فجه عشان ياخدني. شكراً ليك تعبتك. أومأ لها بلا مبالاة ومشي ويسيبهم. وعماد يطالعه بهدوء. بص لأبنته اللي كانت خافضة أنظارها وشارده. قال: –يلا نمشي. فاقت من شرودها. أومأت له وذهبت وهي بتفتكر كلام أحمد. لكن تجاهلته وامضت قدماً. في مكان آخر كان أحمد باص ليحي اللي لم يبالي بنظراته. –ممكن تفهمني؟ هتفضل كده لحد إمتى؟ قال ببرود: –مش فاهم.

–يحي، الموضوع بقا يتكرر. لازم تتابع على حالتك اللي بقت خطر. ربنا ستر المرة دي وروح كانت معاك واتصلت بيا ولحقناك على المستشفى. بس الدكتور قالي إن النزيف هيأثر على الخلايا من جوه أكتر. كلامه ميطمنش. انت شبه بتموت وأنا بتفرج عليك. لم يرد عليه. بص له أحمد وقال: –انت إيه يا بني؟ هونا بكلم نفسي؟ –خلصت. –لا مخلصتش. أنا مقولتش لروح عشان عارف إني لو قولتلها هتضايق مني. وانت عايزها تعرف زي ما حدش يعرف عن مرضك حاجة. بس أنا..

قال بغضب: –متقولهاش. شايفني مهتم أوي إذا عرفت أو لأ. –أنت مش عايزها تعرف إلا لو مكنتش شوفت القلق في عينك لما فقت وشوفتها موجودة. خوفت ليكون الدكتور اتكلم معاها وعرفها حالتك. أنا اللي عارف وياريتني زي البقية. حاسس إني مذنب. سلمى لما تسألني عنك بكدب عليها وأقولها كويس وهي بتثق فيا ومصدقاني. تنهد يحي. قرب منه وقال: –متحسش بذنب يا أحمد. أنا كويس قدامك أهو. –وبكرة.. بكرة هتبقى كويس. –لما يجي بكرة نبقى نشوف.

كان هيتكلم بس رمقه يحي بنظرة باردة أصمته. وكأنه يخبره أن يقفل هذا النقاش. مر أسبوع آخر دون لقاءات. لكن يحي في يوم كان في ميتنج. سمع صوت من تلفونه. وكانت رسالة. استغرب من رقم غريب. فتحها: "يحي، أنا روح. الحقني في ناس خطفوني وعايزين يأذوني ومش عارفة أنا فين." تبدلت ملامحه من الرسالة لاستغراب بأن هذا ملعوب بلا أدنى شك. لكن من يتلاعب معه؟ لكن أيضاً ماذا إن كانت حقيقة؟ بعت: –بتكلميني منين؟ –تلفون واحد منهم.

–بعتي اللوكيشن وأنا جايلك. وبعد ثواني كانت أرسلت الموقع. رن على التلفون. لقاها مقفول. بص أحمد ليحي وقال: –مالك؟ –لازم أمشي. –في حاجة ولا إيه؟ –روح.. بتقول إن في ناس عايزين يأذوها. قال بصدمة: –إيه؟ وهي فين؟ عرفت مكانها؟ –بعتتهولي. هروحله. مشي. بص له أحمد وسأله إن كان يأتي معه. لكن يحب قد سبقه ومشي ولم يستمع له.

ركب يحي عربيته وقاد بسرعة حتى أنه لم يأخذ حراسته. مسك تلفونه ورن على روح. لقاها مبتردش. استغرب. هل الموضوع جاد؟ هل هي بالفعل من راسلته؟ أسرع قيادته. خلصت روح المحاضرة. بصت على تلفونها. استغربت لما لقت يحي اتصل عليها كتير. قلقت أنه يكون فيه حاجة. لقت تلفونها بيرن. بي مكنش هو كان أحمد. استغربت وردت: –روح. –إيه يا أحمد؟ هو في حاجة؟ –إنتي كويسة؟ إنتي فين دلوقتي؟ استغربت جداً وقالت: –أنا في الجامعة. اتصدم أحمد جداً وقال:

–في الجامعة؟ أمال إيه الرسالة اللي اتبعتت ليحي إن في ناس هياذوكي؟ –رسالة!! رسالة إيه؟ أنا معرفتش أرد عشان كنت في محاضرة. –يعني إيه؟ أمال يحي راح لمين؟ وصل يحي للمكان. كان شارع خلفي. نزل وهو بيبص حواليه. فتح تلفونه وبص من أنه هو صح وده المكان. بس اتسعت عينه وتلفونه وقع من إيده وصدر صوت اختناق منه حين دخلت إبرة في رقبته.

برزت عروقه ومسك تلك اليد من خلفه بقوة ولواها جامد وشال الحقنة ودفعها أرضاً. وقع ذلك الشخص. حس إنها واحدة من جسمها الضعيف واتفاجأ جداً لما لقاها ساندي. –ا.. إنتي؟ قالها بضعف وقد بدأت قواه تخور. جس على ركبتيه ومش عارف ماله. جريت ساندي عليه بقلق. قربت منه ومسكت وشه بحزن قالت بأعين دامعة: –أسفة.. أنا أسفة يا يحي سامحني.

اتسعت عينا يحي وصدر صوت اختناق منه حين دخلت إبرة في رقبته. برزت عروقه ومسك تلك اليد من خلفه بقوة ولواها جامد وشال الحقنة ودفعها أرضاً. وقع ذلك الشخص. حس إنها واحدة من جسمها واتفاجأ جداً لما لقاها ساندي. –ا.. إنتي؟ قالها بضعف وقد بدأت قواه تخور. جس على ركبتيه ومش عارف ماله. جريت ساندي عليه بقلق. قربت منه ومسكت وشه بحزن قالت بأعين دامعة: –أنا أسفة.. أسفة يا يحي. معرفش إنها هتوجعك. متزعلش مني.

كان حاسس إنه جسمه متخدر. وبيصلها وعينه حمراء. قال: –ليه عملتي كده؟ –عشان بحبك. متخافش هتكون كويس. ده مخدر مش أكتر. أنا مقدرش أأذيك. كان بيبصلها بريبة وكأنها مجنونة. وأي إلى ممكن تعمله؟ قربت منه وساندته. حاول أن يبعدها عنه بس كان هيقع. سندته وقالت: –أسند عليا. جسمك دلوقتي ضعيف. راحت للعربية ودخلته. وبعدين ركبت ومشيت. وقفت في مكان آخر ناحية بناء من الخلف. دخلت وهي سانده يحي. وكانت في واحدة مستنياها وباين عليها القلق.

قربت ساندي منها وقالت: –عملتي إيه؟ –الكرت اهو. خدت الكرت منها وقالت بحده: –مش عايزة حد يزعجنا. سمعتيني؟ ولا مخلوق يعرف إنها هنا. أومأت لها وهي بتقول: –حاضر. مشيت ساندي. وكان يحي بيمشي ببطء وهو يتكيأ عليها ودايخ وبيحاول يحدد هو فين. مش عارف من الغشاوة اللي في عينه. خرج كلماته بصعوبة وهو مش قادر يتكلم: –اح.. إحنا فين.. وبنعمل إيه هنا؟ –هقولك بس لما نوصل ونكون أنا وأنت وبس. –انتي وخداني على فين؟ –هتعرف كل حاجة بس ياما..

لم يكن قادر على فعل شيء وهو حاسس إن التخدير بقا يوصل لجسمه كله. قالت روح: –متفهمني يا أحمد في إيه؟ ورسالة إيه دي؟ –في حد بعت ليحي على أساس إن إنتي في ناس هياذوكي وانتي مش عارفة انتي فين. قال إنك بعتيله عنوان وراح يشوفك. قالت بصدمة: –إيه؟ بس أنا كويسة. –منا عارفة. بس باين يحي هو اللي مش كويس. أنا هشوفه فين.

قفل معاها وهي استغربت. رنت على يحي بس لقت تلفونه مقفول. افتكرت كلام أحمد والرسالة ودماغها تودي وتجيب. ليه قلقانة عليه؟ ممكن يتأذى عن طريقها. بس رجعت بذاكرتها ليوم الافتتاح. –إزيك يا روح؟ بصت روح لساندي بحنق وقرف. قالت بابتسامة: –اتغيرتي عن الأول. –بس انتي لسا زي ما انتي. يساندي رخيصة وشوفتك بس ليا بتحرقك. ابتسمت وقالت:

–لا مهو واضح. مش أنا اللي بحرق ده انتي. أصل جوزي منمش مع غيري وأنا أولى. تصدقي دي كانت أحلى ليلة في عمري. ضحكت روح. بصتلها باستغراب لتنظر لها من فوق لأسفل وتقول: –انتي صدقتي يا ساندي نفسك ولا إيه؟ هل يحي فعلاً يوم أما يجي يخوني هيخوني معاكي؟ –وبدام واثقة إنه مخونكيش سبتيه لي؟ –والله دي حاجة ترجعلي.

–معاكي حق. بس أنا مش جايه أفتح القديم. أنا جايه أقولك إنك تنسي يحي زي ما سبتيه. متفكريش ترجعي له. واللي معرفتيش أعمله وانتي في حياته هعمله وانتي براها. وهو مش هيشيل هم خيانة أو لأ. فكرة إنه يكون معاكي تاني يا روح مش هتحصل. اتصدمت. معقول تكون ساندي صاحبة الرسالة واستدرجته عن طريقها؟ بس هو فين دلوقتي؟ معاها؟ كانت مصدومة. اتصلت بأحمد. رد عليها. قالت: –أحمد تعرف تجيبلي الأماكن اللي تقدر ساندي تروحها وبتملكها؟

–ده وقته يا روح؟ إشمعنا ساندي يعني؟ ليردف باستدراك: –إنتي عايزة تقولي.. –آه. ساندي اللي بعتت رسالة. في مكان تقدر تروحه زي بيت مثلاً؟ كانوا هياخدوه أو مكان محدد تقدر تروح عليه؟ –هشوف. مشيت روح بسرعة. خرجت من الجامعة. ركبت تاكسي سريعاً. وبعد شوية أحمد اتصل عليها وقال: –لا ملقتش حاجة. بس فيه فندق بتاع أبوها. –ابعتلي عنوانه بسرعة. وفعلاً بعت أحمد العنوان ليها وتوجهت إليه على الفور.

فتحت ساندي أوضة بالكرت اللي معاها ودخلت. وقفت. قربت من السرير وحطت يحي عليه. التي لا يقوى على الحركة. قربت منه وهي بتبصله: –متعرفش أنا قعدت سنين بتابعك من بعيد. بشوف أخبارك كل يوم وأعرف إيه جديد عنك. قربت منه أكثر وقالت: –أشوف إذا كانت في واحدة دخلت حياتك ولا لأ. بس هي رجعت وأنا مش هسمحلها تفرقنا عن بعض تاني. قربت منه بحب وتلامس شفتاه. بصت له يحي والرؤية مش واضحة. بس تكونت صورة روح وهي بتبتسم له وتمشي بيدها على وشه.

مكنش مصدق إنها هي: –ر.. روح. سمعت ساندي الاسم اتضايقت. بس شافته أنه مش واعي وشايفها روح. فبالتالي هيستجيب معاها. –متعرفيش استنيت اللحظة دي قد إيه. استنيت إني أكون في حضنك انت وبس. حتى تخلي مقدرتش أسمع كلامهم وأوقف عن حبك. شايفينه جنون بس أنا فعلاً مجنونة بيك يا يحي. قالت آخر جملة مبين شفتيها وهي تقبله. والصورة اتوضحت ليحي وشافها هي مش روح. عرف إنه اتخيل. بعد وجهه عنها بضعف وهو بيقول: –ل.. لا. أ.. أنا مش كده.

–متخافش يا يحي. محدش هيعرف طريقنا أو يزعجنا. هكون أنا وانت وبس. مش هنبعد عن بعض تاني. –ا.. إنتي م.. مريضة. قالت بعصبية وانفعال: –أيوه مريضة. مريضة بيك وانت حقي وليا أنا وبس. قربت منه بحنان وقالت: –انت كمان بتحبني صح يا يحي؟ قولها متخبيش. مردش وهو باصصلها وحاسس بغثيان وألم. مالت عليه وهي بترجع شعرها لورا وبتبصله وبتمشي يدها على صدره وبتقول: –إنت وحشني قوي.

فتحت ساندي أزرار قميصه وهو لا يقدر على الحركة ليمنعها. ومش في وعيه. لكنه مدرك لذاته. رفعته قليلاً وهو بيميل بجسده عليها. وقلعته قميصه ونيمته تاني. وأصبح عاري الصدر أمامها. نظرت إلى عضلاته وعروقه. مشيت بأصبعها عليه وهي تحكه بأظافرها وبتخليه يحس بلمسها الناعم وتحاول اغرائه وتقول: –سيبلي نفسك. أوعدك إني هنسهالك. أنت مسبتليش حل غير كده. لو واحدة حاولت تاخدك مني أنا هقتلها. إنت ملكي يا يحي.

خلعت البلوز وأصبحت بتوب قط ضيق يبز مفاتنها. قربته ونامت فوق صدره وهي تنظر لوجهه وتلمسه بيدها. وقربت منه. بعد يحي وجهه بتعب. ابتسمت واحتضنته بحب وهي بتقول: –كان نفسي تبادلني الشعور اللي أنا حاساه دلوقتي وأنا في حضنك. بس مش مشكلة. المرة الجاية. –ل.. لا.. أنا م.. مش خاين. –خلاص يا يحي. مفيش حاجة بتربطك بيها. إنت مش هتكون خاين. إنت حبيبي أنا وبس. يعني مفيش غلط ومس هتخون حد. –لا.. روح.. ابعدي.

–ولا روح هتقدر تاخدك مني. سمعتني؟ إنت ملكي أنا النهاردة. افهم بقا. خلينا نعيش اليوم. هخليك تحبني بس اديني فرصة. حطت أيده على وسطها وهي تمشي بيدها على صدره بإثارة وتنظر لعضلاته. نامت فوقه وهو يحاول أن يبتعد عنها لكن لا حركة له. قربت من رقبته وزعّت وقبلته وهو مش في وعيه. بصتله وقالت: –بعد شوية والمفعول هيخلص. بس هتنام شوية. هكون شبعت منك. دخلت روح الأوتيل وتقدمت من الاستقبال. قالت:

–فيه غرفة هنا محجوزة باسم ساندي أو يحي؟ البنت كانت واقفة. ملامحها اتبدلت وعرقت. بصتلها روح ولاحظت تغير وشها: –لا والله ما فيش. تقدمت روح من البنت. لقتها بتمشي. أسرعت بإتباعها والبنت بتبص خلفها. مسكتها روح من إيدها. وقفتها قالت: –تعرفي هي فين؟ –هي مين؟ –ساندي. –ل.. لا معرفش حاجة. مسكتها روح من ملابسها. حامد وقالت بغضب: –قسمًا بالله لو ما نطقتي لهتشوف إيه هعمل. انطقي. –مقدرش. ده شغلي وخصوصيات. –شغلك مين يابت؟

واللي عملتيه اسمه شغل. –والله هددتني إنها هترفدني لو منفذتش اللي قالته. سكتت روح. تنهدت وسبتها وقالت: –ولو صاحب الفندق نفسه هو اللي قالك إنه مش هيرفدك بس تدلينا على مكانهم. بصت لها بدهشة. أشارت روح إليها. والفتاة انصدمت لما شافت بدر. قرب منها وقال بجمود: –قولي رقم الأوضة وهاتي الكرت وحصلينا. –حا.. حاضر. وفعلاً مشيت سريعاً لتنفيذ أوامره. بص بدر لروح. فهي من اتصلت به وأحضرته. قال:

–عارفة لو قولتي كذب وبتتبلي على بنتي أنا مش هسكت وهندمك جامد. وانسى إنك بنت صاحبي. –بتمنى يكون كدب. لأن بنتك بقت تخوف. أظنك مدرك ده بنفسك وإلا مكنتش جيت. سكت ومردش. وبعد قليل جت الفتاة. خدت روح الكرت ومشيت. في الغرفة كانت ساندي تقترب من يحي. كان يشعر بالضيق الشديد والدوار. نظرت إليه بعدين قربت منه وهي تمسك بوجهه. قالت:

–عايزك تعرف إن انت الوحيد اللي عملت كده عشانه ومهتمتش بنفسي. إنت اللي اتنازلت عن أي حاجة عشان يكون ملكي. صدقني محدش هيلمسني غيرك. كانت قريبة جداً منه حيث لم يفصلهما شيئاً. وبتبصله بتوهات. قربت من شفتاه ولامستهم. بس في لحظة كان الباب اتفتح باندفاع. غضبت جداً قالت: –أنا مش قلتلك محدش يزعجنا.

لفت واتصدمت لما شافت روح. إلى بصتلها بشدة. وبصت ليحي النائم مش في وعيه. غضبت جداً وقربت منها بسرعة ومسكتها من شعرها وهي بتبعدها عنه. صرخت ساندي بتألم. فقامت روح ضربتها بالقلم بعز ما فيها وهي بتقول: –آه يا وسخة! جايباه هنا عشان تقربيله؟ غضب عنه. –آه سيبى شعرى يا حيوانة! أنا هوريكى. ولسا هتضرب روح. مسكت أيدها وعوجتها وهي بتقول:

–روح بتاعت زمان ماتت يا روح. أمك مبقتش الهبلة اللي يضحك عليها. قسماً بالله لو قربتيله تاني هقتلك. سمعتيني؟ –ابعدي يابت. فكراه هيرجع يفكر فيكي وانتي اللي سبتيه. افتكري إنه خانك في الأول وفي الآخر ووجوده هنا أكبر دليل. ابتسمت بسخرية وقالت: –لا مهو واضح إنه جاي برضاه فعلاً. بعدين متقلقيش. إحنا مش هنشوف وشك تاني. استغربت جداً. وسمعت صوت فجأة من برا. اتصدمت لما لقت البوليس جت. تمشي. قبضت روح على يدها وهي بتقول:

–ده البوليس. بس هما هيودوكي للمصحة. بعدتها ساندي عنها ومشيت. بس مسكوها. صرخت وهي بتقول: –ابعدوا عني. هوديكم في ستين داهية. متعرفوش أنا مين. بس سكتت فجأة لما شافت ابوها واقف بيبصلها وعينه مدمعة وحاسس بالذل والإهانة. قربت روح من يحي. بصتله بحزن قالت: –انت كويس؟ –ر.. روح. ا.. أنا.. مخونتكيش. ا.. قاطعته بهمس وهي تقول: –ششش. إنت متعملهاش.

بصتله وهو مش واعي. حطت دراعه على كتفها وسندته على الوقوف. وكان ثقيلاً عليها. خدت قميصه ومشيت. بصتلهم ساندي وقالت بغضب شديد: –راحة فين؟ مش هسمحلك تاخديه. سمعتيني؟ يحي ملكي أنا وبس. متروحيش معاها يا يحي. وقفت روح بغضب وبصت لها وهي تريد أن تبرحها ضرباً. أوقفها يحي وهو يقول بضعف: –س.. سيبها يا ر.. روح. متسمعلهاش.. يلا نمشي.

كان ينظر إلى ساندي بضيق وشفقة. بصت له روح وأومأت له وأخدته ومشوا وهي سنداه. وساندي تصيح بهم غضباً وجنوناً: –مش هسيبك يا روح.. هقتلك. خدها البوليس. بس وقفو لما بدر قرب من ابنته وبص على ملابسها. سرعان ما صفعها بقوة. اتصدمت ساندي. بعد وجهه عنها. قالت بحزن: –بابا... –خدوه. ده لمصلحته. خدوها. ومشيت وهو تناديه وتهتف بيحي بجنون. ويحزن على ابنته وكيف وصلت لهنا من حبها الجنوني الذي أصبح خطراً على الجميع ويجب أن يضع حدا له.

دخلت روح يحي العربية بتاعته. إلى لقتها وهي في طريقها ليه. وكان في الشارع الخلفي. عدلته ولبسته قميصه. وهي تمنع عيناها أن تنظر له وهو عاري الصدر. كان بدأ يفقد وعيه. قالت: –يحي.. خليك معايا. بيتك فين؟ –ن.. نسيتيه.. ي.. يا روح. قالها بصوت ضعيف. بصتله باستغراب. لتتسع قدحتا عيناها. فهل يقصد البيت الذي جمعهم لمدة قصيرة ثم افترقا؟

استغربت لأنه قادر يعيش في فيلا. أيوه البيت مش وحش. بس هو رجع أحسن من الأول. كملت طريقها وهي متوجهة إليه. لحد أما وصلت. نزلت وهي تسنده. بصت على البيت وافتكرت لما جابها هنا أول مرة. تنهد ودخلت. وحين وطأت قدماها داخله بصت للمكان. حست بالحزن وقالت: –إنت.. إنت لسا قاعد هنا؟ –غ.. غبي مش كده. بصت له من ما قاله. ليكمل: –معرفتش أسيبه. عيشت بتعذب فيه وأنا بفتكرك. بحاسب نفسي على غلط أنا معملتوش. لحد ما وصلت للي أنا فيه.

دمعت عينها. تقدمت به لغرفتهم التي تتذكرها. حاولت أن تمنع ذكرياتها وغبار الحنين الذي يصطدم بأعينها. نيمته على السرير برفق وعدلته. قلعت له الجزمة ومسكت الغطاء ورفعته عليه ليدفأ. بصتله شوية لملامحه. بعدين مشيت. بس يحي مسك يدها بيوقفها: –متسبنيش. بصت له. تلك الكلمة قالها من صميم قلب يحي الذي تعرفه وليس بروده الذي يخدع به الآخرين. –ليه بعدتي عني؟ ليه سبتيني في عز ما أنا محتاجلك؟ ليه آذيتيني زيها؟ ا.. أنا حبيتك بجد.

سكتت وهي مش عارفة تقول إيه. بس حست بغصة في حلقها وجزت على شفتاها بحزن. –أنا مريض بسببك. بصله بشدة ليكمل:

–أنا مريض بيكي يا روح. نهيتيني ونهتيني معايا. كان.. كان نفسي في حياة عادية. حياة بسيطة ملهاش غيري أنا وإنتي وبعيد عن كل دي المشاكل. كان نفسي أعيش مرتاح زي بقية الناس. بس الراحة ملقتهاش من وأنا صغير. وكأنها مش مكتوبالي. بس هانت. ملقتش الراحة هنا. جايز ألاقيها في مكان تاني. هيفضل العذاب بس اللي ملاحقني بقية عمري. حتى الموت مخترتهاش. ومفيهاش راحة. بالعكس أنا هتألم في كل يوم بيمر عليا لحد أما وقتي يجي وأرتاح. تفتكري الراحة كتير عليا؟

قربت منه وقالت: –هترتاح يا يحي. بس متقولش الكلام ده تاني. –أوقات بسأل. هتزعلي عليا ولا كرهك هينسيكي حبي ليكي؟ بصت له بشدة وقالت: –بس يا يحي كفاية. أرجوك. ليه بتتكلم عن الموت؟ بعد الشر عليك. كل حاجة هتبقى كويسة. أوعدك. أنا مبكرهكش والله. –طب ليه؟ مدام مبتكرهنيش بتعملي فيا كده ليه؟ مبقتش عارف بتخليني ولا بتكرهيني. ولا إنتي هنا دلوقتي مجرد إنسانية؟ مبقتش عارفك. تفتكري ممكن نرجع من تاني يا روح؟ بصت له وسكتت.

بعد أيده عنها وقال: –شبه مستحيل. جوايا حاجة ناحيتك ماتت. ومبقتش زي ما كانت. دمعت عينها بحزن من الذي قاله وشعرت بخيبة. وكأنها بالفعل كانت تأمل عودتهم. لكن رأت ذلك حلماً لكل منهم. لكن لا يستطيعون البوح به. بصت له وهو بيغفو. بعد أما أنهى طاقته. قربت منه وكانت تود أن تلمسه كالسابق. لكن يدها تجمدت ولم تستطع. تنهدت بقلة حيلة. وبعدين اعتدلت في وقفتها وغادرت.

بصت على الشقة. سالت دمعة من عينها وهي بتفتكر كلمات يحي المنكسرة وحديثه عن الراحة والأذية التي سببتها له. لكن عينها وقعت على مكان ما كانت جالسة وتهتف به بانفعال عن خيانته. وهو يبرر لهم ومشاجرتهم التي انتهت بتركه وحيداً. تنهدت وبثت قدامها ومشيت. فهذا لم يعد مكانه. نزلت شافت أحمد بيركن العربية وبينزل. بصلها من وجودها هنا. مشيت دون أن تنطق ببند كلمة.

بعد مرور أربعة أيام. في أحد المستشفيات. كان في رجل يرتدي معطف أبيض ويبدو عليه الوقار. وخلفه خمسة دكاترة مبتدئين. وكانت روح من ضمنهم. قربت نرمين وقالت: –أحلى يوم أما يكون علينا تدريب. –أنا ابتديت أخاف منك وأنا واقفه جنبك وإنتي باصة للدم وكأنه حاجة عادية. –أحلى حاجة تخصص الجراحة. –دموية. –عارفة. ابتسموا الاثنان وتابعوا سيرهم بصمت. والطبيب يلقي خطابه للجميع. بس روح وقفت فجأة. بصت لها نرمين وبصت هي. باصة على إيه؟

واتفاجأت لما شافت يحي. وكان خارج من المستشفى بجمود ويرتدي نظارته الشمسية. –مش ده يحي؟ كانت روح بتبص له وهو بيركب عربيته. قالت: –كان بيعمل إيه هنا؟ –ممكن عيان ولا حاجة. يلا نكمل. –عيان؟ قالتها روح باستغراب. بس دب في قلبها القلق. فهل معقول أنه أتى إلى المستشفى لنفسه؟ إلى هو مريض؟ استأذنت من الطبيب أن تذهب إلى الحمام وستعود. وافق وأخبرها أنه سيكونون في قسم العيادة. أومأت له وذهبت. راحت روح مكتب الاستقبال وقالت:

–كنت عايزة أعرف "يحي إبراهيم الفاخرى" مريض هنا. –بس ده خصوصيات. ما نرضى مينفعش نطلع عليها أي حد. –أنا دكتورة متدربة. وابقى مراته. اتفاجأت الفتاة بشدة وأومأت وهي تقول: –هشوف. دورت في اللائحة. بس نفيت. وقال: –لا بصراحة. استغربت روح. بس اطمأنت لتجدها تكمل: –ممكن تشوفي في الكشوفات إنه جه مجرد زيارة. مش مريض أساسي في المستشفى. –آسف على دخولي. بس ممكن أشوف الكشوفات لحظة؟ مش هاخد وقتكم كتير. بصوا لها باستغراب. قال أحدهم:

–وإنتي عايزة تشوفي مين؟ –يحي إبراهيم الفاخرى. استغربوا وكأنهم مسمعوش الاسم ده. دور في الكشف ونفى وهو بيقول: –لا مفيش. استغربت جداً. كانت هتمشي. قرب واحد منها وقال: –تعالى. خرج. بصت له باستغراب وتبعته. قالت: –حضرتك تعرف حاجة عنه؟ –آه. بتسألي عنه ليه؟ قالت بتوتر: –هو.. أصلاً شفته خارج من شوية. فكنت عايزة أعرف لو كان مريض ولا حاجة. وبيعمل إيه هنا. أومأ لها بتفهم. قال: –كان عندي. بصت له بشدة. فقال بتفسير:

–أنا الدكتور اللي بتابع حالته. –حالته!!! ليه هو عيان؟ استغرب ورفع حاجبه باستنكار وقال: –آه. تعرفيه منين؟ إنتي حد من عيلته؟ سكتت شوية وهي مش عارفة تقول إيه. بس أومأت برأسها بمعنى أجل. ثم قالت: –هو عيان ماله؟ –أمم. شكل فعلاً محدش يعرف بحاجة زي كده. –حاجة إيه؟ –إنه عنده ورم في المخ.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...